مسرحيه أشلاء مهاجرة




تأليف : حامد حمودي عباس



الشخصيات

سالم - الزوج

فاطمه - الزوجة

والدة الزوجة المتوفاة منذ ثلاث سنين

جيران العائلة – سلمان ، كامل ، زهراء ، هيثم ، عبد الرزاق ، ساهرة ، أمل ، عبد الجبار ، سليم

الفصل الاول

المشهد الاول

تفتح الستارة عن غرفة بسيطة الاثاث ، تحتوي على خزانة للكتب ، كرسي ، طاوله صغيره ، كنبه للجلوس ، على احد جوانب الغرفه باب يفضي الى خارج الدار .، وفي الجانب المقابل باب اخرى تؤدي الى الداخل .
ضوء خافت يعم المكان .. يدخل سالم مرتديا بيجامة النوم ، ويذهب باتجاه ما ، فيعم الضوء المكان ، يستمر بالبحث عن علبة سكائره ، يولع سيكاره .. بعد لحظات تدخل زوجته فاطمه من نفس المدخل ..
فاطمه – ما بك ؟ .. لماذا لا تنام ؟
سالم – رأيت حلما أفزعني وهرب النوم من عيني .
تجلس فاطمه على الكرسي بتثاقل ..
فاطمه – ماذا رأيت ؟ .. خير انشاء الله .
سالم – بل هو الشر بعينه .
فاطمه – ياستار .. بماذا حلمت ؟ .. أخبرني ، لقد أفزعتني أنا الاخرى ، أنا أعرف أحلامك كلها مصائب .
سالم – أتركيني وشأني الان ، فأنا متوتر وبحاجة الى الانفراد بعض الوقت .
فاطمه – كيف اتركك وانت على هذه الحال .. طيب إخلد للنوم وعند الصباح حدثني عن حلمك المرعب .
سالم ( وهو يتلفت في الغرفه ) – كانت هنا في الغرفة أشياء تخص والدتك ، أين هي ولماذا إختفت ؟؟ .
فاطمه ( بعد صمت تلفه الدهشه ) – والدتي ؟ .. أشياء مثل ماذا ؟
سالم ( وقد بدت عليه علامات الضيق ) – ألشال الاسود .. أين الشال الاسود الذي كان موجود دائما في أعلى الخزانة ، كان طرفه دائما يتدلى من فوق ؟.
فاطمه – لقد أعطيته لجارتنا العجوز قبل شهرين ، لماذا تسأل عنه الان ؟ .
سالم – لا شيء .. لا شيء .. حسنا فعلتي .
فاطمه ( وهي تدنو منه اكثر ) – ألا تخبرني ما بك يارجل ؟ .. مالك ووالدتي المرحومه الان ؟ وما علاقتها بحلمك المفزع ؟ .
سالم ( بعصبية ظاهره ) – أمك زارتني في حلمي وكانت غاضبة مني لكوني لم أفي بوعدي لها بالحج نيابة عنها ( وقبل ان يكمل ) ..
فاطمه – ولماذا أنت فزع لهذه الدرجه .. أيضيرك أن تزورك امي في المنام ؟
سالم – ( وهو يصفق بيديه ) – أنت لا تفهمين الامور حتى نهايتها كعادتك ، وتفترسين المقابل بأسالتك السخيفه .
فاطمه – ( متراجعة نحو الداخل ) سامحك الله ، المهم اترك الموضوع حتى الصباح كي لا تكون مشكلة بيننا في وقت كهذا .
سالم ( بعصبيه ) – أمك ظهرت لي ووجهها بكامله كان مضرج بالدماء ، وشعرها منفوش .. وبيدها فأس كبيرة وهي تلوح بها نحوي وتصرخ .. لماذ أخلفت وعدك بان تحج نيابة عني ؟
فاطمه ( وقد بدا عليها الخوف ) – دم ؟ .. فأس .. ما هذا ؟؟ ..الهذا الحد تكره أمي يا رجل ؟
سالم وهو يصرخ – وهل قلت لك يوما بأنني أكرهها ؟ .. لقد رأيتها على هذه الهيئه ، ما ذنبي في الامر ؟؟ .
فاطمه – تصبح على خير ..
وقبل ان تغادر المكان .. طرق على الباب .. يفز الزوج في مكانه ويتراجع للوراء قليلا .. يتكرر الطرق ثانية وبصوت أعلى .. يتقدم الزوج باتجاه زوجته .
فاطمه – إفتح الباب وانظر ما الامر ، ما بك ؟
يؤشر بسبابته لها بأن تصمت ولا تجيب ، ويستمر بالنظر للباب حيث لم يتكرر الطرق للمرة الثالثه .. وبعد لحظات ..
صوت امرأة يدوي في أجواء المسرح ..
الصوت – لماذا لم تفتحوا الباب .. ليجتمع الان جيرانكم لأقول لكم جميعا ما هو ضروري ..
تهرع الزوجه باتجاه زوجها وتطوقه بيديها مذعورة ..
سالم – ممم م من .. من انتي وماذا تريدين ؟ .
الصوت – أنا حماتك يا رجل ، الم تعرف صوتي ؟؟ .. اذهب الان واستدعي جيرانك لأقول لكم شيئا هاما .. هيا .. تحرك .
سالم – حماتي ؟ .. كيف لك ان تتكلمي وانت ميته ؟
الصوت – ومن قال لك ان الاموات لا يتكلمون ؟ ..
سالم – ( مخاطبا زوجته ) – أمك .. أسمعت ؟ .. إنها ..
الصوت مقاطعا – لا تحاول سرقة الوقت ، فأنا في عجلة من أمري وأريد الانتهاء من مهمتي بسرعه .
سالم – ماذا تريدين ؟ .. ولماذا الجيران ؟ ..
الصوت- إنه بلاغ مهم أريد عرضه عليكم .
سالم – طيب .. أعرضيه علينا ونحن نبلغه للاخرين .
الصوت – لا بأس .. إذن إستمعا لي بكل عنايه ، أنت وهذه التي بجانبك .. لقد علمت من خلال رسول يأتينا صباح كل يوم الى حيث نسكن نحن الاموات ، بأن طوفانا رهيبا سيحل بكم يوما ما من الشهر القادم ، وما عرفته منه فقط بانه سيكون يوم ثلاثاء من الاسبوع .. وأنك أنت ومن معك في هذا البيت ومعكم جيرانكم المحاذين لداركم بالضبط ، ستموتون جميعا .. أفهمت ؟؟ .. أتراني قد بلغتكم بما علمته ؟؟ .
سالم وقد أزاح عنه زوجته وابعدها عنه قليلا – طوفان ؟؟ .. ومن أين يأتينا الطوفان وليس هناك بحر قريب منا ؟
الصوت – لا أدري .. هكذا علمت .. وقد بلغتكم بما علمت .. وما عليكم إلا الانتظار حيث سأكون باستقبالكم خلال الايام القليلة القادمه .
فاطمه – أمي .. هل أنت حقا أمي ولماذا ..
الصوت مقاطعا – لا تقوليها ثانية واحذري غضبي .. إنني غاضبة منك جدا وسوف يكون لي معك تصرفا بعينه عندما تكونين معي بعد ايام .
سالم – ولكن ..
الصوت - انتهى .. ولا تجادل أكثر ، أنا ذاهبه .

ستاره

المشهد الثاني
أصوات مختلطة تملأ المسرح قبل ان ترفع الستارة من جديد .

