مسرحية قاضي محمد




تأليف أحمد اسماعيل اسماعيل


إهداء :
إلى سولين وميران : ولديّ .
إليكما،وإلى كل أبناء جيلكما..
بعض ما بقي في العيون من نور أُعلقه قناديل أمل على دربكم الطويل .
أحمد

كلمة لا بد منها :


إن مسرحة التاريخ ليست بالفن الجديد، فقد لجأت إليها شعوب المعمورة في ظروف تاريخية استثنائية وخاصة، فنتجت عن هذه التجربة نتائج إيجابية طيبة.وحين نحاول في هذا المشروع مسرحة حياة الأبطال الكرد، والشخصيات التاريخية الفذة، نهدف بالدرجة الأساس إلى إزالة ما لحق بهذا التاريخ من تهميش وتزوير وغبن من ناحية، وإلى تقديم العبرة والمثال المحتذى به من ناحية أخرى.
غير أن للمسرحية شروطها، ومن أولى هذه الشروط، حرية تصرف الفنان بالمادة التاريخية، وعدم التزامه تفاصيل الحدث التاريخي، وضرورة الانتصار للفن على التاريخ.
وفي هذا المشروع سنحاول-ولأسباب عديدة- إجراء ما يشبه المصالحة أو التوفيق بين الأمانة للحدث التاريخي والأصالة الفنية، بغية تحقيق الفائدة المرجوة والمتعة الجمالية، آملين أن يحالفنا النجاح قدر المستطاع على الصعيدين الفني والتاريخي، وأن تسمح لنا الظروف بمتابعة هذا المشروع-الطموح- في سلسلة مسرحية تاريخية تتناول كل حلقة منها حياة ونضال شخصية تاريخية هامة.
وفي الحلقة الثانية من هذه السلسلة ،نتناول سيرة قاضي محمد، رئيس أول جمهورية كردية،وهذه المسرحية موجهة للصغار والكبار، بل هي مسرحية موجهة لأفراد الأسرة بشكل خاص.
بقي أن نقول إن اختيارنا البدليسي :شرف بن شمس الدين بن شرف خان البدليسي ،أمير بدليس وموش، المولود في كرهرود بكردستان إيران سنة 1543 والمتوفى في بدليس سنة 1604، ليكون رسول نوروز، ليس بسبب مكانته السيادية الرفيعة، أو انتمائه لعائلة عريقة حكمت بدليس مدة سبعة قرون،على الرغم من أهمية ذلك تاريخياً، بل لريادة كتابه شرفنامه (رسالة شرف ) الذي دوّن فيه تاريخ أمراء الكرد وأحوال الولايات الكردية،بكثير من الدراية وسعة الأفق ، معتزلاً الحكم لصالح ولده (أبي المعالي شمس الدين) من أجل التفرغ لرسالته التاريخية هذه ، هذا السبق التاريخي المليء بالعبر والمعاني والدلالات، سلوكاً وجهداً فكرياً ،إضافة إلى أهداف وغايات أخرى – وطنية وتربوية- جعلنا نختار هذه الشخصية، لتكون رسول نوروز إلى الجيل الصاعد، رسول المحبة والحرية والسلام والمعرفة .وقدوة حسنة يحتذى بها ولعل من المفيد قيام البدليسي بجولة في الأحياء والشوارع والقرى ليلة نوروز من كل سنة، بثيابه الكردية التقليدية المعروفة، والتي يمكن أن تكون بيضاء اللون،و العمامة التي سيعتمرها صفراء اللون، ومن كتفه يتدلى جراب مليء بالشموع والهدايا البسيطة ،فيمنح الهدايا للصغار ،ويوقد الشموع للصغار والكبار،وذلك بعد أن يطرح عليهم أسئلة تاريخية معينة، ويتلقى إجاباتهم ،ومن المحبذ أن يرافق البدليسي مهرج، أو شخصية فلكلورية كردية محبوبة وطريفة ،خيالية أو واقعية ، تكون معروفة من قبل أبناء المنطقة التي يتجول فيها جدو بدليسي. وذلك بهدف إضفاء طابع المرح والفكاهة على هذه الجولة .

( أحد الأحياء الشعبية في مدينة غير كبيرة.ساحة تتفرع عنها شوارع ضيقة،تصطف على طرفي الشوارع بيوت طينية وأسمنتية واطئة،مصباح العمود الكهربائي الوحيد الذي ينتصب في مدخل أحد الشوارع يرسل ضوءاً باهتاً يبدد بعضاً من عتمة الساحة الكثيفة.وقع أقدام قادمة تبدد السكون السائد في المكان، يعلو الصوت مع دخول شرف خان البدليسي بثيابه التقليدية المعروفة.الوقت:ليلة نوروز )
البدليسي : ( لنفسه) غريب.. ما الحكاية ؟!
( يدخل أحد الشوارع الفرعية،يطرق عدة أبواب، تزداد دهشته حين تظل الأبواب موصدة لا تنفرج عن أية وجوه،تلتقط أذناه أصوات غير واضحة تنبعث من مكان ما، فيتجه نحو مصدر الصوت حتى يصل إلى باب في مدخل أحد الشوارع الفرعية،ينصت باهتمام،يطرق الباب بإلحاح ) افتحوا يا أخوان،أنا البدليسي،شرف خان البدليسي.
( يتغير المنظر،غرفة بسيطة،خالية من الأثاث،مجموعة من الشباب يرتدون ثياباً فلكلورية يرقصون ويغنون بحذر واضح)
المدرب : (بصوت مكتوم ) هذا ليس رقصاً ،إنكم منفعلون.كفوا عن الصياح وضرب الأرجل بقوة على الأرض.أريد رشاقة في الحركة،جمالية في التشكيل،وليس صياحاً وعنفاً.غداً يوم نوروز،والوقت دَهَمنا. لنبدأ من جديد.
( يعقد الشباب حلقة الدبكة،ينظمون حركاتهم على إيقاع العزف.يبدأ الطرق على الباب مع بداية العزف،يكف الجميع عن الحركة وقد ارتسمت على وجوههم أمارات الدهشة والخوف)
المدرب : (بتوجس ) من عساه يكون هذا الطارق ؟
متدربة2 : (بثقة) قد يكون أحد الرفاق .
متدرب3 : أو ضيفاً جاء لزيارة أهل البيت .
متدربة3 : (بريبة) و قد تكون دورية.
المتدربون : (بخوف) دورية ؟!
(يزداد الطرق على الباب،يتبادل الجميع نظرات الحيرة والعجز )
المدرب : (بحنق مكتوم) قلت لكم حذار من الصياح يا شباب.
متدرب3 : (بتوتر) ماذا نفعل ؟
المدرب : طبعاً سنفتح الباب.
متدرب4 :(بخوف ) وإذا كان الطارق دورية ؛فماذا سنقول لعناصرها؟
المدرب : (بقليل من الحيرة .كمن أعتاد مثل هذه المواقف)وماذا سنقول ؟ سنقول : نحن يا سادة : نحيي حفلة خطوبة، أو حفلة ختان..أو أي شيء .ليفتح أحدكم الباب قبل أن يقتحموا البيت .
(يخرج أحدهم من الغرفة ويسير نحو باب الدار بحذر شديد،يتكرر الطرق على الباب)
متدرب1 : (بصوت مضطرب) من .. من الطارق؟
صوت البدليسي : أنا ، افتحوا الباب بسرعة .
متدرب 1 : من أنت ؟
صوت البدليسي : أنا البدليسي، جدو بدليسي.
متدرب1 : ( يلتفت نحو رفاقه مندهشاً. بهمس) يقول إنه جدو بدليسي ؟!
صوت البدليسي: (بإلحاح) افتح يا بني، افتح .
المدرب : (باستغراب.وسرور) البدليسي ..غير معقول ؟!
صوت البدليسي: افتح الباب يا بني .
المدرب : (بسرور) إنه هو، افتح الباب بسرعة يا ديار.
متدرب4 : (بحيرة وصوت خافت ) ومن يكون جدو بدليسي هذا ؟قد تكون خدعة يا أستاذ ؟
المدرب : افتح يا ديار.إنه البدليسي ،رسول نوروز.
المتدربون : ( بهمس.واستغراب) من.. رسول نوروز ؟!
(يفتح المتدرب1 الباب بكثير من التردد يدخل شرف خان البدليسي بثيابه التقليدية
المعروفة حاملاً جرابه على كتفه)
المدرب : (بسرور) أهلاً برسول نوروز .رحبوا معي بشرف خان البدليسي يا أصدقاء ؛رسول نوروز،جدو بدليسي.
المتدربون : (بعد حيرة وتردد قصير.بسرور) رسول نوروز ؟(يلتفون حوله ويغنون)
أهلاً أهلاً شرف خان
جئت أهلاً من سوران
جئت سهلاً من بابان
من أربيل ومن وان
البدليسي :( يقاطعهم.بطيبة ومودة) شكراً شكراً يا أبنائي، قولوا لي: من أنتم ؟
المدرب : نحن فرقة فلكلورية يا جدو .
