مسرحيه سلاحف على مركب من ورق


تأليف: بلعيد بن صالح أكريديس
***********
الديكور : ظهر مركب عائم محاط بالأمواج
الزمان : أمسية رعدية من تاريخ أسرة آدم
الشخوص :
سرحان: في الثلاثين من عمره،نحيف، لباسه متهرئ يحمل رزمة من الثوب على ظهره.
القبطان: يتجاوز الخمسين يرتدي ملابس تجمع بين لباس القراصنة وقبطان بحري. معطف طويل مرصع بالنياشين المتعددة قبعة وحذاء طويل.
البحارة : ملابس رثة، شبه عرايا، الأوساخ تغزو أجسادهم، منهكون، يضعون أغطية من البلاستيك على رؤوسهم ومشدودة بحبل للخاصرة
البحار(أ): يبدو أضخم من الآخرين.
البحار( ب): نحيف طويل القامة.
البحار(ج): قصير القامة.



1 – أمسية رعدية:
( يسمع هزيم رعد قوي ،هدير الأمواج المتلاطمة، هزيز رياح قوية، صوت استغاثة من بعيد، البحارة يصارعون قوة الرياح التي تحرك الشراع بقوة)
البحارة : (ينشدون) لا تخطئوا مرة ثانية يا أسرة آدم
فالمركب راحل،
أصواتكم تضمحل،
تحملتم، قاسيتم، عانيتم،
تاريخ مهزوز مبتل.
سيداتي سادتي هذه سفينة الإعتاق،
اخترنا من كل كائن زوجين،
و أنتم قررنا عزلكم بالغربال،
شروط القبول:
وسيم، جميل و ظريف، وديع كحمل رضيع،
وسجل عدلي نقي.
(يزداد صوت الأمواج، وميض البرق يضرب في كل الأركان. البحارة يحاولون إحكام القبض على الحبال المتناثرة، طلب الاستغاثة يتصاعد)
سرحان: (صوت خارج المركب)يا أهل المركب ..أنا هنا
البحار(أ) : (ينظر في اتجاه الجمهور) أسمعتم صوتا؟
البحار( ب): لا أحد يتحرك، أحلامهم هشة، رشة ماء وكل شيء اختفى
البحار(ج) : أذناي لا تخطئان، إني أسمع صوت شخص يستغيث ..
سرحان : أنا هنا يا مركب التعب والغضب والأخطاء..
البحار( ب): أحيانا أنا أسمع ما تسمعون وأحيانا لا أسمع ما تسمعون، وأحيانا أسمع ما لا تسمعون، و أحيانا أنا لا أسمع وأنتم لا تسمعون وكفى بالمؤمنين قتالا.
البحار(أ) :دعك منه، لو رخصنا لهم بالصعود لغرقنا كلنا،
سرحان : أنا هنا يا من يمتطون ركحا لزجا، أنا هنا
البحار(ج): انظروا يمينا (يتجه البحارة إلى اليمين)بل يسارا (يخرج شيئا مبللا)
لا خوف عليكم إنها كرة قدم بالية تتقاذفها الأمواج
البحار(أ) : بل هيكل عظمي ..يحتضر،…اعتقد انه مازال حيا، نقدوه'' إلى باقي فيه ما يدار".ارموا الحبال.
(يرمون الحبال ، سرحان يصعد على ظهر المركب،مبللا ،منهك القوى)

2 – الديوانة
(يوقفه حارس المركب)
البحار(أ): بطاقتك من فضلك
سرحان : (يخرج بعض الأوراق مبللة، يسلمها للبحار)
البحار(أ):غير صالحة عد من حيث أتيت
سرحان : أرجوكم ،كاد الحوت أن يبلعني..
البحار( ب): معلومات غير كافية ولا تحمل إمضاء رئيس الدائرة التي تقطنها
البحار(أ): (يتفحص الأوراق ويحاول قراءتها)
سرحان : ثقوا بي إنه دائما غائب، بقيت أنتظره حتى اختفى المكتب والأوراق، تجاوز الماء ركبتي، حتى وصل إلى عنقي، لولا رجلاي الرقيقتان لابتلعني الماء وهيئني طبقا دسما للأسماك..