ترفع الستارة عن تجمع من الناس في منزل الزوج والزوجه ..
عبد الجبار وهو يلطم رأسه وينحني الى الامام قليلا – من أين أتتنا هذه المصيبه ، أيمكن أن يكون الامر حقيقه ؟ .
سالم – لا يوجد لدينا الان وقت للتفكير بانه حقيقة أم لا .. شهر واحد فقط يفصلنا عن الحدث الجلل .
زهراء موجهة الحديث لفاطمه – لماذا ياابنتي فعلت امك بنا هذا ؟ .. لقد كانت خير رفيقة لي من قبل .
كامل وهو يهز بيديه ساخرا – ستستمر رفقتكما يا أمي ، لا تضجري أبدا .
الجمع يتحرك بلا انتظام داخل المكان .. فاطمه تجلس على كرسي وتضرب رأسها بيديها ضربا خفيفا وكأنها تستجدي الحصول على فكرة ما .. الموجودون يتحدثون مثنى وثلاث وايديهم تلوح في الهواء .
سالم – ياجماعه لنجلس جميعا كي يتسنى لنا التفكير بشكل مركز .. اجلسوا جميعا .. أرجوكم .

سالم وهو يدور بين الجميع – لنتوقف جميعا عند فكرة أن طوفانا سيحدث خلال ايام ، وبأننا سنموت كلنا حينذاك .. هذه هي الواقعة المؤكده ، ومن هنا ..
هيثم مقاطعا – وكيف عرفت بانها مؤكده ؟ .. ومن أين يمكن للطوفان أن يأتينا كما قالت حماتك المرحومه ؟ ..
فاطمه – من يدري ؟ .. لو صدقتم بأن أمي الميته قد حضرت فعلا يوم أمس لتبلغنا بما بلغتنا به ، فلماذا لا تصدقون بحدوث الطوفان ؟
عبد الرزاق – إنه هراء .. كذب .. دجل رخيص هذا الذي تتحدثون عنه .. كيف لميت ان يحضر ويتحدث مجددا مع الاحياء ؟
سليم – إذن لماذا أنت قلق منذ أن علمت بالخبر ؟ .. هب أن الخبر صحيح ، فماذا علينا حينها أن نفعل ؟
عبد الجبار – لا شيء .. سوى أن نحيا ما تبقى لنا من أيام .
سليم – وكيف لك أن تحيا أيامك هذه يابطل ؟
عبد الجبار وهو يتحرك باتجاه فاطمه الجالسة على الكرسي – لكل منا طريقته .
تهب فاطمه واقفة وتذهب ناحية زوجها لتقف قريبة منه ، في حين يستمر عبد الجبار بحديثه – نعم .. لكل منا طريقته في العيش وممارسة طقوس الايام الاخيره ، هل تعلمون باننا محضوضون جدا ، لكوننا قد علمنا بيوم حتفنا دون بقية البشر ؟
يقف الجميع ويبدأ الهرج من جديد ، في حين تعود فاطمه الى كرسيها ثانية ويصر سالم على أن يهدأ الحاضرون ويحثهم على التفكير جديا بحل للمعضلة .
سالم – أتعلمون باننا ولحد الان قد قضينا وقتا من عمرنا الممتد لأقل من شهر دون ان نجد حلا لمصيبتنا ؟
سليم – وكيف هو الحل بنظرك ؟ .. سنموت وخلاص .
هيثم – نموت ؟ .. ما هذا ؟ .. أحقا سأموت وجميع ابنائي وزوجتي معي في غضون أيام ؟ .. انهم الان بعيدين عني يقضون وقتا طيبا مع اعمامهم في مدينة بعيدة .. أها .. ( يلطم جبهته بكفه ) .. كيف نسيت هذا ؟ .. إنهم ليسوا هنا .. ليسوا معي .. وسوف لن يعودوا قبل شهرين على الاقل ، وهذا معناه بأنهم سيكونون بعيدين عن مكان الطوفان .. لالالا .. إنها فكرة غير منطقية تلك التي تتحدثون عنها .
سالم – يا أخي أنا مثلك أتمنى بأن تكون الفكرة مجرد أضغاث أحلام ، غير أنني وزوجتي قد سمعنا المرأة وهي تقول لنا ما قالت وبكلام فصيح وواضح .
طرق شديد على الباب .. يهرع سالم لفتحه .. ساهره تقتحم المكان وهي تصرخ ..
ساهره – ماذا حدث ؟ .. أصحيح ما سمعنا ؟ .. ما هذه اللعبة السمجه ياترى ومن هم أبطالها .. طوفان .. موت .. ( تلتفت لسالم ) .. ما هذا ؟
سالم – انتم لستم مشمولين بالمصيبه ، لانها أكدت لنا بشمول جيراننا الملاصقين لبيتنا فقط ، وانتم بعيدين عنا والحمد لله .
ساهره – لماذا ؟ .. أسمعتم بطوفان يقتل في طريقه ثلاث عوائل فقط ويترك الباقين بسلام ؟ .
هيثم وهو يهب واقفا – كيف هذا حقا ؟ .. الم أقل لكم بانها فكرة سخيفه ؟ .. ( ملتفتا الى سالم ) إسمعا معا انت وزوجتك .. لا مجال لعدم اعتباركما محتالين ولأسباب قد لا نعرفها الان ، ولكنكما ستنكشفان عاجلا حيث سيكون لكما أمر معنا حينذاك .
يبدأ الهرج في المكان ، حيث يصرخ كل واحد ليقول شيئا غير مفهوم لضياعه وسط الصخب .
تخرج ساهره وهي تلوح بيديها وتقول – حسبي الله ونعم الوكيل ، ما هذا ؟ .. ماذا يجري ؟