متدرب1 : (بصوت منخفض ) أستاذ ما هذه الحقيبة القماشية التي يحملها رسول نوروز ؟
المدرب : إنها جرابه ،الجراب الذي يضع فيه هدايا العيد: عيد نوروز.ألم تصادفه في ليلة العيد الفائت؟
المتدربون : (بفرح ) هدايا ؟ما نوعها ؟ أرنا إياها يا أيها الشيخ.أرنا يا عماه.
المدرب : إنها هدايا نوروز يا شباب.
البدليسي : وهدية نوروز لهذه السنة ،سنة 2621 ستعجب الجميع .
متدرب3 :(بسخرية وهو يضحك ) ما هذا القفزة الزمنية أيها الجد ؟! نحن الآن في سنة 2009 ولسنا في سنة 2621.
المدرب :( بصوت منخفض ) إنه يقصد السنة الكردية يا فهمان ،وليس السنة الميلادية.
( يصمت متدرب3 بخجل.يبتسم البدليسي. ويبتسم الجميع بسخرية خفية )
متدربة1 : لمن ستقدم الهدية ياجدو ..للصغار أم للكبار؟
البدليسي :( بسرور وود ) سيرة بيشاوا هدية نوروز للجميع..للصغار والكبار،وحتى للعجائز مثلي.
المتدربون : (باستغراب وعدم فهم ) بيشاوا ؟!
- ما هو بيشاوا ؟
- لم أسمع بهذا الاسم من قبل !
- قد تكون هدية أوربية ؟
- أوربية يا فهمان؟ ! إنها هدية تراثية.
- ولكن ماذا تعني بيشاوا ؟
- لا أعرف..قد تكون أكلة لذيذة ؟
المدرب : (بهمس وتوبيخ ) ما شاء الله! فنانون وجهلة ؟!
المتدربون : ( للمدرب،بخجل وهمس ) أستاذ.من هو .من هذه..؟ قل يا أستاذ .
المدرب : بيشاوا هو الزعيم ،والقائد ..
المتدربون : (بعدم فهم.وحرج ) زعيم ؟وقائد ؟! أقسم أنني لم أفهم شيئاً ؟!
المدرب : إنه قاضي محمد، بيشاوا قاضي محمد،رئيس أول جمهورية كردية،الجمهورية التي قامت في شرقي كردستان يوم الثاني والعشرين من شهر كانون الثاني سنة 1946 .
( يطلق البدليسي الذي كان يسمع الحديث ضحكة عالية و يهز رأسه بأسف،يطأطئ جميع المتدربين رؤوسهم خجلاً )
البدليسي : (للمدرب ) أحسنت يا..
المدرب : بيران يا جدو، اسمي بيران .
البدليسي : اسم جميل، وهل أسماء بقية رفاقك جميلة مثل اسمك يا بيران ؟
متدرب 1 : أنا اسمي ديار.
متدرب 2 : وأنا اسمي دلكش.
متدربة1 : وأنا اسمي لورين .
متدربة2 : وأنا اسمي هيفي .
متدرب 3 : وأنا اسمي جودي .
متدرب 4 : وأنا اسمي جان .
البدليسي : أسماء جميلة حقاً،جميلة جداً.والآن يا أحفاد،حان موعد تقديم الهدية .هدية لكل أفراد الأسرة وأنتم يا شباب من سيقدم لهم هذه الهدية
دلكش : (بخجل ) ماذا ؟ أنا لا أعرف شيئاً عن حياة هذا القائد .
ديار : ( بخجل ) وأنا أيضاً .
جان : (بهمس ) و أنا أيضاً.
بيران : سيساعدنا جدو بدليسي، فاطمئنوا .
البدليسي : قاضي محمد يا أبنائي هو: محمد بن قاضي علي بن قاضي قاسم بن ميرزا أحمد.
جودي : يعني كان قاضياً ؟
لورين : وابن قاض.
بيران : لقد كان شخصية من طراز رفيع، فمن منكم يريد لعب دور هذا القائد ؟
(يصمت الجميع وهم يتبادلون نظرات الخجل )
البدليسي : أنت من سيلعب هذا الدور يا بيران ،فأنت أكثرهم معرفة به .
( يطأطئ المتدربون رؤوسهم خجلاً )
بيران : حاضر (لرفاقه ) وسيؤدي كل واحد منكم دوراً .
المتدربون :(بأصوات متفاوتة ) سنحاول. أنا جاهز..جاهزون.ولكن هذا صعب.لا بأس..
بيران : نحن جاهزون يا جدو بدليسي .
البدليسي : وأنا أيضاً جاهز.اسمعوا يا أبنائي، ولد هذا القائد في مدينة مهاباد،في يوم الأول من آذار سنة 1900(1) .
بيران : (يرتدي معطفاً طويلاً،ويضع على رأسه عمامة بيضاء ) أنا محمد بن علي،بدأت تعليمي في مدينتي مهاباد على يد أبي، وأكملته على أيدي كبار علماء المنطقة.
البدليسي : (بسرور) أحسنت يا ولدي .
المتدربون :(بمرح وإعجاب ) أحسنت يا أستاذ.يا بيشاوا..يا إمام..يا قائد .يا زعيم .
بيران : وبعد موت والدي قاضي علي رحمه الله، تسلمت مكانه لأصبح قاضياً للمدينة،تزوجت بعدها من مينا خانم فأنجبت لي سبع بنات وولداً أسميته علي،علي رش .
المتدربون : (بمرح) أبو البنات..أبو البنات.بل أبو علي،علي رش.أبو البنات . بل أبو علي..
(يتغير المنظر،منزل قاضي محمد،بيت واسع من حيث المساحة،بسيط من حيث الأثاث، ثمة غرفة بسيطة ،في الغرفة طاولة وأريكة ،وتحت النافذة التي أسدلت عليها ستارة ملونة، يجلس قاضي محمد إلى الطاولة وهو منهمك في الكتابة، يسمع طرق على الباب،يتكرر الطرق ،يرفع رأسه وينادي زوجته.الوقت: قبيل الغروب)
قاضي محمد : مينا ،مينا خانم .يا أم البنات، يا بنات.. لتفتح إحداكن الباب.
صوت مينا خانم : حاضر ،حاضر يا أبا علي.
(يعود للكتابة ،تدخل مينا خانم بعد قليل وهي تعدل من وضع الشال على شعر رأسها)
قاضي محمد : من كان بالباب يا أم البنات ؟
مينا خانم : (بعتب رقيق )متى ستكف عن مناداتي بأم البنات؟
قاضي محمد : (بود) ألست أم البنات ؟ أم سبع بنات جميلات؟
مينا خانم : وأم علي أيضاً ، أم علي يا أبا علي .
قاضي محمد : كلهم أولادي ،علي مثل البنات السبع، ولكن دعينا من هذا الكلام يا ..
مينا خانم : (تقاطعه ممازحة) أم علي .
قاضي محمد : ( بسرور وطيبة) يا أم علي،من كان يطرق الباب يا أم ..علي.
مينا خانم :كالعادة، امرأة جاءت إلى قاضي المدينة تشكوه أمراً لايقبل التأجيل .
قاضي محمد : (بعتب وضيق) امرأة بالباب جاءت تشكو أمرها وأنت تتحدثي معي عن أولادك !ما هذا يا امرأة ما هذا يا مينا خانم ؟!
مينا خانم : (بحرج واضطراب ) لم أقصد ، ولكنني ..
قاضي محمد : هيا ،هيا أسرعي ودعيها تدخل .
مينا خانم : ولكنها ،أقصد : ولكنني طلبت منها الانصراف.
قاضي محمد : (غير مصدق.بضيق )ماذا ؟! منذ متى كنت تفعلين ذلك يا مينا خانم..ماذا حدث لك يا امرأة؟
مينا خانم :لم يحدث لي شيء، بل أنت من حدث له شيء.
قاضي محمد : (باندهاش) أنا ؟! وماذا حدث لي ؟
مينا خانم : (بتباه ) ألا تعرف ماذا حدث يا سيادة .رئيس الجمهورية ؟
قاضي محمد : (بضيق وحزم ) لقد أخطأت.. هذا أول خطأ كبير تقترفينه يا حرم الرئيس.
مينا خانم : (باستغراب) خطأ كبير ؟!
قاضي محمد : نعم.ولا تكرريه مرة أخرى يا زوج رئيس الجمهورية.
مينا خانم : (ممازحة )حاضر يا سيدي .
قاضي محمد : (بتعب بعد صمت قصير) وأخيراً أنهيت كتابة الكلمة التي سألقيها غداً أمام الناس .
مينا خانم : (بدلال )حقاً ؟ اقرأها لي يا أبا علي .
قاضي محمد : ستسمعينها غداً .
مينا خانم : (بدلال ) أريد أن أكون أول من يسمعها من أهالي مهاباد يا محمد .
قاضي محمد : (يتحسس موضع معدته.بألم) اصنعي لي شيئاً أهدئ به ألم هذه المعدة التي لا تكف عن التوجع.
مينا خانم :لا أعرف لماذا لا تعالج هذا الألم ؟
قاضي محمد :برد هذا الشتاء هو السبب،اصنعي لي كوباً من الشاي الساخن،أو النعناع البري.
مينا خانم :(وهي تخرج مسرعة ) حاضر يا أبا علي رش .
