مسرحية كونسيرتو الاشتعال الذاتي





موندراما الوحدة والانتظار

تأليف فالح حسين العبد الله
24/9/2002


اطياف:
ها اني اوقد الشمعة الالف. لعلها تغير ماسبق
شمعة اثر شمعة..اثر شمعة لاانارت ظلام قلبي ولاادفئت برد الليالي التي انتظرتك فيها..
الف ليلة ناجيت فيا احجار المنزل حجرا حجرا..وكلها عرفت شكواي الا انت..[تصرخ] اسمعني. فقد نطق الحجر واعتراه الاحساس..فمتى تحس بي ايها الغائب دوما؟!!متى تطرق الباب وتدخل الي وتلفني بذراعك المبللة بالعرق.. ذراعك التي حلمت بها وسادة تحمل احلامي الواسعة.. وتمتص نزف عيني وحر انفاسي اما فكرت لحظة بانني ابحث عنك بين احجار الغرفة وفي شقوق السقف وبين حزم الضوء الساقط عبر شباك غرفتي الوحيد..
انت في الرحيل زادي
وصحوتي ومنامي
تنفسي ومرادي
وموتي المرتجى وميلادي


اما مر طيفي عليك وانت هناك تعتصر الظلام لتخطف شعلة من نور؟!اما استدعك اناتي وانت تنصت الى عزف الالم المنبعث في زوايا الغربة؟! الم تستدعك همسات اضلعي وانت تذوب عشقا كما الشمعة؟!
انتظرت..انتظرت.. انتظرت حتى اتعبتني مساءات الانتظار الباردة واحالتني الى جرح لايلتئم..[تصرخ] تعال تعال..فقد استوطنتني الوحشة تعال ان لم يكن من اجلي..فمن اجل الليالي الالف..والشموع الالف.والحرائق في جسدي التي عبرت الالف بالف … تستدعيك خصلات شعري.. تعال واظفر جدائلي كما كنت تفعل وانا اجادل نفسي..هل ارسل شعري او المه جدائل فكانت كفك تحسم الامر وتضفر شعري جديلة واحدة تشمها حتى اغفو..اغفو كعصفور يغلفه الامان.. في ظل قصائدك الحبلى بالعشق اتقلب على وتير حبك الذي لااشعر به..
آخ .. [تمسك بطنها وكأن الما هائلاً في بطنها حتى انها بالكاد تلتقط انفاسها] اخ .. ماهذا ؟! اه..الم في احشائي … بطني تتمزق.. اه.. [كأنها تمنع نفسها من القئ] كأني ابتلعت في جوفي كومة عفن. [تقترب من الشمعة ودون ان تقصد تنطفئ الشمعة اثر انفاسها] ياللاسف..انطفات قبل ان يطرق الباب [توقد الشمعة] سامحيني.. لم اقصد ان اكتم نورك..الذنب ذنب انفاسي الحارة الملتهبة [تضحك] انفاس ملتهبة.. تطفئ النار الملتهبة.
ياله من امر مضحك.. [تضحك بهستيريا. تنظر الى الساعة] وقت قدومه المتوقع قد حان وعلي ان اهئ كل شئ قبل قدومه..
[تسرع وتجلب ابريق ماء مع اناء وعلي كتفها منشفة] سيعود..[تنصت] الباب يطرق. الباب يطرق [تقفز كطفلة] بابا جاء..بابا..ٍبابا
[كأنها تفتح بابا وهميا وتأخذ كيسا حقيقيا ثم تسرع الى الاناء وتأخذه وتصب ماء ثم تناول المنشفة الى الوهم ثم ترفع كل شئ وتسرع لتغادر ثم تعود وتتوقف وتبحث بنظرها] بابا..بابا..اين انت؟!بابا [تبحث بهستيريا] ابي..ابي اين انت؟!تركتني وحيدة مع شمعتي..آه آه..مازال رأسي يحن الى لمستك وانت عائد من العمل.. وبيدك ترفعني وتدور بي رغم التعب الذي يعتريك بعد يوم شاق وتطعمني قطعة حلوى كنت انتظرها بفارغ الصبر..
كلها راحت ادراج الرياح ولم تبق الا ذكريات تنخر راسي.. آه [..تمسك بطنها التي تلاحظ انها كبرت قليلا ]
ماهذا ؟ اخ..سكاكين.كانها تحفر في احشائي.. [تتراجع كأنها تهرب من شيء ما]
