تأليف : فاطمة المزروعي
الفصل الأول
المشهد الأول
- المسرح في ظلمة شديدة , يفوح البخور من المسرح , أصوات وهمهمات غير واضحة , وأصوات قرع طبول , ويضاء نور المسرح تدريجياً , ويكشف عن أربع رجال أحدهم كبير وملتحٍ وامرأتان يدورون بشكل دائري ، ويهزون أجسادهم رؤوسهم واثنان منهم يقرعان الطبل , وسط الدائرة , تظهر فتاه شابة " حصة " ممتلئة الجسم ممدة على الأرض ، وتنظر إليهم برعب , وفي زاوية المسرح نرى امرأتين إحداهما "أم حصة" تبكي , والأخرى "نويرة" صديقتها تحاول أن تهدئها .
-"نويرة " (بحزن) :
"أم حصة" كلها كم يوم ؟ وصدقيني ترجع "حصة " أحسن عن الأول ؟
- "أم حصة " (وصوتها غارق بالحزن):
ضاعت "حصة " ضاعت بنتي "حصة" من زمان، ومستحيل إنها ترجع نفس أيام زمان
- نسمع صوت نحيبها ، بينما "نويرة" تحضنها :
" توكلي على ربنا، وشيخ الجان يطلع السحر الذي فيها "
-"أم حصة" يزداد بكاؤها:
" هذا السحر ما في شيء يفكه، حتى الجن الأزرق ما يقدر عليه"
-"نويرة" بذعر وعيونها تلتفت إلى جماعة السَحَرة الذين وقفوا في المسرح ، يتطلعون إلى جسد "حصة" الُمسجَّى أمامهم :
" لا تقولين هذا الكلام، إنك تغضبين كبير السَحَرة "
يشدد قرع الطبول, وتشدد حركات الرجال والنساء وتعلو صرخاتهم.
- "أم حصة":
جميع السحرة لم يستطيعوا علاجها منذ سنين .
-"نويرة" لهجة نصح :
"اصبري يا امرأة، ربما يأتي الفرج قريباً "
- "أم حصة " بقهر:
"صبرت ، عشر سنوات يا نويرة ، كانت هذه البنت نفس الوردة في حديقة بيتنا ، نرعاها أنا ووالدها ، ونهتم بها ،كنت أحلم فيها عروس تزف لبيت زوجها، وآخذ أطفالها لحضني وأضمهم لصدري "
- "نويرة" بصبر يكاد ينفد :
" لم ينتهِ الوقت يا أختي، لا يزال هناك وقت، والبنت صغيرة، سوف تشفى وتتزوج، وتأخذين أطفالها بين حضنك بإذن الله ".
-تقف "أم حصة" تقترب من ابنتها ، و"نويرة" تصرخ فيها :
"انتظري يا "أم حصة" انتظري، أنت تخربين جلسات علاج ابنتك، هؤلاء يعرفون طريقة عملهم في معالجتها ".
- تدخل "أم حصة" الدائرة تقترب تجلس بجانب ابنتها، تتحدث بصوت فيه الكثير من اللوعة، تشير إلى جسد ابنتها:
" انظري إلى ابنتي، إنها تموت، ولم يفعل بها هؤلاء السَحَرة أيَّ شيء ؟!
يتوقف قرع الطبول ، ويتوقف الجميع عن حركاتهم ، و يصرخ الرجل الملتحي في "أم حصة" غاضباً:
"أيتها المرأة، هل تشككين بقدرة الجان على شفاء ابنتك، إنك تغضبين الأسياد؟
- تتجه أم حصة نحو قدم الرجل الملتحي, وتبدو كأنها تتوسل، وهو ينظر إليها بغضب شديد.
-" أم حصة":
" أرجوك يا سيدي، سأفعل كل ما تريده، اشفي ابنتي، إنني أعتذر للأسياد، لم أقصد الحديث بأي سوء "
- يتراجع الرجل الملتحي إلى الخلف, ويرفع يده عالياً ويصيح بصوت جهوريّ:
" العلاج بيدي، ابنتك فيها عفريت، وهذا العفريت يعشقها ويريد الزواج بها ، ولن يخرج منها بهذه السهولة"
- تصيح "أم حصة " من هول حديث الرجل:
"ابنتي المسكينة آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه ، ابنتي "
- "نويرة " تقترب من "أم حصة" تحاول أن تنتشلها من مكانها، وتساعدها على الوقوف , تقول للرجل :
"يا سيدنا، سامحها على كلامها، لم تقصد الإساءة إلى الأسياد، إنها تفكر في ابنتها المسكينة ".
- تتغير لهجة الرجل :
" المال الذي أخذتُه منكم لا يكفيني، والأسياد لن يفعلوا شيئاً لمساعدة "حصة" إن لم تدفعوا لي المزيد "
-"نويرة" وهي ترتجف :
" اطلب ما تشاء ، سوف نفعل كل شيء من أجلها "
- يصمت ثم يعود للحديث، وعيناه مصوَّبتان نحو"أم حصة":
" أريد خلخال فضة، وقلب عقيق حر وإلا لن تشفى ابنتك أبداً "
"نويرة" تحضن "أم حصة" في وسط المسرح ، بينما شيخ الزار يواصل طقوسه حول جسد "حصة" المسجى على الأرض وتتصاعد الأبخرة والدخان ، يرتفع صوت قرع الطبول ، وضرب الدفوف مع تمايل أجساد النساء والرجال،ويعود المسرح إلى الظلام الشديد ويرتفع صوت خلخلة الفضة.
يسدل الستار
المشهد الثاني
- تفتح الستارة على غرفة متواضعة لبيت قديم ، "أم حصة" جالسة أمام "الكرخانة" وهي ماكينة الخياطة تخيط ثوباً ، بينما ابنتها "حصة" جالسة غير بعيد عنها ، تهزُ المنز وهو سرير الطفل ، وداخل السرير دمية قماش ..
- يدخل "سالم" أخو حصة , شاب اسمر نحيل الجسد ، حاملا في يديه سلة من الخوص ، يضعها بجانبه وهو يجلس بجوار والدته .