(يبتسم قاضي محمد وهو يرسل نحوها نظرة ود على الرغم من الألم الذي يعانيه )
(يتغير المنظر.غرفة التدريب،هرج ومرج بين أعضاء الفرقة،فيما البدليسي صامت وكأنه يتأمل لوحة )
جودي : رجل حقيقي،هل رأيتم كيف تصرف مع زوجته بحزم ؟
دلكش : (يقلد قاضي محمد بشيء من المبالغة ) ماذا حدث لك يا امرأة ؟!
لورين : إنك تبالغ،لم يقلها بهذه القسوة .
هيفي : هذا صحيح، قالها بحب واحترام ..
جودي : احترام ؟ ولماذا كان يصر على مناداتها بأم البنات ؟
هيفي : لأنه كان يحب البنات .
جودي : بل لأنه كان يريد إغاظتها .
لورين : القائد لم يكن كذلك .
جودي : كيف تعرفين أنه لم يكن كذلك وأنت لا تعرفين عنه شيئاً ؟
لورين : (بسخرية)وماذا تعرف أنت عنه يا فهمان زمانك ؟
( يشير بيران لرفاقه أن اصمتوا وهو ينظر إلى البدليسي الذي وقف على مرتفع،أو كرسي باعتزاز شديد. تلتفت نحوه كل الوجوه والعيون )
البدليسي :(بعد صمت قصير ) في ساحة جارجرا ، وفوق منصة كبيرة،وقد أحاط به الكثير من القادة والزعماء،واحتشدت أمامه جماهير مهاباد ومدن أخرى ،وهي تحمل الرايات والأعلام التي راحت ترفرف في سماء الساحة وعلى أسطح البنايات، والجميع ينتظر ما سيقوله هذا القائد الذي تكلم بهدوء وتصميم :( أيها الأخوة والأخوات، في هذا اليوم المصادف الثاني والعشرين من كانون الأول سنة 1946..
( يتغير المنظر.ساحة جارجرا.حشود الجماهير الغفيرة. هتافات،وأعلام ترفرف في السماء الوقت: بداية نهار شتائي مشمس )
قاضي محمد : في هذا اليوم..يشرفني أن أعلن باسم حزبنا ورفاقنا وباسمكم جميعاً قيام جمهوريتنا المستقلة ذات الحكم الذاتي ( تطلق الجماهير هتافات عالية) فلنعمل معاً من أجل وطننا وشعبنا .
(يصعد بعض رؤساء العشائر والشخصيات المعروفة لتقديم التهاني بمزيد من الفرحة والحماسة والاندفاع )
رجل : باسمي وباسم عشيرتي أُهنئ شعبنا وقائدنا على هذا الإنجاز .
رجل : باسمي وباسم عائلتي أُهنئ شعبنا وقائدنا الكبير قاضي محمد .
رجل : باسمي وباسم عشيرتي نبارك وندعم قرار إعلان الجمهورية .
رجل : باسمي وباسم.. نبارك ..
رجل : باسمي وباسم.. نهنئ وندعم..
(هتافات تعلو من كل ناحية )
رجل : باسمي ،باسمي أنا زيرو بك ،وباسم عشيرتي أبارك هذا الإنجاز وإن كنت أخشى عليه من بعض العملاء .
(يصمت بضيق لا يخلو من حرج، يتبادل الجميع نظرات الاستفهام،يكمل بعد لحظة ترقب) العملاء التابعين للأجنبي،أمثال الشيخ عبد الله الكيلاني الذي..الذي قد يكون تابعاً للإنجليز.
(يندفع ابن الشيخ عبد الله نحو المنصة بحماس وتحد )
رجل : أنا عبد العزيز ابن الشيخ عبد الله الكيلاني أقول: من المؤسف أن نسمع ونشاهد من اقتصرت حياته على الزعامة وكنز الأموال ، يُسفه نضالات الرجال الشرفاء ، (تتعالى الأصوات منبعثة من الساحة)
رجل : يجب عدم إفساح المجال لمن لم يخدم القضية يوماً،وخاصة من بعض رؤساء العشائر.
رجل : بل من بعض الشيوخ العملاء .
رجل : العملاء هم المتعاونون مع الأجنبي الكافر .
رجل : العملاء هم من كانوا يظلمون أبناء شعبنا الفقير.
رجل : عملاء .
رجل : عملاء .
( يتقدم قاضي محمد من المنصة،يتحدث بحزم وهدوء )
قاضي محمد : يا أبناء شعبنا الطيب،من يريد أن يعمل لمصلحة الوطن فليجد لخلافاته تصريفاً آخر بعيداً عن مجرى الوطنية ،خلافنا الأكبر مع عدو قضيتنا وليس مع بعضنا بعض.
( تصفيق وهتافات تعلو سماء الساحة )
- أحسنت أيها القائد.
- دمت لنا يا قاضي .
- عاش بيشاوا .
( يخرج زيرو بك حانقاً.يبدأ الجميع بالرقص على أنغام الطبل والزمر.الرايات والأعلام ترفرف عالياً في سماء الساحة )
(يتغير المنظر.مقر أركان الحرب الإيرانية،بناء كبير وفخم،صورة للشاه تتوسط الجدار،مسؤول حكومي وضابطان.الجنرال همايوني والعقيد غفاري،المسؤول الحكومي يجلس إلى طاولة كبيرة عليها أوراق وخريطة،الوقت : ليل)
المسؤول الحكومي : (بضيق وحنق مكتوم) لقد أعلن الكرد أيضاً، بعد الآذرين،جمهوريتهم المستقلة .
الجنرال : ( بحنق وغضب مكتوم) ورفعوا علم جمهوريتهم المصطنعة.
المسؤول الحكومي : علم إيران بشكل مقلوب: الأحمر في الأعلى،والأبيض في الوسط والأخضر في الأسفل.
العقيد : (بسخرية وحنق ) لقد شاهدته :علم إيران المقلوب وقد أضيف إليه في الوسط شعاراً مؤلفاً من:
قلم وسنبلتي قمح،وفي أعلاه شمس تشرق من خلف جبل.أكاد أنفجر،ما العمل يا سيدي؟
الجنرال : (بحنق ) كل ذلك بدعم من المحتل الروسي.
المسؤول الحكومي: وبقيادة قاضي المدينة .
العقيد : قاضي المدينة ؟!
المسؤول الحكومي : قاضي مهاباد، ورئيس حزب أُسس حديثاً.
الجنرال : يقال إنه مثقف ويتقن أكثر من لغة.
المسؤول الحكومي : هذا صحيح،ويحظى باحترام الجميع..وهذه صفات لن تكون في صالحنا .
العقيد : (بغرور) اطمئن يا سيدي .سترى ماذا سنفعل بهذا المثقف.
المسؤول الحكومي : وماذا ستفعل ؟
العقيد : نباغته بضربة عاجلة.
الجنرال : وقوية .
المسؤول الحكومي : لا .
العقيد : ( باستغراب ) لا ؟!
الجنرال : لماذا ؟
المسؤول الحكومي : سننتظر قليلاً .
الجنرال : وماذا ننتظر..موقف العدو الروسي؟
المسؤول الحكومي : سنعرف كيف نوقف هؤلاء الروس على الحياد .
العقيد : لا بد من ضربة سريعة قبل أن تقوى شوكتهم يا سيدي .
المسؤول الحكومي : بل ننتظر حتى تتكاثر أشواكهم .
العقيد : (بعدم فهم ) ماذا ؟!
الجنرال : لم أفهم .
المسؤول الحكومي : ألم أحدثكما عما حدث يوم إعلان الجمهورية ؟
العقيد : عمت الفرحة أرجاء مهاباد وضواحيها .
الجنرال : ورُفعت الأعلام والرايات .
المسؤول الحكومي :(بخبث ) وثار خلاف حاد .
الجنرال : تقصد الخلاف الذي أثاره زيرو بك .
المسؤول الحكومي :وأنهاه قاضي محمد .و يجب علينا إثارته من جديد .
الجنرال : كيف ؟
المسؤول الحكومي : (بمكر شديد) أما هذه، فدعها لنا أيها الضابط..وسترى كيف نحسن جني ثمارها.
الجنرال : (بعدم اقتناع ) أرجو ذلك .
العقيد : (باستسلام ) حسن .
(يتغير المنظر.في بيت قاضي محمد،قاضي محمد وهو يهم بالخروج، تعترض زوجته طريقه،الوقت:صباح )
مينا خانم : (بدلال) إلى أين ؟
قاضي محمد : إلى المكتب، لقد تأخرت .
مينا خانم : مازال الوقت باكراً، ثم إنك لم تتناول طعام الإفطار .
قاضي محمد : لدي موعد مع رئيس الوزراء.
مينا خانم :(بسخرية مبطنة وخفيفة) بابا شيخ ؟ بصراحة ،لا أعرف سبب اختياركم لهذا العجوز بالذات ليكون رئيساً للوزراء ؟
قاضي محمد : (بضيق )ما هذا الكلام يا أم البنات ؟!
مينا خانم : ( بعتب ) أم البنات مرة أخرى ؟! لماذا هذا الإصرار على مناداتي بأم البنات
قاضي محمد :(ممازحاً بصوت منخفض ) لا تنسي أنهم الأكثرية في هذا البيت،وأنا مع حكم الأكثرية.
مينا خانم : (ممازحة) ديمقراطي .
قاضي محمد : طبعاً .
مينا خانم :ولكن للرجال في هذه المدينة رأي آخر في إنجاب وكثرة البنات .
