تــــــأليف : زهــــــير هــداد السعداوي
مـسـرحـيـة حـارس المَـطـْـخ ممثل واحد وعدة أصوات تأليف سمير عدنان المطرود
الإهداء : الى علي الطرفي .... انها ليست سيرتنا الذاتية
الشخصيات
الرجل ... امه ...ابنته نور ... الطفل ... المعلم .... الشرطي
المشهد الاول
( بيت باثاث بسيط فية مجموعة من استاندات النوطة الموسيقية يجلس بقربها رجل في نهاية الابعينات من العمر سنطلق علية طوال النص كلمة الرجل )
الرجل : على حافة عمر اكل اخضره الانين ... كاد وتر الجنون ان يعزفني لحنا نشازا ...او
ربما عزفني ..فانا لااعرف ان كان المجنون يعرف انه مجنون ... قيل لي ان
المجنون يجد نفسه انه هو الوحيد العاقل في وسط عالم مجنون ... ولاني اشك
في مسألة الجنون او العقل فهذا يعني انني لم اصل على الاقل الى الجنون الكامل
الغريب كيف اني لم اجن ...فعلى عتبات كل عام من عمري هناك نوح وبكاء
وانين ..عند العتبة الاولى وبعد ثلاث خطوات منها في هذا العالم ...خرج ابي
منه... كانه لم يرد ان يكون اثنان من عظماء المعذبين في المكان نفسة وفي
الوقت نفسه ... وبكل كبرياء ترك لي ابي هذه المهمة ... اية مهمه ؟ مهمة ان
اكمل تجرع كأس العذاب الذي ادمن علية والدي ..
ذاكرتي هي احدى اكبر مشاكلي بل هي مشكلتي الكبرى فانا اتذكر كل الاشياء منذ
كنت صغيرا ... موت ابي وحسرة امي علي وانا اطالبها باسكات جوعي ...
احاصرها بنظراتي الطفله وبكائي ... فلم اكن عند موت ابي قد عرفت ان هناك زيف
اخر اسمه الكلام ..او النطق .. بفلسفة اخرى .
الخطوات الست الاولى في عمري نستطيع ان نحصرها بكلمة واحدة ...الحرمان .. الحرمان من كل شيء ...قلما كنت انام ممتلىء البطن ...كان الشتاء يمر طويلا .. طويلا جدا باردا ...كنت محروما حتى من الدفىء ... الغريب اني كنت محروما من البكاء .. البكاء هذه الغريزة الانسانية الرائعه ...والتي تغسل الروح عبر الدموع ... كنت ممنوعا عنها ... فأمي كانت تخشى إن بكيت أن يسمع الاخرون ويظنون اني جائع ... ولكني جائع يا أمي جائع ...فتقص لي حكاية عن احد الابطال الجائعين وكيف صاروا سلاطين بعد جوعهم ...وسكنوا القصور وتزوجوا الحوريات... حين كبرت علمت ان كل الحكايات كانت من نسيج خيال امي ...
المدرسة ... المدرسة اكبر خطأ اقترفته امي واكبر جريمه لها بحقي ... فلو بقيت بعيدا عن الكتاب ... ربما اصبحت الان تاجرا او صاحب رأس مال ... الكتاب والمدرسة وامي هما سبب ما وصلت اليه
( يظلم المسرح الا من بقعة ضوء على طفل صغير مع امه )
الطفل :ولكن السروال متسع فيسقط واخشى ان تظهر مؤخرتي في ساحة المدرسة
الام : اربطه جيدا ولن يسقط
الطفل :انه واسع وكبير
الام : ستكبر وتملأه
( تخفت بقعة الضوء عن الطفل وامه لتظهر في نفس الوقت على الرجل )
الرجل : وبقيت انتظر ملئ السروال بجسمي ... الكلمة الاولى التي تعلمتها في المدرسة
كانت كلمة دار ... دار دار دار ... كلمة سحرية ربطتني منذ حرفها الاول الى الكتاب ولم استطع منذ ذلك الحرف ان اقطع رباطي فكان الهول ... والمأساة والفجيعه ...
(تخفت بقعة الضوء ليظهر على جانب المسرح الاخر طفل ومعلم )
المعلم : ماهذه الكلمه
الطفل : داران
المعلم : جيد ... وما معناها
الطفل : بيتان يا أستاذ
( تخفت عنهما بقعة الضوء لتعود الى الرجل)
الرجل : بيتان .. كان هناك في حرفي الاول بيتان الاول بيتنا ان جاز ان نطلق هذا الوصف
علية .. والاخر بيت عمي .. بيت عمي الذي فيه كل شئ الدفئ والنور وملابس
ابنائه الجميلة ... والطعام .. الطعام هناك كثير... تصوروا انهم يتناولون العشاء
يوميا... وينامون دون الشعور بالبرد .. لم اكن اذهب الى هناك كثيرا فأمي لاترغب
بذلك ... الحقيقة انهم ايضا لم يكونوا راغبين بوجودي ...
( بقعة الضوء تعود الى الطفل والمعلم وتخفت عن الرجل)
المعلم : اقرأ
الطفل : زاد ..زاد
المعلم : هل تعرف ما معنى زاد
الطفل :زاد معناها صار كثيرا يا استاذ
المعلم ( يقهقه بوقار ) : خطأ ... زاد معناه هنا الطعام
( تخفت عنهما بقعة الضوء لتعود الى الرجل)
الرجل : كان ابناء عمي يقدمون لي الطعام احيانا .. الزاد ... الكثير عندهم ... ولكني كنت
اقول لهم اني لست جائع ... وكانت معدتي تصرخ ... ماهذا ايها الغبي ؟ ... اقول
لهم اني لست جائع واصرف عيني عن الطعام حتى لا امتثل لنداء معدتي ... هكذا
علمتني امي ... ولكن سلمى لا تقتنع بقولى ... سلمى هي ابنة عمي كانت معي في
نفس الصف ... وحين اخرج من بيت عمي تتبعني ... وحين ابتعد عن البيت
تناديني وتدس الطعام في فمي ... وانا على عتبات الشيب الان احسن ان طعم اصابع
سلمى كان الذ من الطعام ... كان وجودها معي مذ كنا صغيرين يذكرني بأول لحن
عزفه لنا استاذ الموسيقى ...
( يجلس وكأنه يمسك بآلة العود ويبدأ بعزف مقطوعة موسيقية )
الرجل : ومن يومها كان هناك بؤس اخر انه الموسيقى .... وكبرت وكلما مرّ ذلك الشئ
الذي يسمونه عمرا كان حلما من احلامي يموت فلم اصبح مثل احد الابطال الجياع الذين خلقتهم امي حتى جعلتني اصدق الى الان انهم قد يكونون حقيقيون ولم اعرف عنهم شيئا بعد ... ولم اصبح موسيقارا كما كان يظن استاذ الموسيقي .... ومات حلم الحب حين تزوجت سلمى ... سلمى التي كنت اظن اني حين اصبح سلطانا ستكون هي الحورية التي ستسكن معي القصر الذي بنته امي في خيالي ولكنها تزوجت بعد ان يأست مني... فكفرت بالحب والجوع والكتب والموسيقى ....