- "أم حصة" دون أن ترفع رأسها عن "الكرخانة":
" كالعادة، جئت خاوي اليدين، أليس كذلك ؟
-"سالم" ودون أن يرفع بصره:
" البحر يعاندني يا أمي هذه الأيام، لا أعلم لم هذا الحظ السيئ؟
- "أم حصة" محاولة أن تخفي حزنها:
" والله انك شخص ليس له فائدة، حتى انك ما فكرت في أختك "
-"سالم" ينظر إلى أخته بأسى:
" أنت السبب يا أمي فيما يحدث لشقيقتي، تصدقين كلام الحريم، وترسلين بها إلى المشعوذين والدجالين "
- "أم حصة" لا ترفع رأسها عن الكر خانة:
" هل تريدني أن أتركها تضيع أمامي ؟
-"سالم" ببطء:
" هناك خارج قريتنا أطباء "دختر" يستطيعون مساعدتها. البنت ليس فيها علة ، إنها سليمة "
-"أم حصة" تصرخ فيه:
" هؤلاء رجال يفهمون في كل شيء "
- يقاطعها "سالم" :
" لا يفهمون شيئاً ، كلهم نصَّابين يريدون أموالك ، انظري لصحتك كيف ضاعت خلف تلك الكرخانة اللعينة؟
-"أم حصة" تمسك القطعة بيدها وتلوح بها في وجه "سالم":
" هذه الكر خانة عيشتك أنتَ وأختَك، لولاها لكنتَ متَ من الجوع"
- تصمت بينما يرتفع صوت "حصة " وهي تهدهد دميتها الصغيرة، وتضعها على قدمها..
- "سالم "(في أسى):
" إنها تشبه الأطفال في كل شيء "
-"أم حصة" وعيناها لا تفارقان ابنتها:
" إنها طفلة، رغم أن جسدها يشبه جسد النساء في كل شيء، إلا أن عقلها لا يزال في طفولة "
- "سالم" وهو يقترب من شقيقته :" لا بد من طريقة لعلاج تختلف عن تلك الطريقة البُدائية التي تستخدمينها ، ما رأيك لو نعرضها للداية "نعيمة"؟ ربما تعرف طريقة لعلاجها "
- عند ذكر اسم الداية "نعيمة" صاحت "أم حصة" بعصبية وهي تكاد تنفجر في وجه ابنها :
"أية داية ؟ تقصد تلك الداية الملعونة وابنتها ؟ إنهما لعنة على هذه القرية "؟
- يقف "سالم" وقد بدا التأثر على وجهه أثر حديث والدته:
"أرجوكِ يا أمي، لا تتحدثي عن الأم وابنتها بهذه الطريقة، أنت تعلمين بأنها حرمة كبيرة في السِنِّ، وابنتها على قدر كبير من التقدير والأخلاق "
- تلوح "أم حصة" بيديها في وجه ابنها:
"لا أعلم شيئاً ، منذ جاءت تلك المرأة وابنتها إلى قريتنا ، والشؤم يلاحقنا ، وأنت تؤيدها في كل شيء ؟
- "سالم" يقترب من والدته:
" يا أمي، اتَّقي ربنا في الحرمة، هي لم تفعل لك شيئا، وابنتها "جميلة "فتاة متعلمة إنها تعرف كلًّ شيء "
- تذهب "أم حصة" إلى ابنتها وتساعدها على النهوض، وتلتفت إلى ولدها مُحَذّرة بأصبعها :
"اسمعني جيداً يا "سالم"أنت لستَ طفلا صغيراً، ولكنني أحذرك من غضبي، ابتعد عن البنت، لن تتزوجها ولو على جثتي ". وتقول ذلك وتخرج وتغادر خشبة المسرح .
- يصمت، وعيناه لا تفارقان والدته وأخته وهما تغادران الغرفة , ثم فجأة يصيح وكأنه يبكي : أنتِ السبب يا أمي بما عليه أختي ، ثم تضعين اللوم على الآخرين , كان عليك أنت وأبي الله يرحمه , أن تذهبي بحصة إلى الطبيب ليعالجها عندما رَمَتْ عليها جارتُنا "خالدة" حجراً كبيراً وأصابت رأسها الصغير , لكنكم فضلتُم بقاءها في البيت حتى ورم الجرح وأصابها الجنون . آآآآآآآآآآآآآآآآآه .
ويجلس سالم على ركبتيه ويبكي.
يسدل الستار
المشهد الثالث
تفتح الستارة ، على غرفه واسعة ومرتبة , تدخل نعيمة " الداية" وتتبعها مباشرة ابنتها "جميلة" وبيدها صحن فيه فنجانين، ويجلسان في كرسي كبير . تضع جميلة فنجان القهوة أمام أمها.
ـ جميلة :
-"أمي " يجب أن تساعدي "حصة" البنت المسكينة، إنها تضيع بسبب جهل أمها "
- الأم تشرب رشفة من الفنجان، ثم تتحدث بعمق:
" أمها لا تسمع الكلام، لقد حاولتُ معها كثيراً، ولكنها ترفض الحديث معي، أو حتى مقابلتي "
- تمسك "جميلة" يد أمها:
"يا أمي إن شيخ الزار يضحك عليها ، ويسرق أموالها القليلة، إنه دجَّال وقد شوَّه سمعتَك في القرية، ولا يريد منا البقاء"
- الأم:
" أهالي القرية باتوا يكرهوننا ولا يريدون منا البقاء، إن وجودنا هنا هو خطر علينا"
- "جميلة" بقَلق:
"لا تفكري يا أمي بالرحيل، لن أرحل من هنا، إنها قريتنا، ولن أتركها حتى الموت "
- الأم:
" لن يتركونا يا ابنتي، لقد أرسلوا أحدَ رجالهم ، وأحرق دكاننا الذي نعتمد عليه في رزقنا، والله لولا عملي في ولادة النساء لكنا متنا من الجوع "
- "جميلة " (بصوت فيه الكثير من التحدي ):
"لن أتركهم يفعلون بنا ما يريدونه يا أمي، أنت تقومين بإسداء النصح لنساء القرية حتى يبتعدوا عن ذلك الدجال، إنه يخشاكِ لأنكِ تضرّين تجارتَه، نحن لن نذهب إلى أي مكان ! هذه أرضنا !!