البحار(أ): أولا أنت لست سمينا.. ولا تصلح للأكل.
البحار (ج): لغو، حشو، إطناب في اللغة وعلم الكلام
البحار( ب): ألم تسمع الإنذار من قبل؟
سرحان : كثيرة هي الإنذارات التي تمزق طبلة أذاننا حتى لم نعد نفرق بين جديتها من هزلها.
الحار(أ) : إذن أنت تشك في مخططاتنا.
سرحان : نيتي سليمة أيها البحار الشهم ...أعني هناك ما يسمى عندنا بالأوراق الإدارية: شهادة السكنى وشواهد الازدياد واثنا عشرة شاهدا ،ملف حسن السيرة، تصحيح أخطاء أسماء أبنائي التي ارتكبها محررو مكاتب الحالة المدنية الأولون، جلسة في الابتدائية ثم الاستئناف والاستنطاق والترصد والتربص، وزوجتي الحبلى والبطون الجائعة التي في ذمتي، قضيت مدة من الزمن من أجل الحصول على اعتراف أو وثيقة تثبت فعلا انتمائي لأي كان، بطاقة تحتاج عند البعض لمكالمة هاتفية عابرة.
البحار(أ): وباؤكم خطير الانتشار، فاتك الأوان يا خرقة بالية، كل من تعطل حصل ؟
سرحان : من المسؤول عن العبور؟
البحار(ج): أنا أنوب عن هّذا (يشير إلى الثالث).. وهذا ينوب عن....
سرحان Sad يخنق البحار(أ)) دعوني أمر وإلا رميتك في القاع وتنتهي أسطورتك كحارس على ظهر هذا المركب
البحار(أ): هذا ما أمروني به، كل من لا يحمل بطاقة صالحة، ليس بها خدوش، ولا تحمل طابع الرضا فهو ملزم بالعودة إلى الماء..
البحار(ج): من فضلك انزل، أنا الذي اكتشفت أنك كنت تغرق.. إذن انزل..
سرحان : نحن بعيدون عن البر بعدة أميال، انتظروا حتى نصل لليابسة وسأنزل وسأرد لكم الجميل ..
البحار(ج) : اليابسة؟ يابسة؟ لم نسمع قط عن أي شيء من هدا القبيل
البحار( ب): أنت تحكي عن زمن الخرافات والحكايات الخيالية
سرحان : هناك يابسة وتعيش عليها بعض العقليات أعقم من فهمكم
البحار(أ) : تريد أن تدخل "صحة "، أيسرك أن نطرد من عملنا؟ ونحن الذين دفعنا من أجله كرامتنا و تدخل زوجاتنا
البحار(ج):لا بأس لنتفاهم، فنحن جياع وقلقون (يهمس في أذن سرحان) وضائعون، انظر إلى جلدة بطوننا، سنسقط، نحن متعبون ....
سرحان Sadيخرج حبة جزر، يخطفها البحار(أ)، يلتهمها دون مضغ حتى يسقط مغشيا )

3- جلسة ثعلبية
(رنين ناقوس تتبعه موسيقى قوية، البحارة يرفعون رؤوسهم إلى السماء)
البحارة : ارم، افتح منقارك، غَنِّ يا غراب، يا أبيض اللون، يا لون الصوف والثلج، ارم "الفرماجة" و احمينا من غضب الموج، إرم الجبنة..
سرحان : يا جماعة لا غراب فوق الشجرة، لا جبن، لا عسل ولا سمن........