لكن اوتار عود روحي ظلت تعزف ذلك اللحن الممجوج الذي يسمونه الانسان فادخلتني الى دار كان ما وراء بابها يحيط به الخطر ... حين فتحت ذلك الباب وجدت عيون افراد الشرطة السرية وهي تحدق بي ... كلما خطوت خطوة كانت حدقاتهم تتسع ...تتسع وتمتد ايديهم الى الاقلام ليسطروا على الاوراق ما يرونه مناسبا
(بقعة ضوء على شرطي ترافق بقعة الضوء على الرجل)
الشرطي : حيرتني ... لست متدينا كي اضعك في الزنزانة اليمنى ... ولا ملحدا لتكون في
اليسرى
الرجل : ضعني في الممر انه في الوسط تماما
( تختفي بقعة الضوء عن الشرطي ليبقى الرجل لوحده)
الرجل : ظن اني استهزئ به فلم يرسلني الى اليمين او اليسار بل ارسلني الى الجحيم
( بقعة ضوء على المعلم والطفل )
المعلم : هل تستطيع هجاء هذه الكلمة؟
الطفل : ان .. آ .. نا .. ار ... نار... انها نار يا استاذ
(تختفي بقعة الضوء عن المعلم والطفل لتعود الى الرجل )
الرجل : نار .. نار .. لم اكن اصدق ما كان يقال عن التعذيب بالنار ... فبين الحقيقة واللا
حقيقة اربعة اصابع ... هل من الممكن ان يكون الانسان على هذا القدر من القسوه
ليعذب شخصا لم يلتقه يوما ... جعلوا النار تلهو على جسدي او بالاحرى كانو يلهون بالنار على جسدي كنت كما انا دائما وسيلة للهو وتفريغ الغيض ... حين تغضب امي من جارتها التي قد تعيرها بفقرنا كانت تفرغ غيضها فيّ ... كان الصبية يضربونني لاني قد اجبت على سؤال المعلم فضربهم لانهم لم يجيبوا ... كان رجل الامن يضربني ويعذبني .. لانه تلقى امرا بذلك ولانهم قالوا له اني دخلت الى باب كان يجب الا ادخلها ... نعم كان يجب ان لا ادخلها انها باب الجحيم ... هي التي اوصلتني الى سياط التعذيب وجعلتني تحت عيون الشرطة السرية
وهي التي اوصلتني الان الى هذا البلد الغريب ... وجعلتني دون وطن ... هل كان لي يوما ما وطن ؟ ( يضحك ... يضحك الى ان ينخرط في بكاء مرّ )
حين اقتلعت عيون الشرطة السرية ورحلت ... عزفت اوتار روحي لحنا جديدا ظننته لحن الحرية ... هل قلت ان الشرطة السرية رحلت ؟ ... عفوا خانني التعبير كما هي العادة .. لم ترحل بل غيرت عناوينها او لنقل بدأت باستثمار ما جمعته عبر السنين من عائدات تعذيب امثالي وقتلهم ... وانا .. انا .. مازلت صنوا للعذاب وللمراره ... من كان يصدق ان مطاردا مثلي في زمن القتل والخوف والحروب .. سيظل مطاردا في زمن اقل ما يطلق علية انه زمن الحرية ... اكلت الحروب نصف عمري واتى الجوع والحرمان على نصفه الاخر .. وداس الخوف والهرب الى بلاد الغربه داس على ما بقي من رمق في هذا العمر الاجوف ...
درب المآسي انا واغنية التائهين عبر بحور النسيان ...زنزانة الحزن انا وشاطئ الانين ... سل عني الحروب..سل عني السواتر والخنادق.. تنبأك اني احمل في ذاكرتي صرخات الجرحى بعد ان تبتر اطرافهم ..سل عني المحطات ... المحطات ... المحطات
( تخفت عنه بقعة الضوء لتظهر على الطفل والمعلم )
الطفل : قي ..طا ..قيطا.. ار ...قطار
المعلم : تلميذ نجيب... هل صعدت القطار يوما
الطفل : لا
المعلم : ستصعد يوما
( تخفت عنهما بقعة الضوء لتظهر على الرجل )
الرجل : وصعدت القطار .. ليس كما يفعل الاخرون ... لم اقطع تذكره بل لم افكر في شباك
التذاكر ..
يومها .. قررت ترك الحرب فقد سأمت من التنقل بين الوحدات ..فمن كان لدية ملفا لدى الشرطة السرية فأنه ينقل الى منطقة اقرب هجوم وتحشد ... حين انقل الى وحدة ما .. كنت اعلم ان هجوما سيحدث خلال يومين او ثلاث بعد نقلي اليها ..
ولاني سأمت التنقل نحو الموت ...قررت ترك الحرب والجيش والوحدات ... قفزت من السيارة التي كانت تنقلني تاركا فراشي وحاجاتي وبندقيتي ... دون ان افكر كيف لي ان اعود الى البيت دون ان اعتقل كجندي هارب من المعركة ... لم اكن استطيع الدخول الى أي مرآب للسيارات ...فكلها كانت ممتله بالشرطة العسكرية التي ترسل الى فرق الاعدام ... ولم يكن امامي سوى القطار ..الذي كان هو الاخر يحمل دائما مفرزة من الشرطة العسكرية ... حين وصلت المحطة ...كانت سيارات الاسعاف تنقل الى القطار مئات الجرحى ممن قطعت الحرب اوصالهم ... وجدت على باب سيارة الاسعاف العسكرية صدرية ممرض كنت استطيع ان اميز لونها الابيض رغم انها قد شربت من الدم كثيرا ... ارتديتها وركضت باتجاه ممرض اخر كان يبحث عمن يساعده في حمل احد الجرحى الى القطار ... وصعدت الى القطار الذي سينقلني نحو البيت ... ظل القطار في المحطة طويلا فهو لا يتحرك حتى يمتلئ بالجرحى ... وعملت ممرضا اضمد جروح المرضى واناولهم دوائهم رغم اني لااعرف عن التمريض شيئا ولكنها الطريقة الوحيدة التي تبعد عني عيون الرقباء ... وسار القطار ... كانت صرخات مبتوري الاطراف تعلو في عدة احيان على جلبة عجلات القطار ... وكان الموت معنا في كل عربة ... يخطف روحا هنا وروحا هناك
( بقعة ضوء على الطفل لوحده )
الطفل : قم منير مديرنا مراد قادم
( تختفي بقعة الضوء عن الطفل لتعود الى الرجل )
الرجل : قم منير مديرنا مراد قادم ... كان القصد من الجملة تعليمنا حرف الميم ففي كل
كلمة من الكلمات الخمس هناك حرف الميم .... ولكني كنت اتصور دائما رجلا ببدلة وربطة عنق طويلا وممتلئا ... منتفخ الاوداج ... اتصوره يأتي ويجب علينا ان نقوم ... وحين دخلت الجيش ظل الرجل نفسة في مخيلتي لكن ملابسة تبدلت صار يرتدي ملابسا زيتونية اللون والنجوم تملئ كتفية .... لم يهرم ابدا مازال شابا حتى هذة اللحظة رغم انه الان قد اطال لحيته ووضع خاتما في اصبعه ... حين كنت في القطار رأيته ايضا ...
حينما كنت اضمد جرحا وكان القطار يسير بسرعته القصوى ...احسست بيد ثقيله توضع على كتفي وبين احساسي بثقل هذه اليد وبين استدارتي نحو صاحبها احسست ان دهرا طويلا قد مر وانا استدير ... انتصبت امامي مئات الاسئلة وكان جوابها واحدا ... لقد كشفوا امري .... حين واجهت صاحب اليد رأيت وجها دون ملامح او ربما لاني كنت مرعوبا فلم ار ملامحه ... قال لي ... الضابط يريدك ..هناك ...واشار بيده نحو احدى الغرف القريبة ..
