مسرحية الفصل الأخير




تأليف عبد الفتاح رواس قلعه جي



الشخصيات

سعيد
القرين
الأب
الأم
امرأة
المحقق
أبو حيان التوحيدي
الأعمى صاحب الكلب


(المسرح قسمان افتراضيان، الأمامي للشخصية الرئيسية وتشخيصها الفردي، وخلفي لتشخيص الأحداث خلال روايتها.
ترتفع الأنوار ببطء، برميل في مقدمة المسرح حيث الإنارة مركَّزة عليه، تصدح بنعومة من الدار المجاورة موسيقى وأغنية سيد درويش.
طلعت يا محلى نورها شمس الشموسة
يا الله بنا نملا ونحـلب لبن الجاموسـة
يدخل سعيد حاملاً مجموعة من الكتب هي مؤلفاته المطبوعة)
سعيد : (يضع الكتب على الأرض، يقترب من نافذة مفترضة وينادي) اطفئوا المسجلة يا جيران (يعود) سيد درويش فايق ورايق، يتحدث عن شمس الشموسة ولبن الجاموسة، ويصور لنا الدنيا سمن على عسل، ومحمد عبد الوهاب وهو في قصره الفخم وكامل لياقته وأناقته وطربوشه المكوي يغني للفلاح الجائع المنتوف الريش (يقلد الأغنية) ما احلاها عيشة الفلاح! عيب.. والله عيب.. أما أنا.. أنا الذي صورت في كتبي ومسرحياتي واقع الإنسان، جوعه وظلمه واضطهاده، ودعوته إلى تغيير واقعه، فلا أحد يذكرني، وتبقى أغنيات سيد درويش وعبد الوهاب تتردد على كل لسان. (يتناول أحد كتبه) شعر، بل ملحمة شعرية، هذا أول كتاب طبعته، حين صدر ظننت أن كل الناس سيتحدثون عنه، النقاد والإذاعة والصحافة.. هه.. مجرد أحلام كاذبة (يرميه في البرميل، ويتناول آخر) رواية.. لا.. خسارة أن ألقيها في البرميل.. رواية صوفية فريدة من نوعها تناقلتها المواقع الإلكترونية، أكثر ثمانية آلاف موقع على النِّت حمّلت هذه الرواية أو أوردت دراساتٍ وأخباراً عنها.. تصوّروا.. قبضت عليها مكافأة خمسة عشر ألف ليرة (يلقيها في البرميل) خمسة عشر ألف ليرة أقل من الراتب الشهري لكلبٍ يقتنيه مسؤول أو ثريّ (يبدو أن ذكر المبلغ الضئيل أثاره وجعله يلقي الكتب تباعاً) مسرح، قصص، دراسات أدبية ، تراجم، أبحاث فكرية (ينتهي من رزمة الكتب) ما نفع الثقافة في عصر الدجل والاستهلاك؟ أُصبت بالديسك والمناقير من وراء الجلوس خلف الطاولة وأنا أحلم بالمجد ورغيف الخبز وتأمين مستقبل أولادي.. وماذا كانت النتيجة ؟ لو أنني كذلك الفلاح الذي يصوِّره سيد درويش في أغنيته قاعداً على شط الساقية خالي البال يغازل الفتيات.. هه.. كذبة أخرى.. نحن قوم ألفنا الكذب وتعوّدنا إخفاء الحقائق. (يعلو صوت المسجلة من جديد بأغنية سيد درويش، وسعيد يخرج ليحضر رزمة أخرى)
قاعد عالشط يا خلّي أسمر وحليـوة
عَوَج الطاقية وقال لي غنّي لي غنّيوة
قلتلّو تعالْ لي يا خلّي يا اسمر يا حليوة
عوج الطاقية وقال لي حلوة يا عروسة
سعيد : (يدخل سعيد حاملاً رزمة المخطوطات، يقترب من النافذة ينادي الجار) ارحمونا يا ناس.. عندنا ميت (ينقطع صوت المسجلة) من يستمع إلى أغانينا اليوم يعتقد أن شعبنا خال من الهموم والأوجاع، العدل تحقق، والأرض حُررت، والفساد انتهى، وشبع الناس واغتنوا حتى التخمة، ولم يبق سوى قضية الحب. الناس ما عادوا يتكلمون من أفواههم وإنما يتكلمون من نصفهم الأسفل..(في سخرية) شكراً لطوق الحمامة وابن حزم، شكراً للروض العاطر ورجوع الشيخ إلى صباه.. شكراً للكليبات وغناء الجسد وفضائيات المتعة، الناس ظلوا ينظِّرون في الحب والجنس حتى ضاعت البلاد من غرناطة إلى بغداد.