لا..لا لم آكل شيئا يا ابي..صدقني..ماذا؟!لا..لا ماتقوله عيب حتما..انا ابنتك..تربيتك.لم تفارق عيني رؤياك تذوب وتبتهل على سجادتك ..ولايزال في اذني صوتك وانت ترتل في جوف الليل فكيف تظن ذلك [تسقط بعد صفعة..تنهض ثم تتوالى عليها الصفعات..تصرخ متألمة..ضجيج واصوات تمتزج معها حتى تتحول الايقاعات الى موسيقى شعبية لزفة عرس.تقف وتطأطيء رأسها..زغاريد حزينة غير مقنعة] وطأطأ ابي رأسه خجلا..وماتت الزغاريد على شفتي امي... وثبتت برائتي.. [تزغرد] سارت امي وهي تزغرد فرحا وكأنها فازت بأثمن جائزة.. ودارت على الجميع وبيدها دليل برائتي. [الشمعة تطفا..تضطرب اطياف] عفوا..لم اقصد [توقدها من جديد ويلاحظ انتفاخ بطنها اكثر] آخ..آخ بطني..الم..الم الم لايحتمل .. [تزحف ارضا من شدة الالم] ويلي.. ماذا حدث لي؟!جسمي يثقل..خطواتي تتعثر.. وكأنني سأعود الى عهد الطفولة..آه..[تصرخ بقوة] آآآآآخ..النجدة النجدة..هبوا سراعا..انتشلوني..مدوا يدكم الي..انا وحيدة وحيدة..اظلمت من حولي الدنيا ولم تعد تكفي كل شموع الكون..
الظلام يعتنقني.وحدي ..وحدي مع نفسي اناجي خيالك.. خيالك الذي رسمته منذ ايام الصبا
تحلم البنات بفارس جميل على جواد ابيض..لكني لم ارك الا على جواد مجنزر بلون التراب الممزوج برائحة البارود..هي حرب اذن.. حرب.حرب تقذفني بجوف حرب..في الحرب اكره شيئا واحدا.. وفي السلم اكره اشياء عدة. وانت تعشعش في زوايا ذاكرتي رغم انك مررت علي هكذا..طيفا سريعا حتى لم يتسن لي ان المسك اواشم ريحك..حتى كان ذلك اليوم..[جرس هاتف..صوت رفع السماعة.. صوت نغمة مشغول] الو..اهلا ..لا..لست انا..يبدو ان الرقم خطأ ولكن..ماذا؟! لابأس صوتي جميل؟!! [تعزف موسيقى فالس.. ترقص بسعادة متناهية..الموسيقى تتحول الى سريعة اشبه بالتسجيل السريع ثم تتوقف الوسيقى فجاة..صمت].
وانتهى كل شئ..هكذا فجاة.اختفى وكأنه لم يكن..مثلما نبع فجأة.. تصرخ اين انت؟!لم ايقظت احلامي من غفوتها؟! لم لم تبق عيني مغمضة؟ لم انرت حياتي ثم اظلمتها فجاة؟!! [تنهار باكية]
او قد لي شمعة.ازرع في نفسي بذرة ضوء..هاك يدي [تمديدها كأنها عمياء] هاكها..اني اتلمس ريح يدك..اكاد اهوى بدونها..
ماهي الا امنيات تحوم
وسماء متخمة بغيوم
يبرقها خوف مكتوم
والكل يناجي بالابصار.. ياقيوم..
ادركت ولكن.. بعد حين من الصبر المر ان طريق الحب الذي يفتح كل شئ ليس مفروشا بالمخمل والعطر..عندها.. قررت ان اغير مساري واحرف الخط الذي رسم لي لأتبع خطاه. واستبدلت سحنتي وتويجات حياتي بشوك قاس مدبب ولبست ثوبا غير الثوب الذي ترك لي ابي..وحين ادركت حقيقة مايجري ادركت معها اني صرت كائنا اخر.كائنا ينبع مني لكنه لايشبهني..انا..لست انا… انظر الى سحنتي..عيوني شفتي.ليس مااراه في المرآة انا..سحنة اخرى..
عيون غير عيوني.. شفة لاتشبه شفتي..ولم يدرك غيري ذلك لان العقل البشري يعجز عن ادراك الحقيقة.. ليس لانه غير قادر.. بل لانه لايريد..
احمل مأساتي منذ نعومة اظافري..تعذبني ذاكرتي وصور احملها رغما عني.. تمنعني من العودة الى حيث نشات اول مرة في حضن امي..في رحم امي.. احيانا اغمض عيني لأحلم بالامان..بالعودة الى نشأتي الاولى.. فاصرخ مستنجدة بكل القوى التي اعرفها..
اصرخ..اصرح..رغم ان صراخي لم يكن خوفا..بل دفعا لما يمكن ان يدمرني .. عانيت .. فالجميع يحرمون عليّ ما ارغب .. يحرمون الرغبة الحقيقة لانها جبارة عاتية مدمرة..فصرت اقاوم..اقاوم كأنني نسمة لطيفة تصارع دخان المصانع والحرائق..
قطرة ماء عذب وسط امواج البحر..اشعر بشئ ينمو في داخلي.. بركان يكاد ان ينفجر ..آه..آه..آه..ما أشد ما أعاني ومااكبر.. اتوسل الاسباب لأقتل مافي نفسي..