اذا كشفوا امري... وانتظروا حتى يبلغ القطار سرعته القصوى فيكون من المستحيل علي القفز منه ... هكذا ففكرت ببلاهه ... كانت المسافة بين مكاني والغرفة لاتتجاوز البضعة امتار ولكني احسست انها من اطول المسافات التي قطعتها ...
( تعود بقعة الضوء الى الطفل)
الطفل : مديرنا مراد قادم
( تختفي البقعة عن الطفل ليظهر الرجل)
الرجل: من سيكون مراد هل سأجده في تلك الغرفة هل سينظر في وجهي ثم يحرك اصبعه
باتجاه احدهم ليعتقلني ...او ربما سيسحب مسدسه ويفرغة في رأسي.. وانا اسير
باتجاه الغرفة مرت امام عيني كل احلامي الميته والمؤجلة والمستحيله مرت وجوه الاصدقاء والاقارب وجه امي ووجه سلمى ... وجة معلمي وهو يتنبأ بصعودي للقطار ... دخلت الى الغرفة متيقنا انها سترسلني الى ساحة الاعدام ... لكني فوجئت بوجود ضباط يضحكون على شئ ما ... التفت الي احدهم ليقول لي ... ساعدك الله فقد تعبت كثيرا اليوم .. ثم ينادي على احدهم ليجلب لي شيئا أأكله.. شكرته متلعثما فقد عدت توا الى الحياة .. بقيت واقفا الى ان جلب لي احد الجنود شطيرة صغيره احترت في كيفية مضغها ..فقد نسيت اسناني لشدة الخوف كيف هو المضغ ... كان الضباط يتحدثون ويضحكون دون ان تطرأ الحرب في حديثهم ... ولم تكن صرخات الجرحى تزعجهم ... بخطوات صغيره وبطيئه تركت الغرفة دون ان يشعر بي احد ... كنت فرحا لاني لم اصبح طردا بريديا بيد احد الشرطة يرسله الى ساحة الاعدم ليتم وضعه في علبة خشبية معها قصاصة صغيرة تحذر من اقامة مجلس الفاتحة ... وكنت ايضا خائفا لان الدرب مازال طويلا كي يصل بي القطار الى مدينتي...
( بقعة ضوء على الطفل وامه )
الطفل : ما معنى الفرح يا أمي
الام : الفرح معناه ان لاتبكي ...
الطفل : الهذا السبب تمنعيني من البكاء .. هل انت فرحة يا أمي
الام : وانت معي انا فرحة دائما
الطفل : ولكني سمعتك تقولين لجارتنا ..انك تخافين الزمن ...هل ممكن ان نكون فرحين ونخاف ... ومن هو الزمن الذي تخافين منه
( تختفي بقعة الضوء لتعود الى الرجل )
الرجل : هل رايت الفرح يمتزج بالخوف ... رايته كثيرا ...في عيني امي ...تفرح حين
تراني عائدا دون ان اكون محمولا على خشبة ...فالحرب استهلكت من الخشب والاعلام ما يكفي لكسوة كل فقراء العالم واسكانهم ...ثم تخاف ...تخاف عيون المترصدين الذين قد يشون بي الى اقرب مركز للشرطة السرية او العسكرية فاذهب الى ساحة الاعدام ببساطة ....
اما انا فقد ادمنت الخوف حد الثمالة فلم اعد اخاف ...كنت احذر ولكن لا اخاف فان تموت برصاصة موجهه مباشرة الى الرأس ربما يكون اسهل من الموت بصاروخ يوزعك أشلاء على ارض المعركة....
المعركة .... متى تنهتي هذه الحرب ...؟ قارب عمري للوصول الى النصف قرن وانا اخوض المعركة تلو الاخرى... دون نصر ودون هزيمة قاصمة كلما خرجت من معركة لا تمهلني المعركة الاخرى ان التقط انفاسي لتبدأ ...
ايها الجلادون ...مهما كانت اسماؤكم او عناوينكم ..مهما كانت ملابسكم او الوانكم ....الا يكفيكم ما شربتموه من ماء عمري ...الا يكفيكم ما اعتصرتموهم من زهر حياتي ....اما آن لهذا القدر ان يكف ...
بوم ...نديم ...نديم نام ...نديم ما نام ...كلا كلا .. رمزي مانام... رمزي من ؟... لانه ما نام فهو انا ... اه متى انام دون خشية السوط والبندقية متى انام دون كابوس ارى فية نفسي معلقا بين السماء والارض ...ارى الناس يسيرون وينظرون إلي غير مبالين ثم يديرون ظهورهم ويذهبون ... اصيح بهم ... هيه انتم لا اريد منكم ان تنزلوني او ان تهتموا لامري فقط اهتموا لامر احد معلق بين السماء والارض ... اليس ذلك امر عجيب جدير بالاهتمام ... ولكن احدا لايسمع صوتي ... فانط من نومي مرعوبا ...قصصت حلمي على احدهم ليفسره فقال : ربما انت سعيد حظ .. او ربما انت القمر فهو معلق بين السماء والارض ...
قمر ...؟ انا قمر؟ ...قمر المحزونين انا ...قمر الباحثين عن الهدوء والسكينه ....
( بقعة ضوء على الطفل وهو يقرأ)
الطفل : القمر منير ... الباز يطير
( تختفي البقعة عن الطفل لتعود الى الرجل)
الرجل : قمر الجياع البائسين أنا تتبعني كل النجوم التي لم تجد ما تأكله ... ويقول لي
ربما انت سعيد الحظ... هذا الاحتمال الذي لايمكن ان يكون صائبا فمتى يأتي الحظ وانا لم التقه مطلقا ... انه معذور فهو لايعرفني وان تقابلنا يوما ما بالصدفة فلن يستطيع التعرف علي وانا ايضا لن اعرفة ... فكيف يعرف احدنا الاخر ونحن لم نلتق مطلقا ...
كم هي نسبة المحظوظين الى غيرهم وكم هي نسبة السعداء الى غيرهم وكم نسبة الاغنياء كم نسبة الطيبين الى الاشرار ...دائما النسب الجميلة هي الاقل... لماذا؟ لان الحظ والسعادة والطيبة وغيرهم لا يعملون باخلاص ... نعم لايعملون باخلاص على عكس التعاسة والحزن والشر وغيرهم هؤلاء يعملون باخلاص وفي كل يوم يظيفون الى قوائمهم عددا اخر ... الاخلاص اسم على غير مسمى فكم هو عدد المخلصين إنهم ندرة هذا يعني ان الاخلاص لم يعمل كما يجب ليضيف الى جهته العدد الكافي ليعم الخير ...هذه التسميات خاطئة يجب ان تقلب رأسا على عقب
( يظلم المسرح تماما ... لنسمع صوت الطفل يقرأ )
صوت الطفل: رأس ... فانوس ... أسد
( الرجل يشعل شمعة لنراه على ضوءها ...)
الرجل : أين هو الحظ إذا .. حتى في هذا المكان الذي لم تنطفئ فيه الكهرباء يوما ... اختفى الضوء .. بسبب العاصفة .. لا لا ليس بسبب العاصفة بل لأني موجود هنا هذا هو السبب
صوت الطفل : رأس .. فانوس ... أسد
الرجل : الرأس رأسي الذي تلعب به الذكريات وافاعي الظنون ... والاسد هو ذلك الهم والغم الذي يأكل روحي ... والفانوس ... الفانوس تلك الالة التي انقرضت من هذا البلد .. ولكنها مازالت في اوج عطائها في بلدي ... اه كم اخشى ان يطفؤا الفانوس فيعم الظلام كل شئ دون بصيص نور ... نور .. نور ( ينادي بأعلى صوته ) ...نور
( من عمق المسرح تأتي طفله وكلما اقتربت ... ازداد ت اضاءة المسرح الى ان تصل الى قرب الرجل ... فيمتلئ المسرح بإنارة فيضية )
الرجل : نور .. يا ابنتي الحبيبة كم اشتقت اليك
نور : ولكنك تركتنا ورحلت
الرجل : كنت مضطرا ولم أشأ يوما أن أتركك
نور : ولماذا أنت مضطر ؟ الم تقل لي إن زمن الخوف قد ذهب ... وانه آن الأوان لنقول ما نشاء
الرجل ( يضع يده على فمها ) : اش ... اسكتي .. إن للحائط أذن ..