البحار(أ): ارفع رأسك إلى السماء يا أعمى، أرأيت تلك النقطة البيضاء، آه عفوا السوداء
سرحان : الجبنة لونها أبيض، والأسود هو لون الغراب
البحار (ج) : رُحْ إلى حال سبيلك يا أحمق، قلنا وقررنا ولا رجعة في قرارنا، الغراب هو الأبيض و الجبنة هي السوداء . وكل يلون أنفه كما يحلو له، هل فهمت؟
سرحان : لا أرى إلا عيونكم الساقطة على خدودكم، السماء زرقاء صافية والفضاء خال، أنا في حاجة لمن يرشدني
البحار (ب): تريد المساعدة ؟
البحار(أ): إذن فلنترك الجبن والغراب ولون السماء، كم في جيبك؟
(يحومون حول سرحان)
سرحان : (يخرج من حقيبته باقة من الورود)
البحار (ج): ما هذا ؟ (يشم ويسأل البحار ''ب''الذي يبدي علامة استفهام)
سرحان : ورود تزيل عنكم الروائح النتنة الجاثمة عند منافذ أحلامكم
البحار (ب)Sad يرمي الورد) لا تصلح لشيء
سرحان : تهدى للأحبة لجلب المودة وتزين بها البيوت وتعطى للعشيقات
البحار (أ): لسنا بحاجة لروائحك الطيبة و ليس لدينا عشيقات كي يقبلنها
البحار(ج) : و بدريهمات معدودة يمكن لأي شخص مهما كانت مكانته أن يقضي أسعد الأوقات بين اللحم المدهون بأبخس الكريمات.
سرحان : (يخرج قطعة خبز) ما رأيكم ؟
البحار (أ) : نحن في خدمتك يا إمبراطور، يا سلطان بابلون، يا عفريت سيدنا سليمان، ارم...
(سرحان يرمي القطعة البحارة يتشاجرون بعد برهة يفوز البحار (أ) بالقطعة)
البحار(أ): والآن يا بدر الزمان أنا في خدمتك(يتناول القطعة ومبتعدا عن الآخرين)
سرحان : أبحث عن الدفء عن الهواء النقي، وحياة كريمة..
البحار(ا): قصتك عويصة وهديتك إذا أمكن أن نسميها هدية، وهي بالطبع لن تكفيني لأني ضيعت من أجل انتزاعها أظافري. والله لو لم تكن مبللا لما سمعت كلمة من جعبتي. أنظر إلى تلك المقصورة المضيئة، قاطنها هو صاحب هذا المركب الذي نقيم أنا وأنت تجمعا فوق ألواحه بدون رخصة
البحار (ج) : يمنع منعا كليا أي تجمع يفوق شخصين، وكل من خالفه فسيبيت في بطن الحوت
(البحار(ب) يقترب من البحار(أ) ليأخذ قطعة من الخبز، يراوغه)
البحار(أ): هذه من أرفق العقوبات، يستطيعون وبكل سهولة اتهامك بأنك تعد لقلب نظام هذا المركب، وتسعى لتغيير إيقاع الأشياء كما فعل بعض الدخلاء من قبلك
سرحان : هل سبقني أحد هنا؟
البحار(ج): كفى لقد خرجنا عن الموضوع، فلنبسط الأمور، اشتر ثورا
سرحان : أني لا أملك ولو مليما واحدا
البحار(ب): اشتر خروفا
سرحان : جيوبي أفرغ من بطن حمار افترسته الكلاب في زمن الجفاف
البحار(ج): اهدأ و هدن، هذه المعلومات عرفت تضخما أكبر من أثمان الحليب والزيت والسكر..
البحار (أ): دور معنا، فحلوقنا جفت..
(سرحان يوزع عليهم خبزا وبعض الجزر،يأكلون كل واحد في ركن، يحاول إخفاء ما لديه )
البحار(أ): اشتر ديكا أسودا
البحار(ب): أو ابيضا وحتى اصطناعيا
البحار(ج): أو بدون انتماء
سرحان : أتمموا إني أصغي .
البحار(ا): علق في عنقه ورقة تحمل اسمك و عنوانك وارميه داخل المقصورة ليلا
البحار(ب): واحذر كي لا يراك أحد
البحار(أ): فالرشوة المكشوفة منعت بقرارات حكومية
البحار (ب): يعني أستر ما ستر الله، تم انتظر حتى يصل دورك..