- الأم وهي تبكي:
" كلا يا ابنتي بلادنا بعيدة جداً ، لقد جئنا إلى هنا منذ عشرين عاماً ، كنتِ لا تزالين طفلة في المهد ، والدك طلب منا ترك قريتنا بعد أن أصابها الجفاف ، عشنا في هذه القرية وكأنها قريتنا ، كان والدك يعمل في الصيد ،ويعرف كل أمور الطب التقليدي، يعرف الأمراض وعللها وطريقة علاجها وشفائها بإذن الله ، يستخدم الأعشاب ويشفي الناس بقدرة الله سبحانه وتعالى ، ولكن المشكلة تكمن في عقول الناس الذين كانوا يعتقدون انه ساحر ، يستعين بالجن في أداء عمله ، وكان ذلك الرجل الملتحي الدجال أشاع أن والدك عبد للسحرة والعفاريت , وأن السحرة كانوا يساعدونه في البحر وصيد الأسماك وفي العلاج ،وصدّقه أغلبية أهالي القرية ، لقد وقفوا ضد والدك ، ومنعوه من مزاولة عمله ، حتى مرض ومات ، إنهم يعترضون طريقي و يستخدمون أساليب تعتمد كلها على الشعوذة والدجل "
- "جميلة ":
" لهذا يا أمي لن نقف صامتين ، سوف يقتلون "حصة " المسكينة ، سوف أذهب إلى والدتها وأخبرها بأن العلاج لدي ، "حصة لابد وأن تخرج من هذه الدوامة التي سقطت فيها بسبب جهل أمها وحتى أخيها "سالم " الذي لم يعرْها أيَّ اهتمام وكأن الأمر لا يعنِيِه "
- الأم تبدو وكأنها انتبهت لحديث ابنتها:
"اسمعي جيداً، أنتِ بنت على درجة من الأخلاق، ولا أريد أن يتحدث الناس عنك بسوءٍ، لأن هذا الأمر يصيبني بالضيق وأخشى أن أموت قبل أواني "
- تقاطعها "جميلة " وهي تحضنها:
" لا تتحدثي بهذا الطريقة يا أمي، أرجوكِ ليس لدي في الدنيا سواك وسوف أرفع رأسك دوماً "
- ترفع الأم أصبعاً محذّرة في وجه ابنتها :
" قدوم "سالم " المتكرر إلى منزلنا أمر ليس بالهين، إذا أراد الزواج بك، فليتقدم لخطبتك، هل تسمعين ؟ سكان القرية لن يرحموكم، سوف تسري النار في الهشيم! إذا جاء سوف أخبره بهذا الأمر، ولن أدَعَه يأتي إلى المنزل حتى في وجودي يا ابنتي "
- تشعر "جميلة " بالقلق، تنظر إلى أمها، تتحدث في توتر:
"ولكن يا أماه، "سالم" ليس الذنب ذنبه، إنها والدته ترفض فكرة زواجنا، إنها لا تريدني زوجة لابنها، متعللة بأمور غريبة، إنها تسمع حديث أهل القرية عني وتصدق كلَّ الشائعات يا أمي "
- الأم وقد كستْ ملامح القلق وجهَها:
" يا ابنتي! الصبر، كل شيء سوف يتغير، صدقيني "
- صوت طرْقات على الباب توقظها من حزنها ، تُسارع إلى فتح الباب قليلا رغم تحذيرات أمها ، تفتح الباب ، يدخل "سالم" بثوبه الأبيض "كندورته" وغترته غير المرتبة .
-"سالم":
"مرحباً "جميلة " كيف حالك ؟
- يتهلل وجه "جميلة" فرحاً، حتى تكاد أن تطير من السعادة:
" مرحبا "سالم" تفضَّل كنا ننتظرك "
-يدخل "سالم" ويحاول أن يقّبل يد الداية "نعيمة" لكنها تسحبها، فيقبل رأسها ..
- "سالم":
"سامحيني يا عمتي لأني جئت في وقت غير مناسب "
- "نعيمة" :
" مرحبا بك يا بنيّ، تفضل والله الدارُ دارُك "
- يجلس"سالم " وتجلس الأم بعيداً عنه قليلاً، وبجوارها "جميلة "، "سالم" بقلق:
"والله يا عمتي، محتاج إلى مساعدتك في موضوع مهم "
- الأم وقد ارتسم القلق على محياها :
"تفضًل يا بني ، إن شاء الله والدتك بخير و"حصة " ؟
- يحرك "سالم" رأسه ويقول:
" أمس الوالدة كانت عند هذا الدجال، يمارس طقوسه على جسد حصة، حاولتُ منعها، ولكنني لم أستطيع إقناعها، لا أعلم ماذا أفعل ؟ البنت فقدت عقلها من زمااان تحتاج لطبيب، وأمي جاهلة تضيع كل جهدها وأموالها وتعبها وسهرها في الليالي على حياكة الملابس لتعطي تلك الدرهيمات إلى ذلك الدجال الحقير " ولم يفعل شيئا بالعكس أصبحت حصة لا تنام ، وتجلس في الليل سهرانة ومرعوبة وكأنها ترى أمامها شبحاً .