قاضي محمد : الجهل هو السبب، قاتله الله.
مينا خانم : (بعد تفكير قصير) ولماذا لا نقاتله نحن أيضاً ؟
قاضي محمد :(بسرور) نقاتل الجهل. كيف يا سيدتي ؟!
مينا خانم : الأمر يحتاج إلى دعم الرئيس .
قاضي محمد : الرئيس جاهز ،ولكن قولي لي كيف ؟
مينا خانم : نفتتح دورات وورشات تدريب للنساء والفتيات خاصة .
قاضي محمد : (بفرح وحماس) أحسنت يا زوجة الرئيس، أسمعي يا مينا. أريدها دورات شاملة وحقيقية ، تشمل العمل والتعليم . ما رأيك ؟
مينا خانم : حاضر .
قاضي محمد : وتشمل جميع فتيات مهاباد ،حتى بناتك يا مينا.
مينا خانم : وسنصدر مجلة خاصة بالنساء .
قاضي محمد : (بسرور بالغ ) موافق. أحسنت يا مينا..يا زوجة الرئيس .
مينا خانم : ومجلة أخرى للأطفال..ما رأيك ؟
قاضي محمد : موافق..طبعاً موافق.والآن اسمحي لي بالذهاب إلى المكتب ،فقد تأخرت.
مينا خانم : وطعام الإفطار..ألن تتناوله ؟
قاضي محمد : لا .شكراً. لقد تأخرت كثيراً .( يخرج )
مينا خانم : عنيد. طيب وعنيد .
( يتغير المنظر. مضافة علي بك رئيس العشائر،بسط فاخرة ووسائد تفترش الأرض،وعلى الجدار صورة كبيرة لعلي بك وإلى جانبه بندقية ،وعلى الجدار المقابل يتدلى جلد نمر.علي بك وزيرو بك. الوقت:قبيل الغروب )
علي بك : (بحنق) بيشاوا قاضي محمد ؟! يعني الزعيم ؟
زيرو بك : (بمكر ) والقائد والإمام ..
علي بك : (بضيق ) هكذا إذاً ؟
زيرو بك : نعم .
علي بك : ما شاء الله ! وماذا ترك لنا هذا القاضي من ألقاب ؟
زيرو بك : أنت زعيم العشائر يا علي بك، ومن حقك أن تكون أنت رئيس الوزراء لا بابا شيخ.
علي بك : (بغرور وسخرية) فليهنأ هذا العجوز النحيل والأعمى بهذا المنصب،وبرئيسه بيشاوا.
زيرو بك : في الوزارة الكثير من رؤساء العشائر يا بك .
علي بك : وفيها الكثير من الشباب الصغار،شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره يُعين وزيراً للتعليم ..يا للمهزلة !
زيرو بك : ومحمد حسين ، ابن عم قاضي محمد، عُين وزيراً للدفاع .
علي بك : (بسخرية وحنق) محمد حسين سيفي قاضي ؟! هذا البدين وزيرٌ للدفاع؟!هكذا إذاً ؟ حسن.
(يتغير المنظر.مكتب قاضي محمد،بسيط ومتواضع،طاولة وخلفها علم كردستان،أريكتان ومكتبة غير صغيرة تزين أحد الجدران.قاضي محمد يقرأ في كتاب،يدخل سيفي قاضي الوقت: مساء )
قاضي محمد : (بسرور ) أهلاً محمد حسين .
سيفي قاضي :( بسرور زائد ) سيدي وابن عمي .
قاضي محمد : طمئنّي يا محمد ،هل استلمتم هدية الروس ؟
سيفي قاضي : (بسرور) ألفين ومائتي بندقية حربية .
قاضي محمد : وهل وضعتموها في المستودعات ؟
سيفي قاضي : (بهمس) اطمئن يا سيدي .
قاضي محمد : (بارتياح ) عظيم .
سيفي قاضي : بقي أن يفي الأصدقاء الروس بوعودهم ويزودونا بأسلحة أكثر عدداً،وأكثر تطوراً.
قاضي محمد : قد يفعلون .
سيفي قاضي : (باستغراب ) قد ؟!
قاضي محمد : نعم ،وقد لا يفعلون .
سيفي قاضي : وكيف سنحمي شعبنا حين لا يفعلون ؟ أقصد إذا لم يوفوا بوعودهم ؟
قاضي محمد : من هذه الناحية اطمئن،إذا أحسنا استخدام السلاح العظيم الذي أهدونا إياه،فإن شعبنا سيكون بخير.
سيفي قاضي : (بسرور واندهاش ) سلاح عظيم ؟!
قاضي محمد : وخطير.
سيفي قاضي :(بضيق) سلاح خطير في الجمهورية ولا علم لي بالأمر؟ ألست وزير الدفاع؟
قاضي محمد : اسمع أيها القائد .لقد بدأنا باستخدام هذا السلاح.(يضحك)
سيفي قاضي : )بحنق زائد)ماذا ؟! متى ؟ كيف ؟ وما هو هذا السلاح ؟
قاضي محمد : السلاح الخطير الذي سيحمي شعبنا من الزوال هو..المطبعة.
سيفي قاضي : (كمن لم يصدق ) المطبعة ؟!
قاضي محمد : نعم ، المطبعة .
سيفي قاضي : مطبعة الكتب ؟!
قاضي محمد :مطبعة الكتب الفكرية والثقافية ،والكتب المدرسية،والصحف،والمجلات..
سيفي قاضي : (بخيبة وسخرية مبطنة) سلاح خطير فعلاً !
قاضي محمد : نعم.ومن دونه لا ضمانة للانتصار في أية معركة .
سيفي قاضي :(بعجز ومرح ) إذاً فهذه الكتب المتراكمة دائماً على مكتبك هي أسلحة خطيرة ؟
قاضي محمد : نعم .
سيفي قاضي : وهل لي أن أعرف أنواعها يا سيدي ؟
قاضي محمد :(يبتسم وهو يشير إلى الكتب) هذا كتاب يضم أشعاراً بالفارسية،وهذا كتاب لمفكر فرنسي اسمه روسو،وهذه رواية الحرب والسلم لتولستوي،وهذا ديوان للشاعر العربي المشهور أبي الطيب المتنبي.
سيفي قاضي: (يتلمظ.ممازحاً) آه ..لو تحولت هذه الكتب كلها إلى أطباق طعام فرنسية وروسية، وعربية
وفارسية..يا سلام !!
قاضي محمد :وماذا سأفعل بها وأنا أشكو ألماً دائماً في المعدة؟
سيفي قاضي :روحي فداك يا ابن عمي، أقسم إنني سأقضي عليها بجلسة واحدة . (يضحكان بمرح )
( يتغير المنظر .غرفة تدريب الفرقة، يضحك الجميع بمرح )
ديار : (بمرح ) يا سلام ! تخيلوا مائدة من هذا النوع !
دلكش : يا له من حلم جميل !
هيفي : ( بسخرية ) الطريق إلى قلب الرجل..
المتدربون : معدته..قديمة .
هيفي : إنها الحقيقة .
ديار : لا، ليست الحقيقة.
لورين : بلى .
جان : رأي قالته الجدات يوماً .
دلكش : وتردده من لا تغادر المطبخ .
ديار : المطبخ مملكة المرأة .
لورين : بل قل سجن المرأة .
جودي : سجن اختياري،اختارته المرأة منذ ماما حواء.
هيفي : لا أحد يختار السجن مكاناً للعيش يا بابا آدم.
جان : أنا أختاره.
المتدربون : أنت ؟!
جان : نعم ، لكن بشرط أن يتم سجني في مطبخ .
دلكش : وماذا لو قرروا سجنك في زنزانة انفرادية؟
جان : إذا كانت الزنزانة مطبخاً فأنا موافق، و سأشكر سجاني على هذا القرار.
دلكش : أخشى ما أخشاه أن ترمى في زنزانة من ذلك النوع الذي..
(يغلق فتحتي أنفه وهو يضحك )
جان : (بقرف واشمئزاز) تقصد..
دلكش : المرحاض،أي نعم يا صديقي،المرحاض.قد يفعلونها معك أيضاً،من يدري،كل شيء هنا أصبح جائزاً. ما رأيك ؟
جان : (ممازحاً)غير موافق.
(يضحك الجميع)
البدليسي : لقد بدأ الصبح يطلع يا أبنائي .
بيران : رسول نوروز على عجلة من أمره يا أصدقاء.
(يتغير المنظر.سوق شعبي،دكاكين ترابية ذات سقوف واطئة،دكاكين من صفيح.عربات،مارة وباعة متجولون ،باعة الصحف يدورون بين الناس وهم ينادون بأصوات مرتفعة. الوقت: صباح أحد أيام منتصف الصيف)
بائع 1 : هه لاله.هه لاله. مجلة المرأة الكردية.زهرة الربيع العطرة.
بائع 2 : هاواري كرد.صرخة الكرد.لسان حال اتحاد الشبيبة الديمقراطي .أدبية.سياسية.اجتماعية.
بائع 3 : كردستان.صحيفة كردستان الرسمية تنشر النص الكامل للنشيد الوطني :(أي رقيب) (يردد النشيد وهو يتجول بين الناس )
بائع 4 : اقرأ :هل تعلم. اضحك .حكايا الجدات..في العدد الجديد من مجلة مندالاي كرد. الطفل الكردي. كان يا ما كان.. كان..