سرحان : كل هذا المراطون من الكلام الفارغ من أجل ...؟
البحار(أ):... أن تحصل على رخصة للقائه، لأن الذين يعرفون من أين تأكل الكتف أهدوا حلي ومجوهرات وعقارات ...و نساء....
سرحان : يعني أن أقدم رشوة لكن تكون بالسترة .....
البحار(ب): لا، لا نحن بريئون مما يخرج من فمك، يمكن أن تسمي هذا طاعة أو شكرا أو ولاء، طلب حماية أو الحصول على حصانة.
(البحار(ج)يعود لمراقبة السماء يشير لأصحابه بالانضمام له)
سرحان : هل سقط الغراب من فم الجبنة آه عفوا الجبنة من فم الغراب؟
البحار(ب): لاشيء مضروبة في لاشيء كم تساوي؟
البحار(ج): طبعا تساوي شيئا.........
البحار(ا) : هذا مكتوب والمكتوب في يوم ما سيمر، إنما الله وحده يعلم متى..
البحار(ب): فطاعة أولياء الأمر واجب ومن تخلى عن الواجب مصيره بطن الحوت.


4-في حضرة معالي القبطان
(سرحان يقترب من المقصورة وينادي)
سرحان : والقبطان ، واسي القبطان
القبطان Sadيخرج من النافذة ويفرك عينيه من الإفراط في النوم)
من أين حصلتم على هذه الخرقة البالية، المبللة، الساردة؟
البحار(ج): كان يغرق، تم بدأ يستغيث تم صعد واستعطف.....
القبطان : نعم، رق قلبكم وفتشتم جيوبه كالعادة وشرحتم له عن الرضا والسخط. (يصرخ في وجه البحارة) كم أخذتم منه مقابل جوعكم يا صراصير؟
البحار (أ) : جيوبه فارغة يا قبطاني، حبة جزر و "دغمة" خبز، قلنا له انتظر حتى يستقبلك القبطان. تم قلنا مع أنفسنا ربما يصلح لشيء ما .
القبطان : (يتفحصه ويلمسه بعكازه) لأي شيء سيصلح، نصنع منه نقانيق؟ نسبة العظام لديه تفوق ثمانين في المائة، لمسه يدمى الأيادي. حسنا كم بقي في جيبك؟
سرحان : (يخرج حبة طماطم)
قبطان : فتشوه (للبحارة)
سرحان : (يخرج سيجارة، يناول القبطان)
القبطان : أشعل...
(سرحان يشعل السيجارة ويضعها في فمه، القبطان ينزعها منه بقوة ويبلعها بشراهة).
القبطان : ما اسمك؟
سرحان : سرحان
القبطان : إلى أين تسير يا صعلوك، من أين أتيت والى أين تتجه؟
سرحان : (حالما) ازددت في فترة صباحية مغلفة بدفء الصبا، وقبل أن يستيقظ الورد، كان هديل الحمام يعزف سمفونية بديعة، فجأة فقدت الأرض خضرتها وعذوبتها، اختفت أشعة الشمس، صوت بدأ يكبر داخل صدري
(وميض البرق مصحوب بموسيقى صاخبة، البحارة مفزوعين يجرون في كل مكان ).
صوت : ابحث عن الخرائط الممزقة، عن أسماء الجبال المتلاشية، عن ذاكرتك المشلولة، عن صفحة بيضاء ومداد أحمر، أوقف قهقهة هذا القرن المسخ
(سرحان يتجه نحو الضوء الساطع ويعرض وجهه ، تهدا الموسيقى، ويختفي الضوء)
(يجره القبطان ويرميه ارضا)
القبطان. : إنك تهدي، هنا عليك الامتثال للأوامر التي تفتى عليك من طرف أولياء الأمر، يا أعضاء المجلس الموقر( يكون البحارة دائرة) هذا صعلوك غريب التجأ إلينا، ما رأيكم نقبله أم نرميه إلى الماء؟ (لحظة استشارة)
الحار (أ) : ولماذا لا نقبله وهو بشر مثلنا في اعتقادي الشخصي ..
