تأليف بوبكر فهمي
(الخشبة فارغة تماما. تغمرها الإضاءة بشكل تدريجي مصحوبة بموسيقى هادئة. يدخل موزع البريد, وهو ممثل بلباس عادي يتقدم نحو الجمهور)
موزع البريد : مساء الخير, أقدم لكم نفسي, أنا موزع البريد ...صحيح, ليست
لدي بدلة الموزعين ولا قبعتهم, ولا حتى حقيبتهم الضخمة... لكن
صدقوني , أنا فعلا موزع بريد ولدي رسائل لكم ولكل اللذين لم
يحالفهم الحظ للمجيء إلى المسرح هذا المساء. إنها رسائل من
العرق, من الدم ، من الدموع... ومن الأمل...
(يغادرالموزع الخشبة, بينما تسمع في الكواليس أصوات متداخلة, لا نكاد نتبين مضمونها ولا هوية أصحابها. أصحاب الأصوات يتقدمون إلى وسط الخشبة تحت إضاءة خافتة, يحملون مكعبات مختلفة الأحجام ويرددون مقتطفات من رسائل متنوعة, يأخذون مكانهم فوق الركح تحت إضاءة شاملة. إنهم أربعة أطفال: خادمة وطفل عامل وطفل مجند ورابعة يظهر عليها علامة المرض)
الخادمة : أمي العزيزة, أنا الآن فوق سطح منزل مشغلتي. من هنا, أستطيع أن
أرى الحدائق والأزقة والأطفال ...وجزئا من السماء،أستطيع أن أشم
عبق الزهور القادم من الحقول البعيدة و أستمع لغناء الطيور المحلقة
فوق المدينة الصاخبة. هنا، فوق هذا السطح، أستعيد جزئا من طفولتي.
أمي، في هذا البيت، أقوم بكل شيء، أنظف، أكنس، أطبخ أحيانا وأهتم كذلك
بالرضيع.
فوق السطح، أختلي بنفسي قليلا، أشاهد السحب وأبكي في صمت.
العامل : سيدي صاحب المعمل، إن يدي الصغيرة المجروحة لا تقوى على رفع
القلم، لكنني سأحاول الكتابة لعل الألم يساعد الكلمات على الاستقرار فوق
الورق.
سيدي صاحب المعمل، حين جاءت بي والدتي إلى معملك، كانت تتمنى أن
أتعلم الحرفة على يديك وأتقاضى ما أساعد به أسرتي الفقيرة على متاعب
الحياة، لكن، منذ أن وطأت قدماي معملك وأنا لا أقوم سوى بجر القضبان
الحديدية من المعمل إلى ورشات البناء... سيدي صاحب المعمل، قفازتان
وبضع ساعات لتقوية تعليمي هذا كل ما أطلبه منك.
المجند : السيد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، أراسلكم من مخبئي. من وراء متراس في مكان ما
...مكان غريب عن عالمي الصغير. إنه دوري في الحراسة هذا المساء. يقول القائد إنه مرتاح
لمستواي في الجندية، وقد هنأني على ذلك ورقاني إلى درجة عريف في فرقتي المكونة من
أطفال في مثل سني. في المرة الأخيرة هاجمنا قرية وقتلنا من سكانها الكثير... من ضمنهم
أطفال، بكيت تلك الليلة في السر...هناك، فوق التلة المجاورة للمخيم. السيد الأمين العام لمنظمة
الأمم المتحدة، أنا لست راضيا على ما يحدث.
الطفلة المريضة : السادة وزراء الصحة، أنا مريض، مريض جدا،
وبحاجة فورية إلى عملية جراحية ، في المستشفى،
يقول المسؤولون هناك بأن لا وجود لأي سرير لي. لكن،
حين أطلب من أبي و أمي أن يأخذا سريري إلى المستشفى،
يبتسمان ثم يحضناني بحرارة ولا يجيبان.
(يردد الأطفال الأربعة مقاطع من رسائلهم في نفس الوقت بشكل متداخل ورتيب ثم يغادرون الخشبة بعد أن يضعوا في العمق مكعباتهم مرتبة بشكل تصاعدي بحيث تشكل ّسلّما. في الوقت نفسه، يرتفع حبل غسيل عليه بعض الملابس في العمق مشدود من طرفي الخشبة جهة الكواليس بحيث لا وجود فوق الركح سوى للحبل والسلم )
الرسالة الأولى
(تدخل الخادمة، تصعد الدرج، تقف على أكبر قطعة منه تأخذ بعض الملابس من حبل الغسيل ثم تتوقف شاردة أمام الجمهور: إضاءة مركزة)
الخادمة : أمي، حين أكون في سطح البيت، يعجبني منظر الأطفال وهم يلعبون، أتسائل دائما إن كنت لا
زلت أتذكر شكل اللعب وقوانينه...اللعب! كلمة لم يعد لها وجود في قاموسي الصغير...ألعب،
أنا! ولم لا؟ لا يمكن أن أكون قد نسيت اللعب تماما.
( تأخذ قطعة طباشير من جيبها وتخط بها مربعات فوق مكعبها الكبير، ثم تأخذ قطعة حجر أيضا من جيبها فترمي بها على المربعات وتبدأ في القفزمن مربع إلى آخر وتعيد الرمي ثانية والقفز مرة أخرى وهي في قمة الفرح)
الخادمة : ( وهي تلعب ) أنظروا إنني ألعب! ألعب! لم أنس اللعب إذن! ألعب!
ألعب! أنا طفلة صغيرة تحب اللعب! ألعب! أنظروا! ( تتوقف الخادمة
الصغيرة فجأة ثم تتسمر في مكانها وكأنها تذكرت أمرا خطيرا فتبدأ في
مسح ما خطته من مربعات على السطح) لا، لا يجب أن ألعب علي أن
أعمل. أغسل، أمسح، أكنس، أطبخ، أغير للرضيع... ( تستمر في ترديد
هذا الكلام بشكل آلي وخافت وهي تأخذ الملابس من فوق الحبل. تتوقف
وتنظر من فوق السطح حين تسمع أنين طفل في الشارع )
( تنزل الخادمة الصغيرة من فوق السطح مسرعة بينما يظهر الطفل العامل من الجهة الأخرى(الشارع) وهو يجر قضبانين من الحديد واحد بكل يد)
الطفل العامل : آه! يداي، يداي تورمتان من جر هذه القضبان اللعينة. لولم تكن أمي بحاجة إلى تلك
الدراهم التي أتقاضاها من مشغلي لتركت الشغل وعدت إلى المدرسة. لكن ما العمل؟
لو يسمح لي مشغلي فقط بمغادرة العمل باكرا لأتمكن من التعلم مساء!
( تظهر الخادمة وفي يدها دواء وضمادات)
الطفلة الخادمة : يبدو أنك تتألم، ما بك؟
الطفل العامل : يداي، يداي مجروحتان
الطفلة الخادمة : دعني أرى...سأضع لك دواء و ضمادا يخفف عنك الألم. عملك شاق جدا لم لا تتركه؟
الطفل العامل : أحاول مساعدة والدتي. أنت من أصحاب البيت أم ...
الطفلة الخادمة : أنا خادمة، أنا أيضا أعمل من أجل مساعدة والدتي لكن يبدو أنني أوفر حظا منك.
الطفل العامل : ربما...شكرا على المساعدة، لعل البيت مليء باللعب المسلية، أليس كذلك؟
الطفلة الخادمة : بلا. لكنها لعب أطفال مشغلتي...ليس لدي الحق في اللعب بها. من حين لآخر أقوم
بتنظيفها
الطفل العامل : شكرا مرة أخرى، إنه لطف كبير منك
( في هذه الأثناء تظهر مشغلة الخادمة عائدة إلى البيت تتوجه نحو الخادمة والشرر يتطاير من عينيها)
المشغلة : لم أدرأنك تحولين بيتي إلى عيادة مفتوحة أثناء غيابي! ترى ما ثمن الفحص؟ أم أنه مجاني!
الطفلة الخادمة : سيدتي، إنه جريح وبحاجة إلى علاج.
المشغلة : وبما أن البيت بيتك والدواء دوائك فإنك تفعلين ما بدا لك. تستقبلين المرضى وتوزعين العلاج
والدواء على من هب و دب.
الطفل العامل : سيدتي، أنا الذي...
المشغلة : أسكت أنت أيها المتشرد البئيس و إلا ناديت على الشرطة لتأديبك...هيا اغرب عن وجهي
( ينسحب الطفل العامل ببطء وعيناه لا تفارقان الخادمة)
المشغلة : ( موجهة الكلام هذه المرة للخادمة ) أما أنت، فحسابي معك سيكون عسيرا، سأعاقبك عقابا لن
تنسينه أبدا. (تجر المشغلة الخادمة من شعرها إلى داخل البيت ثم يسمع صراخ ممزوج بالبكاء
يتداخل معه أنين الطفل العامل الذي يبتعد شيئا فشيئا تخفت الإضاءة ويسمع دوي الرصاص فيظهر الطفل
المجند حاملا مكعبا يقيه من الرصاص)
الرسالة الثانية
الطفل المجند : ( يتوقف القصف تدريجيا فيبدأ الطفل المجند بإظهار رأسه من خلف المكعب ـ المتراس ـ ثم
يستعمل المكعب وكأنه منبر)
الطفل المجند : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، كل يوم يأتي القائد بمجندين جدد، أطفال في مثل سني و
أحيانا أقل. حين أراهم لأول مرة، أتذكر أسرتي.
إضاءة خافتة على المجند، يسمع صوت جنود قادمين وهم يرددون نشيدا عسكريا، تعود الإضاءة الشاملة مع ظهور المجندين الجدد يسبقهم الطفل المجند والذي يحمل رتبة عريف.
العريف يبدأ عبارات النشيد الجديد، والمجندون الجدد يرددون وراءه يكل براءة
أنتم أطفال رجال نحن أطفال رجال
في الحرب أنتم أبطال في الحرب نحن أبطال
لا مجال للألعاب لا مجال للألعاب
العدو في الأبواب العدو في الأبواب
انس الكرة والكتاب انس الكرة والكتاب
انس الأهل والأحباب انس الأهل والأحباب
خذ طريقك في الكفاح خذ طريقك في الكفاح
اهجم واحمل السلاح اهجم واحمل السلاح
يعيد المجندون النشيد مرة أخرى و هم يحاولون الاصطفاف في خط أفقي أمام العريف
القائد : أيها المجندون الجدد، أنا هنا قائدكم. للإجابة على أسئلتي، تقولون، نعم، أيها القائد أو لا، أيها
القائد.بالأمس القريب، كنتم مع آبائكم وأمهاتكم، كنتم مع أخواتكم و إخوانكم، مع عماتكم وخالاتكم، مع
أعمامكم و أصدقائكم وجيرانكم...اليوم، الواجب يناديكم... لم يعد الأمر كالسابق. أيها العريف...