ستاره

المشهد الثالث

نفس المكان وفيه سالم وفاطمه فقط .. سالم يجلس على الارض وهو يعبث بمزهرية ورد اصطناعي وبشكل ينم على اللامبالاة .. فاطمه تجلس قبالته على الكنبه وهي مطرقه
سالم – ماذا عسى المرء أن يفعل حينما يعلم بموعد حتفه ؟ .. هل يتوب عما جناه من ذنوب ؟ .. الله يقول بانه لا يغفر ذنب من يتوب عند الموت .. ولماذا لا يغفر ؟ .. ( يقف ويتحرك في المكان باضطراب ) .. لابد له ان يغفر .. لابد له أن يغفر ذنوب عباده الضعفاء .
فاطمه وهي ترفع رأسها ببطيء – وهل لديك من الذنوب الكبيرة حتى تطلب من ربك الغفران الان ؟ .
سالم مقهقها – ومن ليست لديه ذنوب ؟ .. الانبياء لماذا يبكون على محراب صلواتهم إن لم تكن لديهم ذنوب ؟ .. سافصح أنا عن ذنوبي واطلب من ربي الغفران وله ان يستجيب او لا ، فهو حر .
فاطمه – قلها إذن وسنرى النتيجه .. أقصد وانتظر النتيجه .
سالم – نعم .. سأقول حينما أنفرد بربي ليسمع مني كل شيء .. كل شيء .
فاطمه – ولماذا لا تفصح عن ذنوبك أمامي ؟ .. ما دمت تتحدث مع ربك وفي أيامك الاخيرة ، فلماذا أنت خائف ؟ .
سالم – كيف ؟ .. وهل ستتحدثين أنت عن ذنوبك أمامي ؟ .. أم أنك صافية بلا شوائب ؟ .
فاطمه – هل تعلم بأن أسوء ما فيك هو عدم تقديرك المواقف حق قدرها ؟ .. أفي هذه الحال تستمر بمناقرتك لي يارجل ؟ .. سنموت .. سنموت بعد شهر .
سالم – أنا الان لا يهمني غير نفسي وما سألاقيه من مصير .. طيب .. ( مقتربا من زوجته ) . لماذا لا نتفق نحن الاثنين ونعترف بذنوبنا لبعضنا ، سيكون ذلك أكثر فائده .. ها ؟؟ .. ما ذا تقولين ؟ .. أو .. إنتظري .. عندي إقتراح مفيد آخر .. سادعوا جيراننا ليأتوا الى هنا ونعترف جميعا بذنوبنا أمام بعضنا ليقبلها ربنا عن طيب خاطر .
فاطمه وهي تقف مذعورة – لالالالا .. إنها فكرة سخيفه . لا فائدة منها ، دعنا نقول ما لدينا أنا وأنت فقط .. ( تطوقه بذراعيها وتسحبه لتجلسه على الكرسي ) .. تكلم الان ياعزيزي .. انت على كرسي الاعتراف .. قل أمامي كل شيء .. ماهي ذنوبك بالتفصيل .
سالم – سأقول .. سأتكلم .. عونك يارب ..
طرق على الباب واصوات مختلطه في الخارج .. ينهض سالم ويفتح الباب .. يدخل الجيران وينتشرون في المكان .
كامل – إعتبرونا الان عائلة واحده ، لأننا سنموت كوجبة واحده ، ولسبب واحد ( ملتفتا الى سالم وفاطمه ) .. ماذا كنتم تفعلون ؟ .. أها .. عفوا .. في مثل هذه الاوقات يجب أن لا يفوت المرء فعل كل ما بوسعه للحصول على ما تبقى من السعاده .
سليم ( بصوت مرتفع ) – أية سعادة هذه التي تتحدثون عنها ؟ .. ستموتون .. ستغطى أجسادكم بالتراب .. أقل من شهر سينقضي لتكونون في خبر كان .
هيثم – بالنسبة لي فقد شربت ليلة أمس نصف قنينة من الويسكي .. وغنيت جميع الاغاني التي أحبها .. إننا حينما نتأكد من حقيقة بلوغنا حتفنا يجب أن نغرف ما يتيسر لنا من السعادة وبكل شراهه . . نعم .. ( وهو ينقل نظره بين الحاضرات من النساء ) بكل شراهه .
يسحب سالم زوجته فاطمه الى ركن من المكان ويتشاور معها في شأن ما ، وتبدوا رافضة لحديثه ، فيلتفت الى الجميع دون أن يكترث بها –
سالم – إسمعوني جميعا .. لدي إقتراح مفيد في حالتنا هذه ، ماذا تقولون في أن نقوم جميعنا بالاعتراف عن ذنوبنا امام بعضنا البعض ، علنا نحصل على مغفرة من الله ؟
يتلفت الجميع أحدهم للآخر ، ويتحرك الجمع منقسمين الى رجال ونساء وبشكل لا ارادي .
أمل – أية طريقة سخيفة هذه التي تتحدث عنها ؟ .. ولماذا نجهر بذنوبنا هكذا ؟ .. وما علاقة مغفرة الله بمعرفتك انت بذنوبي مثلا ؟ .
هيثم – الخلاصة أعزائي .. يازملاء القبر .. كلكم ابرياء .. وجميعكم ستنعمون بالخلد الجميل .. لا تقلقوا أبدا .. أنا متأكد من أن النار سوف لن تطالكم ، ولن تطال غير القتلة وسارقي قوت الشعب ، فهل منكم قاتل أو سارق لقوت أحد ؟ . . أنا مثلا لم أقترف ذنبا غير معاقرة الخمر والنساء ، ( ويخرج من جيبه قنينة صغيرة من الويسكي ) .. وسوف لن اسمح بسرقة وقت اكثر دون مصاحبة الحبيبة هذه ( مشيرا للقنينه ويبدأ بالشرب ، ويغادر المكان ) .
عبد الجبار – لا بأس .. هذه هي إحدى الافكار عن كيفية قضاء شهر من الحياة .
سالم ( مضطربا ) – أشعر باننا نعبث بالوقت .
كامل – وقت وقت .. أي وقت تقصد ؟ .. هذه حالة غير مألوفه .. ما رأيك بأنني ساقضي ما تبقى من حياتي وأنا أشتم الحكومه ؟ .. نعم الحكومه .. أترى أسعد من شخص يشتم الحكومه دون أن يخاف ؟ .
يدخل هيثم وهو لا يزال يعب من قنينته _
- أنا سأكون أول من يعترف .. اسمعوا .. اول ذنب اقترفته في حياتي هو أنني صمدت في بطن أمي لتلدني بعد حين ، كان علي ان اموت قبل الولاده .. ( يقهقه ) .. ولاده .. إنها جريمة وليست ولاده .. هل تعلمون بان امي ولدتني ولم تكن لديها خرق نظيفة لتلفني بها ؟ .. هي قالت لي ذلك بعد ان كبرت .. ( يقهقه بصوت عالي ) .. وعندما كبرت وصار عمري عشر سنين ، بدأت أسرق منها نقودا كانت تحتفظ بها تحت وسادتها ، لاشتري بها كنافه .. أما أبي فقد كان أشبه بالعبد لدى صاحب دارنا المستأجره .. لقد كان يرغمه على العمل لديه حمالا ينقل بضاعته من والى محله التجاري ، مقابل السماح له بتأخير دفع بدل الايجار ..
يجلس على الارض ووجهه للجمهور ويكمل ..
- لم يعلمني ابي شيئا غير أن يكون بعيدا عني .. كنت لا أراه كثيرا ، ( يضحك بصوت عالي ) .. اتصدقون ؟ .. لقد تعلمت الكثير من الكلب الذي يعيش معنا أكثر مما تعلمته من أبي .. ( يتفحص القنينه فيجدها فارغه فيبصق عليها ويرميها على الارض ) ويكمل ..
- عندما كبرت ومات ابي لم استطع البكاء عليه لإحساسي بالغربة .. غربتي عن ابوته لي .. هل أحصيتم لحد الان كم ذنبا إقترفت ؟ .. هل يسع وقتكم لسماع البقيه ؟ ..
زهراء – هذه طريقة مملة لقضاء الوقت ، أراه إقتراحا فاشلا ذلك الذي طوقتمونا به .. ذنوب .. أية ذنوب تلك التي تتحدثون عنها ، العالم نصفه مذنب ، والنصف الاخر هو السبب في ارتكاب تلك الذنوب ، فاي النصفين في النار وأيهما في الجنه ؟
هيثم واقفا وهو يترنح – أها .. ذكرتني بالجنة والنار ..خذوها مني قرارا لا يقبل الاستأناف .. ( يصعد فوق الكرسي ) .. جميعكم ايها الاخوان ستدخلون الجنه ، النار أبوابها مغلقة منذ زمن بعيد ، وقد صدر الامر الالاهي باغلاقها بعد ان تأكد عدم تحقيق مبدأ العدل في الارض .. أسمعتم ؟ .. جميعكم في الجنه .. ( وينط من الكرسي فيسقط على الارض ) .
ثم ينهض ويكمل حديثه ..
- من منكم يخبرني عن حفنة عدل موجودة على ارضنا ؟ .. ( ثم يلتفت الى الجمهور ) .. ها ؟ .. قولوا لي بربكم .. هل من عدل على الارض ؟ .. وأين .. ومتى .. وكيف ؟ .. هناك عدل واحد فقط يمكن التحقق من وجوده ، وهو أننا جميعا في الجنه ( يدور في مكانه ويضحك بصوت عالي ) ..
عبد الجبار وهو يتقدم ليتوسط الحاضرين – مع انها لعبة سمجة تلك التي اخترناها لقضاء ما تبقى من أعمارنا .. ولكنني يستهويني أن أعثر على طريقة لاحصاء ذنوبي في مثل هذه اللحظات .. كم يحتاج المرء ياترى من الوقت لكي يفلح في جمع ذنوبه في سلة واحده ؟
هيثم – عبقري ذاك الذي قال بان الغباء ايضا موهبه .. أية سلة هذه التي تريد ان تجمع ذنوك بها ؟؟ .. أنا يمكنني ان اعينك على ذلك ، ولكن عليك احضار عشرة سلال أولا ( يضحك الجميع ) .. ذنوبك ياصاحبي تبدأ من فعلتك النكراء ، يوم ضربتني لكوني بصصت لعشيقتك زوجة .. ( يهجم عليه عبد الجبار ويحاول اسكاته على عجل ) ..
سالم – اتركوا هذه اللعبة ، ولنخلد للراحة قليلا ونفكر ماذا عسانا ان نفعل ..
فاطمه – انني أشعر بالغثيان .. أحس بانني ساخرج ما في جوفي رغم انني لم اذق شيئا منذ الامس ..
مجموعة من الموجودين – نحن جميعا لم نذق الطعام .
هيثم – اما أنا فقد اكلت ما فيه كفايتي .. لماذا الجوع ونحن مقبلون على رحلة طوييييييييييييلة طوييييله .. قد تكون لها نهاية ..( وبصوت خافت) او لا تكون ..

