نجاح عبد النور
أحد نصوص كتاب:
" مسافات في الظل "
سبعة نصوص تجريبية
دار التلاقي للكتاب
يناير 2010
أصوات صرصور الليل, ونقيق ضفادع, وأسماك تضرب الماء الراكد من آن لآخر.
إضاءة
المسرح عبارة عن عجلة دائرية كبيرة عالية, تتحرك ببطء وفق حركة عقارب الساعة. يظهر عليش وسلام في أقصى اليمين. يظهر عليش أولاً وهو عجوز هرم ثم سلام وهو شاب وقور هادئ. الاثنان يرتديان ملابس ريفية. يجلسان على حافة العجلة مدليان أرجلهما. يمسك كل واحد منهما بالصنارة أمامه. يصطادان السمك. هناك بقعة ضوء تسقط عليهما, فيظهران وكأنهما يجلسان على ظهر ساقية دائرية كبيرة, موضوعة على حافة نهر شبه راكد. يلقيان بشصيهما في السواد. يجثو الهدوء عليهما لفترة ثم ينهض عليش - بالكاد يمشي- يلقي ببعض الحجارة في الجهة المقابلة, فيُسمع صوت ارتطامها القوي بالماء. ثم يعود ويجلس مكانه ممسكاً بصنارته ومركزاً في الماء.
عليش : والآن, ماذا كنت أقول قبل أن أقف والقي بحجارتي في الماء مهيجاً بها هذا السمك الذي لا يأتي أبداً؟ (وقفة) حسناً.. كنت أقول: لقد حان وقتك يا عليش.. حان الوقت لتبدأ من جديد.. أبوك أكل من الثمرة المحرمة وحكم على نفسه بالموت إلى الأبد.. حكم على نفسه بالحياة في الظلام.. الظلام الأسود.. الظلام الذي يغلف ثوباً من الساتان لامرأة خرجت لتوها من الحمام يتبعها بخار الماء الدافئ.. السواد الذي تشمه وتلمسه وتتحسسه بيديك... (وقفة)
كنت أقول: لقد حان الوقت.. حان الوقت يا عليش لتصطاد.. ولو حتى أسماك صغيرة لا تصلح للأكل.. حان وقتك من جديد لتصطاد, ولتهتز أصابعك القوية دائماً وتنتشي من لذة الارتعاش (ينظر إلى سلام) لقد حان وقتك يا عليش وأصبح قريب المنال!
سلام : أما أنا فدائماً أقول لنفسي: لا تكن واثقاً إلى هذا الحد.. لا تكن واثقاً أبداً يا سلام فدائما كل الأشياء تتغير.. لا يوجد ثبات إلا الله وحده.. الله الذي لا يشوبه تغيير ولا ظل دوران.. الله الباقي للناس إلى الأبد.. كنت أقول لنفسي... ولكن أصدقك القول يا سيدي مازلت لا أصدق أي شيء مما يحدث أمامي.. لأن كل شيء يتغير بسرعة البرق.
عليش : لا تكن متشائماً إلى هذا الحد (يخرج بعض التبغ من جيبه, يمزجه بيديه) أنا لا أستطيع أن أقول لك كل شيء دفعة واحدة.. أنا عاجز.. لكنني (يمضغ التبغ) سأدور حول الفكرة.. سألف وأدور حولك وأتقافز أحياناً كالقرد.. لكنني سأقولها لك في النهاية.. سأقول لك كل شيء قبل أن تموت مباشرة وبعد! (يبصق) حسناً, إنه لشيء محزن أن يموت الإنسان.. لا يعرف المرء الكثير حتى يموت.. يعرف المرء الكثير قبل أن يموت مباشرة.. ثم تبدأ حياة أخرى.. يولد طفل آخر ويتعلم حتى المائة ثم يموت (وقفة) أنا أتمنى أن اُبعثْ من جديد.. أولد مرة أخرى وأن أعرف كل ما عرفته في حياتي السابقة.. كل شيء عرفته عن الله والأرض والكون والآخر.. ثم أبدأ حياة جديدة.