- تنصت "جميلة" وأمها بكل اهتمام ، ثم تتحدث نعيمة:
" لقد أقنعتُها يا بنيَّ مراراً وتكراراً ، والدتك ترفض حتى مجرد دخولي المنزل ، وقد أرسلت لها "أم حسان " حتى تخبرها ، ولكنها أسمعت الحرمة كلاماً الواحد منا يخجل من الحديث به ، لم أفعل هذا الشيء إلا لمصلحة البنت ، إنها تذوي دون أن نساعدها "
- " جميلة " وهي تفكر:
" لمَ لا تخبر الشرطة ؟"
- "سالم":
أية شرطة يا "جميلة "؟ الشرطة بعيدة عنا، وحتى لو وصلتُ إلى المدينة لأخبرهم ؟ ماذا سوف يفعلون الدَّجالون منتشرون في كل مكان! والعتب على الذي يتعامل معهم ويثق بهم ، ويجعل روحه بين أيديهم "
ـ "نعيمة" :
" إنها "نويرة " تلك العجوز الشمطاء ،إنها سيدة شريرة ، وطماعة ، ذلك الدجال يستخدمها للإيقاع بضحاياه والتغرير بهم ، ولأن والدتك إنسانة غير متعلمة ، فهي سوف تظل تحت جناح "نويرة " إلى إن يموت هذا الدجال ، ولكن لا بد من طريقة "
-تصمت الأم، ثم توجه كلامها إلى ابنتها "جميلة":
" عزيزتي، أريد منك الذهاب لإعداد كوب من الشاي ل"سالم"
لا تعترض ،"جميلة " تشعر بالقلق، لا بد وان والدتها تريد أن تخبره بذلك الأمر الذي ناقشته معها قبل حضور سالم، تذهب ببطء وعيناها لا تفارقان عيني "سالم " المملئتين بالأسئلة..
ـ الأم وهي في مواجهة وجه "سالم":
اسمعني جيدا يا بني، الشائعات تسري في القرية كالنار في الهشيم ، ولا أريد أن أخسر ابنتي، إنْ لم توافق والدتك على موضوع زواجك من "جميلة " فاعتبر الموضوع قد انتهى "
ـ "سالم":
" ولكن يا عمتي تعرفين ظروفي ! أنتِ إنسانة متفهمة ، ومختلفة عن جميع النساء في قريتنا ، وتعلمين بأنني أريد "جميلة" كزوجة وأم لأطفالي في المستقبل ، ولكن من يقَّنع أمي ؟ لقد حاولتُ معها "
صمتَ قليلا وكأنه يفكر ، ثم قال:" سوف أضع أمي في الأمر الواقع "
ـ الأم وفي صوتها نبرة قلق:" كيف ؟
"سالم " بحزم"سوف أتزوج "جميلة " سأتزوجها "
تدخل "جميلة" حاملة الصينية وعليها الدلة مع مجموعة من أكواب الشاي ، تسمع العبارة الأخيرة فتتسمَّر في مكانها دون حركة ، بينما الأم تظل تتطلع إلى "سالم" بنظرة قلق ، وهي تنظر في عينيه نظرة تحد لم يسبق وأن رأتها فيهما ..
تسدل الستارة
الفصل الثاني
المشهد الأول
تفتح الستارة على شارع قديم ,وعدد من الناس ذاهبون وراجعون ، نجد مجموعة من الدكاكين على جانبي الشارع ،أحدهم يبيع الأواني والقدور ، والآخر الفواكه والخضروات ، ودكان آخر يقف فيه صبي يبيع الحلوى ..
-تدخل "حصة" بجسمها الممتلئ ، وضفيرتها الطويلة ، وشيلتها الموضوعة على كتفها ، تقف أمام دكان الحلويات في بلاهة ، وقد غطت ملابسها الأتربة والغبار ..
- أحد البائعين يلكز صديقه بمرفقه ويقول :
" انظر إلى هناك "
- ينظران الاثنان إلى "حصة " التي تقف بباب الدكان تتأمل علب الحلويات المنوعة ، ولعابها يسيل من شفتيها ..
- يرد عليه البائع الآخر في هدوء :
" إنها فتاة مسكينة، لا أعرف لم والدتها تتركها هكذا في الطريق ؟ ألا تخشى عليها أن يغتصبها أحد "
- البائع الأول:
" وأخوها أين هو ؟ ألا ترى إنه لا يعرف سوى التسكع في بيوت النساء ، كل يوم لا يعرف سوى بيت الداية "نعيمة" يسهر معهم حتى الفجر ، ولا تعرف ما يحدث هناك في منزلهم ؟
- البائع الثاني:
" لا أحد يعلم الغيب يا رجل، لا تتحدث عن الناس في غيبتهم بهذه الطريقة "
- يدخل بائع ثالث بينهم يكمل الحديث :" لقد رأيته ليلة البارحة وهو يدخل بيت الداية ، إنهم يمارسون الفحش على مرأى من الجميع ، ونحن نكتفي بالصمت "
- البائع الأول: "لا بد وأن نفعل شيئا حيال هذا الأمر، إنه لأمر مخجل أن لا نستطيع أن نحافظ على أعراضنا، وهذه العربيدة الساقطة وابنتها يحولون منزلهم إلى منزل للهوى والبائعات ".
- البائع الثاني ، وهو يبتعد عنهم عائدا إلى دكانه :
" لا أحب الحديث عن أعراض الآخرين ، ولا أعلم سبب وجود الشاب في منزل الداية ؟ ربما هناك أمر ما ، ربما يخص الموضوع تلك المسكينة "حصة"
- البائع الأول:
" من المستحيل أن أصدق ما تقوله، لن أجد لهم أي عذر، وسوف أعرض الموضوع على قاضي القرية، يجب أن نفعل شيئا حيال هذا الأمر "
- يعلو صوت "حصة ":
- أريد مصاص وشعر بنات و....................."