البحار (ج) : انظروا أنفه كأنوفنا ،هناك فرق بسيط خدودنا حمراء وخدوده صفراء
البحار(ج): دعونا من الشكليات انظروا أولا إلى لباسه وهيأته ثم احكموا، ثم قرروا..
البحار (ب) : إذن سيغسل لي مراحيضي
البحار (أ) : بل سيحرسني بالليل والنهار
البحار (ج): بل سيعد لي طعامي
البحار (ب): بل نجعل منه وقودا ندفئ عليه أجسادنا إذا عاد الصقيع
القبطان : أيها السادة، حضرة الأعضاء المحترمين، نقطة نظام، نحن دائما كقطيع خرفان تائهة، أمورنا يلفها الغموض وتجمعاتنا كلها ضجيج، نخبط ونعجن بدون رقيب ولا حسيب، لأن البعض يفضل التجديف وفي آن واحد، لكن أنا وهذا رأيي و يجب أن يطبق باحترام حسب ما تسمح به كتبنا المقدسة والقوانين التي صوتم عليها. علينا أن نقسم أشغالنا وحاجياتنا على الشكل التالي: طبقة تتكلف بالمجداف، طبقة ثانية تصطاد السمك ومن الضروري أن يكون ما يكفي لكل واحد منا حسب شجرته العائلية ومنصبه الإداري وانتمائه ودرجة ولائه والخدمات التي يقدمها من أجل الصالح العام. أما المجموعة الثالثة وهي المسؤولة العليا، ستخطط، ستبحث ستشجع الناس، تأمر بهذا وتنهي عن هذا،وهي التي أوصت عنها كل الكتب السماوية، في هذه المرة سأتنازل و لن أضع العصا في العجلة....
البحار(أ) : وهدا يتمثل كما لاحظنا في معاملاتك المتواضعة إزاء هذا الغريب منذ البداية
البحار(ب): والدليل أنك أعطيت موافقتك الحكيمة على قبوله بيننا،
القبطان : يجب أن يمشي المركب ورفعت الجلسة

5-السواكن
(يسمع رنين ناقوس قوي ، البحارة يهرعون في كل اتجاه، يهرولون، يرقصون على إيقاع موسيقي نوع *السواكن'' مكونة من ناي و بنذير، يضعون الأغطية البلاستكية الملونة على رؤوسهم، مشدودة بحبال لخصرهم من الخلف كأذيال حيوانات. يلصقون رؤوسهم على بعضهم بعض) .
سرحان : يا قبطان إني أتساءل من الذي أمر بوضع هذه السطول فوق رؤوسكم ؟ وأصبحتم ألوانا متنافرة، وعند سماع رنين الناقوس هرولتم وازددتم اختلاطا حتى أصبحتم مسخا.
القبطان Sad يطل من تحت الغطاء اكبر حجما من البقية)
لسانك طويل ألزم حدودك، لا تتدخل فيما لا يعنيك، إنها قدر ونصيب..