سلام : إنه لشيء صعب.
عليش : ما الصعب؟
سلام : أن تقرر أن تبدأ من جديد بعد معرفة الآخر.
عليش : دائما البدايات صعبة.
سلام : إنني كلما أوغلت في معرفة الناس.. أشعر بالسخف.. لا أظنك على جانب الصواب يا سيدي.. إنني أريد أن أنسى كل ما عرفته عن الناس.. وإذا خيرني الله أن أبدأ من جديد مرة أخرى.. فسأبدأ وحدي.. واستمر وحدي دون الحاجة للآخر.
عليش : أنت متحامل على الآخر يا سلام هناك دائما أناس طيبون.
سلام : أنا لست ضد الآخر.. ولست معه.. أنا أقول لك: إنني أريد أن أبدأ وحدي.. كنخلة تنفلق بعد أن تموت حبتها في الأرض وتقوم.. ترتفع وحدها دون الحاجة للآخر.. "الجحيم هو الآخر".
عليش : سمعت هذه العبارة من قبل.
سلام : سمعتها أنا أيضا.
عليش : لا أظن أنه بعيد عن الجحيم .. هو في البؤرة عينها.
سلام : من؟
عليش : الذي قال هذه العبارة.
سلام : في الجحيم؟
عليش : في قلب النار عينها.
سلام : لماذا؟
عليش : كان يعيش من أجل نفسه فقط (وقفة) لا .. ليس جيداً أن يقول ذلك.. إننا نعيش من أجل الآخر.. نشعل أعمارنا كالشمع.. نذوب ونذوي ونضيء.. كل ذلك من أجل الآخر. (يبصق) وعند انتهاء الحياة على الأرض.. فسوف لن نحيط أنفسنا بالأشياء.. بل إن جل ما نبتغيه حولنا هو الناس.. الناس الذين نحبهم ولنا علاقات بهم (وقفة) إننا كلنا ندرك في لحظاتنا الأخيرة أن الحياة تتلخص في العلاقات.. ومن الحكمة أن تتعلم تلك الحقيقة الآن بدلاً من أن تتعلمها فيما بعد.. لا تنتظر حتى تصبح على حافة الموت لتكتشف أن لاشيء يهم أكثر من ذلك.
سلام : إنك رجل مُقْنِع.
عليش : (مرتبكاً فجأة) أنا لست مُقَنَّعاً!
سلام : لا لا .. أقول: "إنك رجل مُقنِع".. من النادر أن أسمع إنساناً يقول ذلك.. الحقيقة أن كل من رأيت في حياتي كان يعيش من أجل نفسه فقط.. وإن أردت الحقيقة المرة: أنا لولا الآخر لوجدتني شخصاً غير الذي تراه الآن.
عليش : علينا أن نغفر.
سلام : قد يكون صعباً أن نغفر.
عليش : إن أردت أن تغفر..عليك أن تنسى.. تعلم أن تنسى كالله.
سلام : استغفر الله!
عليش : الله ينسى؛ عندما تتوب ينسى كل ذنوبك.. تولد من جديد.. فقط إن كنت صادقاً مع نفسك ومعه (وقفة) هل تدري أعظم خطيئة يرتكبها بنو البشر؟ (وقفة) إنهم ينسون أن الله لديه مشاعر أيضاً.. إنه يشعر بالأشياء بطريقة عميقة جداً.. أتعلم أن كل الكتب السماوية وكل الأديان قالت: إن الله يحزن ويغار ويغضب ويتحنن ويشفق ويأسف ويتعاطف كما أنه يشعر بالسعادة والابتهاج والرضا.. إن الله يحب ويسر ويسعد ويتهلل ويتمتع بل ويضحك؟
سلام : أعوذ بالله .. إنه شيء صعب أن أصدق بأن الله يضحك.
عليش : إنها أمور ليست بالطريقة التي يفهمها الناس إنها تأخذ شكل عبادة (وقفة) أتدري؟ إن العبادة هي إلحاح كوني قد غرسه الله في النسيج العميق لكياننا.. إنها احتياج داخلي للتواصل مع الله.