بائع 1 : اقرأ في هه لاله :آخر نشاطات مينا خانم.حملات محو الأمية..ورشات عمل..احتفالات.
بائع 2 : آخر نشاطات اتحاد الشباب.الاتحاد يصل إلى معظم مناطق الجمهورية.رئيس الاتحاد الرفيق علي خسروي يصدر بطاقات خاصة للعضوية.
بائع 4 : اقرأ في مجلة مندالاي كرد :اعرف وطنك.ينبع نهر الفرات من كردستان تركيا.آخر طرفة تقول (يلقي طرفة وهو يقرأ في المجلة )
( نداءات باعة الصحف تختلط بنداءات الباعة المتجولين. بعض المارة يقلبون صفحات الجرائد التي اشتروها،يدخل شخص يرتدي زياً مدنياً،يبدو غريباً عن المدينة،ينادي باعة الصحف.يبتاع من كل بائع عدداً من الصحف،يتأبطها ويغادر المكان بسرعة )
(يتغير المنظر.مكتب قاضي محمد،قاضي محمد ورئيس الوزراء بابا شيخ ووزير الدفاع سيفي قاضي.قاضي محمد يقلب بعض الأوراق وهو يقرأ ما جاء فيها بصوت منخفض،الوقت: نهار)
قاضي محمد : لا بأس..هذا جيد..مجلات وطباعة كتب مدرسية.أحسنتم.وصول البعثة الطلابية إلى باكو (يضحك) أطفالنا أيضاً يساهمون في بناء الوطن.بارك الله فيكم.إنها..بيع صفقة كبيرة من التبغ .هذا جيد.مقايضة بعض التبغ بالسكر ومواد روسية أخرى..لا بأس.اعتقال مواطن بتهمة العداء الشخصي .(بضيق ) لمن؟!
بابا شيخ : للجمهورية يا سيدي .
قاضي محمد : المدون هنا يقول: لشخص الرئيس.يعني لي .
بابا شيخ : هذا صحيح يا سيدي .
سيفي قاضي : لا فرق .
قاضي محمد :(بغضب ) كيف لا فرق؟ أنا فرد من هذه الجمهورية ،ولست الجمهورية كلها .
سيفي قاضي : (بحرج ) ولكنك ..
قاضي محمد : (يقاطعه بحزم)ولكني ماذا ؟ قل يا بابا شيخ:هل لهذا الرجل نشاطات معادية للوطن والشعب؟
بابا شيخ : لا. لا يا سيدي .
قاضي محمد : إذن أطلقوا سراحه .
بابا شيخ : (بعد تردد ) ولكنه تحدث بالسوء عن شخصك.
قاضي محمد : أطلقوا سراحه فوراً .
بابا شيخ : (بإذعان ) حاضر يا سيدي .
قاضي محمد :لم نفعل ما فعلناه من أجل الحجر والشجر يا بابا شيخ، بل فعلنا ذلك أولاً، وقبل كل شيء، من أجل البشر،من أجل أبناء شعبنا .
سيفي قاضي : ( بنفاد صبر) سيدي الرئيس .حشود جيش الشاه تزداد حول بعض مناطقنا المحررة يا سيدي.
بابا شيخ : يبدو أنهم نسوا هزيمتهم النكراء في معركة فهراوة.لقد أبلى البارزانيون فيها بلاءً حسناً.
سيفي قاضي :لا أحد ينكر قوة هؤلاء الأبطال، ولكن حشود جيش العدو كبيرة هذه المرة،والاعتماد على البارزانيين فقط لا يكفي.
بابا شيخ : لدينا مقاتلو العشائر الموالية .
سيفي قاضي: ولديهم مقاتلو العشائر المعادية أيضاً .
قاضي محمد :(بعد صمت وتأمل ) ماذا تريد أن تقول يا وزير الدفاع
سيفي قاضي : لا بد من تأسيس جيش نظامي.
قاضي محمد : (كمن يفكر) جيش نظامي .جيش نظامي.
سيفي قاضي : وعصري .
قاضي محمد : (بحسم وقناعة) حسن. أنا موافق .
سيفي قاضي : (بسرور وحماس) إذاً لا بد من الاتصال بأصدقائنا الروس فوراً.
بابا شيخ : وبالعشائر الموالية .
سيفي قاضي : (باستهجان ) العشائر مرة أخرى ؟ لماذا ؟
قاضي محمد : لا بد من فعل ذلك يا سيفي،لا بد.
سيفي قاضي : أما أنا فسأتصل بأصدقائنا الروس .
قاضي محمد :واتصل أنت يا بابا شيخ بالعشائر الموالية ،وغير الموالية،لا بد من إشراك الجميع في الدفاع عن الوطن.الجميع أيها القائدان.
بابا شيخ : مفهوم يا سيدي، (يهم بالانصراف)عن إذنك .
سيفي قاضي : اسمح لي بالانصراف أنا أيضاً يا سيدي.
قاضي محمد : مع السلامة .
(يخرجان، تدخل مينا خانم )
مينا خانم : عمت مساءً يا أبا علي .
قاضي محمد : أبا علي ؟! أنت في مكتب الرئيس يا امرأة.
مينا خانم : (باضطراب) عفواً، لكن..
قاضي محمد : (بمرح) ما الذي تحمله لنا المعلمة مينا خانم ؟
مينا خانم : وماذا سأحمل غير هم البنات ؟
قاضي محمد : ماذا حدث لبناتنا يا مينا ؟
مينا خانم : لا أقصد بناتنا يا محمد ،بل بنات مهاباد .
قاضي محمد : كلهن بناتي يا مينا،كل بنات مهاباد بناتي، حدثيني بما لديك .
مينا خانم : إقبال بنات مهاباد على التدريب غير مرض، بل في تراجع .
قاضي محمد : والتعليم ؟
مينا خانم : (بأسف) ليس كما يجب،جهل وخوف وتردد ..
قاضي محمد : (بحسرة) أعرف ذلك يا مينا .لذلك علينا مضاعفة الجهد.
مينا خانم :لا أعرف كيف يمكن إصلاح حال المرأة في مجتمع تسوده الأمية والتخلف بهذا الشكل ؟!
قاضي محمد : مينا، اثنان إذا صلح حالهما،صلح حال الأمة : العدالة والمرأة، وهذا ما عليّ أن أبذل من أجله المزيد من الجهد .
مينا خانم : (بعد تردد وخجل ) وبلا مقابل ؟
قاضي محمد : (باستغراب ) بلا مقابل ؟!
مينا خانم : أقصد :بلا أجر، فبقية القادة والوزراء يتقاضون أجوراً ..
قاضي محمد : (يقاطعها بحزم ) مينا خانم. إنه قراري، ولست نادماً عليه.
مينا خانم : ولكن..
قاضي محمد : بلا لكن. إلى البيت، فأنا جائع،ومشتاق للبنات ولعلي رش .
مينا خانم : عنيد.عنيد وحنون (يضحكان وهما يخرجان )
(يتغير المنظر.مكتب قيادة عمليات للجيش الإيراني، طاولة كبيرة عليها خرائط ومخططات ومجلات وصحف،صورة للشاه بزي عسكري معلقة على الجدار،المسؤول الحكومي والضابطان:الجنرال همايوني والعقيد غفاري.المسؤول الحكومي يقرأ في بعض الصحف والمجلات بضيق )
المسؤول الحكومي : مجلة هاوار كرد:(يقرأ) نشاطات الاتحاد تمتد في أرجاء الوطن.السيد الرئيس قاضي محمد يلتقي برئيس الوزراء بابا شيخ .(بضيق وسخرية) رئيس.ورئيس وزراء.هكذا إذاً ؟حسن (يتناول صحيفة أخرى)صحيفة كردستان: ( أي رقيب)..يا سلام .ومن أين جاؤوا بهذا النشيد..إنه للشاعر دلدار: يونس رؤوف :شاعر من كويسنجق .ووضع لحن النشيد حسين برزنجي..ومن يكون هذا أيضاً ؟ (يرمي الصحيفة جانباً يتناول مجلة أخرى) مجلة هه لاله. مجلة المرأة .دورات تعليمية وورشات للتدريب. (يتناول مجلة للأطفال) وهذه مجلة للأطفال.اعرف وطنك..؟! (بعصبية وهو يرمي المجلة وبقية الصحف) الأطفال أيضاً يا قاضي محمد؟ لقد تجاوزت حدودك كثيراً أيها القاضي .
الجنرال : (بحماس) نحن جاهزون لاقتحام المدينة .
المسؤول الحكومي : اصبر يا همايوني ، ليس الآن .
العقيد : إنه يؤسس دولة ،جمهورية ذات حكم ذاتي يا سيدي .
الجنرال :أسس وانتهى الأمر.جيش، وزراء ،مدارس، علم نشيد..ماذا بعد ذلك ؟
المسؤول الحكومي : بل قل:ماذا يجب أن نفعل قبل اقتحام مهاباد؟
الجنرال والعقيد : ماذا ؟!
المسؤول الحكومي :(بمكر) زرع المزيد من الأشواك في درب قاضي محمد .