زهراء – المصيبة الكبرى هي أننا سنموت ميتة نعلم مسبقا بعذابنا فيها .. سنموت غرقا .. غرقا
كامل ( موجها كلامه لوالدته زهراء) – لا بأس يا أمي ، لا بأس لا تقلقي ما دام الامر لا زال من باب الاحتمالات ولم يتأكد بعد .
صخب يعم الحاضرين
هيثم ( وهو يرقص ويردد مع حركة جسده ) – غرقا غرقا غرقا
( يستمر بالرقص في حين يظهر الباقون مشغولين في جدل غير مفهوم .. يقترب كامل منه ليهمس في اذنه بشيء .. يغرق في الضحك ويجلس على الارض .. يضرب كفا بكف ويرفع يديه الى الاعلى صائحا بقوه ) –
- اسكتوا .. اسكتوا جميعا ولا يتكلم احد منكم الا باذني .. فانا هنا الامير .. انا هنا من يقرر لكم كيف عليكم ان تقضوا ايام محنتكم هذه ، لتكونوا قريبين من ابواب الرحمه .. على كل واحد منكم ان يكشف للاخرين اسراره بلا حرج ولا استحياء .. لانكم ستواجهون يوما ستشهد فيه عليكم ايديكم وارجلكم بالحق ..( يضحك وهو ينظر الى كفيه ) .. حقا انها لمعضلة كبيرة ان تشهد عليك يداك ..
أمل – اها .. عدنا لنفس اللعبه .. اعترافات وذنوب وكاننا فعلا في يوم القيامه .
( هرج يسود المكان ) ..
هيثم وهو يضرب كفه الايمن بكفه الايسر قائلا بصوت عالي – إياك ان تشهدي علي يوما ما .. اتدرين لماذا ؟ لانك ستكونين معي بنار جهنم ... تصوروا جميعا بان ايديكم ستشهد عليكم امام القضاء .. ( يضرب جبهته بكفه ) .. ياللهول ... كم ستظهر من المصائب ..

ستاره

الفصل الثاني

المشهد الاول


نفس المكان .. لا تغيير في الديكور .. سالم مشغول بالبحث عن شيء ما في درج الخزانه ، تدخل فاطمه وبيدها منشفة تنشف بها شعرها بعد خروجها من الحمام ، يلتفت سالم لها ويصفق بيديه قائلا – ولله في خلقه شؤون .. الم تستحمي ليلة امس ؟ .. ماذا جرى ؟.. أتراك تغتسلين غسل الموتى مقدما ؟ ام انك تودين استقبال ربك وانت نظيفه ؟ ( يتوجه اليها مقتربا منها ) .. ما هو تاريخ اليوم بالضبط ؟
فاطمه وهي تبتعد عنه – أيمكنك نسيان عد ما تبقى من حياتك والممتدة اقل من نصف شهر ؟ ..

سالم – أغيثيني ياحبيبتي وجاوبي على اسئلتي الباهته ولا تتهكمين مني .
فاطمه وهي تغادر المكان الى الداخل – لا اعرف .. ابحث عن تقويم يدلك على ما تريد .
سالم وهو يتعقبها بنظره – لماذا لم يمن الله علي بغيرك ؟

فاطمه ( عائدة اليه ) – لقد من الله عليك بانك ستموت بعد نصف شهر، لتلاقي من بعد ذلك حور عين
يعود سالم ليبحث في درج الخزانة من جديد ، يطرق الباب ، يفتحه سالم على عجل ، يدخل عبد الجبار وكامل .
كامل – أنا لدي سؤال يحيرني غير انني ساموت بعد ايام قليله ( يكمل دون ان يجيبه احد ) كيف لمن يعلم بموته المحقق بعد نصف شهر ان يتصرف ياناس ، لقد دخت من الدوران حول نفسي ، اريد ان افعل شيئا .
يطرق الباب من جديد فيذهب عبد الجبار لفتحه فيدخل سليم ومعه زهراء وهي تحمل حقيبة صغيرة بيدها ثم تذهب للداخل مباشرة لملاقاة فاطمه ..
عبد الجبار – المنطقه بكاملها تموج بذكر ما نحن فيه ، لقد تسرب الخبر الى الحي المجاور ، ومن المحتمل ..
سالم مقاطعا – ومن المحتمل ان يكون بيتي مقرا لتجمعات هذا الكم من المتطفلين وانا في أواخر حياتي ، اليس كذلك ؟ .. يا للفضيحه .
يسمع صخب خارج المكان ، يذهب سالم لفتح الباب ، يدخل هيثم وبيده قنينته وهو يترنح ويعقبه عبد الرزاق وأمل .
أمل موجهة الكلام لهيثم – ألا تتوقف يارجل عن الشرب ؟ .. ألم تكتفي من هذا الزحير بعد ؟
هيثم ( وهو يضحك عاليا ) .. الزحير الحقيقي سيردك عندما تلفضين انفاسك عن قريب ..
كامل ( وهو يجلس على الارض ) – اتصدقون ؟ .. الان عرفت بان الانسان حينما يواجه حقيقة انه سيموت لا محاله ، فان الخوف عنده يتناقص كلما اقترب من ساعة حتفه .
هيثم – فلسفة فارغه .. ستموت يارجل .. ستموت .. وبدل ان تتفلسف ، تخيل بانك ستطمر تحت التراب ، او تحت الماء ، وستدخل الديدان الى انفك واذنيك لتنهش بقاياك .. ( ضاحكا ) والانكى من هذا كله هو انك ستلاقي في النهاية من يحاسبك على افعالك في دنياك .. ولكن لا بأس ، لانك ستدخل الجنة في النهايه .( مشيرا الى بقية من معه على المسرح ومن ثم الى الجمهور ) كلكم ستدخلون الجنه ، كلكم .. مركزا نظره على جهة ما من قاعة الجمهور .. ( يصفق كف بكف ومستدركا بهز سبابته بعلامة الرفض وكأنه يقول ما عداكم انتم ) .
سالم – لو تسكت انت وتكف عن الثرثرة لاستطعنا التفكير فيما نحن فيه .
هيثم – ولماذا انت في أزمه ؟ .. انت على وجه الخصوص سيكون لك قصر في مكان متميز لانك لا قيت الويل في دنياك ( متلفتا من حوله ) اين هي ؟ الحمد لله ليست موجوده .
عبد الجبار ( ممسكا برأسه بين يديه ) – ماذا علينا ان نفعل ، الوقت يمر بسرعه ؟
هيثم – يقولون بان المحكوم بالاعدام تمنيه الحكومة بما يشتهي قبل اعدامه ، أعلنوا عن امنياتكم ايها الساده كي تقوم الحكومة بتوفير ما تتمنون ، اما أنا فامنيتي هي أن يوفروا لي كبابا وخمرا والعشرات من النساء الجميلات كي اندس بين اجسادهن الجميله ، واموت هناك كما يموت الاباطره ، من يدري ؟ .. فلربما تكون النهاية بدون نيل الاماني ونحن على قيد الحياة حماقة كبرى نرتكبها في آخر ايامنا .
سالم ( بعد ان غادر المكان وعاد وبيده كتاب ) – هذا الكتاب كنت قد بدأت بقرائته في الاسبوع الماضي ، انه يتحدث عن أسس التربية الاجتماعية السليمه .. كيفية اتباع الطرق الصحيحه في تربية الابناء .
هيثم ( ضاحكا بتهكم ) – إلا هذه .. فانت غير محق تماما في التسبب بالتعب الزائد لنفسك بالبحث عن أسس تربية الابناء ، فأنت عاقر ليس لك خلفه .. وان كان لك أمل بذلك في المستقبل ، فقد أضاعته عمتك المرحومه بخبرها المفجع .
سالم وهو يلقي بالكتاب جانبا وموجها الحديث لهيثم – لو كنت مدركا لما انت فيه من حماقة حينما تسكر ، لما جلبت الكتاب لاثبت من خلاله شيء مفيد في مصيبتنا هذه .
هيثم – مصيبه ... أية مصيبة اكبر من أنني الان لا املك غير قنينتي هذه ، وبعد لحظات سينتهي ما فيها ؟ ..
عبد الرزاق وبصوت ينم عن الاسى – سمعت الصبية وهم يمرحون غير بعيد من داري ، يغنون اغنية جلبت انتباهي لا اتذكر منها شيء ، غير انهم أحاطوني بمأساتي باصواتهم الطفولية الجميله ترى لو كانوا يعلمون بما سيجري لنا هل سيستمرون بالغناء ؟ .
( صمت يعم المكان تأثرا بما قاله عبد الرزاق) .