نور : الم تقل لي إنكم اقتلعتم كل الآذان من كل الحيطان
الرجل : اسكتي يا نور اسكتي ... أخشى عليك يا حبيبتي
نور : ممن ؟
الرجل : منهم ... تعالي لنهرب قبل أن يأتون ... ربما سمعك احد
نور : الا تجيد غير الهرب ؟
الرجل : أجيد .. أجيد أشياء عدة .. ولكن
نور : ولكن ماذا
الرجل : أخاف أن يستهدفوني بك
نور : ولكني لا أخاف
الرجل : تلك هي المصيبة .. أرجوك يا حبيبتي أن لا تصبحي مثلي ... من لا يخافون يدفعون ثمن شجاعتهم بؤسا
نور : حتى وان خفت فأنا لا اهرب .. لا اهرب ... لا اهرب
( مع جملتها الاخيرة تغادر نور المسرح ... ومع خروجها تبدأ الاضاءة بالخفوت .. حتى نعود لضوء الشمعة )
الرجل( ينادي) : نور ... نور ... نور .. سلمى .. سلمى .. نور .. امي ..( يخفض صوته) امي .. امي
صوت الام : ولانه بطل فلم يدع جوعه يعيقه في ان ينال مايريد
الرجل : الجوع كافر يا امي
صوت الام : ولانه بطل فلم يكن يخاف .. لذلك احبته الحورية
الرجل : اختطفوا حوريتي الاولى .. انت تعلمين ... زوجوها لغيري لاني لست ذا مال ... وقتلوا حوريتي الثانية بعدما رحلتي .. قتلوا زوجتي يا امي .. بعد ان هربت
صوت الام : عليك بالدرس انه الطريق الى كل شيء
( الرجل يحمل بين يديه سروالا لطفل صغير )
الرجل : ولكن السروال صغير واخشى ان يسقط فتظهر مؤخرتي
صوت الام : لقد اصبح السروال صغيرا عليك
الرجل : سيضحكون علي يا امي ان انكشفت مؤخرتي
صوت الام : عد وجربه وسترى انه لن يسقط
الرجل : لمن اعود يا امي ؟ لمن
صوت الام : لتستعيد اشياءك
الرجل : استعيد من .. ولمن .. هل استعيد طعم اصابع سلمى ... لابد ان الشيب قد غزا
رأسها الان ولم تعد ضفائرها كالحرير ... هل اعود الى قبر زوجتي التي قتلوها
امام نظر ابنتي نور ...
صوت الام : عد لأشيائك الجميله
الرجل : سلبوها على مدى العمر يا امي .. لمن اعود ... أ للحروب والخنادق اعود ... ام
للزنازين والسياط ... استلمت الحرب الاولى زهرة شبابي ومضغتها مضغ العلكة .. وهربت من تلك الحرب بذبالة امل في ان اعيش مثل الاخرين ... وجاءت الحرب الاخرى وهزمنا فانتفضنا على الجلاد وكنت اول المنتفضين ولكن الدبابات كانت اقوى من بنادقنا الخجولة والخائفة فداست السرف على ما تبقى من امل ... وصرت مشردا داخل بلدي اخشى من كل نظرة خشية ان تكون نظرة رقيب .. وفي الحرب الثالثة كان لاصوات صفارات الانذار معنىً معكوس كان صوتها بالنسبة لي كأنه البشارة يؤذن في ان الحرية قادمة ... على سرف دبابات الاجنبي ؟ ولتكن .. ولكنها الحرية التي مضى عمري كله احلم بها .... وسقطت الاصنام وصعد بالون الفرح في روحي معلنا الخلاص وصرت انام وانا احلم بالورد والرياحين ... ولكن ذاك لم يدم طويلا ... اتعلمين كم هي خيبة املي حين يداهمنا اخوة الامس ويتهمونني بالخيانة والعمالة وال... وووو .. يرديدون القبض على ليلقوني في السجن بتهمة باطلة لم يجرأ الجلاد وازلامه بكل تعسفهم ان يلصقوها بي ... ولكن اخوة الامس الصقوها بي بكل بساطة .... اليس مضحكا ان اسجن في كل فترة نظام جديد ..على الاقل مرة واحدة
صوت الام : السجن للرجال
الرجل : كنت طفلا ... طفلا بثلاثة عشر عاما حين اعتقلوني بتهمة الانتماء لليسار ...
وكنت طفلا بعد سنة حين اعتقلوني بتهمة الانتماء لليمين ... وبعدها بسنين تذكروني واعتقلوني ... ثم ظلوا يدورون بي في الجبهات آملين ان اقتل
صوت الام : ولكنك لم تمت
الرجل : في الاعتقال الاخير تمنيت لو اني مت في زمن الجلاد .. تمنيت ان لا ارى نفسي
معتقلا مع القتله والمجرمين ... لمن اعود يا امي ... لبلد اعطيته كل شئ ولم يعطني شيئا ... ام للذين صدقوا باني في صف المجرمين وصفقوا لمذكرة الاعتقال ... لمن اعود يا أمي .. لمن اعود
صوت الام : ( صارخة) : ولكن نور لم تمت ... نور تحتاج أباً ... كي يأتي القميص على
مقاسها وتشتري الحذاء الذي تريد ... تحتاج ابا يعلمها ويقص عليها الحكايا .. تحتاج وطنا تملئه الفراشات ... وان لم تعد فمن سيطلق لها بالونات الفرح؟
الرجل : نور ... نور ( يصرخ ) نور ... سلمى .. وان غزاك الشيب يضل طعم اصابعك
شهيا كما كان قبل عقود سأربي اطفالك الذين قتل ابيهم وستربين نور ... سأعود يا امي لاضع على قبرك باقة ورد بيضاء
( يبدأ بجمع اشيائه .. واثناء حركته داخل المسرح ... تبدأ الاناره بالسطوع الى ان تتحول الى الفيض )
___ اظلام ____
المشهد الثاني والاخير
نور وابيها يجلسون على الارض وقد نشرت نور كتبها وحقيبتها المدرسية
نور : ولكن هذا القميص لا يعجبني
الرجل : مزقيه يا حبيبتي ... وساشتري لك عشرات غيره وان لم تعجبك العشرات مزقيها
ودوسي فوقها ابقي فقط على ما يعجبك ... اطلبي ماتريدين ... لن أملئ راسك بحكايا فرسان يأتون على جياد بيض ... لن اقص لك قصص الجياع ... سأحدثك عن الورد والبساتين والطيور ... لن ادع احلامك تموت ... سأبني لك دارا ان لم تعجبك هذة الدار
نور : امي تأخرت
الرجل : سلمى في السوق ... وطلباتك كثيرة .. تحتاج وقتا لتشتريها
نور : ابي .. ألن ترحل ثانية ...