سلام : إن خبرة كبيرة تكمن خلف حديثك.
عليش : (وقفة) الخبرة شيء تافه.. بسيط..كل الناس يمتلكون الخبرة.. الخبرة وحدها لا تخلص ولكن الذكاء والحنكة.. أمي علمتني يا سيد سلام الذكاء.. فنون الذكاء.. علمتني أن أتشكل كالأفعى.. وأغير جلدي من آن لآخر.. أمي لها كل الفضل على حياتي.. كانت الشر بعينه! (صمت)
هل قرأت الكتاب؟
سلام : عفواً؟
عليش : هل قرأت الكتاب يا سيد سلام؟
سلام : أي كتاب؟
عليش : الكتاب المقدس.
سلام : ربما بعض الأجزاء.
عليش : حسناً.. حسناً.. والآن دعني أسألك: ماذا كان آدم قبل أن يُخلق؟!
سلام : طينا!
عليش : وماذا سيكون عليه بعد أن يموت؟
سلام : لا أعرف.
عليش : لا .. المسألة بسيطة.. انظر! (يضع صنارته جانباً) عندما تموت تتحول إلى شيء آخر.. شيء مجرد.. لا يختبره فقط إلا الذي مات (يضع طعماً في الصنارة) تصبح شيئاً هيولياً.. لا تتألم ولا تبكي ولا تشعر إن داس الآخرون على أي طرف منك.
سلام : نظرية سليمة أكاد اقبلها نوعاً ما.
عليش : لاشيء سيصيبك بالدوار.. لاشيء سيزعجك.. تنتقل وقتما تشاء.. دون الحاجة إلى الزمان أو المكان.
سلام : (متأملاً) الزمان والمكان.
عليش : الزمان والمكان.. المكان والزمان.. هذا هو صليبي في هذا العالم.. أشعر أن شخصاً ما يصر طول الوقت أن يدقني كما دقوا المسيح على صليبه.. شخص ما غير مرئ يربطني من شعري في الزمن ويدق أطرافي كلها.. هل ترى؟! (يريه يديه ورجليه) يدق كل أطرافي في المكان.. يدقها بمسامير.. ويصيبني بالشلل (وقفة) كل ما أفعله: أن أجلس كل يوم واصطاد, أنا لا اصطاد السمك فقط.. أنا اصطاد الناس أيضاً (يحدق فيه) قال المسيح لبطرس ذات مرة: "سأجعلك صياداً للناس".. أنا أحب أن اصطاد الناس.. أحررهم.. لا يتحرر إلا الذي اُصطيد..
سلام : وكيف تصطاد الناس؟!
عليش : (يرمي الخطاف في الماء) ستعرف.. لا تقلق! (وقفة) إن المعرفة تحتاج إلى تأنٍ.. لا تقرأ كتاباً على عجالة.. اقرأ بعضه بتأنٍ.. اقرأ حتى جملة أو اثنتين واكتف بهما.. ليست المسالة بالكم ولكنها بالكيف.. إن يوماً واحداً يعادل حياة بأكملها.. ساعة واحدة قد تفوق ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً.. ليس مهماً كم عاماً قضاها المرء.. بل الأهم كم ساعة عاشها.. (وقفة) هل تعرف؟ عندما وجدتك اليوم في السوق.. كنت واقفاً أمام باعة الحمام .. قلت لنفسي: هذا هو صيدي.. هذا هو صيدك اليوم يا عليش.. ولم أبرح المكان حتى تعرفت عليك.
سلام : إن معرفتك يا سيدي تزيدني شرفاً.. أنت رجل حلـو العشرة مملوء خبرة.. وأنا شخص يهوى الاستماع.. أنا أحب أن يتكلم الآخرون وأنا أصمت.. أنا رجل قائم على الصمت.. على النسيان.. كل ما أرى في هذا العالم يزعجني.. لا أكاد أرى حقيقة ثابتة أبداً.. كل شيء يتغير.. الناس تتغير.. الحقائق تتبدل.. كل ما نعرفه على أساس أنه حقيقة صار شذرات.. لا شيء ثابت إلا هذه الأرض التي تدور وتستمر وكأنها آلة ثابتة تحركها التروس.
