مونودرما من تأليف
حامد عبد النبي أبو النجا
!شرخ في لوحة فنان – مسرحية يظهر فيها الصراع النفسي من جراء اختلاف الداخل والخارج وعلو درجة الآنا لدى كل شخص فهي تخاطب الوجدان والعقل والحكمة التي يجب علينا أن نتحلى بها .
من الممكن عرضها على خشبة مسرح أو فى قاعة أو فى غرفة حيث أن الديكور والإكسسوار متمثل فى شنطة يحملها الممثل على كتفيه بها أدوات فنان تشكيلي وحامل خشبي بسيط وكرسي صغير
عندما نغضب من ليالينا
ونمزق أنفسنا بأيدينا
لماذا لم ندعو الله ليهدينا
؟
000 المسرح في هدوء تام 000
( يدخل الفنان التشكيلي من الصالة أو من أي مكان آخر حسب رؤية المخرج .. يحمل كل أدواته معه – مخاطبا الجمهور بابتسامة ولطف )
الفنان : السلام عليكم أسمحوا لي أن نقضى معا بعضا من الوقت
عسى أن تكون تلك الدقائق تحمل لنا سعادة وسرور ، أعرفكم بنفسى
أنا فنان تشكيلي ارسم لوحات فنية .. أبيعها مرة وأخرى أهديها ، أسكن صومعتي المتواضعة الصغيرة ، التي هي عالمي الكبير ، وقد أتيت هذه الليلة لأرسم لوحة فنية وأهديها لشخص منكم ، لصاحب النصيب ، وبما أنني سوف أهدي تلك اللوحة لشخص جالس بينكم فأود أن تكون تلك اللوحة نابعة منكم , من أفكاركم انتم ، أنني دائما أرسم ما يجول بخاطري ، أرسم ما يدور بداخلي لكنني اليوم قررت أن ارسم ما بخاطركم أنتم ، ما بداخلكم انتم ، فأنتم الليلة أصحاب تلك اللوحة وأنتم من تقررون الشكل الذي سوف تكون عليه تلك اللوحة ، ولا تنسوا أنها هدية لأحدكم ، إنني أعيش في هذا العالم بين فرشاتي وألواني وقصاصات من الورق والقماش ... كل فترة أرسم عالما جديدا أعيش فيه
( أثناء ذلك الحديث ينتهى الفنان من وضع الحامل الخشبي وتثبيت اللوحة عليه ووضع الكرسى أمام اللوحة )
الفنان : الآن نبدأ – تخيروا معا اللوحة التي سوف أرسمها لكم
( يتجول الفنان بين الجمهور أو يكتفي بمقدمة المسرح ويبدأ الحديث مع أحد المشاهدين )
الفنان : أنت .. ماذا تريد أن ارسم لك في اللوحة ؟
( أحد المشاهدين يطلب رسم منظر له ثم ينتقل الفنان إلى شخص آخر)
الفنان : وأنت ماذا تريد أن ارسم لك ؟
( مشاهد آخر يختار منظر آخر له )
الفنان : أحيانا تضيق بيا الدنيا خاصة وأنا فى صومعتي الصغيرة ، أجلس محتضنا فرشاتي وألواني ، حينها أتخيل أنني أعيش فى قصر الأحلام ، السلملك والحرملك ، والخدم والحشم ، والزهــور والتحف الثمينة ، وأحيانا أجلس على كرسي العرش ، ها هى حياتي ، أتخيل وأرسم وأحلم بما لا أستطيع تحقيقه ، هكذا قناعتي – المهم أن أعيش بعض من الوقت سعيدا فرحا ، أشعر وكأننى أمتلك الدنيا ، لا أحرم نفسى من شىء أتمناه ، خاصة وإن كان هذا الشىء لم يكن فى استطاعتى ، الخيال نعمة والأحلام الجميلة نعمة ، ورضا النفس وقناعتها نعمة كبيرة ،
أحيانا وأنا أحتسى فنجان من القهوة ، أتخيل أننى أقود يختا كبيرا ، أطل منه على منتجعاتى الفسيحة الجميلة ، أشاهد كل أنواع الأشجار والزهور
وعندما أنتهى من رحلتى وأعود ، أجد فنجان القوة أصبح باردا ، فأعاود صنع فنجان جديدا ... بسعادة جديدة ... هكذا دنياى التى أعشقها
( يتجه الفنان إلى شخص آخر )
الفنان : وأنت ماذا تريد أن أرسم لك فى اللوحة ؟
( يختار المشاهد منظرا أخر له )