سرحان : عقول صلبة متحجرة، تخرجون إلى هذه الجرداء عرايا و حين تتذوقون ثمارها تمتصون دم كل من يهب ويذب، أي رؤية تستطيع أن تفسر لنا كنه ما نعمل على ظهر هذا المركب؟ يكون الإنسان مطرودا وحينما يحصل على حقه تزداد أطماعه ويطرد الآخرين؟
القبطان : يا صعلوك النحس أنا لم أخلق لأفسر ألغازك.. بعد قليل كنت تستنجد وها أنت اللحظة تحاول دخول البرلمان، أنت الدودة المريضة، سخنت ولمسك الدفء..ضع سطلا واختر اللون الذي يناسبك، فبعد قليلا سينزل الظلام وستظهر عاصفة هوجاء ربما تأخذنا إلى قاع المحيط
( يزداد الإيقاع، يرقص البحارة مرتعدين، يقدمون قربانا متكونا من عدة فواكه)
البحارة : لم نر شيئا، لم نسمع شيئا، هذا لا يهمنا، نريد سلاما اذبحوا من تشاءوا واقتلوا من تشاءوا ، هذا لا يهمنا نريد أمنا، نريد سلاما، وحماية من تحتها، نحن معكم أو معهم، مع البعض، مع الكل، نتآمر خوفا من ضربة الصهد
( سرحان يقترب من الفاكهة، يهم لأخذها)
القبطان : ضع القربان مكانه، إنها له، إننا نتبرك بقدومه
سرحان : أتريد أن ترقص وتبحر وسط هذا اليم بهياكل عظمية جائعة، ألا يوجد واحد من بينكم لم تجتذبه هاته الفواكه الطيبة؟
القبطان : إن فتح أبواب المركب على مصراعيه واحتضانه لنا سيضمن لنا صيدا غزيرا
سرحان : أنا أرفض البتة أن يأخذ أي قربان..
البحار (أ) : أتعرفه ؟
القبطان : (يضربه البحار بسوط) ضع سطلك و زم فمك...
سرحان : انه يأخذ كل شيء وبدون مقابل، بدأ بالزفت الذي يستعمله لبناء أساطيله حتى وصل إلى أفكاركم التي يفرغها من محتواها ويرسلها لكم، نصيبكم أكياسا من الدقيق النتن وحين تفرغ تصنعون منها سراويل لستر عوراتكم .
القبطان : وبماذا تريد أن نستر عوراتنا؟ بثيابك البالية وأفكارك الفاشلة؟
سرحان : بأوراق الشجر كما فعل أبونا آدم ....
القبطان : لم نعد قادرين على الصداع . نريد سترة
سرحان : تحلمون بصعود الجبال و أنتم بدون نعال ،
القبطان : (يصعد فوق علو ،شاهرا سوطا)هذا مركبي ولا يحق لأحد أن يتدخل في شؤوني ( يحلم ) انتظر وصوله، يثني علي يحييني، يشكرني، أحب أن يضع يديه على كتفي ويربت، يداعبني...
سرحان : تنتظر الذي لا يأتي أبدا ( يتجه نحو الفواكه)
القبطان : ابتعد عنها، ضع سطلا و إلا رميتك إلى الماء
سرحان : (يخرج خريطة من حقيبته) انظروا
( البحارة يتجهون نحوه ويصطدمون فيما بينهم)
البحار (ب) : لا نرى شيئا
سرحان : انزعوا الأغطية
( ينزعون الأغطية، يستنشقون الهواء بقوة. سرحان يعلق خريطة كبيرة على الجدار، بيضاء خالية من أي كتابة أو رسم)
القبطان : إنها مزيفة، مزقوها، تنقصها كثير من الأشياء، أين الحدود ؟
سرحان : بل هي الأصل، فمن ذا الذي صنع الحدود وفرق البشر؟ من صنع المبادئ والقيود، من حلل أكل الإنسان للإنسان، وكتب التاريخ حسب أهوائه ؟ إنهم أقوياء للغابة، حتى أصبحنا نعتقد أن كل شخص يبعد عنك بشبرين هو من جنس أخر. لم يكن للحدود من معنى من ذي قبل، حتى جاء هذا الحيوان الناطق وغزا هذه الأرض.
القبطان: إطوِِ ورقتك المشؤومة يا سرحان.
سرحان : كل ما تحلمون به موجود هنا، من هنا سنبدأ الرحلة، كمدخل سنفتح شهيتنا بتفاحة حمراء، ننتظر هضمها، سيسري الدم في عروقنا، يدق باب المخيخ، ينتفض شعر الرأس، تهتز الأوصال..