العريف : نعم أيها القائد
القائد : من هو أبوك؟
العريف : أنت أيها
القائد : أمك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : أخوك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : أختك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : خالك
العريف : أنت أيها القائد
القائد : عمتك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : جدك؟ صديقك؟ جارك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : انصراف أيها العريف.
القائد : (متوجها بالكلام إلى باقي المجندين) أسمعتم أيها المجندون؟ ( متوجها نحو أحد المجندين) أنت! قل
لي من أكون؟
أحد المجندين : ( بتردد) أنت عائلة العريف أيها القائد. ( ضحك خفيف في صف المجندين)
القائد : أيها الغبي! لم تفهم شيئا ( متوجها نحوآخر) أنت... قل لهم من أكون؟
المجند الآخر : ( بتردد) أنت عائلة العريف... و أصدقاؤه ( المجندون يحاولون عبثا خنق ضحكاتهم )
القائد : أنتم الغباء بلحمه و شحمه، أيها الحمقى، أنا هنا أبوكم و أمكم، أخوكم و خالتكم، أصدقاؤكم و
جيرانكم...هل فهمتم أيها المجندون؟
المجند : أجل يا أمي... آههه ... نعم يا أيها القائد.( ضحكات هذه المرة أقرب إلى القهقهة)
القائد : ( بغضب كبير) ستقومون بالجري ساعة كاملة...مع الحركات والأعمال الشاقة، مفهوم؟
المجندون : مفهوم بابا...آههه... نعم أيها القائد.
القائد : ايها العريف!
العريف : نعم أيها القائد
القائد : الليلة دورك في الحراسة هذا المساء، افتح عينيك جيدا...(متوجها بالكلام إلى باقي المجندين) أما
أنتم ،فحسابي معكم سيكون عسيرا. هيا... انصراف. ( يأخذ المجندون مكانهم في الصف، ثم
يتبعون العريف مرددين وراءه نفس النشيد
(يعود العريف إلى مكانه خلف المكعب)
(تسمع خطوات جنود تبتعد تدريجيا ثم تختفي)
العريف : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، كلما اختليت بنفسي، أشعر بالحنين إلى أيام الطفولة،(يبتسم قليلا) أقول
هذا الكلام وكأننني بلغت الأربعين، أقصد الطفولة العادية، حين كنت أحمل المحفظة بدل البندقية
(يضع البندقية جانبا) والقبعة الملونة عوض الخودة العسكرية.
( يضع الخودة فوق المكعب، ثم يأخذ من جيبه قطعة قماش مرسوم عليها مربعات كرة القدم فيلبسها
للخودة بحيث تأخذ شكل الكرة، يضعها أرضا ثم يبدأ في التمثيل وكأنه في ملعب غاص بالجماهير
التي تحييه كلما سجل هدفا فيبدأ في الركض في كل اتجاهات الخشبة، يحاكي قذف الكرة ويرد على
تحايا "الجمهور" الذي يسمع هتافه من حين لآخر قبل أن يتوقف حين يقاطعه دوي الرصاص من
بعيد، فيخلع عن الخودة القماش ويعيدها فوق رأسه ثم يضع البندقبة على كتفه وهو يرتجف من
الخوف فيختفي خلف متراسه المكعب قبل أن ينسحب بعيدا)
الرسالة الثالتة
(يتقدم الطفل المريض جالسا فوق مكعبه الصغير ـ الذي يأخذ شكل كرسي متحرك ـ ثم يأخذ مكانه في مقدمة
الخشبة أقصى اليمين، فيضع أمامه حقيبته الصغيرة قبل أن يرفع بصره بهدوء إلى القاعة.)
الطفل المريض : السادة وزراء الصحة ، في آخر موعد لي مع المستشفى، كنا في الوقت المحدد بالظبط. أنا
بحقيبتي الصغيرة التي وضعت بها امي إلى جانب أغراضي قطعا من الحلوى ولعبتي المفضلة،
ووالدي بمحفظته الكبيرة (يدخل الوالد ويقف خلف الكتف الأيمن لابنه) كانت الساعة تشير إلى
التاسعة صباحا، الصمت يخيم على المكان والممرضة تتتحدث في الهاتف. (تدخل الممرضة
دافعة باليد اليمنى مكعبا متوسط الحجم فوقه مكعبا صغيرا وحقيبة يدوية، وحاملة هاتفا باليد
اليسرى. تتوقف في مقدمة الخشبة أقصى اليسار تضع المكعب الأصغر خلف الأكبر تجلس فوقه
وكأنها في مكتب وتواصل الحديث في الهاتف)
الممرضة : (بعد قهقهة مدوية) نكتة جيدة، سأحكيها لزملائي فور لقائي بهم، بخصوص الموعد، لا تقلق
سأتدبر الأمر...لا لا لا في غضون هذا الأسبوع سأهاتفك... مع السلامة. (تضع هاتفها في
جيبها وتتوجه للأب) نعم؟
الأب : ( يقدم ورقة للممرضة) أنا هنا من أجل الموعد. موعد عملية ابني
الممرضة : آه...العملية...هل جئت باللوازم
الأب : نعم
الممرضة : البنج
الأب : معي سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : الخيط
الأب : معي (يضعه فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : لوازم التعقيم
الأب : أحضرتها سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : القطن و الضمادات
الأب : أحضرتها أيضا سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
(تنتفض الممرضة قائمة من مكانها وكأنها شعرت بخسارة التحدي)
الممرضة : نسخة من البطاقة الوطنية
الاب : نسخة من البطاقة (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : نسخة من شهادة ازدياد الولد
الأب : معي سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : باللغتين
الأب : معي نسخة باللغتين (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : عقد الزواج
الأب : هاهو سيدتي (يضعه فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : مترجم ومصادق عليه
الأب : معي نسختين بلغتين أجنبيتين مختلفتين و مصادق عليهما (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : (بتوتر واضح) شهادة الحياة، شهادة العمل، شهادة الأجرة...
الأب : أحضرتها سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : أنت تغيضني بانظباطك ، جاهز تماما! لكن من سوء حظك أن غرفة العمليات في المستشفى محجوزة
لمدة أربعة أسابيع، عد بعد شهر ( تعطيه الاوراق ) و أحضر معك أوراق ولوازم جديدة.
(يجمع الأب الأوراق واللوازم في محفظته بهدوء كبير يتجه نحو ابنه يدغع به المكعب ـ الكرسي ـ إلى وسط الخشبة في اتجاه الخروج ثم يتوقف)
الأب : هيا يا بني، سنعود إلى البيت
الطفل المريض : والعملية
الأب : العملية! قل لي يا بني، هل درست العمليات جيدا في مادة الرياضيات
الطفل المريض : ( بكل براءة الأطفال) نعم يا أبي أعرفها كلها... أعرف الجمع
الأب : الجمع، حسنا اجمع يا بني ما سمعته على ما تعيشه يوميا
الطفل المريض : و أعرف الطرح
الأب : اطرح الكثير من الرحمة والمسؤولية
الطفل المريض : والضرب
الأب : اضرب الكل في عدد السنوات المتبقة في عمرك
الطفل المريض : والقسمة يا أبي
الأب : اقسم الحاصل على عدد الأطفال أمثالك في باقي العالم. هيا يا بني وسنعود بعد شهر.
ورسالة أخرى
الخادمة : أمي ، أحن إلى صدرك الحنون الدافئ، أحن إلى لمستك الناعمة، إلى ذلك الشعور المنعش حين تتخلل أصابعك
شعري ...أمي ، أريد أن أستعيد طفولتي ، هنا أختنق، أختنق.
الطفل العامل : سيدي صاحب المعمل، لا أطلب سوى بضع ساعات لأتمكن من التعلم في المساء، وقفازتين ليدي، لا يمكن
أن تساوي عدد ساعات عملي بعدد ساعات الكبار، سيدي، فكر في وضعيتي كما تفكر في واحد من أولادك.
الطفل المجند : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، قل لهم أن يوقفوا الحرب! ساعدني ان أجد قبعتي و كرتي الصغيرة،
أكره البندقبة و صوت الرصاص، أريد طفولتي، أريد طفولتي.
الطفل المريض : السادة وزاء الصحة : يقول والدي إن مدة صلاحية الأوراق التي بحوزته قد انتهت، والدي صبور جدا
سيبدأ في تهييئ أوراق أخرى بلا شك. لا أريد أن يمرض أبي...إذا كنتم لا تتوقرون على سرير لطفل
صغير مثلي، مع أبي سيكون الأمر أصعب. السادة وزراء الصحة...لا أريد أن أموت الآن.
يبدأ الأطفال الأربعة في سرد مقاطع من رسائلهم كما في ـ بداية المسرحية ـ بشكل متداخل وغير واضح ثم يغادرون تاركين بعض أغراضهم فوق المكعبات : وزرة الخادمة، بندقية الجندي، القضيب الحديدي للعامل و حقيبة والد الطفل المريض. يدخل موزع البريد.
موزع البريد : أيتها السيدات، أيها السادة، كانت هذه بعض الرسائل. أصحابها بحاجة إلى أن تصل إلى المعنيين بها.
تعلمون الآن سبب اختلافي عن موزعي البريد المعتادين، أنتم مثلي تماما و بالتأكيد لكم رسائل تريدون أن
تصل إلى أصحابها. أنا مستعد للقيام بهذه الخدمة. ( يتوجه إلى ناس مفترضين) نعم سيدتي...سأفعل. (
ينزل إلى القاعة ) مفهوم سيدي... سأقوم بالواجب . أنا قادم يا ولدي... نعم سيدتي بكل سرور... (يخرج
من الباب المخصص للمشاهدين، عودة إلى الخشبة ، إضاءة فوق المكعبات مع الأغراض الموضوعة
فوقها)
نهاية
رسائل
بوبكر فهمي
المغرب
(الخشبة فارغة تماما. تغمرها الإضاءة بشكل تدريجي مصحوبة بموسيقى هادئة. يدخل موزع البريد, وهو ممثل بلباس عادي يتقدم نحو الجمهور)
موزع البريد : مساء الخير, أقدم لكم نفسي, أنا موزع البريد ...صحيح, ليست
لدي بدلة الموزعين ولا قبعتهم, ولا حتى حقيبتهم الضخمة... لكن
صدقوني , أنا فعلا موزع بريد ولدي رسائل لكم ولكل اللذين لم
يحالفهم الحظ للمجيء إلى المسرح هذا المساء. إنها رسائل من
العرق, من الدم ، من الدموع... ومن الأمل...