- تصمت ثم تقترب من علب الحلويات الموضوعة على طاولة أمام باب الدكان ، وتعبث بها بطريقة طفولية ، الصبي يصرخ فيها وهو يجمع حلوياته :
"ابتعدي من هنا أيتها المجنونة ، أنت تخربين كل شيء ، ابتعدي"
- تصرخ " حصة " وتطلق أصوات عالية كالأطفال وتضرب الأرض بقدمها:
"أريد الحلاوة، أريد شعر البنات كلها لي، أعطني إياها وإلا سوف أخبر أمي "
- لا يأبه الصبي البائع لمطلبها ، وهو يحاول أن يبعدها موليا ظهره لها ، في هذا الوقت يدخل عدد من الأطفال الذي يريدون شراء بعض الحلوى ، فتستغل "حصة" تجمعهم ، تدخل يدها الكبيرة لأحد العلب ، وتأخذ مجموعة من المصاصات ، وتولي هاربة ، البائع الصبي يصرخ :
"يا بنت الكلب، سوف أخبر أمك عنك "
- تتعالى أصوات الشتائم من فم البائع، بينما "حصة " تركض وتصل إلى حافة المسرح وتقف خائفة، والأولاد يصرخون:
" الدبة طاحت في البير ، وصاحبها واحد خنزير "
-"حصة" تغطي وجهها بيديها، وهي تبكي، والبائعون متسمرون ينظرون إليها وهي تصرخ بجنون:
"ابتعدوا عني، ابتعدوا، أمي ساعديني "
- الأولاد في صوت واحد :
" المجنونة حصة، المجنونة حصة "
ويلتفون حولها وهي تحاول أن تدفعهم بعيدا عنها.
- ثم تدخل امرأة المسرح مرتدية عباءة ومغطية وجهها، تدفع الأطفال بعيدا عن حصة وهي تصرخ فيهم:
: اتركوها أيها الشياطين، اتركوا المسكينة، لم تفعل لكم شيئا "
- تزيح الأطفال عنها، بينما نجدها واقفة في منتصف المسرح، والأطفال يتسمروا أمامها، وحتى الباعة مفاجئين بخروجها
- أحدهم يصرخ :" إنها الزانية ابنة القوادة "نعيمة" إنها تستحق القتل "
- صوت آخر يرتفع:" إنها تستحق الرجم "
- من بعيد صوت جهوري يحمل الكثير من الانتقام:" والقتل "
- "جميلة" تساعد "حصة" في النهوض، نرى الاثنتان تحضنان بعضهما البعض في خوف..
تسدل الستار
المشهد الثاني
- في منزل الداية "نعيمة" ، "جميلة" جالسة في مواجهة "حصة" تنظر إليها في إشفاق ، والداية تمشط شعرها :
" حصة " ما أحلاها كأنها البدر ليلة تمامه "
- يعلو وجه "حصة" تعابير طفولية ، تضحك ، ثم تبكي ، "جميلة " تحتضنها :
" سوف تشفين قريبا بإذن الله "
- تخرج " حصة" كمية من المصاصات من جيبها، تضعها أمام "جميلة "وأمها.
"جميلة " وهي تحضن يد "حصة" بيدها:
" لا يا حبيبتي ، لا تمدين يدك وتسرقين ، السرقة حرام "
- "حصة" تحاول الانتباه إلى حديث "جميلة" وتردد عبارتها الأخيرة:
" حرام أسرق "
- "جميلة":
" حرام تسرقين شيء يملكه الغير، هل تفهمين يا صغيرتي ؟
- الداية :
"والله هالبنت مسكينة ، ضاعت حياتها بسبب الجهل "
- "جميلة":
" سوف أقوم بوضع الحناء على يدها "
- ذهبت "جميلة " لتجهيز الحناء ، بينما جلست الداية تنظر إلى "حصة " التي كانت تلعب ببعض الحصا في يدها ...
وتردد بصوت طفولي :
أنا الذيب بأكلكم ، أنا الأم بحميكم
- طرقات قوية على باب بيت الداية ، تجعل "جميلة " تسرع لفتح الباب ، تدخل "أم حصة " مندفعة وغاضبة وتصرخ :
"أين "حصة " ؟ أين ابنتي ؟ أين هي ؟
- تذهب إلى ابنتها ، تحاول سحبها من ملابسها ، تصرخ "حصة " باكية .
الداية تقترب من "أ م حصة " :
"دعيها أرجوك ، البنت تحتاج إلى علاج "
- "أم حصة" وهي تلوح بيديها في وجه الداية :
" أنت إنسانة مشعوذة ، تريدين السوء با بنتي ، لن أسمح لك ولابنتك العاهرة أن تغررين بها كما غررت بابني "سالم"
- الداية بعصبية :
" لن اسمح لك بالحديث عن شرف ابنتي، ابنك هو الذي يلاحقها أينما ذهبت ويريدها زوجة، لا تتحدثين عنا بهذا السوء "
- "أم حصة " تسحب ابنتها من يدها:
" لن يتزوج ابنتك إلا على جثتي، عندما أموت فليتزوجها، ولكنني ما دمت على قيد الحياة لن ينالها أبدا، هل تسمعين ؟
- "جميلة " وآنية الحناء في يدها، ترتجف من الحزن:" هل هذا رأيك عنا يا خالة ؟ هل صدقت حديث أهل القرية عنا ؟ وذلك الساحر المشعوذ ؟
- "أم حصة ":
" كل شيء واضح ، كل أهالي القرية يعرفون كل شيء عنك ، والشيء الذي يقهرني إن ابني الوحيد مشترك معكم في كل هذا ، والله لو اذبحه بيدي هاتين ، أفضل له من هذه الحياة "
- يدخل سالم ويتفاجأة لوجود والدته:
" أماه ما الذي تفعلينه هنا؟
- تصرخ " أم حصة " وهي تلوح بيديها، مستمرة في سحب ابنتها التي ترفض النهوض من مكانها:
" ابتعد عني ، لست أمك ، وقد تبرأت منك إلى يوم الدين ، لقد شوهت سمعتي أمام الناس "
- "سالم " بخجل، وقد غصت الكلمات في حلقه بينما "جميلة " تحضن أمها، والدموع تنساب على وجهها:
" أماه أرجوك لا تفعلي بنا هذا، أرجوك، هيا لنذهب معا إلى المنزل، وهناك سوف نتفاهم "
-تعود للصراخ:
" لا يوجد أي مجال للتفاهم، لا تأتي للمنزل لا أريدك فيه، وسوف اجعل أهالي القرية يقتلونك شر قتلة "
- بيأس يخرج صوت "سالم" :
" ولكنني ابنك ؟"
- "أم حصة":
لقد مات ابني منذ أن أحب ابنة الداية الخبيثة "
- الداية تصرخ في وجهها :" لقد سكت عنك كثيرا يا امرأة ، و وجودك في منزلي هو الذي يجعلني احترمك ، هيا اخرجي من منزلي "
- تجر " أم حصة " ابنتها وهي تطلق وابل من الشتائم وأم "جميلة " تصرخ فيها، بينما نرى "جميلة " و"سالم " يتبادلان نظرة حزينة، ودموع "جميلة " تتساقط على وجهها بحزن...