الرجل : فقط حين أأخذكم في رحلة
_ ستار _
مـسـرحـيـة حـارس المَـطـْـخ ممثل واحد وعدة أصوات تأليف سمير عدنان المطرود
الإهداء : الى علي الطرفي .... انها ليست سيرتنا الذاتية
الشخصيات
الرجل ... امه ...ابنته نور ... الطفل ... المعلم .... الشرطي
المشهد الاول
( بيت باثاث بسيط فية مجموعة من استاندات النوطة الموسيقية يجلس بقربها رجل في نهاية الابعينات من العمر سنطلق علية طوال النص كلمة الرجل )
الرجل : على حافة عمر اكل اخضره الانين ... كاد وتر الجنون ان يعزفني لحنا نشازا ...او
ربما عزفني ..فانا لااعرف ان كان المجنون يعرف انه مجنون ... قيل لي ان
المجنون يجد نفسه انه هو الوحيد العاقل في وسط عالم مجنون ... ولاني اشك
في مسألة الجنون او العقل فهذا يعني انني لم اصل على الاقل الى الجنون الكامل
الغريب كيف اني لم اجن ...فعلى عتبات كل عام من عمري هناك نوح وبكاء
وانين ..عند العتبة الاولى وبعد ثلاث خطوات منها في هذا العالم ...خرج ابي
منه... كانه لم يرد ان يكون اثنان من عظماء المعذبين في المكان نفسة وفي
الوقت نفسه ... وبكل كبرياء ترك لي ابي هذه المهمة ... اية مهمه ؟ مهمة ان
اكمل تجرع كأس العذاب الذي ادمن علية والدي ..
ذاكرتي هي احدى اكبر مشاكلي بل هي مشكلتي الكبرى فانا اتذكر كل الاشياء منذ
كنت صغيرا ... موت ابي وحسرة امي علي وانا اطالبها باسكات جوعي ...
احاصرها بنظراتي الطفله وبكائي ... فلم اكن عند موت ابي قد عرفت ان هناك زيف
اخر اسمه الكلام ..او النطق .. بفلسفة اخرى .
الخطوات الست الاولى في عمري نستطيع ان نحصرها بكلمة واحدة ...الحرمان .. الحرمان من كل شيء ...قلما كنت انام ممتلىء البطن ...كان الشتاء يمر طويلا .. طويلا جدا باردا ...كنت محروما حتى من الدفىء ... الغريب اني كنت محروما من البكاء .. البكاء هذه الغريزة الانسانية الرائعه ...والتي تغسل الروح عبر الدموع ... كنت ممنوعا عنها ... فأمي كانت تخشى إن بكيت أن يسمع الاخرون ويظنون اني جائع ... ولكني جائع يا أمي جائع ...فتقص لي حكاية عن احد الابطال الجائعين وكيف صاروا سلاطين بعد جوعهم ...وسكنوا القصور وتزوجوا الحوريات... حين كبرت علمت ان كل الحكايات كانت من نسيج خيال امي ...
المدرسة ... المدرسة اكبر خطأ اقترفته امي واكبر جريمه لها بحقي ... فلو بقيت بعيدا عن الكتاب ... ربما اصبحت الان تاجرا او صاحب رأس مال ... الكتاب والمدرسة وامي هما سبب ما وصلت اليه
( يظلم المسرح الا من بقعة ضوء على طفل صغير مع امه )
الطفل :ولكن السروال متسع فيسقط واخشى ان تظهر مؤخرتي في ساحة المدرسة
الام : اربطه جيدا ولن يسقط
الطفل :انه واسع وكبير
الام : ستكبر وتملأه
( تخفت بقعة الضوء عن الطفل وامه لتظهر في نفس الوقت على الرجل )
الرجل : وبقيت انتظر ملئ السروال بجسمي ... الكلمة الاولى التي تعلمتها في المدرسة
كانت كلمة دار ... دار دار دار ... كلمة سحرية ربطتني منذ حرفها الاول الى الكتاب ولم استطع منذ ذلك الحرف ان اقطع رباطي فكان الهول ... والمأساة والفجيعه ...
(تخفت بقعة الضوء ليظهر على جانب المسرح الاخر طفل ومعلم )
المعلم : ماهذه الكلمه
الطفل : داران
المعلم : جيد ... وما معناها
الطفل : بيتان يا أستاذ
( تخفت عنهما بقعة الضوء لتعود الى الرجل)
الرجل : بيتان .. كان هناك في حرفي الاول بيتان الاول بيتنا ان جاز ان نطلق هذا الوصف
علية .. والاخر بيت عمي .. بيت عمي الذي فيه كل شئ الدفئ والنور وملابس
ابنائه الجميلة ... والطعام .. الطعام هناك كثير... تصوروا انهم يتناولون العشاء
يوميا... وينامون دون الشعور بالبرد .. لم اكن اذهب الى هناك كثيرا فأمي لاترغب
بذلك ... الحقيقة انهم ايضا لم يكونوا راغبين بوجودي ...
( بقعة الضوء تعود الى الطفل والمعلم وتخفت عن الرجل)
المعلم : اقرأ
الطفل : زاد ..زاد
المعلم : هل تعرف ما معنى زاد
الطفل :زاد معناها صار كثيرا يا استاذ
المعلم ( يقهقه بوقار ) : خطأ ... زاد معناه هنا الطعام
( تخفت عنهما بقعة الضوء لتعود الى الرجل)
الرجل : كان ابناء عمي يقدمون لي الطعام احيانا .. الزاد ... الكثير عندهم ... ولكني كنت
اقول لهم اني لست جائع ... وكانت معدتي تصرخ ... ماهذا ايها الغبي ؟ ... اقول
لهم اني لست جائع واصرف عيني عن الطعام حتى لا امتثل لنداء معدتي ... هكذا
علمتني امي ... ولكن سلمى لا تقتنع بقولى ... سلمى هي ابنة عمي كانت معي في
نفس الصف ... وحين اخرج من بيت عمي تتبعني ... وحين ابتعد عن البيت
تناديني وتدس الطعام في فمي ... وانا على عتبات الشيب الان احسن ان طعم اصابع
سلمى كان الذ من الطعام ... كان وجودها معي مذ كنا صغيرين يذكرني بأول لحن
عزفه لنا استاذ الموسيقى ...
( يجلس وكأنه يمسك بآلة العود ويبدأ بعزف مقطوعة موسيقية )
الرجل : ومن يومها كان هناك بؤس اخر انه الموسيقى .... وكبرت وكلما مرّ ذلك الشئ
الذي يسمونه عمرا كان حلما من احلامي يموت فلم اصبح مثل احد الابطال الجياع الذين خلقتهم امي حتى جعلتني اصدق الى الان انهم قد يكونون حقيقيون ولم اعرف عنهم شيئا بعد ... ولم اصبح موسيقارا كما كان يظن استاذ الموسيقي .... ومات حلم الحب حين تزوجت سلمى ... سلمى التي كنت اظن اني حين اصبح سلطانا ستكون هي الحورية التي ستسكن معي القصر الذي بنته امي في خيالي ولكنها تزوجت بعد ان يأست مني... فكفرت بالحب والجوع والكتب والموسيقى ....