الفنان : ( بضيق ) صعب علينا أن نختار خاصة إذا توفرت لنا حرية الاختيار لكننا لا بد وأن نختار – لابد وأن ندرب داخلنا على الاختيار ، أنا شخصيا من أنصار الاختيار ، لكن المشكلة تكمن في ماذا نختار وكيفية الاختيار ومتى نختار ؟
( ثم ينتقل إلى شخص ثالث )
الفنان : وأنت ماذا تريد ؟
( شخص آخر يختار منظر آخر )
الفنان : ( بتوتر ) الإنسان منا عليه أن يكون مسير وله أن يكون مخير ، أنتم مثلا مصرح لكم الاختيار أما أنا مسير لما تختارونه أنتم ، هذه اللحظة تمنيت لو أنني مثلكم مخير ، لكنى قد حكمت على نفسي أن أرسم لوحة من اختياركم ، وهكذا وضعت نفسي بنفسي تحت طائلة التسيير وليس التخيير ... آآآآآآه
( ثم ينتقل إلى شخص آخر ، ويستمر الفنان في سؤاله للمشاهدين حتى يحصل على عدة اختيارات . مما يصعب عليه تنفيذ متطلباتهم في لوحة واحدة فيظهر عليه حالة من ضيق النفس والكئابة والاشمئزاز للاختيارات المتضاربة المختلفة – أثناء ذلك يخرج الفنان أدواته )
الفنان : أحيانا ندور حول ما نبحث عنه ولا نراه – وربما نبحث عنه بين أيدينا ، ولكننا لا نشعر به ، دائما ما يبحث الإنسان عن نفسه في داخلة أو فى خارجة ، إذن أنا ابحث عن نفسي عندكم – وانتم تبحثون عن أنفسكم في أللوحه – إذن كلنا نبحث عن بعضنا عند بعضنا - فلنبدأ معا في البحث
( يبدأ الفنان فى تذكر أول منظر طُُلب منه ويرسمه ثم ينظر للجمهور ليتذكر المنظر الثانى ويرسمه فوق المنظر الأول ، ويكرر هذا الفعل حتى ينتهي من اللوحة ورسم كل المناظر التى طلبها منه الجمهور ولكن كل المناظر فوق بعضها ، فلم يعد باللوحة منظرا واحدا له ملامح أو دلالات فتتوه معالم اللوحة ، ينظر إليها تارة ثم إلى الجمهور تارة أخرى وهو يحدث نفسه فى اشمئزاز وتشاءم وضيق نفس )
الفنان : ما هذا ؟ أى شكل هذا ؟ إنني في حيرة من أمري ، اطلب أن أرسم لوحة واحدة وأهديها لشخص واحد فيطلبون كل تلك المناظر فى لوحة واحد ، كيف لى أن أرسم كل تلك المناظر التى طُلبت منى فى لوحة واحدة ، إنني في مأزق لا أدرى كيف الخروج منه ؟ لماذا تشابكت الخطوط ؟ وتاهت النقاط ؟ واختلت الواني عن مصداقيتها ؟ كيف أصبحت عاجزا أمام لوحاتي ؟ لا - إنها ليست لوحاتي ، ولكننى رسمتها ، رسمتها إرضاءً لهم ، كيف لي أن أرضى كل هؤلاء في لوحة واحدة ؟ إنها لوحة صراعهم ، تصاعوا فيما بينهم ليفوز كل منهم بلوحة خاصة له
مع إنى صرحت لهم بأننى سوف أرسم لوحة واحدة لشخص واحد منهم
نعم إنها لوحة صراع البشر – صراع النفوس
( يبدأ الإعياء على الفنان ولم يعد متوازن الحركة ثم نسمع وقع أقدام كثيرة مع مؤثرات صوتية إضافة إلى الإضاءة التى تصاحب حالة الفنان)
الفنان : ( بخوف شديد ) لا لا إنها ليست لوحاتى ، ليست لوحاتى
( تارة نرى الفنان لا يقوى على الوقوف وتارة نراه يتقوقع وتارة نراه ينكمش بين ضلوعه وتارة يزحف أرضا ، وكأن هناك من يتبعه ويهدده ويريد الانتقام منه فيتخيل أن الألوان والنقاط والخطوط أشباح تخرج من اللوحة وهى متضررة وتريد النيل منه ، فيخاطبهم من خلال اللوحة وخارجها - ويحاول أن يدافع عن نفسه ببعض الكلمات الموجهة للوحة وللألوان والخطوط والنقاط وأيضا الجمهور ، ونرى المشهد كله ككابوس ومن الممكن أن نسمع أصوات شهيق وزفير متصاعدة تخدم الحالة .. مع إضاء خاصة ملونة )