(يغادرالموزع الخشبة, بينما تسمع في الكواليس أصوات متداخلة, لا نكاد نتبين مضمونها ولا هوية أصحابها. أصحاب الأصوات يتقدمون إلى وسط الخشبة تحت إضاءة خافتة, يحملون مكعبات مختلفة الأحجام ويرددون مقتطفات من رسائل متنوعة, يأخذون مكانهم فوق الركح تحت إضاءة شاملة. إنهم أربعة أطفال: خادمة وطفل عامل وطفل مجند ورابعة يظهر عليها علامة المرض)
الخادمة : أمي العزيزة, أنا الآن فوق سطح منزل مشغلتي. من هنا, أستطيع أن
أرى الحدائق والأزقة والأطفال ...وجزئا من السماء،أستطيع أن أشم
عبق الزهور القادم من الحقول البعيدة و أستمع لغناء الطيور المحلقة
فوق المدينة الصاخبة. هنا، فوق هذا السطح، أستعيد جزئا من طفولتي.
أمي، في هذا البيت، أقوم بكل شيء، أنظف، أكنس، أطبخ أحيانا وأهتم كذلك
بالرضيع.
فوق السطح، أختلي بنفسي قليلا، أشاهد السحب وأبكي في صمت.
العامل : سيدي صاحب المعمل، إن يدي الصغيرة المجروحة لا تقوى على رفع
القلم، لكنني سأحاول الكتابة لعل الألم يساعد الكلمات على الاستقرار فوق
الورق.
سيدي صاحب المعمل، حين جاءت بي والدتي إلى معملك، كانت تتمنى أن
أتعلم الحرفة على يديك وأتقاضى ما أساعد به أسرتي الفقيرة على متاعب
الحياة، لكن، منذ أن وطأت قدماي معملك وأنا لا أقوم سوى بجر القضبان
الحديدية من المعمل إلى ورشات البناء... سيدي صاحب المعمل، قفازتان
وبضع ساعات لتقوية تعليمي هذا كل ما أطلبه منك.
المجند : السيد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، أراسلكم من مخبئي. من وراء متراس في مكان ما
...مكان غريب عن عالمي الصغير. إنه دوري في الحراسة هذا المساء. يقول القائد إنه مرتاح
لمستواي في الجندية، وقد هنأني على ذلك ورقاني إلى درجة عريف في فرقتي المكونة من
أطفال في مثل سني. في المرة الأخيرة هاجمنا قرية وقتلنا من سكانها الكثير... من ضمنهم
أطفال، بكيت تلك الليلة في السر...هناك، فوق التلة المجاورة للمخيم. السيد الأمين العام لمنظمة
الأمم المتحدة، أنا لست راضيا على ما يحدث.
الطفلة المريضة : السادة وزراء الصحة، أنا مريض، مريض جدا،
وبحاجة فورية إلى عملية جراحية ، في المستشفى،
يقول المسؤولون هناك بأن لا وجود لأي سرير لي. لكن،
حين أطلب من أبي و أمي أن يأخذا سريري إلى المستشفى،
يبتسمان ثم يحضناني بحرارة ولا يجيبان.
(يردد الأطفال الأربعة مقاطع من رسائلهم في نفس الوقت بشكل متداخل ورتيب ثم يغادرون الخشبة بعد أن يضعوا في العمق مكعباتهم مرتبة بشكل تصاعدي بحيث تشكل ّسلّما. في الوقت نفسه، يرتفع حبل غسيل عليه بعض الملابس في العمق مشدود من طرفي الخشبة جهة الكواليس بحيث لا وجود فوق الركح سوى للحبل والسلم )
الرسالة الأولى
(تدخل الخادمة، تصعد الدرج، تقف على أكبر قطعة منه تأخذ بعض الملابس من حبل الغسيل ثم تتوقف شاردة أمام الجمهور: إضاءة مركزة)
الخادمة : أمي، حين أكون في سطح البيت، يعجبني منظر الأطفال وهم يلعبون، أتسائل دائما إن كنت لا
زلت أتذكر شكل اللعب وقوانينه...اللعب! كلمة لم يعد لها وجود في قاموسي الصغير...ألعب،
أنا! ولم لا؟ لا يمكن أن أكون قد نسيت اللعب تماما.
( تأخذ قطعة طباشير من جيبها وتخط بها مربعات فوق مكعبها الكبير، ثم تأخذ قطعة حجر أيضا من جيبها فترمي بها على المربعات وتبدأ في القفزمن مربع إلى آخر وتعيد الرمي ثانية والقفز مرة أخرى وهي في قمة الفرح)
الخادمة : ( وهي تلعب ) أنظروا إنني ألعب! ألعب! لم أنس اللعب إذن! ألعب!
ألعب! أنا طفلة صغيرة تحب اللعب! ألعب! أنظروا! ( تتوقف الخادمة
الصغيرة فجأة ثم تتسمر في مكانها وكأنها تذكرت أمرا خطيرا فتبدأ في
مسح ما خطته من مربعات على السطح) لا، لا يجب أن ألعب علي أن
أعمل. أغسل، أمسح، أكنس، أطبخ، أغير للرضيع... ( تستمر في ترديد
هذا الكلام بشكل آلي وخافت وهي تأخذ الملابس من فوق الحبل. تتوقف
وتنظر من فوق السطح حين تسمع أنين طفل في الشارع )
( تنزل الخادمة الصغيرة من فوق السطح مسرعة بينما يظهر الطفل العامل من الجهة الأخرى(الشارع) وهو يجر قضبانين من الحديد واحد بكل يد)
الطفل العامل : آه! يداي، يداي تورمتان من جر هذه القضبان اللعينة. لولم تكن أمي بحاجة إلى تلك
الدراهم التي أتقاضاها من مشغلي لتركت الشغل وعدت إلى المدرسة. لكن ما العمل؟
لو يسمح لي مشغلي فقط بمغادرة العمل باكرا لأتمكن من التعلم مساء!
( تظهر الخادمة وفي يدها دواء وضمادات)
الطفلة الخادمة : يبدو أنك تتألم، ما بك؟
الطفل العامل : يداي، يداي مجروحتان
الطفلة الخادمة : دعني أرى...سأضع لك دواء و ضمادا يخفف عنك الألم. عملك شاق جدا لم لا تتركه؟
الطفل العامل : أحاول مساعدة والدتي. أنت من أصحاب البيت أم ...
الطفلة الخادمة : أنا خادمة، أنا أيضا أعمل من أجل مساعدة والدتي لكن يبدو أنني أوفر حظا منك.
الطفل العامل : ربما...شكرا على المساعدة، لعل البيت مليء باللعب المسلية، أليس كذلك؟
الطفلة الخادمة : بلا. لكنها لعب أطفال مشغلتي...ليس لدي الحق في اللعب بها. من حين لآخر أقوم
بتنظيفها
الطفل العامل : شكرا مرة أخرى، إنه لطف كبير منك
( في هذه الأثناء تظهر مشغلة الخادمة عائدة إلى البيت تتوجه نحو الخادمة والشرر يتطاير من عينيها)
المشغلة : لم أدرأنك تحولين بيتي إلى عيادة مفتوحة أثناء غيابي! ترى ما ثمن الفحص؟ أم أنه مجاني!
الطفلة الخادمة : سيدتي، إنه جريح وبحاجة إلى علاج.
المشغلة : وبما أن البيت بيتك والدواء دوائك فإنك تفعلين ما بدا لك. تستقبلين المرضى وتوزعين العلاج
والدواء على من هب و دب.
الطفل العامل : سيدتي، أنا الذي...
المشغلة : أسكت أنت أيها المتشرد البئيس و إلا ناديت على الشرطة لتأديبك...هيا اغرب عن وجهي
( ينسحب الطفل العامل ببطء وعيناه لا تفارقان الخادمة)
المشغلة : ( موجهة الكلام هذه المرة للخادمة ) أما أنت، فحسابي معك سيكون عسيرا، سأعاقبك عقابا لن
تنسينه أبدا. (تجر المشغلة الخادمة من شعرها إلى داخل البيت ثم يسمع صراخ ممزوج بالبكاء
يتداخل معه أنين الطفل العامل الذي يبتعد شيئا فشيئا تخفت الإضاءة ويسمع دوي الرصاص فيظهر الطفل
المجند حاملا مكعبا يقيه من الرصاص)
الرسالة الثانية
الطفل المجند : ( يتوقف القصف تدريجيا فيبدأ الطفل المجند بإظهار رأسه من خلف المكعب ـ المتراس ـ ثم
يستعمل المكعب وكأنه منبر)
الطفل المجند : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، كل يوم يأتي القائد بمجندين جدد، أطفال في مثل سني و
أحيانا أقل. حين أراهم لأول مرة، أتذكر أسرتي.
إضاءة خافتة على المجند، يسمع صوت جنود قادمين وهم يرددون نشيدا عسكريا، تعود الإضاءة الشاملة مع ظهور المجندين الجدد يسبقهم الطفل المجند والذي يحمل رتبة عريف.
العريف يبدأ عبارات النشيد الجديد، والمجندون الجدد يرددون وراءه يكل براءة
أنتم أطفال رجال نحن أطفال رجال
في الحرب أنتم أبطال في الحرب نحن أبطال
لا مجال للألعاب لا مجال للألعاب
العدو في الأبواب العدو في الأبواب
انس الكرة والكتاب انس الكرة والكتاب
انس الأهل والأحباب انس الأهل والأحباب
خذ طريقك في الكفاح خذ طريقك في الكفاح
اهجم واحمل السلاح اهجم واحمل السلاح
يعيد المجندون النشيد مرة أخرى و هم يحاولون الاصطفاف في خط أفقي أمام العريف
القائد : أيها المجندون الجدد، أنا هنا قائدكم. للإجابة على أسئلتي، تقولون، نعم، أيها القائد أو لا، أيها
القائد.بالأمس القريب، كنتم مع آبائكم وأمهاتكم، كنتم مع أخواتكم و إخوانكم، مع عماتكم وخالاتكم، مع
أعمامكم و أصدقائكم وجيرانكم...اليوم، الواجب يناديكم... لم يعد الأمر كالسابق. أيها العريف...