لكن اوتار عود روحي ظلت تعزف ذلك اللحن الممجوج الذي يسمونه الانسان فادخلتني الى دار كان ما وراء بابها يحيط به الخطر ... حين فتحت ذلك الباب وجدت عيون افراد الشرطة السرية وهي تحدق بي ... كلما خطوت خطوة كانت حدقاتهم تتسع ...تتسع وتمتد ايديهم الى الاقلام ليسطروا على الاوراق ما يرونه مناسبا
(بقعة ضوء على شرطي ترافق بقعة الضوء على الرجل)
الشرطي : حيرتني ... لست متدينا كي اضعك في الزنزانة اليمنى ... ولا ملحدا لتكون في
اليسرى
الرجل : ضعني في الممر انه في الوسط تماما
( تختفي بقعة الضوء عن الشرطي ليبقى الرجل لوحده)
الرجل : ظن اني استهزئ به فلم يرسلني الى اليمين او اليسار بل ارسلني الى الجحيم
( بقعة ضوء على المعلم والطفل )
المعلم : هل تستطيع هجاء هذه الكلمة؟
الطفل : ان .. آ .. نا .. ار ... نار... انها نار يا استاذ
(تختفي بقعة الضوء عن المعلم والطفل لتعود الى الرجل )
الرجل : نار .. نار .. لم اكن اصدق ما كان يقال عن التعذيب بالنار ... فبين الحقيقة واللا
حقيقة اربعة اصابع ... هل من الممكن ان يكون الانسان على هذا القدر من القسوه
ليعذب شخصا لم يلتقه يوما ... جعلوا النار تلهو على جسدي او بالاحرى كانو يلهون بالنار على جسدي كنت كما انا دائما وسيلة للهو وتفريغ الغيض ... حين تغضب امي من جارتها التي قد تعيرها بفقرنا كانت تفرغ غيضها فيّ ... كان الصبية يضربونني لاني قد اجبت على سؤال المعلم فضربهم لانهم لم يجيبوا ... كان رجل الامن يضربني ويعذبني .. لانه تلقى امرا بذلك ولانهم قالوا له اني دخلت الى باب كان يجب الا ادخلها ... نعم كان يجب ان لا ادخلها انها باب الجحيم ... هي التي اوصلتني الى سياط التعذيب وجعلتني تحت عيون الشرطة السرية
وهي التي اوصلتني الان الى هذا البلد الغريب ... وجعلتني دون وطن ... هل كان لي يوما ما وطن ؟ ( يضحك ... يضحك الى ان ينخرط في بكاء مرّ )
حين اقتلعت عيون الشرطة السرية ورحلت ... عزفت اوتار روحي لحنا جديدا ظننته لحن الحرية ... هل قلت ان الشرطة السرية رحلت ؟ ... عفوا خانني التعبير كما هي العادة .. لم ترحل بل غيرت عناوينها او لنقل بدأت باستثمار ما جمعته عبر السنين من عائدات تعذيب امثالي وقتلهم ... وانا .. انا .. مازلت صنوا للعذاب وللمراره ... من كان يصدق ان مطاردا مثلي في زمن القتل والخوف والحروب .. سيظل مطاردا في زمن اقل ما يطلق علية انه زمن الحرية ... اكلت الحروب نصف عمري واتى الجوع والحرمان على نصفه الاخر .. وداس الخوف والهرب الى بلاد الغربه داس على ما بقي من رمق في هذا العمر الاجوف ...
درب المآسي انا واغنية التائهين عبر بحور النسيان ...زنزانة الحزن انا وشاطئ الانين ... سل عني الحروب..سل عني السواتر والخنادق.. تنبأك اني احمل في ذاكرتي صرخات الجرحى بعد ان تبتر اطرافهم ..سل عني المحطات ... المحطات ... المحطات
( تخفت عنه بقعة الضوء لتظهر على الطفل والمعلم )
الطفل : قي ..طا ..قيطا.. ار ...قطار
المعلم : تلميذ نجيب... هل صعدت القطار يوما
الطفل : لا
المعلم : ستصعد يوما
( تخفت عنهما بقعة الضوء لتظهر على الرجل )
الرجل : وصعدت القطار .. ليس كما يفعل الاخرون ... لم اقطع تذكره بل لم افكر في شباك
التذاكر ..
يومها .. قررت ترك الحرب فقد سأمت من التنقل بين الوحدات ..فمن كان لدية ملفا لدى الشرطة السرية فأنه ينقل الى منطقة اقرب هجوم وتحشد ... حين انقل الى وحدة ما .. كنت اعلم ان هجوما سيحدث خلال يومين او ثلاث بعد نقلي اليها ..
ولاني سأمت التنقل نحو الموت ...قررت ترك الحرب والجيش والوحدات ... قفزت من السيارة التي كانت تنقلني تاركا فراشي وحاجاتي وبندقيتي ... دون ان افكر كيف لي ان اعود الى البيت دون ان اعتقل كجندي هارب من المعركة ... لم اكن استطيع الدخول الى أي مرآب للسيارات ...فكلها كانت ممتله بالشرطة العسكرية التي ترسل الى فرق الاعدام ... ولم يكن امامي سوى القطار ..الذي كان هو الاخر يحمل دائما مفرزة من الشرطة العسكرية ... حين وصلت المحطة ...كانت سيارات الاسعاف تنقل الى القطار مئات الجرحى ممن قطعت الحرب اوصالهم ... وجدت على باب سيارة الاسعاف العسكرية صدرية ممرض كنت استطيع ان اميز لونها الابيض رغم انها قد شربت من الدم كثيرا ... ارتديتها وركضت باتجاه ممرض اخر كان يبحث عمن يساعده في حمل احد الجرحى الى القطار ... وصعدت الى القطار الذي سينقلني نحو البيت ... ظل القطار في المحطة طويلا فهو لا يتحرك حتى يمتلئ بالجرحى ... وعملت ممرضا اضمد جروح المرضى واناولهم دوائهم رغم اني لااعرف عن التمريض شيئا ولكنها الطريقة الوحيدة التي تبعد عني عيون الرقباء ... وسار القطار ... كانت صرخات مبتوري الاطراف تعلو في عدة احيان على جلبة عجلات القطار ... وكان الموت معنا في كل عربة ... يخطف روحا هنا وروحا هناك
( بقعة ضوء على الطفل لوحده )
الطفل : قم منير مديرنا مراد قادم
( تختفي بقعة الضوء عن الطفل لتعود الى الرجل )
الرجل : قم منير مديرنا مراد قادم ... كان القصد من الجملة تعليمنا حرف الميم ففي كل
كلمة من الكلمات الخمس هناك حرف الميم .... ولكني كنت اتصور دائما رجلا ببدلة وربطة عنق طويلا وممتلئا ... منتفخ الاوداج ... اتصوره يأتي ويجب علينا ان نقوم ... وحين دخلت الجيش ظل الرجل نفسة في مخيلتي لكن ملابسة تبدلت صار يرتدي ملابسا زيتونية اللون والنجوم تملئ كتفية .... لم يهرم ابدا مازال شابا حتى هذة اللحظة رغم انه الان قد اطال لحيته ووضع خاتما في اصبعه ... حين كنت في القطار رأيته ايضا ...
حينما كنت اضمد جرحا وكان القطار يسير بسرعته القصوى ...احسست بيد ثقيله توضع على كتفي وبين احساسي بثقل هذه اليد وبين استدارتي نحو صاحبها احسست ان دهرا طويلا قد مر وانا استدير ... انتصبت امامي مئات الاسئلة وكان جوابها واحدا ... لقد كشفوا امري .... حين واجهت صاحب اليد رأيت وجها دون ملامح او ربما لاني كنت مرعوبا فلم ار ملامحه ... قال لي ... الضابط يريدك ..هناك ...واشار بيده نحو احدى الغرف القريبة ..