يسدل الستار
المشهد الثالث
- تفتح الستارة، سالم وجميلة يجلسان على مقعد قديم خشبي, يوحي المكان كأنهما يجلسان على شاطئ البحر. أصوات أمواج البحر وهي تضرب الشاطئ، "جميلة " مرتدية عباءتها، كأنها تنظر إلى البحر في شرود،
سالم :" أعلم بأنك حزينة وغاضبة على كل شيء "
- تظل "جميلة " في صمتها، نظراتها لا تحيد عن البحر، يلتفت "سالم " نحوها ويقول أيضا:" لا تصمتي هكذا، أن صمتك يذبحني ويقتلني يا "جميلة "، تحدثي، اصرخي، ابكي، كل اللوم يقع علي في كل شيء ؟ حتى أختي "حصة " لم افعل لها شيئا".
- "جميلة " بصوت باك:
ما فائدة كل هذا ؟ لم يعد هناك سبيل للمقاومة "
- "سالم " باستنكار:
" ماذا ؟
- "جميلة " :
" سوف نغادر قريتنا "
-"سالم" مفزوعا:" إلى أين "؟
- "جميلة ": لا ندري , المهم بعيد عن هنا ؟
- "سالم " : لن أدعكِ تذهبين أبداً "
- "جميلة ":
سوف أذهب ، أنت لا تستطيع حماية أُختك ، فكيف سوف تقوم بحمايتي ؟
- "سالم" ":
سوف أحميكِ ولو دفعتُ حياتي ثمناً لذلك "
- "جميلة ":
" كفاكَ أحلاماً، كيف وأين نعيش ؟
- "سالم ":" البحر "؟
- "جميلة " :البحر لا يكون معك دائماً "
- "سالم" :
وجودك معي سوف يبعث الأمل مرة أُخرى في قلبك ؟
- "جميلة " :
وأهالي القرية "
- "سالم :"
لست أبالي بهم, سوف نكافح معاً ضدهم.
-"جميلة ":
أمك لن ترضى بالهرب "
- "سالم:"
لا تهمني موافقتها .. لقد تركت البيت يوم أمس
- "جميلة ":
"وحصة " المسكينة ما ذنبها ؟
- "سالم ":
إنه قدرُها.
- "جميلة":
ولكننا لن نجلس هكذا مكتوفي اليدين ؟ والبنت تضيع من بين أيدينا ؟
- "سالم ":
أختي ضاعت منذ زمن بعيد، منذ عشر سنوات عندما سقطت في دوامة المرض والجنون "
- "جميلة ":
أختك تحتاج إلى الحب .
- "سالم " :
أي حبَّ تقصدين ؟
- "جميلة ":
تحتاج إلى أن تعيش حياتها كباقي النساء "
- "سالم ":
كأي امرأة ؟ مستحيل
- "جميلة ":
نعم كأي زوجة وأم "
- "سالم":
" إنها طفلة، لا تزال طفلة ؟
- "جميلة ":
لقد أصبحتْ امرأةً ولم تحاول أنت يوما أن تقترب منها حتى تعرف شعورها بالحياة "؟
- يقف سالم" ينظر إليها يتحدث بقلق ":
" وهل يمكن لها أن تشعر بالحياة كإحساسنا بها ؟
- تقف أيضاً"جميلة ":
ولم ؟ إنها مثلنا ؟
-"سالم ":
مستحيل، إنها تشبه طفلة, تملك عقل طفل بريء، لا أتوقع إنها تشبهنا في شيء "
- "جميلة ":
أنتَ لم تعِشْ معاناةَ شقيقتكً، ولم تعرف أي شيء عنها، فكيف تريدنا أن نعيش معاً ؟
- "سالم ":
إننا مختلفان عنهم, إننا نتشابه.
- "جميلة " سوف أذهب, علينا أن نحزم أمتعتنا "
- يحاول "سالم" أن يمسك يدها، تسحبها، وتلتفت نحوه محذرة, وتقول:
"لا تفعلها مره ثانية "
- ينظر إليها بقلق واضح، بينما عينا "جميلة " لا تفارق البحر.. وترتفع أصوات موجاتِ البحر بقوة .
يسدل الستار
الفصل الثالث
المشهد الأول
في بيت " أم حصة".
- "أم حصة " تصرخ بصوتٍ عالٍ وهي تنظر إلى ابنتها في حسرة ، و"نويرة " واقفة قريبة منها .