العريف : نعم أيها القائد
القائد : من هو أبوك؟
العريف : أنت أيها
القائد : أمك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : أخوك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : أختك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : خالك
العريف : أنت أيها القائد
القائد : عمتك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : جدك؟ صديقك؟ جارك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : انصراف أيها العريف.
القائد : (متوجها بالكلام إلى باقي المجندين) أسمعتم أيها المجندون؟ ( متوجها نحو أحد المجندين) أنت! قل
لي من أكون؟
أحد المجندين : ( بتردد) أنت عائلة العريف أيها القائد. ( ضحك خفيف في صف المجندين)
القائد : أيها الغبي! لم تفهم شيئا ( متوجها نحوآخر) أنت... قل لهم من أكون؟
المجند الآخر : ( بتردد) أنت عائلة العريف... و أصدقاؤه ( المجندون يحاولون عبثا خنق ضحكاتهم )
القائد : أنتم الغباء بلحمه و شحمه، أيها الحمقى، أنا هنا أبوكم و أمكم، أخوكم و خالتكم، أصدقاؤكم و
جيرانكم...هل فهمتم أيها المجندون؟
المجند : أجل يا أمي... آههه ... نعم يا أيها القائد.( ضحكات هذه المرة أقرب إلى القهقهة)
القائد : ( بغضب كبير) ستقومون بالجري ساعة كاملة...مع الحركات والأعمال الشاقة، مفهوم؟
المجندون : مفهوم بابا...آههه... نعم أيها القائد.
القائد : ايها العريف!
العريف : نعم أيها القائد
القائد : الليلة دورك في الحراسة هذا المساء، افتح عينيك جيدا...(متوجها بالكلام إلى باقي المجندين) أما
أنتم ،فحسابي معكم سيكون عسيرا. هيا... انصراف. ( يأخذ المجندون مكانهم في الصف، ثم
يتبعون العريف مرددين وراءه نفس النشيد
(يعود العريف إلى مكانه خلف المكعب)
(تسمع خطوات جنود تبتعد تدريجيا ثم تختفي)
العريف : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، كلما اختليت بنفسي، أشعر بالحنين إلى أيام الطفولة،(يبتسم قليلا) أقول
هذا الكلام وكأننني بلغت الأربعين، أقصد الطفولة العادية، حين كنت أحمل المحفظة بدل البندقية
(يضع البندقية جانبا) والقبعة الملونة عوض الخودة العسكرية.
( يضع الخودة فوق المكعب، ثم يأخذ من جيبه قطعة قماش مرسوم عليها مربعات كرة القدم فيلبسها
للخودة بحيث تأخذ شكل الكرة، يضعها أرضا ثم يبدأ في التمثيل وكأنه في ملعب غاص بالجماهير
التي تحييه كلما سجل هدفا فيبدأ في الركض في كل اتجاهات الخشبة، يحاكي قذف الكرة ويرد على
تحايا "الجمهور" الذي يسمع هتافه من حين لآخر قبل أن يتوقف حين يقاطعه دوي الرصاص من
بعيد، فيخلع عن الخودة القماش ويعيدها فوق رأسه ثم يضع البندقبة على كتفه وهو يرتجف من
الخوف فيختفي خلف متراسه المكعب قبل أن ينسحب بعيدا)
الرسالة الثالتة
(يتقدم الطفل المريض جالسا فوق مكعبه الصغير ـ الذي يأخذ شكل كرسي متحرك ـ ثم يأخذ مكانه في مقدمة
الخشبة أقصى اليمين، فيضع أمامه حقيبته الصغيرة قبل أن يرفع بصره بهدوء إلى القاعة.)
الطفل المريض : السادة وزراء الصحة ، في آخر موعد لي مع المستشفى، كنا في الوقت المحدد بالظبط. أنا
بحقيبتي الصغيرة التي وضعت بها امي إلى جانب أغراضي قطعا من الحلوى ولعبتي المفضلة،
ووالدي بمحفظته الكبيرة (يدخل الوالد ويقف خلف الكتف الأيمن لابنه) كانت الساعة تشير إلى
التاسعة صباحا، الصمت يخيم على المكان والممرضة تتتحدث في الهاتف. (تدخل الممرضة
دافعة باليد اليمنى مكعبا متوسط الحجم فوقه مكعبا صغيرا وحقيبة يدوية، وحاملة هاتفا باليد
اليسرى. تتوقف في مقدمة الخشبة أقصى اليسار تضع المكعب الأصغر خلف الأكبر تجلس فوقه
وكأنها في مكتب وتواصل الحديث في الهاتف)
الممرضة : (بعد قهقهة مدوية) نكتة جيدة، سأحكيها لزملائي فور لقائي بهم، بخصوص الموعد، لا تقلق
سأتدبر الأمر...لا لا لا في غضون هذا الأسبوع سأهاتفك... مع السلامة. (تضع هاتفها في
جيبها وتتوجه للأب) نعم؟
الأب : ( يقدم ورقة للممرضة) أنا هنا من أجل الموعد. موعد عملية ابني
الممرضة : آه...العملية...هل جئت باللوازم
الأب : نعم
الممرضة : البنج
الأب : معي سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : الخيط
الأب : معي (يضعه فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : لوازم التعقيم
الأب : أحضرتها سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : القطن و الضمادات
الأب : أحضرتها أيضا سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
(تنتفض الممرضة قائمة من مكانها وكأنها شعرت بخسارة التحدي)
الممرضة : نسخة من البطاقة الوطنية
الاب : نسخة من البطاقة (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : نسخة من شهادة ازدياد الولد
الأب : معي سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : باللغتين
الأب : معي نسخة باللغتين (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : عقد الزواج
الأب : هاهو سيدتي (يضعه فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : مترجم ومصادق عليه
الأب : معي نسختين بلغتين أجنبيتين مختلفتين و مصادق عليهما (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : (بتوتر واضح) شهادة الحياة، شهادة العمل، شهادة الأجرة...
الأب : أحضرتها سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : أنت تغيضني بانظباطك ، جاهز تماما! لكن من سوء حظك أن غرفة العمليات في المستشفى محجوزة
لمدة أربعة أسابيع، عد بعد شهر ( تعطيه الاوراق ) و أحضر معك أوراق ولوازم جديدة.
(يجمع الأب الأوراق واللوازم في محفظته بهدوء كبير يتجه نحو ابنه يدغع به المكعب ـ الكرسي ـ إلى وسط الخشبة في اتجاه الخروج ثم يتوقف)
الأب : هيا يا بني، سنعود إلى البيت
الطفل المريض : والعملية
الأب : العملية! قل لي يا بني، هل درست العمليات جيدا في مادة الرياضيات
الطفل المريض : ( بكل براءة الأطفال) نعم يا أبي أعرفها كلها... أعرف الجمع
الأب : الجمع، حسنا اجمع يا بني ما سمعته على ما تعيشه يوميا
الطفل المريض : و أعرف الطرح
الأب : اطرح الكثير من الرحمة والمسؤولية
الطفل المريض : والضرب
الأب : اضرب الكل في عدد السنوات المتبقة في عمرك
الطفل المريض : والقسمة يا أبي
الأب : اقسم الحاصل على عدد الأطفال أمثالك في باقي العالم. هيا يا بني وسنعود بعد شهر.
ورسالة أخرى
الخادمة : أمي ، أحن إلى صدرك الحنون الدافئ، أحن إلى لمستك الناعمة، إلى ذلك الشعور المنعش حين تتخلل أصابعك
شعري ...أمي ، أريد أن أستعيد طفولتي ، هنا أختنق، أختنق.
الطفل العامل : سيدي صاحب المعمل، لا أطلب سوى بضع ساعات لأتمكن من التعلم في المساء، وقفازتين ليدي، لا يمكن
أن تساوي عدد ساعات عملي بعدد ساعات الكبار، سيدي، فكر في وضعيتي كما تفكر في واحد من أولادك.
الطفل المجند : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، قل لهم أن يوقفوا الحرب! ساعدني ان أجد قبعتي و كرتي الصغيرة،
أكره البندقبة و صوت الرصاص، أريد طفولتي، أريد طفولتي.
الطفل المريض : السادة وزاء الصحة : يقول والدي إن مدة صلاحية الأوراق التي بحوزته قد انتهت، والدي صبور جدا
سيبدأ في تهييئ أوراق أخرى بلا شك. لا أريد أن يمرض أبي...إذا كنتم لا تتوقرون على سرير لطفل
صغير مثلي، مع أبي سيكون الأمر أصعب. السادة وزراء الصحة...لا أريد أن أموت الآن.
يبدأ الأطفال الأربعة في سرد مقاطع من رسائلهم كما في ـ بداية المسرحية ـ بشكل متداخل وغير واضح ثم يغادرون تاركين بعض أغراضهم فوق المكعبات : وزرة الخادمة، بندقية الجندي، القضيب الحديدي للعامل و حقيبة والد الطفل المريض. يدخل موزع البريد.
موزع البريد : أيتها السيدات، أيها السادة، كانت هذه بعض الرسائل. أصحابها بحاجة إلى أن تصل إلى المعنيين بها.
تعلمون الآن سبب اختلافي عن موزعي البريد المعتادين، أنتم مثلي تماما و بالتأكيد لكم رسائل تريدون أن
تصل إلى أصحابها. أنا مستعد للقيام بهذه الخدمة. ( يتوجه إلى ناس مفترضين) نعم سيدتي...سأفعل. (
ينزل إلى القاعة ) مفهوم سيدي... سأقوم بالواجب . أنا قادم يا ولدي... نعم سيدتي بكل سرور... (يخرج
من الباب المخصص للمشاهدين، عودة إلى الخشبة ، إضاءة فوق المكعبات مع الأغراض الموضوعة
فوقها)
نهاية
(الخشبة فارغة تماما. تغمرها الإضاءة بشكل تدريجي مصحوبة بموسيقى هادئة. يدخل موزع البريد, وهو ممثل بلباس عادي يتقدم نحو الجمهور)
موزع البريد : مساء الخير, أقدم لكم نفسي, أنا موزع البريد ...صحيح, ليست
لدي بدلة الموزعين ولا قبعتهم, ولا حتى حقيبتهم الضخمة... لكن
صدقوني , أنا فعلا موزع بريد ولدي رسائل لكم ولكل اللذين لم
يحالفهم الحظ للمجيء إلى المسرح هذا المساء. إنها رسائل من
العرق, من الدم ، من الدموع... ومن الأمل...
