مسرحية الأصابع




تأليف ابراهيم حساوي


ساقا رجل مُقعد مُغطاة بقماش سميك، يُرفع الغطاء قليلاً فتظهر أصابع قدمه اليمنى واليسرى تستنشق الأصابع بعض الهواء،

تتحرك بشكل تهريجي،أصابع القدم اليمنى تنظر إلى بعضها البعض نظرات غريبة يتخللها خوف ودهشة، تبدأ تقترب من بعضها البعض رويداً رويداً وما يحدث لأصابع القدم اليمنى هو ذاته ما يحدث للقدم اليسرى وعلى الرغم من أن أصابع القدمين لذات الرجل المُقعد إلا أن هناك اختلافاً كبيراً فخنصر القدم اليمنى يختلف اختلافا كبيراً عن خنصر القدم اليسرى، وهذا الاختلاف ينطبق على باقي الأصابع. المسافة الفاصلة بين القدمين لا تتجاوز عرض إصبعي الإبهام،رأس الرجل المُقعد مسند على يديه المتصالبتين فوق ركبتيه يسدل الغطاء السميك للحظات، صمت قصير،ثم يُرفع الغطاء السميك من جديد....‏‏

الخنصر: كلما نظرت إلى يميني شعرت بالعزلة والوحدة، لولا وجودك بجانبي لما عرفت الفصيلة التي أنتمي إليها في هذا الوجود، أنت الإصبع الوحيد الذي أعرفه.‏‏

البنصر: لذلك عليك أن تعلم أنه لا أحد لك سواي، فكن إصبعاً مطيعاً.‏‏

الخنصر: أنا كذلك دوماً.‏‏

البنصر: هيا نظف الوسخ العالق بينك وبيني.‏‏

الخنصر: نظفته ليلاً.‏‏

البنصر: حسناً، والوسخ الذي تحت ظفري!‏‏

الخنصر: «بارتباك» لم أنظفه بعد‏‏

البنصر: لم تنظفه بعد! ولِم لم تنظفه بعد؟‏‏

الخنصر: لم أستطع الوصول إليه‏‏

البنصر: «بحدة» سحقاً لك، إصبع لا تستحق الرحمة، كل الذي تستطيع فعله هو النظر إلى تلك الجهة حيث الخواء واللاشيء، هل تراءى لك إصبعاً ما في تلك الجهة ذات مرة؟ أم تظن أنك بالمنزلة التي أنا بها؟‏‏

الخنصر: عفوك، كيف لي أن أظن هذا الظن وأنت تعلم أصغر أشيائي، أنا مجرد إصبع لا يتجاوز خصرك المتين، وليس لي ما لك، خلفك رتل جرار من الأصابع، صحيح أني لم أرَ أحداً منها،لكنك دائماً تروي لي ذلك.‏‏

البنصر: ألديك شك في هذا الأمر؟‏‏

الخنصر: مجرد أفكار تافهة تخطر ببالي‏‏

البنصر: ستكون أفكارك هذه الحطب الذي ستحرق عليه، أو ربما الحبل الذي سيعانق عنقك الذي أصابه الملل من حمله لرأسك الرعاش هذا.‏‏

الخنصر: مجرد أفكار تراودني، أفكار تافهة، مثلي تماماً‏‏

البنصر: أنت لا تعرف الأصابع التي بجانبي كم هي شرسة‏‏

الخنصر: لم أكن....‏‏

البنصر: «يقاطعه بحدة» إشارة مني كفيلة بمحوك من هذا المكان‏‏

الخنصر: سأقوم بتنظيف ظفرك وتلميعه على الفور، وهل من شيء آخر أقوم به؟‏‏

البنصر: نعم، عليك أن تفكر بشراسة الأصابع التي بجانبي، إن أصغر واحد منها قادر على التهامك دون لعاب.‏‏

الخنصر: وهل يهون عليك ذلك؟ ألا يكفي الخوف الذي أنا به؟ إن تهديداتك لي تجعلني أعيش في رعب دائري لا ينتهي.‏‏

البنصر: اعمل وكفاك ثرثرة، لدي ما أقوم به، هناك مَن يناديني، هيا، فكر وأنت تعمل كي لا تتعب.‏‏