عبد الجبار – انا ارى ان نجتمع سوية في مكان واحد ، الوحشة تملأ قلبي ، لقد بدأ الخوف يضغط على روحي من كل ناحيه .
سليم – وأنا كذلك .
هيثم ( وقد دخلت فاطمه تتبعها زهراء الى المكان ) – ليس من الواجب عليكن تركنا لوحدنا في ظروف كهذه ، دعكما من الثرثره ( ضاحكا ) امامكما ثرثرة من نوع آخر ستأتي عن قريب .
زهراء – ما اتمناه هو ان لا اراك إلا في الجحيم .
هيثم – أي جحيم هذا الذي تتمنينه لي ياخاله ، ليس هناك الا الجنه يا امرأه ، الا الجنه .
( تدخل أمل متشحة بالسواد ، يلتفت لها الجميع )
سالم – ماهذا ؟ .. أأنت حزينة على مصيرك قبل ان يحزن عليك غيرك ؟
هيثم – لا يحق لك ان تحزني سيدتي .. فهذه الدنيا ليس فيها ما يحزن لانها جميعها محض حزن .. ( ملتفتا للبقيه ) ماذا تحسبون انفسكم ؟ .. أتتوهمون بانكم الان على قيد الحياة حتى تحزنوا على ما يسمى بموتكم ؟ .. ليقل لي أي واحد منكم ، ماذا لقي من دنياه منذ مولده لحد الان كي اسجل له بانه قد نال من نعم دنياه شيئا .. ( ضاحكا ) .. يطيب للمغفلين احيانا أن يحمدوا ربهم لانهم يسيرون على اقدامهم وينطقون بالسنتهم ويمضغون الطعام ، لو لم تكن لديهم هذه القدرات ، فلماذا هم اصلا على هذه الارض ؟ .. أنا اعرف مغفلا باع كليته لأحد الاثرياء كي يوفر خبزا لعياله ، وبعد ان شفي من عملية استأصال الكليه ، خرج من المستشفى وهو حامدا ربه على ( نعمته التي وهبه اياها ، حيث بعث له ذلك الثري الكريم ( ضاحكا باستهزاء ) أي غباء هذا الذي يحمله اولئك الضانين بالاخرين خيرا حينما يسلبونهم حتى اعضائهم البشريه .
( فاطمه تهمس في اذن زوجها سالم شيئا فيدخل معها الى الداخل ، في حين يبدأ الحديث بين الحاضرين مثنى وثلاث ، ويركز الضوء على هيثم وهو يجلس على ارض المسرح في الوقت الذي يقل الضوء على بقية المكان تدريجيا حتى يبقى هيثم اكثر وضوحا بالمشاهدة من البقيه .)
هيثم ( وجهه الى الجمهور ) – المصيبة الكبرى التي حلت بنا تأكدوا بانها ستحل في كل ارجاء المعموره ، ولكن الفرق بيننا وبين اولئك الذين يعيشون في بقاع من الله عليهم فيها بنعمه الكثيرة ، سوف يموتون وهم يضحكون ، وحينما يدفنون تحت التراب ، ستزرع فوق قبورهم اجمل الزهور ، ويزورهم اقاربهم وابنائهم في كل حين محملين بباقات القرنفل والياسمين .. اما نحن .. عذرا .. أما انا .. لو عثر علي احد ، فسوف ادفن في حفرة بائسة تغزوها القطط والكلاب السائبة ليلا لتنهش من لحمي ما تقتات به بعد طول عناء .. ( ضاربا جبهته بكفه وهو يضحك ) .. حتى في قبورنا نحن الفقراء يلاحقنا الجوع متمثلا بحيوان جائع حينما يمضغ لحومنا ويبعثر عظامنا .. ( يستمر بالضحك ، ويلتفت لبقية من معه على المسرح ) .. تصوروا .. كلب مسعور يأكل ادمغتكم واطرافكم في النهاية .. ( يقف صائحا بصوت عالي ) .. ليأتي الطوفان .. اين هو فانا مستعد لملاقاته .. لا فرق عندي بين ان يقتلني الطوفان أو أموت بوسيلة اخرى ، فالنهاية واحده .. ( يدور في مكانه ويستمر ) .. انا أشجع مما تتصور ايها المارد المنتظر .. فلا بأس عليك ان تأتي الان ولا تتأخر الى نهاية الشهر ، أين انت ؟ .. تعال بسرعه فانا بانتضارك .. الموت عندي هين ايها الطوفان .. لانني تعودت ان الاقيه في كل يوم حينما تتمزق احشائي من الجوع ، وعندما اشعر بغربتي عن هذا العالم المأزوم بكل ما له علاقة بالعدوان على الانسان وجسده وطباعه .
اين انت ايها الحبيب .. أقدم .. اقدم .. اقدم .
( يهوي على الارض منتحبا .. ويحلق من حوله بقية الموجودين ) .

ستاره


المشهد الثاني


نفس المكان وبنفس الديكور
فاطمه تجلس على الكنبه ، بينما يبقى سالم وهو في حالة قلق ظاهر ، يدور في المكان .. يعود ليقف قبالة فاطمه ..
سالم – لماذا علينا ان نستمر بهذه اللعبة ونورط الناس وانفسنا بأمر قد لا يحدث ؟ .. الا تعتقدين باننا أنا وأنت لابد لنا من القرار فيما اذا كانت حكايتنا هذه صحيحة ام انها مجرد رؤيا فقط ؟ ..
فاطمه – كيف لك ان تضعني معك في نفس النقطه ؟ .. انت فقط من يجب عليه معرفة الحقيقة .
سالم – كيف هذا ؟ .. ألم تسمعي امك وهي تنذرنا بالطوفان ؟ .
فاطمه – لقد سمعتها .. ولكنني لست قادرة على القرار بان ذلك كان حقيقة ام خيال .. ألم تسمع برؤى ترائت للناس ، اكتشفوا بعد حين بانها مجرد تصورات لا أساس لها من الصحه ؟
سالم ( وقد ازدادت وتيرة حركته في المكان ) – ماذا تعنين ؟ .. إن سمع الباقون منا حديث كهذا فلسوف يقدمون على قتلنا في الحال .. ثلاثة ارباع المده قد انقضت ونحن أنا وأنت بدأنا نشكك بما قلناه لجيراننا المساكين . . لم اكن اتوقع ابدا بانك ايضا مترددة من تصديق الواقعه .
فاطمه – أنا في حالتي هذه بدأت اشعر بما يشعر به هيثم .. المفروض بان الموت يقترب مني وسيحل في موعد لم يتبقى بيني وبينه الا ايام ..
سالم – وان تبين لك بانه ليس هناك لا طوفان ولا هم يحزنون ؟
( فاطمه تنهض من مكانها بعصبيه ، وتنظر الى سالم بنظرة حاده ، ثم تغادر المكان الى الداخل دون ان تتكلم .. في حين يبقى هو متسمرا في مكانه يتعقبها بنظره حتى تغيب ) .
سالم ( يحدث نفسه ) – يارب .. من يخلصني من هذه الورطة سواك ..
( يدخل كامل ويتبعه سليم) .
كامل – لقد وجدت الباب مفتوحا فدخلت دون حتى ان استأذن ..
سليم ( معقبا ) – ولماذا تستأذن .. عليكم منذ الان ان تتركوا الباب مفتوح ليل نهار .. نحن جميعا اصبحنا شركاؤكم في بيتكم حتى نرى ماذا سيحل بنا .