(يغادرالموزع الخشبة, بينما تسمع في الكواليس أصوات متداخلة, لا نكاد نتبين مضمونها ولا هوية أصحابها. أصحاب الأصوات يتقدمون إلى وسط الخشبة تحت إضاءة خافتة, يحملون مكعبات مختلفة الأحجام ويرددون مقتطفات من رسائل متنوعة, يأخذون مكانهم فوق الركح تحت إضاءة شاملة. إنهم أربعة أطفال: خادمة وطفل عامل وطفل مجند ورابعة يظهر عليها علامة المرض)
الخادمة : أمي العزيزة, أنا الآن فوق سطح منزل مشغلتي. من هنا, أستطيع أن
أرى الحدائق والأزقة والأطفال ...وجزئا من السماء،أستطيع أن أشم
عبق الزهور القادم من الحقول البعيدة و أستمع لغناء الطيور المحلقة
فوق المدينة الصاخبة. هنا، فوق هذا السطح، أستعيد جزئا من طفولتي.
أمي، في هذا البيت، أقوم بكل شيء، أنظف، أكنس، أطبخ أحيانا وأهتم كذلك
بالرضيع.
فوق السطح، أختلي بنفسي قليلا، أشاهد السحب وأبكي في صمت.
العامل : سيدي صاحب المعمل، إن يدي الصغيرة المجروحة لا تقوى على رفع
القلم، لكنني سأحاول الكتابة لعل الألم يساعد الكلمات على الاستقرار فوق
الورق.
سيدي صاحب المعمل، حين جاءت بي والدتي إلى معملك، كانت تتمنى أن
أتعلم الحرفة على يديك وأتقاضى ما أساعد به أسرتي الفقيرة على متاعب
الحياة، لكن، منذ أن وطأت قدماي معملك وأنا لا أقوم سوى بجر القضبان
الحديدية من المعمل إلى ورشات البناء... سيدي صاحب المعمل، قفازتان
وبضع ساعات لتقوية تعليمي هذا كل ما أطلبه منك.
المجند : السيد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، أراسلكم من مخبئي. من وراء متراس في مكان ما
...مكان غريب عن عالمي الصغير. إنه دوري في الحراسة هذا المساء. يقول القائد إنه مرتاح
لمستواي في الجندية، وقد هنأني على ذلك ورقاني إلى درجة عريف في فرقتي المكونة من
أطفال في مثل سني. في المرة الأخيرة هاجمنا قرية وقتلنا من سكانها الكثير... من ضمنهم
أطفال، بكيت تلك الليلة في السر...هناك، فوق التلة المجاورة للمخيم. السيد الأمين العام لمنظمة
الأمم المتحدة، أنا لست راضيا على ما يحدث.
الطفلة المريضة : السادة وزراء الصحة، أنا مريض، مريض جدا،
وبحاجة فورية إلى عملية جراحية ، في المستشفى،
يقول المسؤولون هناك بأن لا وجود لأي سرير لي. لكن،
حين أطلب من أبي و أمي أن يأخذا سريري إلى المستشفى،
يبتسمان ثم يحضناني بحرارة ولا يجيبان.
(يردد الأطفال الأربعة مقاطع من رسائلهم في نفس الوقت بشكل متداخل ورتيب ثم يغادرون الخشبة بعد أن يضعوا في العمق مكعباتهم مرتبة بشكل تصاعدي بحيث تشكل ّسلّما. في الوقت نفسه، يرتفع حبل غسيل عليه بعض الملابس في العمق مشدود من طرفي الخشبة جهة الكواليس بحيث لا وجود فوق الركح سوى للحبل والسلم )
الرسالة الأولى
(تدخل الخادمة، تصعد الدرج، تقف على أكبر قطعة منه تأخذ بعض الملابس من حبل الغسيل ثم تتوقف شاردة أمام الجمهور: إضاءة مركزة)
الخادمة : أمي، حين أكون في سطح البيت، يعجبني منظر الأطفال وهم يلعبون، أتسائل دائما إن كنت لا
زلت أتذكر شكل اللعب وقوانينه...اللعب! كلمة لم يعد لها وجود في قاموسي الصغير...ألعب،
أنا! ولم لا؟ لا يمكن أن أكون قد نسيت اللعب تماما.
( تأخذ قطعة طباشير من جيبها وتخط بها مربعات فوق مكعبها الكبير، ثم تأخذ قطعة حجر أيضا من جيبها فترمي بها على المربعات وتبدأ في القفزمن مربع إلى آخر وتعيد الرمي ثانية والقفز مرة أخرى وهي في قمة الفرح)
الخادمة : ( وهي تلعب ) أنظروا إنني ألعب! ألعب! لم أنس اللعب إذن! ألعب!
ألعب! أنا طفلة صغيرة تحب اللعب! ألعب! أنظروا! ( تتوقف الخادمة
الصغيرة فجأة ثم تتسمر في مكانها وكأنها تذكرت أمرا خطيرا فتبدأ في
مسح ما خطته من مربعات على السطح) لا، لا يجب أن ألعب علي أن
أعمل. أغسل، أمسح، أكنس، أطبخ، أغير للرضيع... ( تستمر في ترديد
هذا الكلام بشكل آلي وخافت وهي تأخذ الملابس من فوق الحبل. تتوقف
وتنظر من فوق السطح حين تسمع أنين طفل في الشارع )
( تنزل الخادمة الصغيرة من فوق السطح مسرعة بينما يظهر الطفل العامل من الجهة الأخرى(الشارع) وهو يجر قضبانين من الحديد واحد بكل يد)
الطفل العامل : آه! يداي، يداي تورمتان من جر هذه القضبان اللعينة. لولم تكن أمي بحاجة إلى تلك
الدراهم التي أتقاضاها من مشغلي لتركت الشغل وعدت إلى المدرسة. لكن ما العمل؟
لو يسمح لي مشغلي فقط بمغادرة العمل باكرا لأتمكن من التعلم مساء!
( تظهر الخادمة وفي يدها دواء وضمادات)
الطفلة الخادمة : يبدو أنك تتألم، ما بك؟
الطفل العامل : يداي، يداي مجروحتان
الطفلة الخادمة : دعني أرى...سأضع لك دواء و ضمادا يخفف عنك الألم. عملك شاق جدا لم لا تتركه؟
الطفل العامل : أحاول مساعدة والدتي. أنت من أصحاب البيت أم ...
الطفلة الخادمة : أنا خادمة، أنا أيضا أعمل من أجل مساعدة والدتي لكن يبدو أنني أوفر حظا منك.
الطفل العامل : ربما...شكرا على المساعدة، لعل البيت مليء باللعب المسلية، أليس كذلك؟
الطفلة الخادمة : بلا. لكنها لعب أطفال مشغلتي...ليس لدي الحق في اللعب بها. من حين لآخر أقوم
بتنظيفها
الطفل العامل : شكرا مرة أخرى، إنه لطف كبير منك
( في هذه الأثناء تظهر مشغلة الخادمة عائدة إلى البيت تتوجه نحو الخادمة والشرر يتطاير من عينيها)
المشغلة : لم أدرأنك تحولين بيتي إلى عيادة مفتوحة أثناء غيابي! ترى ما ثمن الفحص؟ أم أنه مجاني!
الطفلة الخادمة : سيدتي، إنه جريح وبحاجة إلى علاج.
المشغلة : وبما أن البيت بيتك والدواء دوائك فإنك تفعلين ما بدا لك. تستقبلين المرضى وتوزعين العلاج
والدواء على من هب و دب.
الطفل العامل : سيدتي، أنا الذي...
المشغلة : أسكت أنت أيها المتشرد البئيس و إلا ناديت على الشرطة لتأديبك...هيا اغرب عن وجهي
( ينسحب الطفل العامل ببطء وعيناه لا تفارقان الخادمة)
المشغلة : ( موجهة الكلام هذه المرة للخادمة ) أما أنت، فحسابي معك سيكون عسيرا، سأعاقبك عقابا لن
تنسينه أبدا. (تجر المشغلة الخادمة من شعرها إلى داخل البيت ثم يسمع صراخ ممزوج بالبكاء
يتداخل معه أنين الطفل العامل الذي يبتعد شيئا فشيئا تخفت الإضاءة ويسمع دوي الرصاص فيظهر الطفل
المجند حاملا مكعبا يقيه من الرصاص)
الرسالة الثانية
الطفل المجند : ( يتوقف القصف تدريجيا فيبدأ الطفل المجند بإظهار رأسه من خلف المكعب ـ المتراس ـ ثم
يستعمل المكعب وكأنه منبر)
الطفل المجند : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، كل يوم يأتي القائد بمجندين جدد، أطفال في مثل سني و
أحيانا أقل. حين أراهم لأول مرة، أتذكر أسرتي.
إضاءة خافتة على المجند، يسمع صوت جنود قادمين وهم يرددون نشيدا عسكريا، تعود الإضاءة الشاملة مع ظهور المجندين الجدد يسبقهم الطفل المجند والذي يحمل رتبة عريف.
العريف يبدأ عبارات النشيد الجديد، والمجندون الجدد يرددون وراءه يكل براءة
أنتم أطفال رجال نحن أطفال رجال
في الحرب أنتم أبطال في الحرب نحن أبطال
لا مجال للألعاب لا مجال للألعاب
العدو في الأبواب العدو في الأبواب
انس الكرة والكتاب انس الكرة والكتاب
انس الأهل والأحباب انس الأهل والأحباب
خذ طريقك في الكفاح خذ طريقك في الكفاح
اهجم واحمل السلاح اهجم واحمل السلاح
يعيد المجندون النشيد مرة أخرى و هم يحاولون الاصطفاف في خط أفقي أمام العريف
القائد : أيها المجندون الجدد، أنا هنا قائدكم. للإجابة على أسئلتي، تقولون، نعم، أيها القائد أو لا، أيها
القائد.بالأمس القريب، كنتم مع آبائكم وأمهاتكم، كنتم مع أخواتكم و إخوانكم، مع عماتكم وخالاتكم، مع
أعمامكم و أصدقائكم وجيرانكم...اليوم، الواجب يناديكم... لم يعد الأمر كالسابق. أيها العريف...