أم حصة:
" يا إلهي ما هذه المصيبة ؟
ثم تمسك شعر ابنتها ، وتصرخ فيها بقسوة :
" أخبريني أين كنتِ يا بنت ؟ ومَن فعل بكِ هذا الأمر ؟
- "نويرة " تمسكها بيدها :
" انتظري يا أختي لا تفعلي بالبنت هكذا ، مسكينة لا تعرف شيئاً"
- "أم حصة " تصيح:
" أيَّ مصيبة ؟ وأيَّ فضيحة ؟ البنت حامل، هل تفهميني ؟
- "نويرة " :
لا بأس يا أختي ، شيخ الزار بإمكانه مساعدتك ، وإنقاذ ابنتك ، لا بد وأنها حملت من الجني الذي يعشقها ويريد الزواج منها "
- صمتت "أم حصة " طويلاً، صمتت وراح نظرها للبعيد، ثم صرخت بصوت عال:
" الجني ، نعم إنه الجني ، لا بد لشيخ الزار أن يعاقبه أو يزوّجه ابنتي "
- نظرت إليها "نويرة " بخوف ، قالت لها وهي تمسكها من يديها :
"إلى أين ؟
- "أم حصة " تمسك "حصة " من يدها:
سوف نذهب إلى شيخ الزار ، لا بد وإن يزوج ابنتي من الجني ، كيف سأقبل بالفضيحة والعار بعد هذه السنين ؟ كيف ؟
- "نويرة" محاولة أن تضيف شيئا من الهدوء على صوتها :
"اهدئي قليلاً ، دعينا نفكر في الأمر برويّة ؟
-"أم حصة " :
"لا وقتَ للتفكير ، صدقيني لا وقت ، إذا انتشر في القرية خبرٌ حملها سوف تحدث فضيحة كبيرة" - "نويرة ":
"لن يعرف أحد بهذا الأمر، سوف أخبر شيخ الزار، وسوف يقوم بالإجراء اللازم وينقذ ابنتك "
- يدخل "سالم " إلى المسرح ، دون أن تلاحظه المرأتان ، وقد سمع بعضاً من الأحاديث المتبادلة بين والدته و"نويرة" ، يقف أمام المرأتين اللتين فوجئتا بوجوده أمامهما ، كادت "نويرة "أن تموت رعباً ، عدلت من عباءتها ، ونهضت من مكانها قائلة بتوتر:
" سامحيني يا أختي، ولكن عليَّ الذهاب، ولا تنسي الموضوع الذي تحدثنا به "
- "سالم " يقاطعها بصوت عال:
" ما الذي تريدينه من أسرتنا ؟ لقد حطمتِ حياتنا، أنتِ السبب في كل ما حدث لنا ؟ أنتِ السبب ؟
- "أم حصة " تصرخ فيه:
" استح يا رجل ، كيف تتحدث مع امرأة كبيرة بهذه الطريقة ؟ صدقاً لم أقم بتربيتك جيداً ، لقد أخذت بطباع بنت الكل..."
- يتلفت "سالم " في المكان بطريقة جنونية ، وهو يصرخ :" أنت السبب أيضاً يا أمي كل شيء حدث لأختي ، منذ طفولتها لم تعالجي الموضوع بروَّية والآن بعد حملها تصدقين تلك المرأة المأفونة الكاذبة ؟
- "نويرة " تصرخ بصوت هادر :
" أنتَ وَلَد قليل الأدب، ومن أجل والدتك لن أرد عليك، لا تنسي موعدنا مع شيخ الزار، مع السلامة "
- تغادر "نويرة " المكان بسرعة ، بينما يصرخ "سالم" :
"أمي لا تصدقيها، هي تكذب عليك، كيف تحمل أختي من الجن ؟ كيف ؟ أحدهم سبب جنونها ، واعتدى عليها ، استيقظي من هذا الوهم ، عالجي المشكلة ، ابتعدي عن هذا الجهل "
- "أم حصة " وهي تضحك بسخرية:
" هل تلقي اللوم علي الآن ؟ قُمتُ بالاهتمام بكَ أنتَ وشقيقتكَ ، ولم تتحمل المسؤولية يوماً ، كنتَ تجري خلف ابنة الداية التي لعبتْ بعقلك وضحكتْ عليك "
- "سالم " وهو يتوسل لوالدته وهو يقترب منها :" دعينا نترك هذه القرية الملعونة يا أمي ، سوف نعيش بعيداً "
- "أم حصة " بعناد وهي تشير لابنها بيدها:
" لن أذهب وأترك قريتي أبداً ،إذا رغبت في الهرب اذهب مع القوا... وابنتها ، واتركني مع ابنتي المجنونة "
-"سالم " مندهش لعنادها :
" لمَ كل هذا العناد يا أمي ؟ صدقيني البنت لم تفعل لك شيئاً ، حرام ، حتى أمها إنسانة طيبة "
-"أم حصة " :
" لا تحاول أن تقنعني بكلامك ، لا تحاول ، أنت منذ نشأتك لم تكن لك أية فائدة ، دعنا أنا وابنتي نواجه حكم القدر ، ارحل من هنا "
- صمتت ثم عادت للحديث :
" ليكن في علمك بأنني لست موافقة على زواجك منها "
- يصمت "سالم "، تبدو الحيرة واضحة على وجهه، تخفت تدريجياً أضواء المسرح بحيث يجلس "سالم " في زاوية وحيداً، بعد أن تتركه والدته، يشعر بالعجز تجاه حديث والدته ورفضها المستمر لزواجه من "جميلة "...
يسدل الستار
المشهد الثاني
- تفتح الستارة ، ظلام ، وأصوات صراصير الليل ، لا نسمع سوى صوت لهاث ، وأقدام تجري في خوف ، "سالم" يحمل متاعه على رأسه وخلفه "جميلة " مرتدية عباءتها الطويلة ، وخلفها أمها الداية ، الجميعُ يستعدون للرحيل من القرية ..
- حينا نسمع أصواتاً أخرى ، تأتي من بعيد ، وأقدام تجري في سرعة كبيرة ، "سالم " يستحث "جميلة " وأمها :" هيا لا بد وان نسرع في الذهاب من هنا، لا بد وأن أهالي القرية علموا برحيلنا "
- "جميلة " بقلق:
- " ما الذي يريدونه منا ؟ مِن أخبرهم برحيلنا ؟
- "سالم ":
- " إنها "نويرة " الملعونة ، لا بد وأن والدتي أخبرتْها برحيلنا "
- الداية وهي تبكي :
- " لن نستطيع الرحيل من هنا، هذه القرية ملعونة منذ أن سكناها أنا وزوجي "
- "جميلة " تحضن أمها:
- " لا تقولي هذا الكلام يا أماه، سوف نغادر هذه القرية ولن نعود إليها أبداً "
- "سالم " يستحث المرأتين بالمشي السريع ، وأصوات أقدام وكأنها تقترب منهم ، ثم صرخات غير مفهومة , ويضيء المسرح حيث نجد مجموعة من الرجال حول" سالم" و"جميلة" وأمها "نعيمة" , يحاول سالم أن يحمي المرأتين حول ظهره.