سالم – على رسلكم .. الباب مفتوح ولا حاجة لنا باغلاقه بعد اليوم .
كامل – ماذا تقول ياسالم لو اخبرنا الشرطة بما حل بنا .
سالم ( ضاحكا بصوت عالي ) – ماذا ؟ .. هل جننت ؟ .. اية شرطة وأي مصيبة هذه التي تريدها ان تحل بنا ؟ .. ما شأن الشرطة وما نحن فيه ؟ .. ومن سيصدقنا لو قمت بوشايتك السخيفة تلك ؟
( يدخل هيثم فجأة )
هيثم – ماذا حصل ، هل من جديد ، سمعت سالم وهو يضحك .. هل وصل خبر يكذب الموضوع ؟
سالم – كلا .. هناك اقتراح مفاجيء جاء به جارك العزيز كامل .. يريد ان نخبر الشرطه بقضيتنا .
هيثم ( وهو يرقص ويردد لحنا سريعا يمكن للمخرج اختياره كتعبير عن الاستهجان بالاقتراح ،
ثم يتوقف عن الرقص ويكمل الحديث ) – لماذا لا نخبرهم ؟ .. سنخبرهم .. ايوجد في حياتنا افضل من البوليس ليقوم بحمايتنا ؟ .. ( ضاحكا ) ولكن من ماذا ؟ .. من طوفان قرره الله ان يأتي علينا .. نعم .. انا موافق .. لنخبرهم .. ليخبرهم احدكم غيري .. فانا حينما اشاهد شرطي أشعر بالخوف الشديد .. الشرطة هي عنوان النظام ، وهي التي تشرف على تقويم سلوك البشر .. وانا على الدوام من صنف المستهترين الذين لا يقوون على التمسك بالنظام .. ولذا فان الشرطة تكرهني واكرهها ، وسوف لن يصدقوني لو قمت باخبارهم باي شيء .. قبل يومين .. التقيت باحدهم قبالة المستشفى العام وهو يقتاد احد المرضى الخارجين من المستشفى .. ضننت بانه يقوم بمساعدته .. حتى تبين لي بانه يقتاده الى سيارة الشرطه المتوقفه غير بعيد عن المكان .. لابد وان يكون ذلك المريض قد فعلها ..
كامل – ماذا فعل ؟
هيثم ( ضاحكا ) – لربما قام ب .. ( ملتفتا الى الجمهور ) .. اتركوا الموضوع فقد يكون شرطي قريب منا الان .
( تدخل فاطمه )
فاطمه – أهلا بكم .. ( ثم تتوجه نحو زوجها سالم ممسكة بذراعه ) .. انا منذ الان سوف لن افارق زوجي حبيبي حتى يحل أجلنا سوية .
هيثم – نعم .. هكذا هو الاخلاص .. ولكن الطوفان لو حل بنا سوف لن يدعك ممسكة بزوجك كما انت الان .. سيجدون عظام رقبتك في النرويج مثلا أو في قاع البحر الاحمر .. من يدري ؟ .. لربما يجدونك في بطن قرش في البحر الاسود .
فاطمه – انشاء الله سييتلقفك حوت يمزق احشائك ، كما تتمنى لي هذه الامنيات السوداء .
هيثم ( ضاحكا ومكملا حديثه ) – أو مثلا سيجدوكما معا واحدى السلاحف الكبيره وهي تدس رأسها بين اضلاعكما الواحد تلو الاخر ، لتسحب من داخلها رئتيكما حتى تطعم بها صغارها
فاطمه – اخرس يا ملعون ..
هيثم ( دون ان يكترث بها ) – أو مثلا .. يجدونكما وسط حقل من المرجان الاحمر هناك في اعماق المحيط ، واخطبوط ضخم يحاول سحبكما ليمتص منكما ما تبقى من ..
فاطمه ( مقاطعة ) – اسكت .. انها دعابة سخيفه .. اهكذا يمكننا ان نقضي ما تبقى لنا من حياة ؟ .
سالم – اتركيه يهذي .. لا شأن لك به .. انها صحوة الموت كما يقولون .
سليم ( مخاطبا هيثم ) – ان اردت ان تتسلى ، فعليك بقنينتك وحسب .. انها خير رفيق لك الان حتى تنتهي الى ما ستنتهي اليه .

كامل ( معقبا ) – لا مفر الان من أن يفكر كل واحد منا بنفسه ..

هيثم – ومن قال لكم بانني افكر بكم ؟ .. انني الان مشغول بمستقبلي .. افكر بما سافعله في الجنه .. لربما ستكون عندي مثلا مزرعة واسعه علي ان اديرها بنجاح .. انا لا اقبل ان اكون عاطلا هناك .. لابد من ممارسة هواية مفيده .. أها .. لقد وجدتها .. ستعملون كلكم فلاحين عندي ( ضاحكا ) .. نعم ستحملون معاولكم وتمارسوا مهنة الفلاحه في مزرعتي .