الخنصر: أعدك بذلك، سأفعل، سأفعل‏‏

«يقوم الخنصر بتنظيف وسخ ظفر البنصر، يحاول جاهداً الوصول إلى أبعد نقطة وسخ تقبع تحت ظفر البنصر الملتفت للجهة الأخرى».‏‏

البنصر: أعتذر عن التأخير‏‏

الوسطى: كأنك كنت تثرثر‏‏

البنصر: هو صدى أوامري التي كنت أمليها على خادمي الخنصر.‏‏

الوسطى: تباً لك وله، هل هذا جيد؟‏‏

البنصر: كل ما تتفوه به جيد، وصمتك جيد، كل أشيائك أكثر من جيدة.‏‏

الوسطى: هل نظفت الوسخ العالق بينك وبيني؟‏‏

البنصر: «يمد الكلمة» طبعاً‏‏

الوسطى: ومتى فعلت ذلك؟‏‏

البنصر: بعد منتصف الليل، حين كان الخنصر يغط في نومه العميق.‏‏

الوسطى: ووسخ ظفري لِمَ لم تنظفه؟‏‏

البنصر: «باستغراب» كيف هذا! لقد قمت بتنظيفه.‏‏

الوسطى: وما هذا الوسخ الذي أراه؟ أتظن أني كبرت ولم أعد قادراً على رؤية الأشياء؟ لا لا، مازلت أقوى مما تتصور وأستطيع قضم ظفرك الرقيق من منبته، وأستطيع أن...‏‏

البنصر: «يقاطعه بارتباك» لم أستطع الوصول لأبعد من الذي استطعت الوصول إليه أنت ضخم وكبير وهائل.‏‏

الوسطى: وشديد أيضاً‏‏

الخنصر: وشديد أيضاً‏‏

الوسطى: ولدي أظافر تقبع خلفي قادرة على سحقك أنت وخادمك المزعوم‏‏

البنصر: اهدأ أرجوك، لك ما تريد، حتى أني لا أفكر، وليس لدي أفكار تافهة أو غير تافهة، فلِم أنت قلق هكذا؟‏‏

الوسطى: هيا، نظف ما يجب تنظيفه.‏‏

البنصر: سأحاول الوصول لأبعد نقطة تبعد عني، سأحاول.‏‏

الوسطى: «بحدة» بل ستفعل، لا أعرف معنى «سأحاول».‏‏

البنصر: سأفعل، كما تريد، سأفعل‏‏

«يقوم إصبع الوسطى برمق إصبع البنصر بنظرات حادة، يظهر الارتباك على البنصر»‏‏

الوسطى: إصبع وضيع‏‏

«يخفض البنصر رأسه للأسفل، لحظات صمت، يحاول البنصر جاهداً تنظيف الأماكن البعيدة من ظفر الوسطى،يستدير إصبع الوسطى للجهة الأخرى».‏‏

السبابة: «هامساً» تأخرت كثيراً.‏‏

الوسطى: «بحماس» كيف الأمور.‏‏

السبابة: «هامساً» لا جديد إلى الآن.‏‏

الوسطى: «بنزق» وماذا يفعل.‏‏

السبابة: اخفض صوتك أرجوك.‏‏

الوسطى:»هامساً» ماذا يفعل الآن؟‏‏

السبابة: «يختلس نظرة للجهة الأخرى» إنه نائم، ولكنه في أية لحظة قد يستيقظ، أنا أعرفه أكثر منك.‏‏

الوسطى: طال هذا النوم كثيراً.‏‏

السبابة: منذ سنين وهو على هذا الحال.‏‏

الوسطى: هل مازال ضخماً؟‏‏

السبابة: أكثر مما تتصور.‏‏

الوسطى: لدي إصبعان، وأنا وأنت.‏‏

السبابة: ولكن!‏‏

الوسطى: لا تكن جباناً.‏‏

السبابة: لست جباناً، ولكنه ضخم جداً، وخلفه عدد كبير من الأصابع الضخمة‏‏

الوسطى: لا تصدق، لو كان الأمر كذلك لأكلنا منذ كنا صغاراً.‏‏

السبابة: لا أريد أن أغامر بحياتي، أن أعيش وسط الخوف خير لي من أن أموت.‏‏

الوسطى: أنا من سيخرجك من خوفك هذا، فقط تعاون معي وسترى.‏‏

السبابة: الخوف أصبح أمراً اعتيادياً، لا أريد الخروج منه، أشعر أحياناً أن سر الحياة مرهون بالخوف.‏‏