القبطان: انزعوها منه إنها وصفة مسمومة، خرافة
سرحان : إنها أعظم وصفة جربت ونجحت بنسبة عالية، أولا ندمر كل شيء، نعيد قراءتها من جديد، منذ أن ضيعتم مفتاح الحكمة والتعقل وأنتم تستغيثون، عيونكم جاحظة، تظنون ''بزقه'' الدجاج ريالا، أصابكم وباء خطير،تتقنون منذ الأزل فن التباكي والعويل..
القبطان: اتركها كما هي على الأقل لا تزد أي حرف، (للبحارة) انزعوها منه..
( تحاول المجموعة الاقتراب منه)
سرحان : (يخرج سلاحا) إياكم أن تلمسوها سيصيبكم مس
(يبتعدون، يعيدون الأغطية على رؤوسهم، يجلسون أرضا ككلاب أليفة).
القبطان : ارم سلاحك، لم يتعودوا على رؤية سيلان الدم، ستوقظ زعطوط للضرب بالحجر، مزقها كفانا فتنة، إنهم أقوياء، سيحاصروننا
سرحان : لقد تفننوا في صنع الجوع، وجعلوا مركبك دلولا، هاهم يصدرون و باسم العالم الجديد والقانون الدولي وتحت إشراف حكمائهم البارعين وتحت ستار الأخوة والصداقة موديلات من فن الخراب.. يتقنون صنع الأعداء الوهميين يضعونهم في مواجهتك ليدخلوا دارك من الباب الخلفي.
القبطان : إننا نحترم أنفسنا ويجب أن نحترم المعاهدات التي قبلنا دون ضغط وهناك شهود على ما أقول.
سرحان : كفاك كذبا على نفسك، الكل يعرف أنك مرغم والمعاهدات ستقبلها أبيت أم شئت، وحتى دون استشارتك..
القبطان : لقد صوتنا وبنزاهة على كل البنود.
سرحان : أضحكتني، النزاهة؟ متى التقيت بالنزاهة ؟(يشعل سيجارة ويبدأ في ابتلاعها)
القبطان : (يقترب من سرحان يجلس قربه مترددا، يتناول منه السيجارة خلسة) أنت تحرجني أمام بحارتي، أرجوك نحن أصدقاء وتشاركنا الدخان، لا تمزق حجاب السترة الذي يظللني (يشير إلى الجمهور).
سرحان : هؤلاء يعرفون كل التفاصيل بدقة، و ما تركوا منازلهم لحضور هذا الإعصار الذي يحمل المركب إلى حيث لا يدري أحد، إلا تأكيدا على أنك تغرق ..تغرق و أنهم سيحتفظون بذكرى إقبارك هاته الأمسية..
القبطان : (غضبا) اسمع يا أنت، إني استطعت بجهدي ووسائلي الخاصة، طبعا بمؤازرة بعض الأوفياء، أن أُعَوِدَ بحارتي على إيقاع فريد سنرحل به حقبا من الزمن دون خوف.
سرحان : تتبجح وتطبل وتزمر بدون معنى. إيقاعك لا يشبه إيقاعات مراكب هذا البحر. تعتقد أنك تبحر مع الريح وأنت تعاكسها، لأنك تتراجع وبسرعة لا تصدق، ستتكسر ألواحك في رمش عين ولن تستطيع بناء ما حقق بسهولة.
القبطان : كفى زم فمك أنا لا أستطيع أن أتحمل نصائح سردينة بدون قشور
سرحان : لن أسكت لأني إكسسوار من هذا الديكور المصطنع. ستتهشم ضلوعي برفقة جماجمكم الفارغة إذا لم نتدارك الموقف قبل فوات الأوان.
القبطان : (يبكي) كفى أرجوك، إني ضائع، إني لا أتقاضى أجر قيمتي، أتظن أن هذا الراتب الشهري كاف لسد الخصاصة في متطلباتي؟ أهوائي وطموحاتي وملهياتي كثيرة، شجرتي العائلية له جذور في التاريخ إنها مقدسة، فلا يمكن لي أن أتنازل هكذا وبسرعة عن علاقاتي مع أولئك الذين يضمنون لي حماية وبقاء.