الجنرال : كيف ؟
المسؤول الحكومي :دعا هذا الأمر لنا وانتظرا الأوامر لاقتحام عرين هذا القاضي المتمرد .
الجنرال والعقيد : مهاباد ؟
المسؤول الحكومي :مهاباد .(يضحك.ويدفع الصحف والمجلات بعيداً عنه )
( يتغير المنظر .منزل عائلة متوسطة الحال،صالون بسيط الأثاث،فرش ممهدة على الأرض،على الجدار صورة لرجل في الخمسين من عمره،ورأس غزال على الجدار الآخر،السقف واطئ،ثمة باب داخل الصالون يفضي إلى غرفة جانبية،فتاة ترتب أشياءها بسرعة وتهم بالخروج، تدخل أمها وهي امرأة في منتصف العقد الثالث من العمر.الوقت: صباح خريفي)
الأم : إلى أين ؟
الفتاة : طبعاً إلى الورشة.
الأم : لا حاجة للذهاب .
الفتاة : لماذا يا أمي ؟!
الأم : إنها أوامر والدك .
الفتاة : لقد وافق والدي على التحاقي بورشة الخياطة ودروس مينا خانم .
الأم : كان موافقاً ، أما الآن فهو غير موافق .
الفتاة : لماذا ؟
الأم : لا أعرف .البارحة حين عاد من بيت الآغا كان مهموماً،وتحدث كثيراً عن قاضي محمد وعلاقته بالكفار الروس.
الفتاة : ولكن بيشاوا ليس كافراً .
الأم : استرينا يا ابنتي، نحن أناس لا نملك سوى سمعتنا.
الفتاة : أنا أذهب إلى المدرسة يا أمي، مدرسة تديرها زوجة الرئيس، وليس إلى مكان سيء السمعة.
الأم : مدرستك هنا. في بيت أبيك .
الفتاة : ما تقدمه لنا السيدة مينا سينفعنا غداً. في المستقبل .
الأم : مستقبلك الوحيد في بيت زوجك .
الفتاة : لكن هذا كلام غير صحيح يا أمي. إنه ظلم لنا نحن الفتيات .
الأم : (باستغراب وضيق)غير صحيح ؟! بل ظلم أيضاً . يبدو أن الآغا كان على حق،لقد أفسدت مينا خانم تربيتكم .ولا بد من إعادة تربيتك من جديد.غير صحيح ها..وظلم.ها؟
( تنهال عليها بالضرب )
الفتاة : (وهي تبكي ) كفى يا أمي ،رجاءً يا ماما. أمي..
( يتغير المنظر. مقهى شعبي،طاولات يجلس إليها رواد يتصايحون ويدخنون وهم يلعبون،النادل الذي يوزع المشروبات على الرواد، يضع كوبين من الشاي أمام شابين يلعبان بالشطرنج )
الشاب 1 : شكراً كريم .
النادل : أهلاً بالأساتذة .
(يرشف الشاب1 الشاي فتتقلص تقاسيم وجهه بضيق،ينادي النادل بصوت غاضب)
الشاب 1 : كريم ، كريمو.
النادل : ( وقد حضر بسرعة ) خير. خير أستاذ ؟
الشاب 1 : ما هذا يا كريم ..الشاي مر، أين السكر ؟
النادل : ( بخجل ) المعذرة يا أستاذ ، السكر في المقهى قليل .
الشاب 1 : لكنه في السوق كثير، البارحة دخلت شحنة سكر إلى مهاباد.
النادل : هذا صحيح، وذهبت من فورها إلى الأسياد .
الشاب 1 : إلى قاضي محمد ؟
النادل : (بصوت منخفض ) بل إلى السادة رؤساء العشائر.
الشاب1 : رؤساء العشائر؟! السكر أيضاً يذهب إلى هؤلاء السادة ؟
الشاب 2 : هس (للنادل) شكراً لك يا كريم (بعد أن يبتعد النادل) ماذا دهاك يا رجل ؟
الشاب 1 : ألم تسمع ما قاله النادل ؟
الشاب 2 : سمعت ،سمعت..ولكن لا ترفع صوتك هكذا.
الشاب1 : هل تخشى الاعتقال ؟
الشاب 2: أطمئن ،ليس في الجمهورية شرطة سرية، فتحدث بما يحلو لك .
الشاب 1: (بسخرية ) لا أريد أن أتحدث بما يحلو لي ،أريد شرب الشاي الحلو فقط .ممكن ؟
الشاب 2 : هل تعلم إن أصدقاءنا الروس هم من أرسل السكر إلى هؤلاء السادة ؟ رشوة للتقرب منهم.
الشاب 1 : ليس الروس وحدهم من يقدم الرشوة لهؤلاء السادة ،حكومة قاضي محمد أيضاً تفعل ذلك .
الشاب 2 : (بضيق) لا أصدق !لا تفتري على الرجل .حرام.
الشاب 1 : (بسخرية وحنق) مسكين .وماذا تسمي إرسال أطفال هؤلاء السادة في بعثات طلابية إلى خارج الوطن .وحصول البعض منهم على رتب ومناصب حكومية رفيعة ؟و..أشياء أخرى .
الشاب 2 : (بحرج ) قد يكون ذلك كله لضمان موالاتهم للجمهورية .أنت تعرف العقلية العشائرية.
الشاب 1 : (بسخرية ومرارة )ونحن ..ماذا عنا ؟
الشاب2 : نوماذا عنا ؟ هل تريد أن نعادي من يصنع مستقبل شعبنا أيها المثقف ؟
(يمر شحاذ.يتجول بين رواد المقهى )
الشاب 1 : (مشيراً إلى الشحاذ ) قد يفعلها هؤلاء ويعادون من أهملهم ..(بسخرية)فهم ليسوا مثقفين .
الشاب 2 : ومن أجل ذلك يجب أن نساعدهم .
الشاب 1 : نساعد من ؟
الشاب 2 : قاضي محمد وهؤلاء (يشير إلى الشحاذ)
الشاب 1 : (باستغراب ) كيف ؟!
الشاب 2 : وكيف تكون مساعدة المثقف؟
الشاب 1 : (بنفور) إذا كانت الثقافة هي تقديم الخدمات فأنا لست مثقفاً.
الشاب 2 : ( بسخرية مرة) وإذا كانت الثقافة مجرد تراكم معارف ومعلومات وشهادات..فأنا لست مثقفاً.
الشاب 1 : ( يحرك بيدقاً على رقعة الشطرنج. بمكر وسخرية )كش بيشاوا .
الشاب 2 :( بحنق) بل كش أتباع الشاه .
الشاب 1 : (بسخرية) كشهم أنت وسادة مهاباد .
الشاب 2 : ستندم .
الشاب 1 : على ماذا ؟ كش يا صديقي.كش .
الشاب 2 : كش..
الشاب1 : كش .
( يكملان اللعب وسط المكان العبق بالدخان والضاج بالأصوات )
(يتغير المنظر،مقر عسكري روسي في مهاباد،المكان شبه خال من الأثاث،يلاحظ بعض الأثاث المتراكم وسط المقر،صور.خرائط،قرطاسية،صورة كبيرة لستالين في زي عسكري معلقة على الجدار، المستشار السياسي والتجاري الروسي أسدوف،وضابط روسي شاب، الاثنان في حالة من التوتر والعجلة من أمرهما،الوقت:بُعيد الغروب )
أسدوف : (وهو يتفحص بعض الأوراق المكومة على الطاولة) اجمع كل شيء،لا تترك أي شيء يخصنا،هيا أسرع؟
الضابط : ( وهو يرتب بعض الملفات )وهو إني أفعل ما بوسعي يا رفيق .
أسدوف : يجب أن نغادر مهاباد قبل أن يطلع الفجر ويدخلها الجيش الإيراني ،إنه على الأبواب.
الضابط : (بشيء من المكر والضيق) ومم تخاف يا رفيق ؟فنحن لسنا أعضاء في حكومة قاضي محمد، ولسنا من أهالي مهاباد ؟
أسدوف : ما أخشاه هو أهالي المدينة،وليس الجيش الإيراني.
الضابط : لماذا نخشاهم ونحن من ساعدهم في إقامة جمهوريتهم ؟
أسدوف ) :بضيق) ساعدنا أذربيجان أيضاً في إقامة دولتهم، فلماذا فتك سكان العاصمة باكو بأعضاء حكومتهم حين اقتحم الجيش الإيراني المدينة ؟
الضابط : لا أعتقد أن أهالي مهاباد سيفعلون ذلك بقيادتهم،إنهم يحبون ويثقون بقاضي محمد كثيراً.
أسدوف : هذا صحيح..ولكن قد يفعلون ذلك بنا.
الضابط : (بعد صمت وتردد قصير) ربما.لأننا تخلينا عنهم،أليس كذلك ؟شجعناهم في البداية ثم..ثم تركناهم
تحت رحمة عدوهم .
أسدوف : (بحرج) إنها السياسة الدولية، وفي السياسة لا صداقات دائمة .
الضابط : ( بأسف) بل مصالح دائمة،ومصلحتنا اليوم أصبحت مع الحكومة الإيرانية .
أسدوف : (وهو يحدجه بنظرات الاستغراب والخبث ) ماذا تريد أن تقول أيها الضابط ؟!