الوسطى: «بقرف» وهل للخوف رائحة كريهة، كهذه الرائحة المنبعثة منك‏‏

السبابة: ليست مني‏‏

الوسطى: ممن؟‏‏

السبابة: إنها منه، أصبحت رائحته نتنة لحد العمد‏‏

الوسطى: ألا يرغمك على تنظيفه؟‏‏

السبابة: كيف له أن يرغمني وهو نائم منذ زمن طويل،يظنني أنني لا أدرك تظاهره هذا، إنه يختبرني، هيهات له ذلك.‏‏

الوسطى: ربما أنه..‏‏

السبابة: لا لا، قلت لك إنه يتظاهر، يريد أن يمسك عليّ هفوة أو حتى نية ما، يريد أن يعرف نواياي، إنه دموي لا يمكنك أن تتصور كم هو قاس نسي قلبه في بطن أمه أثناء ولادته «هامساً» أنت لا تعرف حجم خوفي حين أراقبه ليلاً وهو نائم، أشعر أن خاصرته الملتصقة بي لها عشرات العيون تختبئ تحت جلده تتربصني من خلال الثقوب والمسامات، أرجوك دعني من أفكارك وإلا اضطررت لإيقاظه.‏‏

الوسطى: تباً لك،إنك إصبع جبان‏‏

السبابة: «بانفعال» لا أسمح لك «بهدوء» دعني وشأني،أرجوك‏‏

الوسطى: سأدعك الآن،ولكن‏‏

السبابة: ولكن ماذا؟‏‏

الوسطى: سأخبره‏‏

السبابة: «بارتباك» تخبره!!‏‏

الوسطى: نعم،وبكل شيء، «يمدها» بكل شيء‏‏

السبابة: بل أنا من سيخبره‏‏

الوسطى: هيا، ماذا تنتظر؟‏‏

السبابة: أنتظر استيقاظه‏‏

الوسطى: كل هذه الرائحة الكريهة المنبعثة منه وتنتظر استيقاظه‏‏

السبابة: ماذا تقصد؟‏‏

الوسطى: لا شيء‏‏

السبابة: استدر إلى الجهة الأخرى قبل أن يراني معك، أرجوك،هيا‏‏

الوسطى: سأتركك حتى الغد، فكر بمصيرك جيداً‏‏

السبابة: سأفكر، ولكن هيا، استدر أو تأمل الأفق على الأقل، دعك من النظر إلي، إنك تثير الشك حولي‏‏

الوسطى: ومتى نتحدث؟‏‏

السبابة: غداً غداً، فقط دعني وشأني الآن.‏‏

«يخيم صمت غريب، صمت يفترس الإحساس، يمر بعض الوقت، يتأمل الخنصر الجهة الخالية من الأصابع منتظراً شيئاً ما، يلهث البنصر من شدة التعب، الوسطى يفكر وعيناه تتحركان كحارسين جيئةً وذهاباً، السبابة متكوّم حول نفسه خائفاً، يترصد حركة ما من إصبع الإبهام الجاثم في مكانه منذ زمن طويل إن ما يجري على القدم اليمنى يشبه ما يجري على القدم اليسرى، والرائحة الكريهة المنبعثة من القدمين جعلت الرجل المُقعد يسدل قطعة القماش السميك عليهما.‏‏

صمت وسكون حادين حدة حواف الأظافر.‏‏

فجأة، يقوم الرجل المُقعد بدلك قدميه ببعضهما البعض من تحت قطعة القماش السميك، تُرفع قطعة القماش السميك للحظات، ثم تُسدل من جديد».‏‏

«ظلام»‏‏

0 التعليقات:

إرسال تعليق