سرحان : سيحمونك وحدك دون بحارتك، لكنك ستؤدي الثمن باهظا، ستصبح قبطانا كبيرا، صدرك منتفخ وكتفاك مثقلتين بالنياشين المزركشة المصنوعة من جالوق رخيص، التي بالطبع ستؤدي ثمنها من صندوق بحارتك، ستعلق صورك في الأزقة والشوارع، وستظهر على أغلفة صحفهم ومجلاتهم الخليعة.
القبطان : هذا اعتراف بالجميل والصداقة المتينة التي..
سرحان : لكنك بدون مركب يا عزيزي، بدون شراع، بدون بحارة حقيقيين…
القبطان : اسكت يا أنت..
سرحان : لن أسكت لأن فيه نهايتنا..
(يتجه نحو البحارة يوزع عليهم خناجر)
حطموا هذه الأغطية.
( البحارة يبدؤون في إزاحة الأغطية، يسلط ضوء ساطع على القاعة ثم يعود في اتجاههم، يحكون أعينهم)
انه يحرق الأجفان لكنكم ستتعودون على النظر إلى قلب الضوء الساطع .
بحار(أ) : المركب مهدد يا سرحان
سرحان : لأننا مذنبون، أحرقوا الأغطية وقطعوا الحبال وأوقدوا النار.
بحار (أ) : لن نستطيع، أيادينا ترتجف..
بحار (ب) : قوة الضوء تعمينا، الدم يفور داخل صدورنا ..
بحار (ج) : عروق قلوبنا ستنفجر..
القبطان : ارموا الأسلحة للبحر، لن تبصروا جيدا هكذا خلقتم وهكذا ستبقون .
بحار (ب) : دعنا يا سرحان اللهم العمش أو العمى، (يعيد الغطاء على رأسه)
بحار (ج) : (ينزع الغطاء)لن أعيده لقد بدا الضباب في الانسحاب من أمامي
القبطان : لن تفلتوا من العقاب، إنه خروج عن ملتكم
(بعضهم يريد إعادة الغطاء وأخر إزالته، تختلط الحبال بالأغطية في ارتجال، الحبال تلتوي عليهم يصبحون في وضع لا يستطيعون معه التحرك.هدير الموج يرتفع، وميض البرق وزمهرير الرعد يزداد، الشراع تكاد تتمزق بقوة البرد.البحارة يصرخون )
بحار (أ): المركب يغرق، انقدونا، سنخنق، سنموت
سرحان : اقطعوا الحبال، كسروا الأغطية
القبطان : (يصرخ ويجري في كل مكان) ماذا فعلت بهم حتى جمدت فصائلهم ؟ مركبي يغرق، افعل شيئا أيها الدجال الماكر، لكن لا تحطم الأغطية، فك الحبال دون قطعها
سرحان : ستضيع الحبال الهشة والأغطية ذات الألوان المزيفة. لكن بعدها الخلاص، ستمشون بدونها تحت ضوء الشمس الساطع
القبطان : (يصرخ) المركب يغرق أنقذوني تحرك ..تحركوا ....
(رنين النواقيس يرتفع بقوة تم يبدأ في الخفوت، تدار الإضاءة في اتجاه الجمهور )
البحارة : (ينشدون) لا تخطئوا مرة أخرى يا أبناء ادم، فالمركب راحل، قاسيتم و عانيتم من واقع مهزوز مبلل . لا تتركوا أصواتكم تضمحل كي لا تغرقوا مرة أخرى في الوحل.
(يتقدمون إلى الجمهور ، بعد التحية)
سيداتي سادتي هذه إحدى السفن كما حلمنا أن تكون. قام بالإبحار على متنها السيد بلعيد أكرديس صانع المركب والطاقم البحري متكون من ..
( يتقدم كل مشارك في العمل لتحية الجمهور )

0 التعليقات:

إرسال تعليق