عليش : الكون كله ثابت.. هناك مصمم جليل خلف كل شيء.. ليست حياتك نتيجة لصدفة عشوائية أو قدر أو حظ.. بل توجد هناك خطة بارعة.. إن التاريخ هو خطة الله وهو يمسك بخيوطه.. (وقفة) إننا نرتكب أخطاء لكن الله لا يخطئ أبداً.. لا يمكن الله أن يرتكب خطأ.. لأنه هو الله. (وقفة) إن خطة الله لحياتك تشمل كل ما يحدث لك.. بما في ذلك أخطاءك وخطاياك وجروحك وموتك وحياتك والأشخاص الذين تقابلهم في الزمان أو المكان (وقفة) الزمان والمكان.. الكون هو الزمان والمكان.. معايير ثابتة.. وقيم غير قابلة للتغيير.. ولكن الحصيف يغير كل شيء.. الشخص الذكي يشكل العالم على هواه.. الشخص الذكي يُغير حتى بعد مرور المئات والمئات من السنين. (صمت) أعرف شخصاً جاء بعد خمسمائة عام.. واستطاع بحنكته وحصافته أن يعدل التاريخ.
سلام : بعد خمسمائة عام؟!
عليش : كان ذلك على شاطئ بحيرة "ليمان"(وقفة) تلك البحيرة التي تتسلل بين جبل تكسوه الخضرة وممر يقصده أغلب السياح الذاهبين إلى هناك.. المهم كان هناك أربعة أشخاص يقفون يتأملون باخرتين قادمتين كل منهما من جهة مضادة ولم تتوقفا حتى حدث اصطدام عظيم مدو.. جاء رجال الشرطة واخذوا الأشخاص الأربعة الواقفين يراقبون المكان كشهود عيان.. وسجلوا كل ما قالوه كلمة كلمة..واحتفظ رجال الشرطة بهذا السجل بعد أن دونوه ووضعوه في لوحة الاستعلامات ليكون شاهداً أمام الكل على سر الاصطدام (وقفة) وجاء ذاك الرجل الذي كلمتك عنه.. جاء من مسافة على بعد عشرة آلاف ميل على الأقل.. ذهب إلى المحكمة وأدلى بأقوال مغايرة تماماً.. قال: إن لديه براهين ملموسة (وقفة) قال: إن شخصاً ظهر له في حلم وقدم له براهين ثابتة عن هذا الأمر!
سلام : بعد خمسمائة عام .. غريب!
عليش : بل الغريب في الأمر أنه قال: " إنه لم يحدث أي اصطدام
على الإطلاق!"
سلام : آووه .. هل أنت جاد فيما تقول؟!
عليش : بالفعل! قال كذلك بالفعل.
سلام : آه.. إذًا كل الذين ماتوا قبل مجيئه.. ماتوا دون أن يعرفوا الحقيقة.
عليش : أية حقيقة؟!
سلام : حقيقة أنه لم يحدث أي اصطدام على الإطلاق.
عليش : وما أدراك أنه لم يحدث؟
سلام : هذا الرجل .. صاحب الحلم.
عليش : بل ماتوا مستندين على الفكرة التي قالها الشهود الأربعة.. وسجلها المخفر وقضت بها المحكمة.
سلام : ربما وقتها كانت لا تزال هناك بقايا تقبع في قاع البحيرة.
عليش : ربما.. وقد يكون هذا هو السر الذي استندت عليه المحكمة في حكمها وقتها.
سلام : حسناً.. وماذا كان رأي المحكمة بخصوص قصة ذاك الرجل؟
عليش : في الحقيقة أن المحكمة لم تنظر إليه.. لكن الغريب في الأمر أن بعض الحاضرين بهذه الجلسة قد صدقوه.
سلام : وماذا كان مصير ذاك الرجل ذي الحلم؟
عليش : قالوا: " إنه نبي يرى رؤى وأحلاماً ويعرف الحقائق ويكشف زيفها بعد زمن بعيد."