الضابط : (بعد تردد وخوف)هل صحيح أن حكومتنا وقعت عقود استثمار الغاز الإيراني مع حكومة طهران لضمان صمتنا وعدم تدخلنا ؟
أسدوف :(بحزم) هذا الأمر لا يعنيك أيها الضابط .مفهوم (وهو ينظر إلى صورة ستالين.بغضب)
هيا أسرع في جمع أشياء المقر وكف عن هذه الثرثرة .
الضابط ) :بخوف ) حاضر يا رفيق .
أسدوف : بسرعة.
الضابط : حاضر.
( يجمع الاثنان الأغراض والأوراق بسرعة وهما يتبادلان نظرات الريبة والشك.ينزع أسدوف صورة ستالين عن الحائط بحذر وعناية شديدة))
( يتغير المنظر،مكتب قاضي محمد،قاضي محمد في حالة اضطراب وهو يزرع أرض المكتب جيئة وذهابا،يدخل سيفي قاضي وهو في حالة ضيق ومزاج سيء.الوقت ليل )
قاضي محمد : قل يا سيفي..ما آخر الأخبار؟
سيفي قاضي :(بعد تردد) الأخبار غير سارة يا سيدي،لم تثمر المفاوضات مع القائد همايوني عن شيء سيدخل مهاباد غداً صباحاً.
قاضي محمد : لكنه وعدنا أن (بعض لحظة صمت)يا لسذاجتي! كيف أصدق وعود من جاء يقاتلنا ؟
سيفي قاضي :كما صدقنا وعود بعض العشائر بالدفاع عن الجمهورية،فذهبت زاحفة نحو الجنرال همايوني تقدم له الولاء وتستعد للانقضاض على الجمهورية.
قاضي محمد : (بحزن ) هكذا إذن ؟
سيفي قاضي : لكننا لن نستسلم، سنقاومهم .
قاضي محمد : لا.
سيفي قاضي : لماذا ؟
قاضي محمد : لأنها مغامرة .
سيفي قاضي : مغامرة ؟! والحل ؟
قاضي محمد : يجب أن أقابل الجنرال همايوني .
سيفي قاضي : لماذا ؟
قاضي محمد : ما من حل آخر سوى ..
سيفي قاضي : (بغضب مكتوم ) سوى ماذا..
قاضي محمد : لا بد من التضحية يا سيفي ،لا بد من ذلك لحماية شعبنا من بطش وانتقام الأعداء.
سيفي قاضي :( مصعوقاً ) إذاً ستسلم نفسك ؟!لن نقبل بذلك.
قاضي محمد : إنه قراري النهائي .
سيفي قاضي : لن يرحموك.
قاضي محمد : المهم هو أن يرحموا أبناء شعبنا المسالم ولا يمسوا مهاباد بسوء.
سيفي قاضي : (برجاء) سيدي..أرجوك .
قاضي محمد : إنه قراري النهائي ، بلِّغْهُ لبقية الرفاق .
سيفي قاضي : أبا علي..
قاضي محمد : مع السلامة يا سيفي .
(يخرج سيفي قاضي بعد تردد وحيرة يعود قاضي محمد إلى السير في الغرفة ذهاباً وإيابا)
( يتغير المنظر،غرفة التدريب،البدليسي وأعضاء الفرقة جالسون بحزن )
المتدربون : ماذا حدث بعد ذلك ؟
البدليسي : ذهب إليه بعض قادة الجمهورية كي يصطحبوه معهم إلى خارج الوطن، ولكن، وبعد نقاش طويل، قرروا مثله البقاء وعدم المغادرة .
بيران : الجنرال مصطفى البارزاني أيضاً ذهب إليه في مكتبه قبل دخول الجيش الإيراني بيوم واحد،حاول كثيراً إقناعه بالمغادرة ولكن..(يصمت متأسفاً )
ديار : خرج هو الآخر صفر اليدين.
البدليسي : لا ،لم يخرج صفر اليدين .
لورين : (بسرور ) خرج ومعه بيشاوا ؟
البدليسي : بل خرج حاملاً أمانة مقدسة .
المتدربون : أمانة مقدسة ؟!
بيران : نعم .علم الجمهورية .
البدليسي : الجمهورية الفتية التي استبسل هذا القائد ومن معه من البارزانيين في الدفاع عنها ،ولكن..
المتدربون : ولكن ماذا ؟ماذا حدث ؟!
البدليسي : دخلت الجيوش الإيرانية وقوات بعض القبائل الموالية للشاه مهاباد من الشمال والشرق .
بيران : وكان ذلك يوم الثامن عشر من كانون الأول من السنة نفسها .
دلكش : وقاضي محمد ؟
جودي : وابن عمه سيفي قاضي ؟
جان : ماذا حدث لهما يا جدو ؟
البدليسي : اعتقلا في اليوم الثاني من دخول القوات الإيرانية،اعتقل بيشاوا وابن عمه،ومن ثم تم اعتقال أخيه أبي القاسم صدري قاضي الذي كان نائباً في البرلمان الإيراني والكثير من القيادات الأخرى. وزج بالجميع في السجن، وكانت زنزانة قاضي محمد انفرادية .
ديار : انفرادية وهو رئيس جمهورية؟
دلكش : وقاض ؟
جودي : ورجل مثقف ؟
البدليسي :( بضيق وأسى ) لقد فعلوها على الرغم من ذلك كله .
بيران : كما فعلها أعداء آخرون مع غيره من القادة .
البدليسي : وبعد أكثر من شهرين،من الاعتقال تم تقديمه إلى المحاكمة .
المتدربون : محاكمة..محاكمة ؟
البدليسي : محاكمة عسكرية .
( يتغير المنظر.قاعة محكمة عسكرية، منصة مرتفعة عن الأرض يجلس خلفها قاض عسكري وأمامه على المنصة مطرقة كبيرة ،أمام القاضي يجلس المتهمون الثلاثة :قاضي محمد،وأخوه أبو القاسم صدري قاضي،وابن عمه محمد حسين سيفي قاضي،وعلى يسار منصة القاضي ،وخلف طاولة كبيرة،يقف المدعي العام العقيد فيزوي،الوقت: نهار )
القاضي العسكري : المتهم محمد بن قاضي علي .
قاضي محمد : حاضر .
القاضي العسكري : المتهم محمد حسين سيفي قاضي .
سيفي قاضي : حاضر .
القاضي العسكري : المتهم أبو القاسم صدري بن قاضي علي
صدري قاضي : حاضر .
القاضي العسكري : باسم الله والشعب الإيراني نعلن بدء محاكمة المتهمين التالية أسماؤهم : محمد بن قاضي علي .محمد حسين بن سيفي قاضي ،أبو القاسم صدري بن قاضي علي .
صدري قاضي : أعترض .
قاضي محمد : أين المحامي الذي طلبنا أن يدافع عنا ؟
القاضي العسكري : لقد تعذر الاتصال به ،ولذلك عينت لكم المحكمة النقيب شريف كاظمي للدفاع عنكم.
قاضي محمد : أعترض .
سيفي قاضي : أنا أيضاً أعترض .
القاضي العسكري : الاعتراض مرفوض. تفضل بالحديث سيادة المدعي العام .
صدري قاضي : من ..العقيد فيزوي هو المدعي العام؟! يا لها من محاكمة !
قاضي محمد : محكمة عسكرية خالصة .
صدري قاضي : لكنني لست عسكرياً .وقاضي محمد أيضاً وكذلك سيفي، إنهما مدنيان مثلي
المدعي العام : سيدي الرئيس،لقد دونت في هذه اللائحة التهم المنسوبة للمتهمين الماثلين أمام عدالتكم، وهي مؤلفة من اثنين وعشرين فقرة. (يقدم اللائحة لرئيس المحكمة )
صدري قاضي : إنها تهم ملفقة ،أعترض .
سيفي قاضي : ومخالفة للقانون ،أعترض .
القاضي العسكري: ( يضرب الطاولة بالمطرقة) هدوء. دعوا المدعي العام يكمل ،وسيأتي دور محاميكم بالحديث .
المدعي العام : إن كل تهمة مدونة في اللائحة تمثل خرقاً للدستور،وبالتالي خيانة عظمى للوطن .
صدري قاضي : نحن لسنا خونة يا ..
المدعي العام : إذا كان الانفصال عن الوطن ليس خيانة، وتغيير العلم الوطني ليس خيانة،وتأسيس جيش خاص،ومنح الرتب العسكرية،ومقاومة الجيش الإيراني ليس خيانة.فما هي الخيانة إذاً؟!
القاضي العسكري : الكلام لك يا محامي الدفاع .
محامي الدفاع : سيدي الرئيس ،إن..
قاضي محمد : اعترض، نحن غير موافقين على محام يتم تكليفه من قبلكم،ولا على محاكمتنا من قبل محكمة عسكرية،فنحن مدنيون،ورغم ذلك اسمح لي أيها العقيد..أقصد: يا سيادة رئيس المحكمة ،اسمح لي بالكلام ورد هذه التهم الباطلة.
القاضي العسكري : تكلم ، ولكن بإيجاز.
قاضي محمد : بإيجاز شديد ..الخائن هو من يخون شعبه ووطنه،ونحن فعلنا ما فعلناه خدمة للوطن والشعب الذي ننتمي إليه،نحن يا..
المدعي العام : ( يقاطعه)سجل ما سمعته يا سيدي، إنه يعترف بجرائمه .