الفنان : من أنتم ؟ ( ينظر بدقة ) الواني – ماذا حل بكم ؟ لماذا أنتم ناقمون ؟ منى أتنتقمون ، لم اقصد أن أؤذيكم ، صدقوني صدقوني لم اقصد أرجوكم تمهلوا ، أنا أحبكم ، أنتم أصدقاء عمري ، أشفق عليكم ، نعم أشفق عليكم ، ما أنتم إلا بعضا من الألوان والنقاط والخطوط ، تسجنون داخل برواز من الخشب ، ترون الدنيا من خلف لوح من الزجاج .. ثم تعلقون على جدار أصم .. أو ربما تهملون في مخزن الزمن القديم ، أنا فنان والفن مدرسة للناس ، وأنتم جزء من هذا الفن ..فلتستغلوا تلك الحرية المؤقتة قبل أن تباعوا في مزاد للتحف والانتيكات ( وكأنه يجاوب بحسرة ) نعم نعم ونحن أيضا نباع ، ولنا أسواقنا التى نباع فيها ، ( للجمهور ) من الصعب أن تجد أنسانا يبحث عن نفسه دون جدوى ، أنه الضياع ، ضياع النفس والذات ... عندما نفقد ما أهملناه في حياتنا ، لا نعلم متى سنستعيده ، ولا نعلم إذا كان فى استطاعتنا استعادته أم لا ، نحن فى حاجة إلى الحب ، فى حاجة إلى الوفاء ، إلى الحنان والإخلاص ، لابد أن نشعر أننا نعيش فى وجدان الآخرين ، لم أرتكب جرم ، ليس لى ذنب ، ( مباشر للجمهور ) أنتم المذنبون ، طلبت أن ارسم لوحة وأهديها لشخص منكم ، على أن تكون اللوحة من اختياركم ، لكنكم فشلتم فى الاختيار ، واختلفتم فيما بينكم وتصارعتم في اختياراتكم..وكل منكم أراد أن يظهر ذاته الآنوية ،.فطلب كل منكم لوحة لنفسة ، وأنا لا أستطيع أن أرسم سوى لوحة واحدة لرؤية واحدة ، تشابكت أرائكم فاختلفتم ، وتشتتت وجهتكم فتفرقتم ، وتاهت هويتكم ، فتصارعتم وكان ضعفكم فى اختياراتكم ، وأردت أن أرضى الجميع .. فرسمت كل ما طلبتموه منى حتى أرضيكم - فتشابكت الخطوط - وتاهت النقاط - وتصارعت الألوان ، وكانت تلك اللوحة المعقدة – أنتم من كان سببا فيها أنتم المذنبون ، أنتم من جعلتموني ألهث خلف وسوساتكم فكانت تلك اللوحة الغريبة المشبٌحة التى ليس لها ملامح .. أسمحوا لى
( يبدأ فى تجميع أدواته كما دخل عليها سابقا ثم يخرج مرآه من الشنطة يوجهها للجمهور بحيث أن الجمهور يرى صورته من خلال المرآة ويحاكى الجمهور من خلالها )
الفنان : أنظروا – أنظروا جيدا ، ماذا تشاهدون ؟ تشاهدون داخلكم ، تشاهدون خلافكم ، صراعكم ، ضعفكم ، تشاهدون الأبيض أم الأسود ، أنظروا – أنظروا - ستشاهدون ما لم تستطيعوا أن تشاهدوه خارج إطار تلك المرآة ، ستطفو الآنا ، وينعم الحقد بيننا ، وسيبقى الهلس طالما اتفقنا على ألا نتفق
( يضع الفنان المرآة داخل الشنطة ثم يرفع اللوحة من على الحامل ويمسكها بيده ثم ينظر إلى الجمهور فى حسرة وألم )
الفنان : عذرا أيها السادة .. إنني لم استطع أن أفي بكلامي معكم وأهدي أحد منكم لوحتي ، سوف أذهب أبحث فى مكان آخر على أ ُناس آخرون ربما يتفقون
( يبدأ الفنان التشكيلي في التحرك ثم ينظر إلى الجمهور في حالة من اليأس ، ثم إلى المسرح - ثم يلقى الفنان اللوحة على خشبة المسرح ينظر إلى السماء رافعا يداه للدعاء بطريقة يجعل الجمهور يردد خلفة ) آمين
الفنان : اللهم اهدنا فيمن هديت
وعافنا فيمن عافيت
وتولنا برحمتك فيمن توليت
وبارك لنا فيما أعطيت
( ثم ينظر إلى الجمهور )
السلام عليكم
( يخرج )
" تمت بحمد الله "
شرخ في لوحة فنان
مونودرما من تأليف
حامد عبد النبي أبو النجا
مصر
بلبيس شرقية - منشية أبو النجا
0107315834
العمل مسجل وموثق

0 التعليقات:
إرسال تعليق