سلام : ولكن اسمح لي أن أسالك: هل حدث اصطدام أم لم يحدث؟
عليش : حدث.. حدث.. كان اصطداماً مدوياً للغاية. ارتفعت النيران على مسافة بعيدة.. رآها كل الجالسين على المقاعد والذين يرقصون في Montreux Casino والذين يقيمون في Eden Palace
سلام : هل رأيت الاصطدام بنفسك؟
عليش : كلا.. ولكني كنت واحداً من الجالسين في المحكمة.. الذين لم يصدقوا هذا الرجل الحالم.
سلام : إنها قصة مثيرة.. ولكن ماذا حدث لذلك الرجل الطيب الآتي بعد خمسمائة عام كي يدلي بشهادته للتاريخ؟
عليش : قرر أن يعيش من أجل أسرته.. تزوج وأنجب أطفالا.. ثم كرس حياته بالكامل يعلمهم كيف يموتون في سبيل هذه الحقيقة المؤكدة: إنه لم يحدث أي اصطدام على الإطلاق.
(صمت)
هل رأيت؟ قلب الحقائق يحتاج إلى موهبة خاصة.. حكمة خاصة لا تكشفها لك كل الأيام.. الأيام (وقفة) هل قرأت " أخبار الأيام" ؟
سلام : أخبار من؟
عليش : " أخبار الأيام".. قصص بني إسرائيل.
سلام : لا.
عليش : حسناً.. قال الله لأحد رجاله ويدعى صموئيل: قم امسح شاول لهم ملكاً.. لأن الشعب قد رفضني .
سلام : يمسحه لمن؟
عليش : للشعب .. لبني إسرائيل.
وجاء صموئيل.. وصب زيتاً كان يحمله في قرن على الرجل وعيّنه ملكاً (يصطاد سمكة) حسناً.. حسناً.. إن أجمل ما في الصيد أن تقبض على تلك السمكة بين يديك وتشعر باهتزازاتها تهز جسدك كله (يضغط على السمكة. يهرسها. يتغير وجهه وهدوؤه ثم يبتسم وقد شعر بالارتياح. سلام يلاحظه في هدوء. يلقي عليش السمكة مرة أخرى في الماء - بعد أن سحقها- ثم ينظر إلى سلام) ثم أخطأ شاول أراد أن يصنع ما رآه صالحاً في عينيه.. أراد أن يتحرر من أفكار الله.. فرفضه الله (وقفة) أنت تعلم أن الثقة بالله مقوم ضروري للخضوع.. وأنك لن تخضع لله ما لم تثق به.. لكن لا يمكنك أن تثق به ما لم تعرفه بصورة أفضل (وقفة) إن الخوف يعيقنا عن الخضوع لكن المحبة الكاملة تطرح الخوف خارجاً. (صمت)
المهم رفض الله شاول.. وأمر الله صموئيل أن يذهب ويمسح لهم ملكاً آخر.. داود بن يسى البيتلحمي... ومُسِح داود (وقفة) هل رأيت؟!... إن لم تخضع لله فانك تخضع للفوضى.. كلما جعلت الله يتولى أمرك.. كلما أصبحت نفسك بحق.. لأنه هو الذي صنعك.. إنه هو الذي صمم كل الأشخاص المختلفين الذين قُصِدوا ليكونوا أنا وأنت.. (وقفة) إن السبب الذي جعل الله يعتبر أيوب وداود صديقيه القريبين هو أنهما كانا يُقدِّران كلمته فوق كل شيء آخر.. وكانا يفكران فيها بصفة مستمرة طوال اليوم (صمت طويل)
سلام : عفواً .. لماذا رفض الله هذا المدعو شاول؟
عليش : لأنه أراد أن يحقق ذاته.. يحققها من خلال فكره هو.. والحق ربما كان صموئيل يدس أنفه في كل شيء.. هل جربت أن يدس الآخرون أنوفهم في حياتك؟
سلام : جربتهم كثيراً .. كثيراً جداً.