( يقترب ويقف بجانب البرميل ويضع المخطوطات على الأرض)
ما نفع الكلمات إن لم تستطع أن تمنح الحياة.. كلمات ميتة في عصر ميت (يتناول بعض المخطوطات ليرميها في البرميل) انتهيت من الكتب والآن جاء دور المخطوطات. أنا لا أكذب ، كلها أموات (يبدأ برمي المخطوطات في البرميل) أموات..أموات..أموات..(ينظر في البرميل) البرميل امتلأ بالجثث، حتى دماغي صار جثة، منذ سنوات لم أكتب حرفاً واحداً، لم يخطر لي أي موضوع، كل الأفكار التي تراودني إما مطروقة أو تافهة.. أنا تمثال من الإسمنت، أنا النار التي تأكل بعضها (يخرج من جيبه زجاجة بنزين ويفرغها على الكتب في البرميل) أين الكبريت؟ (يبحث في جيوبه) لقد وجدته (يدخل شخص شديد الشبه به في ثيابه ووجهه وتسريحة شعره، هو قرينه، يقف خلفه تماماً من غير أن يشعر. يشعل سعيد عود ثقاب) كلهم أبنائي وعليّ أن أودِّعهم..لا.. أنا أكره لحظات الوداع (يهم بإلقاء عود الثقاب في البرميل فيمسك القرين يده ويطفئ عود الثقاب).
القرين : كنتَ على وشك ارتكاب جريمة.
سعيد : (يلتفت غاضباً) من أنت؟ وكيف دخلت؟
القرين : لا حاجة بي إلى الاستئذان، فأنا هو أنت، وأنت أنا.
سعيد : هل هي أحجية؟
القرين : كلا. لولاي ما كانت كل هذه الكتب التي وضَعتَها. أنا شريكك فيها والآن تريد أن تحرقَها من غير أن تستأذنني.
سعيد : شريكي! أنا لم أرك من قبل. إن لم توضح الأمر سأطلب الشرطة.
القرين : لا بأس ، سأوضح الأمر لك. أنا قرينك.
سعيد : قريني! ماذا تعني؟
القرين : أنا وحيك، إلهامك، شيطان شعرِك وأدبِك. ألم تقرأ سيرة الشعراء ورسالة الغفران؟
سعيد : حسن، وماذا تريد الآن؟
القرين : جئت أحذرك وأقول إن ما تفعله الآن جريمة، هل سمعت بأحد قبلك أحرق مؤلفاته؟
سعيد : نعم، أبو حيان التوحيدي.
القرين : هذا مجنون آخر. (يقترب من البرميل ويصيخ السمع) كيف تطاوعك نفسك على فعل ذلك؟ اسمع يا سعيد، إنها ليست أمواتاً، ما تزال قلوبها تنبض بالحياة.
سعيد : ما ينفع أن تكونَ حياَ في مجتمع كل أهله أموات؟ دعني أحرقها إنها مجرد جثث من الكلمات.
القرين : كلا، لن أدعك تفعل ذلك. ولن أكون شاهداً على جريمة.
سعيد : اسمع، أنت مجرد خيال وأنا أعيش في الواقع، أنا أرى وأتألم وأجوع وأكتب، لقد قلنا كل شيء، ولم يتغيَّر أي شيء، ما عادت تجدي الكلمات، ولهذا أُرتِج عليَّ منذ مدة طويلة فلم أكتب شيئاً.
القرين : يحق للكاتب أن يصمت فترة ليقرأ العالم من جديد ويستجمع قواه للكتابة.