صرت اخاف الشيطانة المتمردة النامية في داخلي..تلك التي لاتشبهني او تشبهني..لافريق..اكرهها..اكرهها فهي التي علمتني حقيقة مايجري [تمسك بطنها التي تنتفخ اكثر] آخ..لم تكبر بطني هكذا؟!
انا وحيدة..اكثر من الف شمعة وانا وحيدة
فمن اين جاء هذا الـ[تضرب بطنها] الشئ؟؟ من اين؟..من اين؟؟!
انا لست زهرة حتى تفعل الريح فعلتها..انا بشر.
انسانة ولست فأر اختبار..[تنادي] ياهوووو....
[صمت..صوت باب يفتح ويحدث صريرا بعيدا..تسرع وتتنصت كأنها باحثه عن الباب..تدور وتدور حتى ترقص رقصة الالم..مع الرقصة يقل انتفاخ بطنها ويتلاشى بالتدرج حتى تتوقف فجأة امام بيجامة رجالية معلقة او موضوعة على كرسي.. تلتفت الى الشمعة التي نراها مطفأة..تسرع اليها لتوقدها..لكنها لاتجد علبة ثقاب..تبحث في جيوبها وبين الاثاث..صوت صرير الباب يعود من جديد.. تزداد هستيرية في بحثها..صوت الباب يغلق..تتوقف عن الحركة تماما..
تتوجه بصمت تجر اذيال الخيبة نحو البيجاما الرجالية وتلبسها ثم تجلس..
تضحك بالتدرج حتى تسقط من شدة الضحك..ثم تهدأ وهي لاتزل تحت تأثير الضحك..]
لعلي احلم..نعم..ربما انا الان في حلم [تهمس] او كابوس لأجرب ان استيقظ [تصفع نفسها] اخ..انا لست في حلم..انا متيقظة وهذه حقيقة..وحيدة حقيقة اخرى..انتظر من لم..ولن يأتي وهذه حقيقة ثالثة..
رتابة رتابة..ايقاع بطئ قاتل..حتى انني امتطي رغبة عارمة لكسر ايقاع حياتي..رغبة للاحساس بالحياة الى حد ارتكاب المعصية.. رغبة تكاد تسحقني غامضة..عاتية تهز جسدي وتهز الارض تحت اقدامي رغبة تنطلق من قدمي وتجري مسرعة كقطار الموت عبر اصابعي حتى تسكن معي.. ثم تنزلق عكس التيار الى ذراعي فعنقى ثم رأسي..
ولااحد يعلم مابي..يقولون مايريدون ولكن..لايدرون ماذا اريد.. صيغوا ماشئتم من الكلمات..[صمت]..العبارات التي صاغوها ليبرروا حياتهم الزائفة..الحقيقة ليس فيها زمن ولاجسد..انها فقط..حقيقة والناس لايريدونني على حقيقتي اعتادوا على ان يزيفوا كل شئ حتى انفسهم..وبمرور الايام نسوا اشكالهم الحقيقية..اللعنة اللعنة تنزع البيجاما وتلم اغراضها وتضعها في برميل..تصب عليها نفط وتبحث عن عود ثقاب] سأحرقها كلها..فلست بحاجة اليها بعد الان..لست بحاجة اليها. عشت وحيدة وسأبقى وحيدة.. وماحاجتي لأي انسان؟ هه.ماحاجتي لأي كان؟!! اين عود الثقاب اللعين؟!! عود الثقاب؟!!!لاحاجة الى عود ثقاب...
[تأخذ من شعرها ومن عينها ومن جسدها وتلقي في البرميل كأنها تتخلص من اعضائها] لاحاجة الى عود ثقاب.انا امارس حقي في …في… في الاشتعال الذاتي.. [دخان يتصاعد من البرميل ..تضحك بهستيريا وتغادر راكضة..نسمع الضحكة تتردد عبر جهاز تسجيل.تدخل اطياف من الجانب الاخر شعثاء الشعر بثياب مهلهلة وتسحب دمية قذرة والذهول يسيطر عليها.. تجلس قرب البرميل وتسحب ادوات حلاقة وتبدا بوضع الصابون على وجهها وتبدا بحلق خدها..صوت فتح باب مع تدفق ضوء من احد جوانب المسرح.تلتفت اليه..تخلع حذاءها وتلقيه باتجاه الضوء كانها تعاقبه ثم تبصق بنفس الاتجاه..تعود للحلاقة… صوت الباب يعود من جديد مع جرس الباب..تصرخ باعلى صوتها وتلقي بكل ماتراه باتجاه الضوء.. تصرخ حتى تنهار عند طرف المسرح..النار تشتعل فجأة في البرميل.. تصدح اغنية ام كلثوم..المقطع التالي:
متصبرنيش بوعود
انا ياما صبرت زمان
وهي غلطة
بكلام معسول وعهود
بعذاب وهوان
ومش حتعود

انما للصبر حدود

يظلم المسرح الا من النار الموقدة في البرميل

24/9/202
فالح حسين العبد الله

0 التعليقات:

إرسال تعليق