عليش : جربت ماذا؟
سلام : جربت أنوف الآخرين.. جربت أنوفهم وأفواههم وأيديهم وأقدامهم.. جربت الآخرين يا سيدي.. جربتهم بحق.
عليش : غريب!
سلام : وما الغريب في هذا ؟
عليش : أنت تفهم الناس بمقياس واحد.. مقياس شخص واحد أساء إليك... ربما أشخاص.. لا تقلق ولكن انظر! (وقفة) أنا عجوز بما فيه الكفاية.. عجوز جداً وكما يقولون قد أكل الدهر عليَّ وشرب.. وصدقني أن الناس أغلبهم طيب (الآن هما في بؤرة المسرح ويواجهان الجمهور بالضبط) لا تحكم على العالم إلا بالقاعدة والقاعدة تقول: إن الله طيب.. طيب جداً.. والعالم على صورة الله كما تقول كل الكتب.. وعلى صورة الرحمن ومثاله آدم خُلق.. ومادام الله طيباً فالعالم طيب.
سلام : يا سيدي أنت رجل طيب.. والله طيب والناس أيضاً بعضهم طيبون.. ولكنني أريد أن أعيش وحدي.. أن أبقى وحدي.. وعندما أقنعتني بفكرة الصيد.. أن آتي واصطاد معك الليلة فهذا ليس معناه أنني قد اختلطت بالعالم.. بل أؤكد لك: إن وجودي مع شخص واحد أو حتى أشخاص يؤكد لي فكرتي أنني وحدي ووحيد وغريب مهما كانت أصوات الآخرين حولي.. وإنني حزين.. حزين إلى الحد القاتل.
عليش : الحزن يترك عمقاً في النفس لا يدركه إلا الفطن (وقفة) سلني أنا.. لقد اختبرت كل شيء.. الحزن والسعادة حالتان تتطلبان الإعلان.. فقط أعلن أيهما.. ثم استحلب ما تعلنه.. قل: أنا أحب الناس (سلام ينظر إليه. تشده صنارته ويصطاد سمكة صغيرة. يحررها من صنارته ثم يلقيها في الماء بينما العجوز لا يزال يكمل كلامه) قل: أنا أحب الناس (وقفة) قل: أنا أحبهم (وقفة) حتى لو لم يحبني أحد.. أنا أحب الناس (وقفة) قل: أنا أحب الناس. (صمت)
إنه لأمر محزن جداً.. أمر يدعو للخجل.. أن يفكر إنسان مثلك بهذا الشكل معناه أن الخليقة قد فسدت بالكامل.. (وقفة) نعم إننا نحيا في عالم ساقط.. لكن في السماء سوف يتم كل شيء بالطريقة الكاملة التي قصدها الله (وقفة) عالم ساقط.. أو ربما وهذا هو الأقرب للصواب: إننا نعيش أزمنتنا الأخيرة.. قال المسيح: "إنه في الأيام الأخيرة تبرد محبة الكثيرين".. وأصدقك القول.. قد صار هذا العالم فاتراً بلا حب.. عالم تبجح.. كامرأة عارية تقف في السوق لتبيع نفسها.
سلام : وما الحل؟
عليش : (يضحك بخبث) الحقيقة قد لا يكون هناك حل.. إلا إذا...
سلام : إلا إذا ماذا؟
عليش : هل تعرف قصة تلك التينة.. التينة الحمقاء.
سلام : من الواضح أنك تعرف العديد من القصص يا سيدي.. هل لي أن أسألك: ماذا كنت تعمل؟
(وقفة)
عليش : ماذا ؟
سلام : أسألك عن العمل يا سيد عليش.. وظيفتك؟
عليش : وظيفتي؟... أليس كذلك؟
سلام : بلى.
عليش : وماذا تعتقد أنت؟ (وقفة) هل تقدر أن تخمن؟
سلام : (دون تفكير) رجل دين.