سيفي قاضي : (بغضب ) انتبه لما تقوله يا سيد ،نحن لسنا مجرمين.
صدري قاضي : أنا كنت ،ومازلت،نائباً في البرلمان الإيراني.
المدعي العام :(بسخرية ) وحضرة النائب قام بتحريض المواطنين في مسجد عباس آغا يوم السادس من كانون الأول على مقاومة الجيش الإيراني .أنت مدان يا حضرة النائب..فلا تسترحم.
صدري قاضي : (بغضب ) أنا لا أسترحم .ولن أفعل ذلك في المستقبل.
المدعي العام : (بسخرية وحقد ) أعرف أنك لن تفعل ذلك في المستقبل،لأنك والغوغاء التي سارت خلفكم لا مستقبل لكم.
سيفي قاضي : الكرد ليسوا غوغاء أيها الضابط .
القاضي العسكري: صمتاً .هدوء.
صدري قاضي : وينتظرهم مستقبل مشرف .
المدعي العام : (بتحد وحقد ) سيكون الجيش الإيراني الشجاع بانتظار هذا المستقبل..فاطمئن.
قاضي محمد :(بسخرية وهدوء) لقد شوه جيشك الشجاع قول الشاعر الفردوسي الذي قال:
لخير لنا أن نموت واحداً واحداً من أن نسلم بلادنا للأعداء
المدعي العام : إنه كذلك فعلاً. فكيف شوهه ؟
قاضي محمد : ترك البلاد لأعداء الوطن وهربت قياداته أمام قوات الاحتلال الأجنبي ولسان حالها يقول: ندير ظهورنا للعدو واحداً بعد واحد ولا نموت في سبيل بلادنا
المدعي العام : (بغضب هذه إهانة لشرف الجيش الإيراني .
قاضي محمد : أهان الجيش الإيراني نفسه عندما ترك بلاده للمحتل الإنكليزي والروسي والأمريكي وراح يقاتل أبناء شعبنا المسالم .
القاضي العسكري : صمتاً.. هدوء.
المدعي العام : (بعصبية زائدة) أنتم لستم شعباً، أنتم أيها المتخلفون حفنة من الهمج والغوغاء..
سيفي قاضي : أنا أحتج .
صدري قاضي : حذار أيها الضابط .
القاضي العسكري: صمتاً..صمتاً .
قاضي محمد : (بغضب ،يرفع كرسيه ويضرب به المدعي العام) الكرد ليسوا غوغاء أيها الأزعر. أحفاد صلاح الدين الأيوبي،ومحمود الحفيد وملا أحمد الجزري، وأحمدي خاني ليسوا غوغاء.إنهم شعب عريق .
( في هذه الأثناء يختلط صوت قاضي محمد بصوت القاضي العسكري والمدعي العام،والعساكر الذين يقيدون يدي قاضي محمد وسيفي قاضي وصدري قاضي)
القاضي العسكري: صمتاً..صمتاً .
المدعي العام : مجرم. عميل .
سيفي قاضي : مجرم من يوجه إهانة لشعب مسالم .
القاضي العسكري: حكمت المحكمة..صمتاً.
عسكري : اهدأ يا رجل .
عسكري : اصمت و إلا ضربتك. اصمت.اصمت.
قاضي محمد : لن أسكت عن إهانة توجه لشعبي، لن أصمت أبداً.القاضي العسكري : (يضرب بالمطرقة على المنصة بقوة وغضب ) صمتاً.صمتاً..لقد قررت المحكمة تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بالمتهمين التالية أسماءهم: محمد بن قاضي علي.أبو القاسم صدري بن قاضي علي.محمد حسين بن سيفي قاضي. قراراً نهائياً..غير قابل للطعن.
( يسود الصمت التام قاعة المحكمة )
صوت البدليسي : وقبيل بزوغ فجر يوم الواحد والثلاثين من آذار سنة 1947 وفي ساحة جارجرا؛ المكان الذي أعلن فيه قاضي محمد ولادة جمهورية كردستان..في هذه الساحة، وقف الأبطال الثلاثة أمام حبل المشنقة .
(يتغير المنظر ،ساحة عامة وسط مدينة مهاباد،يصعد الأبطال الثلاثة أمام حبال المشانق المنصوبة في الساحة.الوقت فجر )
قاضي محمد : (بثقة وثبات ) اعلموا أيها الطغاة أنني لن أموت بحبالكم هذه ،لأن كل كردي هو قاضي محمد، وكل طفل كردي سيولد من بعدي، يجتهد ويحب وطنه ويعمل من أجله..سيكون قاضي محمد .
( يتغير المنظر بعد صمت قصير .غرفة التدريب .الجميع في حالة جمود كالتماثيل .يلتفت بيران حوله باحثاً عن البدليسي الذي كان قد غادر المكان دون أن يلاحظ أحد منهم ذلك )
بيران : غريب !! أين جدو بدليسي ؟ إلى أين ذهب جدو بدليسي ؟
(ينادي المتدربون البدليسي.يبحثون عنه في أرجاء المكان)
- جدو بدليسي .
- أين أنت يا رسول نوروز ؟
- أين أنت يا جدو ؟
- يا رسول نوروووز..
صوت البدليسي : جئت أهلاً يا نوروز
توقد المشاعل فوق الجبال
تبدد العتمة
تهدي البسمة للأطفال
تنير دروب الأبطال
جئت يا نوروز
لفراش يغازل الأزهار
للحجل . للجبل الجبار
جئت أهلاً يا نوروز
أهلاً .أهلاً يا نوروز
( يلتفتون حولهم .يتبادلون النظرات بعد أن كانوا ينظرون نحو جهة الشرق .يطلقون صيحات الفرح فجأة )
المتدربون : إنه نوروز .جاء نوروز ..نوروز جاء..
( يغنون ويرقصون )

1- وتؤكد مصادر أخرى مثل كتاب جمهورية مهاباد لإيغلتن الابن على إن سنة ميلاد قاضي محمد هي 1901

أحمد اسماعيل اسماعيل
- مواليد سوريا –قامشلي صيف 1961-عضو جمعية المسرح في اتحاد الكتاب العرب – يعمل في سلك التربية
- نشر العديد من القصص والمسرحيات والدراسات المسرحية في دوريات محلية وعربية .
- شارك في ندوات مسرحية داخل سورية وخارجها (العراق.الأردن.الجزائر)
قُدمت بعض مسرحياته في عروض مسرحية عديدة
داخل سوريا :
(دمشق.حلب. اللاذقية. حماه. طرطوس،الحسكة. قامشلي..ومدن سورية أخرى )
وخارجها:
(مهرجان شفشاون الدولي لمسرح الطفل بالمملكة المغربية عام 2006. مهرجان الشارقة لمسرح الطفل عام 2006.مهرجان قرى الطفل برأس الخيمة في دولة الإمارات العربية عام 2007.وفي العراق(البصرة عام 2006.بغداد(مهرجان مسرح الطفل الخامس) 2008..أربيل 2010 .فلسطين 2008 . الجزائر سنة 2008 -ليبيا (طرابلس) 2009 مصر(جامعة الفيوم) آذار سنة 2010..ودول عربية أخرى.
نال العديد من الجوائز الأدبية في مجالي القصة والمسرح :
- جائزة الشارقة للإبداع العربي –الإمارات العربية المتحدة- عن مجموعته القصصية (رقصة العاشق) سنة 2000
- جائزة ثقافة الطفل العربي – (جائزة أنجال الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان ) الإمارات العربية المتحدة- أبو ظبي- عن مسرحيته – الحقل المنيع – سنة 2001
- جائزة نقابة المعلمين في سوريا-المكتب المركزي-سنة 2001 المرتبة الأولى عن مسرحيته الموجهة للأطفال (السور)
- جائزة الهيئة العربية للمسرح سنة 2010 - المركز الأول عن مسرحيته (الطائر الحكيم) الموجهة للأطفال
صدر له :
للكبار :
1- مسرحنا المأمول- مقالات مسرحية تمهيدية– دمشق سنة -1997
2- عندما يغني شمدينو- 3 مسرحيات-دمشق سنة 1999
3- رقصة العاشق – مجموعة قصصية- الشارقة سنة 2001
4- أهلاً جحا- عفواً مموزين :مسرحيتان- دمشق 2009
مسرحيات للأطفال :
1- توبة الثعلب -4 مسرحيات -دمشق (وزارة الثقافة)سنة 2000
2- جراب البدليسي –العراق-أربيل-سنة –2003
3- الحقل المنيع -أبو ظبي (جائزة أنجال الشيخ هزاع آل نهيان )سنة 2003
4-الثغرة- مسرحية للفتيان-دمشق (وزارة الثقافة) سنة 2004
5-حكاية الأشقياء الثلاثة –الهيئة العامة السورية للكتاب-وزارة الثقافة-2009
6- أحلام الحمار الكسول-الهيئة العامة السورية للكتاب-وزارة الثقافة-دمشق-2010
7-الطائر الحكيم-الهيئة العربية للمسرح-الشارقة-2010

عنوان الكاتب :
هاتف : منزل 0096352422840
محمول : 00963988505312
البريد الإلكتروني:
a.smail1961@gmail.com

0 التعليقات:

إرسال تعليق