اذا كشفوا امري... وانتظروا حتى يبلغ القطار سرعته القصوى فيكون من المستحيل علي القفز منه ... هكذا ففكرت ببلاهه ... كانت المسافة بين مكاني والغرفة لاتتجاوز البضعة امتار ولكني احسست انها من اطول المسافات التي قطعتها ...
( تعود بقعة الضوء الى الطفل)
الطفل : مديرنا مراد قادم
( تختفي البقعة عن الطفل ليظهر الرجل)
الرجل: من سيكون مراد هل سأجده في تلك الغرفة هل سينظر في وجهي ثم يحرك اصبعه
باتجاه احدهم ليعتقلني ...او ربما سيسحب مسدسه ويفرغة في رأسي.. وانا اسير
باتجاه الغرفة مرت امام عيني كل احلامي الميته والمؤجلة والمستحيله مرت وجوه الاصدقاء والاقارب وجه امي ووجه سلمى ... وجة معلمي وهو يتنبأ بصعودي للقطار ... دخلت الى الغرفة متيقنا انها سترسلني الى ساحة الاعدام ... لكني فوجئت بوجود ضباط يضحكون على شئ ما ... التفت الي احدهم ليقول لي ... ساعدك الله فقد تعبت كثيرا اليوم .. ثم ينادي على احدهم ليجلب لي شيئا أأكله.. شكرته متلعثما فقد عدت توا الى الحياة .. بقيت واقفا الى ان جلب لي احد الجنود شطيرة صغيره احترت في كيفية مضغها ..فقد نسيت اسناني لشدة الخوف كيف هو المضغ ... كان الضباط يتحدثون ويضحكون دون ان تطرأ الحرب في حديثهم ... ولم تكن صرخات الجرحى تزعجهم ... بخطوات صغيره وبطيئه تركت الغرفة دون ان يشعر بي احد ... كنت فرحا لاني لم اصبح طردا بريديا بيد احد الشرطة يرسله الى ساحة الاعدم ليتم وضعه في علبة خشبية معها قصاصة صغيرة تحذر من اقامة مجلس الفاتحة ... وكنت ايضا خائفا لان الدرب مازال طويلا كي يصل بي القطار الى مدينتي...
( بقعة ضوء على الطفل وامه )
الطفل : ما معنى الفرح يا أمي
الام : الفرح معناه ان لاتبكي ...
الطفل : الهذا السبب تمنعيني من البكاء .. هل انت فرحة يا أمي
الام : وانت معي انا فرحة دائما
الطفل : ولكني سمعتك تقولين لجارتنا ..انك تخافين الزمن ...هل ممكن ان نكون فرحين ونخاف ... ومن هو الزمن الذي تخافين منه
( تختفي بقعة الضوء لتعود الى الرجل )
الرجل : هل رايت الفرح يمتزج بالخوف ... رايته كثيرا ...في عيني امي ...تفرح حين
تراني عائدا دون ان اكون محمولا على خشبة ...فالحرب استهلكت من الخشب والاعلام ما يكفي لكسوة كل فقراء العالم واسكانهم ...ثم تخاف ...تخاف عيون المترصدين الذين قد يشون بي الى اقرب مركز للشرطة السرية او العسكرية فاذهب الى ساحة الاعدام ببساطة ....
اما انا فقد ادمنت الخوف حد الثمالة فلم اعد اخاف ...كنت احذر ولكن لا اخاف فان تموت برصاصة موجهه مباشرة الى الرأس ربما يكون اسهل من الموت بصاروخ يوزعك أشلاء على ارض المعركة....
المعركة .... متى تنهتي هذه الحرب ...؟ قارب عمري للوصول الى النصف قرن وانا اخوض المعركة تلو الاخرى... دون نصر ودون هزيمة قاصمة كلما خرجت من معركة لا تمهلني المعركة الاخرى ان التقط انفاسي لتبدأ ...
ايها الجلادون ...مهما كانت اسماؤكم او عناوينكم ..مهما كانت ملابسكم او الوانكم ....الا يكفيكم ما شربتموه من ماء عمري ...الا يكفيكم ما اعتصرتموهم من زهر حياتي ....اما آن لهذا القدر ان يكف ...
بوم ...نديم ...نديم نام ...نديم ما نام ...كلا كلا .. رمزي مانام... رمزي من ؟... لانه ما نام فهو انا ... اه متى انام دون خشية السوط والبندقية متى انام دون كابوس ارى فية نفسي معلقا بين السماء والارض ...ارى الناس يسيرون وينظرون إلي غير مبالين ثم يديرون ظهورهم ويذهبون ... اصيح بهم ... هيه انتم لا اريد منكم ان تنزلوني او ان تهتموا لامري فقط اهتموا لامر احد معلق بين السماء والارض ... اليس ذلك امر عجيب جدير بالاهتمام ... ولكن احدا لايسمع صوتي ... فانط من نومي مرعوبا ...قصصت حلمي على احدهم ليفسره فقال : ربما انت سعيد حظ .. او ربما انت القمر فهو معلق بين السماء والارض ...
قمر ...؟ انا قمر؟ ...قمر المحزونين انا ...قمر الباحثين عن الهدوء والسكينه ....
( بقعة ضوء على الطفل وهو يقرأ)
الطفل : القمر منير ... الباز يطير
( تختفي البقعة عن الطفل لتعود الى الرجل)
الرجل : قمر الجياع البائسين أنا تتبعني كل النجوم التي لم تجد ما تأكله ... ويقول لي
ربما انت سعيد الحظ... هذا الاحتمال الذي لايمكن ان يكون صائبا فمتى يأتي الحظ وانا لم التقه مطلقا ... انه معذور فهو لايعرفني وان تقابلنا يوما ما بالصدفة فلن يستطيع التعرف علي وانا ايضا لن اعرفة ... فكيف يعرف احدنا الاخر ونحن لم نلتق مطلقا ...
كم هي نسبة المحظوظين الى غيرهم وكم هي نسبة السعداء الى غيرهم وكم نسبة الاغنياء كم نسبة الطيبين الى الاشرار ...دائما النسب الجميلة هي الاقل... لماذا؟ لان الحظ والسعادة والطيبة وغيرهم لا يعملون باخلاص ... نعم لايعملون باخلاص على عكس التعاسة والحزن والشر وغيرهم هؤلاء يعملون باخلاص وفي كل يوم يظيفون الى قوائمهم عددا اخر ... الاخلاص اسم على غير مسمى فكم هو عدد المخلصين إنهم ندرة هذا يعني ان الاخلاص لم يعمل كما يجب ليضيف الى جهته العدد الكافي ليعم الخير ...هذه التسميات خاطئة يجب ان تقلب رأسا على عقب
( يظلم المسرح تماما ... لنسمع صوت الطفل يقرأ )
صوت الطفل: رأس ... فانوس ... أسد
( الرجل يشعل شمعة لنراه على ضوءها ...)
الرجل : أين هو الحظ إذا .. حتى في هذا المكان الذي لم تنطفئ فيه الكهرباء يوما ... اختفى الضوء .. بسبب العاصفة .. لا لا ليس بسبب العاصفة بل لأني موجود هنا هذا هو السبب
صوت الطفل : رأس .. فانوس ... أسد
الرجل : الرأس رأسي الذي تلعب به الذكريات وافاعي الظنون ... والاسد هو ذلك الهم والغم الذي يأكل روحي ... والفانوس ... الفانوس تلك الالة التي انقرضت من هذا البلد .. ولكنها مازالت في اوج عطائها في بلدي ... اه كم اخشى ان يطفؤا الفانوس فيعم الظلام كل شئ دون بصيص نور ... نور .. نور ( ينادي بأعلى صوته ) ...نور
( من عمق المسرح تأتي طفله وكلما اقتربت ... ازداد ت اضاءة المسرح الى ان تصل الى قرب الرجل ... فيمتلئ المسرح بإنارة فيضية )
الرجل : نور .. يا ابنتي الحبيبة كم اشتقت اليك
نور : ولكنك تركتنا ورحلت
الرجل : كنت مضطرا ولم أشأ يوما أن أتركك
نور : ولماذا أنت مضطر ؟ الم تقل لي إن زمن الخوف قد ذهب ... وانه آن الأوان لنقول ما نشاء
الرجل ( يضع يده على فمها ) : اش ... اسكتي .. إن للحائط أذن ..