عليش : (يضحك طويلاً كالمنتصر) أنا عملت في كل الوظائف.. من أدناها إلى مالا تتوقع أن تسمعه.. سافرت إلى بلاد عديدة.. وأستطيع أن أقول لك: إنك لن تقدر أن تجمع خرم إبرة على هذه الخريطة لم تطؤها قدم عليش.
سلام : يقولون:"إن كمال المعرفة لا يمكن الحصول عليه إلا بالسفر."
عليش : (متأملا) المعرفة.... السفر..ما أجملهما من كلمات! (وقفة)
سألتك: إن كنت تعرف قصة التينة الحمقاء.. هل سألتك هذا السؤال؟
سلام : نعم سألتني.
عليش : هل تعرف هذه القصة؟
سلام : نعم .. أعرفها.
عليش : عظيم.. والآن دعني أحكي لك القصة من زاوية أخرى.. تقول القصة: إن صاحبًا لكرم غرس تينة وأحاطها بكل الوسائل.. وضع حولها السياج ونثر حولها الزبل.. ورغم كل تلك المحاولات.. فان التينة لم تثمر.
سلام : وماذا بعد؟
عليش : تركها عاماً بعد عام وأحضر أسمدة عضوية وغير عضوية واستعان بأكبر المختصين في الزراعة.
سلام : ثم؟
عليش : لم تثمر.. هل تعلم ماذا صنع صاحب الكرم مع تلك التينة؟
سلام : لا.
عليش : اجتثها واحرقها في النار (وقفة) هل تعرف لماذا كانت التينة لا تثمر؟
سلام : كانت تينة رديئة .. يابسة الجذور.
عليش : لا.. أبداً .. كان صاحب الكرم يزرع التين في غير أوانه!
كان يريدها أن تثمر تيناً في غير أوان التين!.. هل تصدق هذا الأمر؟!
سلام : إنه أمر غريب بالفعل.
عليش: لقد لعن المسيح تينة يوماً لأنها لم تثمر التين في غير أوانه.. لعنها فيبست في الحال (وقفة) هل تصدق هذا؟!
سلام : سيدي إنه غريب حقاً.
عليش : غريب .. جداً.
سلام : لكنه لم يكن أوان التين!
عليش : عليك أن تكون مستعداً كل الوقت.. أن تكون جاهزاً للموت في أية لحظة.. أولاً بإيمانك؛ أن تؤمن بأن الله أحبك.. وأنه عليك أن تحب أخاك.
سلام : أنا لا أكره أحداً.. ولكني أتحاشى الجميع.. أحب الوحدة.
عليش : وعندما تحب تعلن جاهزيتك للخلود. الحب هو أول السطر في أبدية لا تنتهي.
سلام : إن حديثك يروقني تماماً.. اسمح لي أن أقول لك: إنك كالمعالج النفسي.. لقد استراحت نفسي كثيراً بالحديث معك الليلة.. آه يا ليتني قد قابلتك منذ زمن.
عليش : إن التغيير سهل يا سلام.. فقط بضع كلمات (وقفة) بضع كلمات فيها السحر.. بضع كلمات تتطلب إعلاناً.. وتكرارك هو إعلانك.. تكرارك هو ثوبك وشهادتك ومفتاحك الوحيد للأبدية.
سلام : صدقني أنني قد ارتحت كثيراً الآن.. إن الحديث معك يريح النفس.. نعم وأكرر: إن الحديث معك يريح النفس ويضمد الجراح القديمة.
عليش : والآن لكي تعلن إيمانك يمكنك أن تردد خلفي.
سلام : أعلن ماذا؟
عليش : تعلن أنك سعيد بأن قابلتني اليوم!
سلام : نعم .. أنا كذلك.
عليش : والآن ردد خلفي.
سلام : ماذا أقول؟
عليش : قل: شيكيتا بيكم .. سيف ما سول.
سلام : شيكيتا بيكم .. سيف ما سول .
عليش : مانتو مايم ايريني بوس .
سلام : مانتو مايم ايريني بوس.
عليش : آمين!
سلام : آمين!
عليش : إذًا أنت الآن قد تغيرت! (يقف. يمسك خيط الصنارة بين يديه ويتمشى على العجلة الدوارة خلف سلام ذهاباً وإياباً)
سلام : صحيح!