زهراء ( وهي جالسه على الكرسي ) – انا لا اتخيل بان بشرا يعلمون بحقيقة موتهم بعد ايام قليله ، ويتندرون بهذه الطريقه .
هيثم – ماذا تريدين منا ان نفعل ؟ .. اليس الموت حق كما يقولون ؟ .. واذا كان حق ( ضاحكا ) فلماذا اذن يلطمون على رؤوسهم ويملؤون الفضاء بالعويل لو مات احد منهم ؟ .. الموت حق .. كيف يمكنني ان اصدق ذلك .. انه لامر شنيع .. ( يتلمس اطرافه ومناطق مختلفه من جسده ) .. كيف هذا ؟ .. هل حقا ستكون كل هذه الاشياء طعما للديدان او الاسماك بعد حين ؟
سليم – الحياة ياسيد هيثم لعبة ممجوجة فرضت علينا ولابد لنا من ان نلعبها حتى النهايه ..
هيثم – ولماذا هي كما وصفتها ؟ .. انها جميلة وملونة وفيها الورد والمياه ، فيها الحب وجمال المرأة .. فيها انهار وبحار وبحيرات .. الم تسمع ببحيرة البجع ؟.. اسمعت مثلا بجزر الكناري ؟ .. حقا لماذا سموها بهذه الاسماء ؟ .. من يعلم منكم السبب ؟ .
سالم – دعكم من هيثم الان ، فهو يحمل بطر العالم برمته ، وسوف يلهينا عن المهم في قضيتنا . هيثم – لا يوجد شيء اهم من ان اراك وانت تقذف بك الامواج وتلطم جبهتك بحجر او جذع شجره .
سالم – قبحك الله ، ستموت معي او قبلي ، فكيف تراني .
هيثم - ولو ... الم يقولوا لنا بان الاموات يرون ويتكلمون ويزورون ذويهم ؟ .. الم يقولوا لنا بان الميت سوف يرى مكروها في عياله باستمرار لو كان من العاصين ؟ .. اذن فانا سوف ارى بعد موتي ، وسيكون مشهد تحطيمكم هو اول مشهد اراه حينذاك .
فاطمه – لماذا يارجل انت تكره الناس بهذا الشكل ؟.
هيثم – لان حياتي لم تشهد حبا من احد لي .. الجميع يراني شخص عاق ، لا يلتزم بالاخلاق الحميده ، كل ذلك لكوني اشرب الخمر حينما يتوفر لدي الثمن .. متناسين بان الله قد اوعدنا بخمر ولبن في الجنه ...
كامل – دعنا من فلسفتك ياهيثم .. انا اشعر بشيء يضغط على صدري ، شيء يحبس انفاسي ، لم يقل لي احد لحد الان ماذا علينا ان نفعل .. انجلس هكذا نولول لبعضنا حتى اليوم الموعود ؟ .. أم اننا علينا ان نفعل شيء اخر .
سالم – ياليتني اعرف طريقا آخر غير الذي نحن فيه .. قل لي ماذا بالامكان فعله .
سليم – لندع الوقت يمر .. فهو يمر رغما عنا على كل حال .. ولنترك لانفعالاتنا حريتها .
هيثم – مهما فعلتم فهو قادم لا محاله .. الطوفان في طريقه اليكم .. اقتراحي هو انكم الان عليكم بالمفيد .. خذوا من دنياكم اكثر ما تستطيعون من متعه .. هبوا جميعا لغرف ما تجود به عليكم هذه الدنيا الفانيه . . ( ضاحكا ) .. فانيه .. نعم انها فانية بالنسبة للصعاليك فقط .. اما معهم .. مع المترفين فهي خالده .
فاطمه – أية دنيا تبقت لنا بعد الذي سيحصل ؟ .. يقولون بان نعمة النسيان هي من النعم الموهوبة للبشر .. ولكن هل ان هذه النعمة لا زالت تفعل فعلها في عقولكم حتى هذه اللحضه ؟ .. سنموت ياجماعه بعد اقل من اسبوع .. افهمتم .. سنموت جميعا شر موته .. ( يبدأ صوتها بالارتفاع تدريجيا مع اشتداد وتيرة انفعالاتها ) .. سنموت غرقا .. وتفرقنا الامواج العاتيه .. وسوف ينتهي كل شيء .. ( تدور في المكان ) .. كل شيء في هذا البيت سيختفي حتى اسمه .. سوف يكون لنا مصيرا لعينا لا مثيل له .. اسمعتم بمصير لبشر غيرنا شبيه بهذا المصير ؟ .. ياللهول .. ياللمصيبة العظيمه .. ( تجلس منتحبة على الكنبة وزوجها سالم ممسك بها بلطف ليخفف عنها ما هي عليه من اضطراب ) .

ستاره

المشهد الثالث
سالم وفاطمه ومعهم زهراء وابنها كامل .. سالم منشغل بترتيب اوراق على الكنبه ، في حين راحت زهراء وفاطمه تتحاوران حول امر ما .
كامل ( موجها حديثه لسالم ) .. لم يعد بيننا وبين اللحظة الحاسمة غير اسبوع واحد فقط ، واراك لم تزل منشغل بامورك الخاصه وكأن شيئا لم يكن .
سالم ( ملقيا الاوراق جانبا ) – اسمع ياكامل ، وبصراحة ، فقد بدأت أضيق ذرعا بكل شيء ، بدأت اشعر وكأنني في عجلة من امر بلوغ ما ينتظرني من مصير .. عذاب الانتظار راح يطيح في داخلي كل شيء .
زهراء – ما معنى هذا ؟ .. أيمكن ان يكون هناك من شيء ابلغ اثرا على النفس من حلول المنيه ؟
يدخل فجأة كل من سليم وهيثم وعبد الرزاق ..
سليم – ها نحن الان اصبحنا وديعة لديكم ياساده ، ننتظر مصيرنا وقد سلمنا امرنا تماما لما قررته المرحومه ام فاطمه .
عبد الرزاق – انا الان مستعد لفعل أي شيء على راحتي ، ادعولي الطوفان لينهي هذا العذاب وبسرعه .

هيثم – انا لست قلقا ابدا .. لانني لا زلت اشعر بجواز عدم صدق الرؤيا ، انطلاقا من إيماني باختفاء عصر المعجزات .. ولكم علي ان اصحبكم الى اقرب حانة لنحتفل بعدم صحة الخبر .
( يتوارد بقية الجيران الى المكان واحدا بعد الاخر) .