- سالم :
- " اتركونا وشأننا ، ابتعدوا من هنا "
- يصيح أحد الرجال:
- " كلا لن نترككم ، لقد نشرت أنت وابنة الداية رائحتكما الكريهةَ في قريتنا الطاهرة ، ولقد حكمنا عليكم بالموت "
- تصرخ "جميلة " والدموع في عينيها:" من أنتم حتى تحكموا علينا بالموت ؟ اتركونا وشأننا -يرفع رجل آخر عصاه :
" لن نترككم إلا جثة تتعفن، لقد نشرتِ الفساد في القرية من عشرين عاما بألاعيبكِ، ولن تنجحي في إغواء رجالنا "
- ويأتي صوت آخر غاضبٌ:
- " أنت لم تستح يا "سالم" تركت شقيقتك المجنونة تركض في شوارع القرية، بينما تلهو في بيت تلك المرأة الساقطة "
- يصرخ "سالم " بغضب وهو يمسك "جميلة " من يدها:" لن أسمح لكم بأذيتنا، ابتعدوا عن طريقنا، الدنيا بها قانون، لو أننا أخطأنا في شيء، فالقانون سوف يقوم بمحاكمتنا "
- أصوات الجماهير تعلو :
- " نحن القانون .. نحن القانون "
- نجد مجموعة من الرجال يسحبون "سالم " و"جميلة " في عنف ، بينما تصرخ الداية وهي تركض خلفهما :
- " اتركوهما ، اتركوهما " .
- ثم يدخل أحدهم كيساً كبيراً ممتلئاً بالحطب ويضعه على الأرض , ثم يقومون بتقييد يد" سالم" "وجميلة" وتقيد أرجلهم , ويجبرونهم على الجلوس على الحطب , وتحاول نعيمة أن تتدخل لكن رجلاً ضخماً يمسكها ويقيد حركتها .
يصرخ "سالم " وهو يحاول التملص منهم :
" اتركوني أيها الأشرار، هذا ليس عدلا، احرقوني وحدي، اتركوا "جميلة "أرجوكم "
- "جميلة " مرتعبة ، دموعها تسقط على وجهها بصمت ، تلتفت يمنة ويسرة تبحث عن أمها .
- يدخل رجل آخر وبيده عصا مشتعلة
- يصرخ "سالم" وهو يرى الرجل الذي يحمل الشعلة يقترب منهما:
- "اتركوا "جميلة " اتركوها أيها الكلا... "
- يضع الرجل النار على الحطب تصرخ "جميلة ", يسود الظلام الشديد في المسرح , ويصرخ كل من" جميلة" و"سالم", ثم يسود الهدوء المسرح فجأة .
- كانت تنظر إلى "سالم " الذي يحاول أن يفكَّ الحبال، كانت صرخاته تهز القرية بأكملها، بينما وقف أهالي القرية ينظرون إليهما في جمود، وهما يحترقان ببطء...
يسدل الستار
المشهد الثالث
- تفتح الستارة على كميات كبيرة جداً من البخور المتصاعد في أرجاء المكان ، وأصوات عالية غير مفهومة ، وأشخاص كثيرون بين نساء ورجال ، يتراقصون بجنون ، يرتدون البياض ، وفي وسط الدائرة ، أم حصة ، ترتدي السواد ، تصرخ بصوت عال غير مفهوم .
- وفي ركن الغرفة امرأتان واقفتان تنظران إلى المشهد، تخف الأصوات، نركز على مشهد المرأتين اللتين ترتدي كل واحدة منها عباءتها، تهمس الأولى في أذن الأخرى:
" مسكينة "أم حصة " لقد جنت المرأة منذ هربت ابنتها إلى الجبال، الله يعينها "
- المرأة الأخرى، تطلع إلى المشهد في حسرة قائلة:
"والله إنها امرأة مسكينة ، لقد ضيعت شبابها وحياتها على طفليها ، ضاعت البنت وجنّت من طفولتها ، لكن العتب على الولد ، ضيع كل شيء "
- المرأة الأولى:
" حتى هو ضاع ، حبه لبنت الداية ضيَّعه ، واحترقا هما الاثنان بسبب أفعالهما المشينة "
- المرأة الثانية :
" ولكن كان الحكم قاسياً جداً، أخشى أن يحل غضب على هذه القرية بعد الذي فعلوه "
- المرأة الأولى:
" العلم عند الله ، ولكن أفعالهما كانت واضحة لِلِعيان "
- المرأة الثانية:" ربما يا أختي، لقد نال كل واحد منهما جزاءه "
- المرأة الأولى:
" والداية أين ذهبت "؟
- المرأة الثانية :
" لقد حملت متاعها وسارت إلى قرية زوجها، يقولون : إنها حملت أغراضها في الليلة التي حرقت فيها ابنتها، واختفت متخذة من الليل ستاراً لها "
- المرأة الأولى:
" وحصة " ألم يبحث عنها أحد ؟
- المرأة الثانية :" كلا إنهم يخافون أن يذهبوا إلى الجبل ، يقولون نها حبلت من واحد من الجنيّ العاشق لها ، ولا أحد يستطيع الذهاب إلى الجبل ، سوف يسمع صوت صراخها وزعيقها فيعود إلى القرية مرتعباً "
- يسود صمت عدا صوت شيخ الزار ومجموعته التي تواصل هذيانها وطقوسها.
وتعود والمرأة الأولى تسأل صديقتها :
" أخبريني لماذا جئت إلى هنا ؟
- المرأة الثانية :
" زوجي قد هجرني من فترة، ولا أعرف ما السبب ؟ وأريد من شيخ الزار أن يبعد عنه جميع النساء، ولا يرى سواي "
- المرأة الأولى:" وأنا كذلك، لم أتزوج ودخل عمري في الأربعين، وأريد أن أتزوج "أبو محمد " التاجر الغني، ولم أجد سوى شيخ الزار الذي يمكن أن يحقق لي أحلامي وأُمنياتي "
-شيخ الزار يواصل طقوسه حول جسد "أم حصة" المسجى على الأرض وتتصاعد الأبخرة والدخان ، وترتفع قروع الطبول وضرب الدفوف مع تمايل أجساد النساء والرجال .
تسدل الستار
النهاية

0 التعليقات:
إرسال تعليق