نور : الم تقل لي إنكم اقتلعتم كل الآذان من كل الحيطان
الرجل : اسكتي يا نور اسكتي ... أخشى عليك يا حبيبتي
نور : ممن ؟
الرجل : منهم ... تعالي لنهرب قبل أن يأتون ... ربما سمعك احد
نور : الا تجيد غير الهرب ؟
الرجل : أجيد .. أجيد أشياء عدة .. ولكن
نور : ولكن ماذا
الرجل : أخاف أن يستهدفوني بك
نور : ولكني لا أخاف
الرجل : تلك هي المصيبة .. أرجوك يا حبيبتي أن لا تصبحي مثلي ... من لا يخافون يدفعون ثمن شجاعتهم بؤسا
نور : حتى وان خفت فأنا لا اهرب .. لا اهرب ... لا اهرب
( مع جملتها الاخيرة تغادر نور المسرح ... ومع خروجها تبدأ الاضاءة بالخفوت .. حتى نعود لضوء الشمعة )
الرجل( ينادي) : نور ... نور ... نور .. سلمى .. سلمى .. نور .. امي ..( يخفض صوته) امي .. امي
صوت الام : ولانه بطل فلم يدع جوعه يعيقه في ان ينال مايريد
الرجل : الجوع كافر يا امي
صوت الام : ولانه بطل فلم يكن يخاف .. لذلك احبته الحورية
الرجل : اختطفوا حوريتي الاولى .. انت تعلمين ... زوجوها لغيري لاني لست ذا مال ... وقتلوا حوريتي الثانية بعدما رحلتي .. قتلوا زوجتي يا امي .. بعد ان هربت
صوت الام : عليك بالدرس انه الطريق الى كل شيء
( الرجل يحمل بين يديه سروالا لطفل صغير )
الرجل : ولكن السروال صغير واخشى ان يسقط فتظهر مؤخرتي
صوت الام : لقد اصبح السروال صغيرا عليك
الرجل : سيضحكون علي يا امي ان انكشفت مؤخرتي
صوت الام : عد وجربه وسترى انه لن يسقط
الرجل : لمن اعود يا امي ؟ لمن
صوت الام : لتستعيد اشياءك
الرجل : استعيد من .. ولمن .. هل استعيد طعم اصابع سلمى ... لابد ان الشيب قد غزا
رأسها الان ولم تعد ضفائرها كالحرير ... هل اعود الى قبر زوجتي التي قتلوها
امام نظر ابنتي نور ...
صوت الام : عد لأشيائك الجميله
الرجل : سلبوها على مدى العمر يا امي .. لمن اعود ... أ للحروب والخنادق اعود ... ام
للزنازين والسياط ... استلمت الحرب الاولى زهرة شبابي ومضغتها مضغ العلكة .. وهربت من تلك الحرب بذبالة امل في ان اعيش مثل الاخرين ... وجاءت الحرب الاخرى وهزمنا فانتفضنا على الجلاد وكنت اول المنتفضين ولكن الدبابات كانت اقوى من بنادقنا الخجولة والخائفة فداست السرف على ما تبقى من امل ... وصرت مشردا داخل بلدي اخشى من كل نظرة خشية ان تكون نظرة رقيب .. وفي الحرب الثالثة كان لاصوات صفارات الانذار معنىً معكوس كان صوتها بالنسبة لي كأنه البشارة يؤذن في ان الحرية قادمة ... على سرف دبابات الاجنبي ؟ ولتكن .. ولكنها الحرية التي مضى عمري كله احلم بها .... وسقطت الاصنام وصعد بالون الفرح في روحي معلنا الخلاص وصرت انام وانا احلم بالورد والرياحين ... ولكن ذاك لم يدم طويلا ... اتعلمين كم هي خيبة املي حين يداهمنا اخوة الامس ويتهمونني بالخيانة والعمالة وال... وووو .. يرديدون القبض على ليلقوني في السجن بتهمة باطلة لم يجرأ الجلاد وازلامه بكل تعسفهم ان يلصقوها بي ... ولكن اخوة الامس الصقوها بي بكل بساطة .... اليس مضحكا ان اسجن في كل فترة نظام جديد ..على الاقل مرة واحدة
صوت الام : السجن للرجال
الرجل : كنت طفلا ... طفلا بثلاثة عشر عاما حين اعتقلوني بتهمة الانتماء لليسار ...
وكنت طفلا بعد سنة حين اعتقلوني بتهمة الانتماء لليمين ... وبعدها بسنين تذكروني واعتقلوني ... ثم ظلوا يدورون بي في الجبهات آملين ان اقتل
صوت الام : ولكنك لم تمت
الرجل : في الاعتقال الاخير تمنيت لو اني مت في زمن الجلاد .. تمنيت ان لا ارى نفسي
معتقلا مع القتله والمجرمين ... لمن اعود يا امي ... لبلد اعطيته كل شئ ولم يعطني شيئا ... ام للذين صدقوا باني في صف المجرمين وصفقوا لمذكرة الاعتقال ... لمن اعود يا أمي .. لمن اعود
صوت الام : ( صارخة) : ولكن نور لم تمت ... نور تحتاج أباً ... كي يأتي القميص على
مقاسها وتشتري الحذاء الذي تريد ... تحتاج ابا يعلمها ويقص عليها الحكايا .. تحتاج وطنا تملئه الفراشات ... وان لم تعد فمن سيطلق لها بالونات الفرح؟
الرجل : نور ... نور ( يصرخ ) نور ... سلمى .. وان غزاك الشيب يضل طعم اصابعك
شهيا كما كان قبل عقود سأربي اطفالك الذين قتل ابيهم وستربين نور ... سأعود يا امي لاضع على قبرك باقة ورد بيضاء
( يبدأ بجمع اشيائه .. واثناء حركته داخل المسرح ... تبدأ الاناره بالسطوع الى ان تتحول الى الفيض )
___ اظلام ____
المشهد الثاني والاخير
نور وابيها يجلسون على الارض وقد نشرت نور كتبها وحقيبتها المدرسية
نور : ولكن هذا القميص لا يعجبني
الرجل : مزقيه يا حبيبتي ... وساشتري لك عشرات غيره وان لم تعجبك العشرات مزقيها
ودوسي فوقها ابقي فقط على ما يعجبك ... اطلبي ماتريدين ... لن أملئ راسك بحكايا فرسان يأتون على جياد بيض ... لن اقص لك قصص الجياع ... سأحدثك عن الورد والبساتين والطيور ... لن ادع احلامك تموت ... سأبني لك دارا ان لم تعجبك هذة الدار
نور : امي تأخرت
الرجل : سلمى في السوق ... وطلباتك كثيرة .. تحتاج وقتا لتشتريها
نور : ابي .. ألن ترحل ثانية ...
الرجل : فقط حين أأخذكم في رحلة
_ ستار _

0 التعليقات:
إرسال تعليق