أمل – لقد بدأت أشعر بالحاجة لان نجتمع جميعنا في مكان واحد طيلة ما تبقى لنا من وقت .
سلمان – ها نحن الان نجتمع .. وماذا بعد ؟ ..
هيثم – لا شيء .. لا فرق ان نموت فرادى أو مجتمعين ، الموت هو واحد في كل الاحوال .
عبد الجبار ماسكا سالم من ذراعه وهو يصيح بصوت مرتفع – تثبتوا من صدق رؤياكم ياناس ، ابحثوا لنا عن مخرج ، لماذا اختارت حماتك ان تكون سفيرة عن عزرائيل لتبلغنا بمنيتنا مسبقا ، لماذا نحن عن بقية الخلق نعلم بلحظة موتنا قبل شهر ؟ ..
سالم وهو يتخلص من قبضة عبد الجبار – ومالنا نحن بما حصل ، نحن معكم في نفس البلوى ، ايعقل ان نخترع حتفنا بايدينا ؟
فاطمه – المهم ، نحن نقلنا لكم ما سمعناه ، ويبقى عليكم ان تتصرفوا وفق ما ترونه مناسبا لكل منكم .
هيثم ( ضاحكا ) – نعم .. انه عين الصواب .. تصرفوا ياساده .. تصرفوا كل على هواه .. من يصدق الحكاية منكم ، ليتحرك .. الوقت يمضي بسرعه ، والحيتان تنتظر هي الاخرى .. ( ضاحكا بصوت مرتفع ) تحركوا .. لقد قص علي احدهم يوم امس ونحن نشرب الخمر في الحانة القريبه ، بان ثمة تسونامي سيضرب السواحل الامريكية قريبا ، من المحتمل ان يكون طوفانكم هو جزء من التسونامي المرتقب ..
سليم ( مخاطبا هيثم ) – متى يقدر لنا ان نسمع شيئا مفيدا منك ؟ .
هيثم – إذن اسمعوها مني .. نصيحة نصوح .. خلال هذا الاسبوع عليكم جميعا أن تقرروا وعلى عجل ، على ماذا ستكون آخرتكم .. ماذا يجب ان تكونوا عليه اثناء اللحظة لاخيره .. سكارى .. نيام .. متعبدين .. غير ذلك ؟ .. اختاروا قبل فوات الاوان .. أما أنا فقد اخترت .. سوف اتمثل فقري قبل ان اغادره الى الابد .. سانام على الارض حينما تحل الليلة الاخيره ، متوسدا حجرا اختاره بعنايه .. لابد لي وان اموت وانا على طبيعتي التي نشأت عليها ، لا اريد ان ينغص علي تلك الطبيعة أي شيء يجعلني اموت وانا احلم بغير الفقر ، حتى الحلم بغير الفقر بالنسبة للفقراء هو جريمه .. كل التعاليم السماوية حذرت من ان يحلم الفقراء بما يحلم به الاغنياء ، انه الحسد بعينه ان تتمنى ما لدا غيرك من نعمه ، لابد لك وان تختار القناعه ، القناعة كنز لا يفنى ، والتمسك بما قدره لك القدر المحتوم هو عين الصواب ومن حسن السلوك .. أنصحكم منذ الان بان تعلنوا قناعتكم بما لديكم .. وان تستغفروا الله على كل بادرة من حسد انطلقت من نفوسكم حيال نعمة يتنعم بها الاغنياء ، ( ضاحكا ) اعلنوا ايها الساده قناعتكم بما لديكم ، واعتبروا بان احلامكم بابعد من ذلك هو الكفر بعينه ..
زهراء – لم احلم يوما بان اكون كصاحبتي التي من القدر عليها بان تكون صاحبة مال وجاه ، رغم انني اكثر حضا منها فيما حصلت عليه من صلات طيبة مع الناس ، فهي تبدو مكروهة من قبل الجميع ، متكبرة وجافة السحنه .. انها لا تطاق ، ولكنني لم اتمكن من هجرها كونها صديقة طفولتي .
كامل – هكذا هم اصحاب النعم .. لابد لهم وان يتكبروا كي لا يطمع بهم احد .
فاطمه – اما انا وزوجي سالم ، لم نكن يوما غير مقتنعين بما لدينا .. سوى اننا تمنينا ان يكون لنا ابناء .
عبد الرزاق – الاماني الان انتهت ، وما تبقى لنا هو الفراغ .. نعم الفراغ .
سليم – الفقر والغنى أمران ليس لاحد ان يتخذ القرار بشأنهما ، انهما من اختصاص غيرنا .
هيثم – نعم .. انهما من ثوابت الدنيا ، لا يمكن ان نغير احدهما ليصبح الاخر .. فالفقير يبقى عند حدوده ، والغني عند حدوده .. ومن يتجنى على هذا التقسيم العادل في الحدود ، سوف يلقى ما لا يرضيه .. ( ضاحكا ) فانا مثلا حينما ارى قصرا فخما التفت عنه جانبا مخافة ان ابتلى ببلاء الحسد .. ولا اكتفي بهذا .. وانما ادعو ربي لزيادة سعة وفخامة ذلك القصر .. لقد خلقت انا لانام على حجر .. وصاحب ذلك القصر لينام على فراش وثير .. إن من الحقارة على ما اعتقد ان تطمح نفسي الى مغادرة الحجر الى الفراش الناعم دون وجه حق حسب التقسيم المثبت بين الفقراء والاغنياء .. انه التعدي بعينه ..
عبد الرزاق – انتم تتحدثون وكأن احدا منا هو من الاغنياء ، جميعنا من صنف الفقراء ياساده .
أمل – المشكلة فيما طرحتم ، هو اننا لا زلنا نحوم حول حقيقة موتنا القريب .. لم اسمع احدا منكم يتوقف مليا عند هذه الحقيقه .
سالم – انا شخصيا لا زلت ابتعد عن الحقيقة التي اشرت اليها .
هيثم – جربوا ولو لمرة واحده ان تجعلوني حكيما بينكم .. ما انتم فيه الان من محنه ، لم يزل في طي المجهول .
عبد الرزاق مقاطعا – أي مجهول هذا .. أيعني باننا لم نتيقن بعد من امر الطوفان الآتي ؟ .
هيثم – نعم .. فكل شيء محتمل .. ألم تسمعوا باقدار تغيرت عن مسارها في اللحظات الاخيره ؟ .. الم تسمعوا بحكم بالاعدام مثلا على سجين ، قد الغاه الرئيس في لحظة التنفيذ ؟ .. الم تسمعوا بذلك الفريق من المحكومين بالموت ، وهم يحرثون الارض ضمن فقرة الاشغال الشاقه ، فمر عليهم سيادة الرئيس صدفة ، وكان مستريحا صافي الذهن ، فاشار على حمايته باطلاق سراحهم جميعا ، وفورا ، حتى مع عدم سماع مبررات اطلاق الاحكام على كل منهم ؟ .. ماذا تقولون في ذلك ؟ .. من المحتمل ان يصدر قرار بتغيير المكتوب علينا من جهة اتخاذ القرار ، وينسحب الطوفان عنا في نهاية الامر.. ( ضاحكا ) ولا حاجة عندها من ان نعرض انفسنا كفقراء ..
عبد الرزاق – المهم ، هو أننا جميعا في أزمه .. مهما حاولتم التلهي بتناول افكار أخرى بعيدة عن القضية المركزيه .. وهي أننا سنموت بعد اسبوع ، لن تفلحوا في تغيير ما سيحل بكم .. فكروا عند هذه النقطة بالذات .
يتحرك الممثلون جميعا الى جنبات المسرح ، وظهورهم الى الجمهور دون حراك .. يأتي صوت من خلف المسرح :
الصوت – وبعد اسبوع .. حل اليوم الموعود .
تنطلق فورا اصوات تلاطم امواج البحر ، ويغيب الضوء تماما فتعم الظلمة عموم المسرح .. اصوات الامواج تتعاظم .. ريح تصفر بشده .. اصوات صراخ من الضحايا وهم يقاومون الاعصار .. يظهر هيثم وسط حزمة من الضوء المركز عليه فقط ، وقطعة قماش ابيض تلف نصفه الاعلى ..
هيثم ( وبصوت مرتفع ) – أحييكم ايها الساده من مياه سواحل اندونيسيا ، وتحديدا بالقرب من احدى الشواطيء المهجورة من السكان .. ما مررت به لا يسركم ولذا فلن اخبركم بالتفاصيل ، عدا عن كوني اشعر بسعادة غامرة لكوني استطعت اخيرا ان اسافر خارج حدود بلدي .. فكم تمنيت من قبل ان انظم الى اولئك السياح من المترفين ، فارى بلادا اخرى واتمتع باشياء جديده ، وها انا قد تحقق لي ما اردت .. فهل ترغبون بالانظمام الي ؟؟ .. إن رغبتم بذلك ، فما عليكم الا التسجيل في قائمة الفقراء كي تنعموا بسفرتكم الاولى خارج بلادكم كسياح ولستم مهاجرين ، اقدموا ايها الاحبة ، فانا بانتظاركم .
ينتقل الضوء الى سالم :
سالم – أما انا .. فاحييكم من ضفاف باب المندب .. تعالوا لتروا معي كيف تمخر البواخر عابرة هذا المضيق حاملة اقنعة رجالية ونسائية ، يقولون عنها بانها مصدرة لحساب وكلاء مكلفين بتوزيعها على الناس ، ليختلط الفقراء بالاغنياء ضمن حفلات للتنكر ، يستريح من خلالها كلا الفريقين من مراقبة بعضهما للبعض الاخر .
فاطمه – انا الان بالقرب من حافات احدى جزر الفلبين .. وارى بالقرب مني وفي اعماق الماء ، سيوف تقطر منها الدماء ، كتلك التي تصنع في شرقنا الحزين .. احاول ان امسك بواحد منها دون ان افلح .. فهل لواحد منكم ان يساعدني ؟ ..ثمة حنين يربطني بتلك السيوف لكونها شرقيه .. اعينوني عليها ايها الساده .
سليم – احدثكم ونصفي في اعماق بحر العرب ، والنصف الاخر في مياه المحيط الاطلسي ، حاولت ان ابلغ شواطيء الخليج العربي فلم افلح ، ومن المحتمل ان تكون الامواج التي تحدثها السفن الغريبة في عرض المياه هناك ، قد حالت بيني وبين تحقيق رغبتي .. على كل حال ساحاول شأني شأن الباقين من ابناء عمومتي ، جمع اشلائي في مكان ما من هذا العالم .
يملأ الضوء عموم المسرح ويظهر كافة الممثلين بذات الهيئه ، تلف انصافهم العلويه قطع من القماش الابيض ، وبصوت واحد : تعالوا ايها الساده .. فنحن بانتظاركم .. لتروا باعينكم ، كم هم الفقراء سعداء هنا .. لكونهم بعيدين عن احتمال ارتكاب جريمة حسدهم للاغنياء .
ستاره
انتهى

0 التعليقات:

إرسال تعليق