عليش : صحيح .. هل تشعر بذلك؟
سلام : في الحقيقة ... حسناً, أنا أشعر بذلك.
عليش : قد تغيرت؟
سلام : نعم ... نعم أشعر بذلك.
عليش : تشعر بماذا؟
سلام : أشعر بأنني فد تغيرت.
عليش : قل: أنا سعيد.
سلام : أنا سعيد.
عليش : سعيد جداً.
سلام : سعيد جداً.
عليش : سعيد جداً جداً.
سلام : سعيد جداً جداً.
عليش : والآن وبما أنك سعيد جداً .. ماذا تريد أن تصنع؟
سلام : أنا لا أريد شيئاً .. أريد أن أظل سعيداً هكذا.
عليش : هل أنت حقا سعيد؟
سلام : سعيد جداً.
عليش : جداً جداً؟
سلام : جداً جداً.
عليش : ساتيورم ماكيوراتا شاكيونا.
سلام : ساتيورم ماكيوراتا شاكيونا.
عليش : هاترشيستا ماتسورام ايرونا.
سلام : هاترشيستا ماتسورام ايرونا. ما هذه اللغة؟
عليش : إنها لغة السعادة.
سلام : إنني أمتلئ بالفرح.. أريد أن أطير.. هل أنت ساحر؟
عليش : أبداً .. أبداً.
سلام : لا ..لا .. أنت ساحر.
عليش : إن للسعادة مفاتيح .. وهذا هو المفتاح الأول
سلام : يا إلهي أكاد اجن! بمجرد أنني قلت إنني سعيد.. شعرت بأن جبلاً ثلجياً في داخلي ينهار.
عليش : فقط أن تعلن...
قل: أنا سعيد (يضع حبل الصنارة حول رقبة سلام)
سلام : أنا سعيد.
عليش : سعيد جداً.
سلام : سعيد جداً.
عليش : سعيد جداً جداً.
سلام : سعيد جداً جداً. إنني أمتلئ بالفرح. أريد أن (يشد عليش الحبل على رقبته بقوة. ينتفض سلام وهو ينظر إليه من هول الصدمة. يحمر وجهه ويسوّد ثم يرتمي على ظهره جثة هامدة)
عليش : وهذا هو المفتاح الثاني.. الآن أنت حر.. حر تماماً.
(يزيح الجثة برجله, تسقط ويُسمع صوت ارتطامها بالماء. يعود عليش. يجلس مكانه. يبدأ في اصطياد السمك. يرفع صنارته, يصطاد سمكة صغيرة, يضعها بين كفيه.. يسحقها يكرر: "قل: أنا سعيد" فيُسمع صوت سلام : أنا سعيد.
عليش : سعيد جداً.
صوت سلام: سعيد جداً.
عليش : سعيد جداً جداً.
صوت سلام: سعيد جداً حداً.
عليش : ساتيورم ماكيوراتا شاكيونا.
صوت سلام: ساتيورم ماكيوراتا شاكيونا.
عليش : هاتريشيستا ماتسورام ايرونا.
صوت سلام: هاتريشيستا ماتسورام ايرونا.
يضحك عليش. يقهقه برعب. تختلط ضحكاته المرعبة مع صوت سلام)
صوت سلام: إنني سعيد .. أشعر أن جبلاً ثلجياً في داخلي ينهار
(يختفي عليش في أقصى اليسار – بعد أن أكملت العجلة الدائرية دورتها بالكامل– ويُسمع صوته فقط)
صوت عليش: فقط أعلن.
(وقفة)
صوت عليش: قل: أنا سعيد.
(وقفة)
صوت عليش: سعيد جداً.
(وقفة)
صوت عليش: سعيد جداً جداً.
تطفأ الإضاءة فجأة وتسمع أصوات صرصور الليل, ونقيق الضفادع وصوت حركة ضعيفة لسمكة تضرب الماء الراكد من آن للآخر.
ستار

0 التعليقات:
إرسال تعليق