العريف : نعم أيها القائد
القائد : من هو أبوك؟
العريف : أنت أيها
القائد : أمك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : أخوك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : أختك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : خالك
العريف : أنت أيها القائد
القائد : عمتك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : جدك؟ صديقك؟ جارك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : انصراف أيها العريف.
القائد : (متوجها بالكلام إلى باقي المجندين) أسمعتم أيها المجندون؟ ( متوجها نحو أحد المجندين) أنت! قل
لي من أكون؟
أحد المجندين : ( بتردد) أنت عائلة العريف أيها القائد. ( ضحك خفيف في صف المجندين)
القائد : أيها الغبي! لم تفهم شيئا ( متوجها نحوآخر) أنت... قل لهم من أكون؟
المجند الآخر : ( بتردد) أنت عائلة العريف... و أصدقاؤه ( المجندون يحاولون عبثا خنق ضحكاتهم )
القائد : أنتم الغباء بلحمه و شحمه، أيها الحمقى، أنا هنا أبوكم و أمكم، أخوكم و خالتكم، أصدقاؤكم و
جيرانكم...هل فهمتم أيها المجندون؟
المجند : أجل يا أمي... آههه ... نعم يا أيها القائد.( ضحكات هذه المرة أقرب إلى القهقهة)
القائد : ( بغضب كبير) ستقومون بالجري ساعة كاملة...مع الحركات والأعمال الشاقة، مفهوم؟
المجندون : مفهوم بابا...آههه... نعم أيها القائد.
القائد : ايها العريف!
العريف : نعم أيها القائد
القائد : الليلة دورك في الحراسة هذا المساء، افتح عينيك جيدا...(متوجها بالكلام إلى باقي المجندين) أما
أنتم ،فحسابي معكم سيكون عسيرا. هيا... انصراف. ( يأخذ المجندون مكانهم في الصف، ثم
يتبعون العريف مرددين وراءه نفس النشيد
(يعود العريف إلى مكانه خلف المكعب)
(تسمع خطوات جنود تبتعد تدريجيا ثم تختفي)
العريف : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، كلما اختليت بنفسي، أشعر بالحنين إلى أيام الطفولة،(يبتسم قليلا) أقول
هذا الكلام وكأننني بلغت الأربعين، أقصد الطفولة العادية، حين كنت أحمل المحفظة بدل البندقية
(يضع البندقية جانبا) والقبعة الملونة عوض الخودة العسكرية.
( يضع الخودة فوق المكعب، ثم يأخذ من جيبه قطعة قماش مرسوم عليها مربعات كرة القدم فيلبسها
للخودة بحيث تأخذ شكل الكرة، يضعها أرضا ثم يبدأ في التمثيل وكأنه في ملعب غاص بالجماهير
التي تحييه كلما سجل هدفا فيبدأ في الركض في كل اتجاهات الخشبة، يحاكي قذف الكرة ويرد على
تحايا "الجمهور" الذي يسمع هتافه من حين لآخر قبل أن يتوقف حين يقاطعه دوي الرصاص من
بعيد، فيخلع عن الخودة القماش ويعيدها فوق رأسه ثم يضع البندقبة على كتفه وهو يرتجف من
الخوف فيختفي خلف متراسه المكعب قبل أن ينسحب بعيدا)
الرسالة الثالتة
(يتقدم الطفل المريض جالسا فوق مكعبه الصغير ـ الذي يأخذ شكل كرسي متحرك ـ ثم يأخذ مكانه في مقدمة
الخشبة أقصى اليمين، فيضع أمامه حقيبته الصغيرة قبل أن يرفع بصره بهدوء إلى القاعة.)
الطفل المريض : السادة وزراء الصحة ، في آخر موعد لي مع المستشفى، كنا في الوقت المحدد بالظبط. أنا
بحقيبتي الصغيرة التي وضعت بها امي إلى جانب أغراضي قطعا من الحلوى ولعبتي المفضلة،
ووالدي بمحفظته الكبيرة (يدخل الوالد ويقف خلف الكتف الأيمن لابنه) كانت الساعة تشير إلى
التاسعة صباحا، الصمت يخيم على المكان والممرضة تتتحدث في الهاتف. (تدخل الممرضة
دافعة باليد اليمنى مكعبا متوسط الحجم فوقه مكعبا صغيرا وحقيبة يدوية، وحاملة هاتفا باليد
اليسرى. تتوقف في مقدمة الخشبة أقصى اليسار تضع المكعب الأصغر خلف الأكبر تجلس فوقه
وكأنها في مكتب وتواصل الحديث في الهاتف)
الممرضة : (بعد قهقهة مدوية) نكتة جيدة، سأحكيها لزملائي فور لقائي بهم، بخصوص الموعد، لا تقلق
سأتدبر الأمر...لا لا لا في غضون هذا الأسبوع سأهاتفك... مع السلامة. (تضع هاتفها في
جيبها وتتوجه للأب) نعم؟
الأب : ( يقدم ورقة للممرضة) أنا هنا من أجل الموعد. موعد عملية ابني
الممرضة : آه...العملية...هل جئت باللوازم
الأب : نعم
الممرضة : البنج
الأب : معي سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : الخيط
الأب : معي (يضعه فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : لوازم التعقيم
الأب : أحضرتها سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : القطن و الضمادات
الأب : أحضرتها أيضا سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
(تنتفض الممرضة قائمة من مكانها وكأنها شعرت بخسارة التحدي)
الممرضة : نسخة من البطاقة الوطنية
الاب : نسخة من البطاقة (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : نسخة من شهادة ازدياد الولد
الأب : معي سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : باللغتين
الأب : معي نسخة باللغتين (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : عقد الزواج
الأب : هاهو سيدتي (يضعه فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : مترجم ومصادق عليه
الأب : معي نسختين بلغتين أجنبيتين مختلفتين و مصادق عليهما (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : (بتوتر واضح) شهادة الحياة، شهادة العمل، شهادة الأجرة...
الأب : أحضرتها سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : أنت تغيضني بانظباطك ، جاهز تماما! لكن من سوء حظك أن غرفة العمليات في المستشفى محجوزة
لمدة أربعة أسابيع، عد بعد شهر ( تعطيه الاوراق ) و أحضر معك أوراق ولوازم جديدة.
(يجمع الأب الأوراق واللوازم في محفظته بهدوء كبير يتجه نحو ابنه يدغع به المكعب ـ الكرسي ـ إلى وسط الخشبة في اتجاه الخروج ثم يتوقف)
الأب : هيا يا بني، سنعود إلى البيت
الطفل المريض : والعملية
الأب : العملية! قل لي يا بني، هل درست العمليات جيدا في مادة الرياضيات
الطفل المريض : ( بكل براءة الأطفال) نعم يا أبي أعرفها كلها... أعرف الجمع
الأب : الجمع، حسنا اجمع يا بني ما سمعته على ما تعيشه يوميا
الطفل المريض : و أعرف الطرح
الأب : اطرح الكثير من الرحمة والمسؤولية
الطفل المريض : والضرب
الأب : اضرب الكل في عدد السنوات المتبقة في عمرك
الطفل المريض : والقسمة يا أبي
الأب : اقسم الحاصل على عدد الأطفال أمثالك في باقي العالم. هيا يا بني وسنعود بعد شهر.
ورسالة أخرى
الخادمة : أمي ، أحن إلى صدرك الحنون الدافئ، أحن إلى لمستك الناعمة، إلى ذلك الشعور المنعش حين تتخلل أصابعك
شعري ...أمي ، أريد أن أستعيد طفولتي ، هنا أختنق، أختنق.
الطفل العامل : سيدي صاحب المعمل، لا أطلب سوى بضع ساعات لأتمكن من التعلم في المساء، وقفازتين ليدي، لا يمكن
أن تساوي عدد ساعات عملي بعدد ساعات الكبار، سيدي، فكر في وضعيتي كما تفكر في واحد من أولادك.
الطفل المجند : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، قل لهم أن يوقفوا الحرب! ساعدني ان أجد قبعتي و كرتي الصغيرة،
أكره البندقبة و صوت الرصاص، أريد طفولتي، أريد طفولتي.
الطفل المريض : السادة وزاء الصحة : يقول والدي إن مدة صلاحية الأوراق التي بحوزته قد انتهت، والدي صبور جدا
سيبدأ في تهييئ أوراق أخرى بلا شك. لا أريد أن يمرض أبي...إذا كنتم لا تتوقرون على سرير لطفل
صغير مثلي، مع أبي سيكون الأمر أصعب. السادة وزراء الصحة...لا أريد أن أموت الآن.
يبدأ الأطفال الأربعة في سرد مقاطع من رسائلهم كما في ـ بداية المسرحية ـ بشكل متداخل وغير واضح ثم يغادرون تاركين بعض أغراضهم فوق المكعبات : وزرة الخادمة، بندقية الجندي، القضيب الحديدي للعامل و حقيبة والد الطفل المريض. يدخل موزع البريد.
موزع البريد : أيتها السيدات، أيها السادة، كانت هذه بعض الرسائل. أصحابها بحاجة إلى أن تصل إلى المعنيين بها.
تعلمون الآن سبب اختلافي عن موزعي البريد المعتادين، أنتم مثلي تماما و بالتأكيد لكم رسائل تريدون أن
تصل إلى أصحابها. أنا مستعد للقيام بهذه الخدمة. ( يتوجه إلى ناس مفترضين) نعم سيدتي...سأفعل. (
ينزل إلى القاعة ) مفهوم سيدي... سأقوم بالواجب . أنا قادم يا ولدي... نعم سيدتي بكل سرور... (يخرج
من الباب المخصص للمشاهدين، عودة إلى الخشبة ، إضاءة فوق المكعبات مع الأغراض الموضوعة
فوقها)
نهاية
رسائل
بوبكر فهمي
المغرب
(الخشبة فارغة تماما. تغمرها الإضاءة بشكل تدريجي مصحوبة بموسيقى هادئة. يدخل موزع البريد, وهو ممثل بلباس عادي يتقدم نحو الجمهور)
موزع البريد : مساء الخير, أقدم لكم نفسي, أنا موزع البريد ...صحيح, ليست
لدي بدلة الموزعين ولا قبعتهم, ولا حتى حقيبتهم الضخمة... لكن
صدقوني , أنا فعلا موزع بريد ولدي رسائل لكم ولكل اللذين لم
يحالفهم الحظ للمجيء إلى المسرح هذا المساء. إنها رسائل من
العرق, من الدم ، من الدموع... ومن الأمل...
(يغادرالموزع الخشبة, بينما تسمع في الكواليس أصوات متداخلة, لا نكاد نتبين مضمونها ولا هوية أصحابها. أصحاب الأصوات يتقدمون إلى وسط الخشبة تحت إضاءة خافتة, يحملون مكعبات مختلفة الأحجام ويرددون مقتطفات من رسائل متنوعة, يأخذون مكانهم فوق الركح تحت إضاءة شاملة. إنهم أربعة أطفال: خادمة وطفل عامل وطفل مجند ورابعة يظهر عليها علامة المرض)
الخادمة : أمي العزيزة, أنا الآن فوق سطح منزل مشغلتي. من هنا, أستطيع أن
أرى الحدائق والأزقة والأطفال ...وجزئا من السماء،أستطيع أن أشم
عبق الزهور القادم من الحقول البعيدة و أستمع لغناء الطيور المحلقة
فوق المدينة الصاخبة. هنا، فوق هذا السطح، أستعيد جزئا من طفولتي.
أمي، في هذا البيت، أقوم بكل شيء، أنظف، أكنس، أطبخ أحيانا وأهتم كذلك
بالرضيع.
فوق السطح، أختلي بنفسي قليلا، أشاهد السحب وأبكي في صمت.
العامل : سيدي صاحب المعمل، إن يدي الصغيرة المجروحة لا تقوى على رفع
القلم، لكنني سأحاول الكتابة لعل الألم يساعد الكلمات على الاستقرار فوق
الورق.
سيدي صاحب المعمل، حين جاءت بي والدتي إلى معملك، كانت تتمنى أن
أتعلم الحرفة على يديك وأتقاضى ما أساعد به أسرتي الفقيرة على متاعب
الحياة، لكن، منذ أن وطأت قدماي معملك وأنا لا أقوم سوى بجر القضبان
الحديدية من المعمل إلى ورشات البناء... سيدي صاحب المعمل، قفازتان
وبضع ساعات لتقوية تعليمي هذا كل ما أطلبه منك.
المجند : السيد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، أراسلكم من مخبئي. من وراء متراس في مكان ما
...مكان غريب عن عالمي الصغير. إنه دوري في الحراسة هذا المساء. يقول القائد إنه مرتاح
لمستواي في الجندية، وقد هنأني على ذلك ورقاني إلى درجة عريف في فرقتي المكونة من
أطفال في مثل سني. في المرة الأخيرة هاجمنا قرية وقتلنا من سكانها الكثير... من ضمنهم
أطفال، بكيت تلك الليلة في السر...هناك، فوق التلة المجاورة للمخيم. السيد الأمين العام لمنظمة
الأمم المتحدة، أنا لست راضيا على ما يحدث.
الطفلة المريضة : السادة وزراء الصحة، أنا مريض، مريض جدا،
وبحاجة فورية إلى عملية جراحية ، في المستشفى،
يقول المسؤولون هناك بأن لا وجود لأي سرير لي. لكن،
حين أطلب من أبي و أمي أن يأخذا سريري إلى المستشفى،
يبتسمان ثم يحضناني بحرارة ولا يجيبان.
(يردد الأطفال الأربعة مقاطع من رسائلهم في نفس الوقت بشكل متداخل ورتيب ثم يغادرون الخشبة بعد أن يضعوا في العمق مكعباتهم مرتبة بشكل تصاعدي بحيث تشكل ّسلّما. في الوقت نفسه، يرتفع حبل غسيل عليه بعض الملابس في العمق مشدود من طرفي الخشبة جهة الكواليس بحيث لا وجود فوق الركح سوى للحبل والسلم )
الرسالة الأولى
(تدخل الخادمة، تصعد الدرج، تقف على أكبر قطعة منه تأخذ بعض الملابس من حبل الغسيل ثم تتوقف شاردة أمام الجمهور: إضاءة مركزة)
الخادمة : أمي، حين أكون في سطح البيت، يعجبني منظر الأطفال وهم يلعبون، أتسائل دائما إن كنت لا
زلت أتذكر شكل اللعب وقوانينه...اللعب! كلمة لم يعد لها وجود في قاموسي الصغير...ألعب،
أنا! ولم لا؟ لا يمكن أن أكون قد نسيت اللعب تماما.
( تأخذ قطعة طباشير من جيبها وتخط بها مربعات فوق مكعبها الكبير، ثم تأخذ قطعة حجر أيضا من جيبها فترمي بها على المربعات وتبدأ في القفزمن مربع إلى آخر وتعيد الرمي ثانية والقفز مرة أخرى وهي في قمة الفرح)
الخادمة : ( وهي تلعب ) أنظروا إنني ألعب! ألعب! لم أنس اللعب إذن! ألعب!
ألعب! أنا طفلة صغيرة تحب اللعب! ألعب! أنظروا! ( تتوقف الخادمة
الصغيرة فجأة ثم تتسمر في مكانها وكأنها تذكرت أمرا خطيرا فتبدأ في
مسح ما خطته من مربعات على السطح) لا، لا يجب أن ألعب علي أن
أعمل. أغسل، أمسح، أكنس، أطبخ، أغير للرضيع... ( تستمر في ترديد
هذا الكلام بشكل آلي وخافت وهي تأخذ الملابس من فوق الحبل. تتوقف
وتنظر من فوق السطح حين تسمع أنين طفل في الشارع )
( تنزل الخادمة الصغيرة من فوق السطح مسرعة بينما يظهر الطفل العامل من الجهة الأخرى(الشارع) وهو يجر قضبانين من الحديد واحد بكل يد)
الطفل العامل : آه! يداي، يداي تورمتان من جر هذه القضبان اللعينة. لولم تكن أمي بحاجة إلى تلك
الدراهم التي أتقاضاها من مشغلي لتركت الشغل وعدت إلى المدرسة. لكن ما العمل؟
لو يسمح لي مشغلي فقط بمغادرة العمل باكرا لأتمكن من التعلم مساء!
( تظهر الخادمة وفي يدها دواء وضمادات)
الطفلة الخادمة : يبدو أنك تتألم، ما بك؟
الطفل العامل : يداي، يداي مجروحتان
الطفلة الخادمة : دعني أرى...سأضع لك دواء و ضمادا يخفف عنك الألم. عملك شاق جدا لم لا تتركه؟
الطفل العامل : أحاول مساعدة والدتي. أنت من أصحاب البيت أم ...
الطفلة الخادمة : أنا خادمة، أنا أيضا أعمل من أجل مساعدة والدتي لكن يبدو أنني أوفر حظا منك.
الطفل العامل : ربما...شكرا على المساعدة، لعل البيت مليء باللعب المسلية، أليس كذلك؟
الطفلة الخادمة : بلا. لكنها لعب أطفال مشغلتي...ليس لدي الحق في اللعب بها. من حين لآخر أقوم
بتنظيفها
الطفل العامل : شكرا مرة أخرى، إنه لطف كبير منك
( في هذه الأثناء تظهر مشغلة الخادمة عائدة إلى البيت تتوجه نحو الخادمة والشرر يتطاير من عينيها)
المشغلة : لم أدرأنك تحولين بيتي إلى عيادة مفتوحة أثناء غيابي! ترى ما ثمن الفحص؟ أم أنه مجاني!
الطفلة الخادمة : سيدتي، إنه جريح وبحاجة إلى علاج.
المشغلة : وبما أن البيت بيتك والدواء دوائك فإنك تفعلين ما بدا لك. تستقبلين المرضى وتوزعين العلاج
والدواء على من هب و دب.
الطفل العامل : سيدتي، أنا الذي...
المشغلة : أسكت أنت أيها المتشرد البئيس و إلا ناديت على الشرطة لتأديبك...هيا اغرب عن وجهي
( ينسحب الطفل العامل ببطء وعيناه لا تفارقان الخادمة)
المشغلة : ( موجهة الكلام هذه المرة للخادمة ) أما أنت، فحسابي معك سيكون عسيرا، سأعاقبك عقابا لن
تنسينه أبدا. (تجر المشغلة الخادمة من شعرها إلى داخل البيت ثم يسمع صراخ ممزوج بالبكاء
يتداخل معه أنين الطفل العامل الذي يبتعد شيئا فشيئا تخفت الإضاءة ويسمع دوي الرصاص فيظهر الطفل
المجند حاملا مكعبا يقيه من الرصاص)
الرسالة الثانية
الطفل المجند : ( يتوقف القصف تدريجيا فيبدأ الطفل المجند بإظهار رأسه من خلف المكعب ـ المتراس ـ ثم
يستعمل المكعب وكأنه منبر)
الطفل المجند : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، كل يوم يأتي القائد بمجندين جدد، أطفال في مثل سني و
أحيانا أقل. حين أراهم لأول مرة، أتذكر أسرتي.
إضاءة خافتة على المجند، يسمع صوت جنود قادمين وهم يرددون نشيدا عسكريا، تعود الإضاءة الشاملة مع ظهور المجندين الجدد يسبقهم الطفل المجند والذي يحمل رتبة عريف.
العريف يبدأ عبارات النشيد الجديد، والمجندون الجدد يرددون وراءه يكل براءة
أنتم أطفال رجال نحن أطفال رجال
في الحرب أنتم أبطال في الحرب نحن أبطال
لا مجال للألعاب لا مجال للألعاب
العدو في الأبواب العدو في الأبواب
انس الكرة والكتاب انس الكرة والكتاب
انس الأهل والأحباب انس الأهل والأحباب
خذ طريقك في الكفاح خذ طريقك في الكفاح
اهجم واحمل السلاح اهجم واحمل السلاح
يعيد المجندون النشيد مرة أخرى و هم يحاولون الاصطفاف في خط أفقي أمام العريف
القائد : أيها المجندون الجدد، أنا هنا قائدكم. للإجابة على أسئلتي، تقولون، نعم، أيها القائد أو لا، أيها
القائد.بالأمس القريب، كنتم مع آبائكم وأمهاتكم، كنتم مع أخواتكم و إخوانكم، مع عماتكم وخالاتكم، مع
أعمامكم و أصدقائكم وجيرانكم...اليوم، الواجب يناديكم... لم يعد الأمر كالسابق. أيها العريف...
العريف : نعم أيها القائد
القائد : من هو أبوك؟
العريف : أنت أيها
القائد : أمك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : أخوك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : أختك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : خالك
العريف : أنت أيها القائد
القائد : عمتك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : جدك؟ صديقك؟ جارك؟
العريف : أنت أيها القائد
القائد : انصراف أيها العريف.
القائد : (متوجها بالكلام إلى باقي المجندين) أسمعتم أيها المجندون؟ ( متوجها نحو أحد المجندين) أنت! قل
لي من أكون؟
أحد المجندين : ( بتردد) أنت عائلة العريف أيها القائد. ( ضحك خفيف في صف المجندين)
القائد : أيها الغبي! لم تفهم شيئا ( متوجها نحوآخر) أنت... قل لهم من أكون؟
المجند الآخر : ( بتردد) أنت عائلة العريف... و أصدقاؤه ( المجندون يحاولون عبثا خنق ضحكاتهم )
القائد : أنتم الغباء بلحمه و شحمه، أيها الحمقى، أنا هنا أبوكم و أمكم، أخوكم و خالتكم، أصدقاؤكم و
جيرانكم...هل فهمتم أيها المجندون؟
المجند : أجل يا أمي... آههه ... نعم يا أيها القائد.( ضحكات هذه المرة أقرب إلى القهقهة)
القائد : ( بغضب كبير) ستقومون بالجري ساعة كاملة...مع الحركات والأعمال الشاقة، مفهوم؟
المجندون : مفهوم بابا...آههه... نعم أيها القائد.
القائد : ايها العريف!
العريف : نعم أيها القائد
القائد : الليلة دورك في الحراسة هذا المساء، افتح عينيك جيدا...(متوجها بالكلام إلى باقي المجندين) أما
أنتم ،فحسابي معكم سيكون عسيرا. هيا... انصراف. ( يأخذ المجندون مكانهم في الصف، ثم
يتبعون العريف مرددين وراءه نفس النشيد
(يعود العريف إلى مكانه خلف المكعب)
(تسمع خطوات جنود تبتعد تدريجيا ثم تختفي)
العريف : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، كلما اختليت بنفسي، أشعر بالحنين إلى أيام الطفولة،(يبتسم قليلا) أقول
هذا الكلام وكأننني بلغت الأربعين، أقصد الطفولة العادية، حين كنت أحمل المحفظة بدل البندقية
(يضع البندقية جانبا) والقبعة الملونة عوض الخودة العسكرية.
( يضع الخودة فوق المكعب، ثم يأخذ من جيبه قطعة قماش مرسوم عليها مربعات كرة القدم فيلبسها
للخودة بحيث تأخذ شكل الكرة، يضعها أرضا ثم يبدأ في التمثيل وكأنه في ملعب غاص بالجماهير
التي تحييه كلما سجل هدفا فيبدأ في الركض في كل اتجاهات الخشبة، يحاكي قذف الكرة ويرد على
تحايا "الجمهور" الذي يسمع هتافه من حين لآخر قبل أن يتوقف حين يقاطعه دوي الرصاص من
بعيد، فيخلع عن الخودة القماش ويعيدها فوق رأسه ثم يضع البندقبة على كتفه وهو يرتجف من
الخوف فيختفي خلف متراسه المكعب قبل أن ينسحب بعيدا)
الرسالة الثالتة
(يتقدم الطفل المريض جالسا فوق مكعبه الصغير ـ الذي يأخذ شكل كرسي متحرك ـ ثم يأخذ مكانه في مقدمة
الخشبة أقصى اليمين، فيضع أمامه حقيبته الصغيرة قبل أن يرفع بصره بهدوء إلى القاعة.)
الطفل المريض : السادة وزراء الصحة ، في آخر موعد لي مع المستشفى، كنا في الوقت المحدد بالظبط. أنا
بحقيبتي الصغيرة التي وضعت بها امي إلى جانب أغراضي قطعا من الحلوى ولعبتي المفضلة،
ووالدي بمحفظته الكبيرة (يدخل الوالد ويقف خلف الكتف الأيمن لابنه) كانت الساعة تشير إلى
التاسعة صباحا، الصمت يخيم على المكان والممرضة تتتحدث في الهاتف. (تدخل الممرضة
دافعة باليد اليمنى مكعبا متوسط الحجم فوقه مكعبا صغيرا وحقيبة يدوية، وحاملة هاتفا باليد
اليسرى. تتوقف في مقدمة الخشبة أقصى اليسار تضع المكعب الأصغر خلف الأكبر تجلس فوقه
وكأنها في مكتب وتواصل الحديث في الهاتف)
الممرضة : (بعد قهقهة مدوية) نكتة جيدة، سأحكيها لزملائي فور لقائي بهم، بخصوص الموعد، لا تقلق
سأتدبر الأمر...لا لا لا في غضون هذا الأسبوع سأهاتفك... مع السلامة. (تضع هاتفها في
جيبها وتتوجه للأب) نعم؟
الأب : ( يقدم ورقة للممرضة) أنا هنا من أجل الموعد. موعد عملية ابني
الممرضة : آه...العملية...هل جئت باللوازم
الأب : نعم
الممرضة : البنج
الأب : معي سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : الخيط
الأب : معي (يضعه فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : لوازم التعقيم
الأب : أحضرتها سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : القطن و الضمادات
الأب : أحضرتها أيضا سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
(تنتفض الممرضة قائمة من مكانها وكأنها شعرت بخسارة التحدي)
الممرضة : نسخة من البطاقة الوطنية
الاب : نسخة من البطاقة (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : نسخة من شهادة ازدياد الولد
الأب : معي سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : باللغتين
الأب : معي نسخة باللغتين (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : عقد الزواج
الأب : هاهو سيدتي (يضعه فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : مترجم ومصادق عليه
الأب : معي نسختين بلغتين أجنبيتين مختلفتين و مصادق عليهما (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : (بتوتر واضح) شهادة الحياة، شهادة العمل، شهادة الأجرة...
الأب : أحضرتها سيدتي (يضعها فوق المكعب ـ المكتب ـ )
الممرضة : أنت تغيضني بانظباطك ، جاهز تماما! لكن من سوء حظك أن غرفة العمليات في المستشفى محجوزة
لمدة أربعة أسابيع، عد بعد شهر ( تعطيه الاوراق ) و أحضر معك أوراق ولوازم جديدة.
(يجمع الأب الأوراق واللوازم في محفظته بهدوء كبير يتجه نحو ابنه يدغع به المكعب ـ الكرسي ـ إلى وسط الخشبة في اتجاه الخروج ثم يتوقف)
الأب : هيا يا بني، سنعود إلى البيت
الطفل المريض : والعملية
الأب : العملية! قل لي يا بني، هل درست العمليات جيدا في مادة الرياضيات
الطفل المريض : ( بكل براءة الأطفال) نعم يا أبي أعرفها كلها... أعرف الجمع
الأب : الجمع، حسنا اجمع يا بني ما سمعته على ما تعيشه يوميا
الطفل المريض : و أعرف الطرح
الأب : اطرح الكثير من الرحمة والمسؤولية
الطفل المريض : والضرب
الأب : اضرب الكل في عدد السنوات المتبقة في عمرك
الطفل المريض : والقسمة يا أبي
الأب : اقسم الحاصل على عدد الأطفال أمثالك في باقي العالم. هيا يا بني وسنعود بعد شهر.
ورسالة أخرى
الخادمة : أمي ، أحن إلى صدرك الحنون الدافئ، أحن إلى لمستك الناعمة، إلى ذلك الشعور المنعش حين تتخلل أصابعك
شعري ...أمي ، أريد أن أستعيد طفولتي ، هنا أختنق، أختنق.
الطفل العامل : سيدي صاحب المعمل، لا أطلب سوى بضع ساعات لأتمكن من التعلم في المساء، وقفازتين ليدي، لا يمكن
أن تساوي عدد ساعات عملي بعدد ساعات الكبار، سيدي، فكر في وضعيتي كما تفكر في واحد من أولادك.
الطفل المجند : السيد الأمين العام للأمم المتحدة، قل لهم أن يوقفوا الحرب! ساعدني ان أجد قبعتي و كرتي الصغيرة،
أكره البندقبة و صوت الرصاص، أريد طفولتي، أريد طفولتي.
الطفل المريض : السادة وزاء الصحة : يقول والدي إن مدة صلاحية الأوراق التي بحوزته قد انتهت، والدي صبور جدا
سيبدأ في تهييئ أوراق أخرى بلا شك. لا أريد أن يمرض أبي...إذا كنتم لا تتوقرون على سرير لطفل
صغير مثلي، مع أبي سيكون الأمر أصعب. السادة وزراء الصحة...لا أريد أن أموت الآن.
يبدأ الأطفال الأربعة في سرد مقاطع من رسائلهم كما في ـ بداية المسرحية ـ بشكل متداخل وغير واضح ثم يغادرون تاركين بعض أغراضهم فوق المكعبات : وزرة الخادمة، بندقية الجندي، القضيب الحديدي للعامل و حقيبة والد الطفل المريض. يدخل موزع البريد.
موزع البريد : أيتها السيدات، أيها السادة، كانت هذه بعض الرسائل. أصحابها بحاجة إلى أن تصل إلى المعنيين بها.
تعلمون الآن سبب اختلافي عن موزعي البريد المعتادين، أنتم مثلي تماما و بالتأكيد لكم رسائل تريدون أن
تصل إلى أصحابها. أنا مستعد للقيام بهذه الخدمة. ( يتوجه إلى ناس مفترضين) نعم سيدتي...سأفعل. (
ينزل إلى القاعة ) مفهوم سيدي... سأقوم بالواجب . أنا قادم يا ولدي... نعم سيدتي بكل سرور... (يخرج
من الباب المخصص للمشاهدين، عودة إلى الخشبة ، إضاءة فوق المكعبات مع الأغراض الموضوعة
فوقها)
نهاية

0 التعليقات:
إرسال تعليق