سعيد : ليست القضية كما ذكرت، وإنما هو اليأس الذي يورث العقم. أنا في مأزِق حقيقي.
القرين : دعنا نفكر معاً في الخروج من هذا المأزِق، ولكن أولاً أعِد علبة الكبريت إلى جيبك، إني أراها مسدساً موجهاً إلى ذاتك.
سعيد : (يضع علبة الكبريت في جيبه) ها قد أعدتها. ما الذي تقترحه عليَّ؟
القرين : (يفكر) لماذا لا تكتب فصولاً من سيرة حياتك.
سعيد : سيرتي الذاتية..هه.. ومن يهتم بها؟
القرين : الناس يحبون الاطلاع على الأسرار الشخصية، والكتَّاب إذا أُغْلِق عليهم لجؤوا إلى كتابة سيرتهم الذاتية.
سعيد : ثم ماذا؟ أَعلمُ أنك تجاهد كي تحسِّن الفكرة في نظري.
القرين : وعندما تكتب سيرتك الذاتية وتستعرض ما كتبت فإنك تتخفف من يأسك، وتقبل على الحياة من جديد. إنها أشبه بعملية تفريغ لشحنة محبوسة.
سعيد : وإذا لم يحدث هذا.
القرين : سيكون ما كتبت الفصل الأخير من حياتك الإبداعية، إنك لن تخسر شيئاً.
سعيد : فكرة معقولة، وبماذا أبدأ؟
القرين : دعنا نبدأ بمشهد من الطفولة.
(إظلام)
* * *
( يضاء القسم الخلفي من المسرح، ديكور شرطي يوحي بغرفة متواضعة في حي شعبي فقير. الأم تجلس على الأرض وتمد رجليها وعليهما ابنتها الرضيع تهزها وتغني لها. في ركن الغرفة الطفل سعيد عمره أربع سنوات مغطى بدثار وهو مصاب بالجدري الأسود، الأب في الركن الأخر يحرق قصاصات الورق ويرميها في حذائه كي يدفئه. كانون النار وسط الغرفة غير أنه خال من الفحم، صوت بكاء الطفلة بشكل ضعيف ومتقطع وكأنها تحتضر)
الأم : (تغني لابنتها) يا حبيبتي يا بنـتي غاب القمر وين كنتي
غاب القمر ونجومو وبتضوِّي عليّه أنـتي
الأب : يا أم حمدي، حياة هذه الطفلة، حفيظة، في رقبتك. إنها جائعة.
الأم : ومن أين آتي لها بالحليب، جف الحليب في ثدييّ، وأنا أطعمها العرعروط
الأب : العرعروط لا يشبع ولا يغذي، أنت أهملتها وشُغلت بابنك سعيد.
الأم : أنا لم أهملها، ولكن حزني وخوفي على سعيد أغاض الحليب من ثدييّ، إنه الجدري الأسود، هذه الجائحة اللعينة يا أبا حمدي، هلك فيها أطفال كثيرون.
الأب : وكيف حاله الآن؟
الأم : هو أفضل الآن، بدأ يتعافى، بقي أن آخذه إلى حمام السوق كي أغسِّله فيبرأ تماماً.
الأب : تأخذينه إلى الحمام!؟ ألا تخشين من دوريات الشرطة؟ إنهم يأخذون الأولاد المصابين بحجة الحجر الصحي، وقلَّ من يعود منهم إلى أهله.
الأم : لا تقلق، اتفقت مع جارنا، سيلفُّه ببطانية ويحمله على ظهره بعد العشاء إلى الحمام. جارنا أبو علي قبضاي، رجل شهم وقوي، حتى الشرطة تحسب له ألف حساب.
الأب : اتكلي على الله. (يدس رجله في الحذاء العتيق وهو من نوع البوط ) أصبح الحذاء دافئاً يمكن أن ألبسه الآن.. الثلج في الخارج قامات، والبرد يقرض رأس المسمار. (يختار بعض أدوات البناء المركونة جانباً ويضعها في الزنبيل : المالة والدبورة والكريك، والشاحوطة وخيط البناء والزيبقلية) أترين خيط البناء هذا؟
الأم : أجل.. إنه مجرد خيط. (الأم تستمر في هزِّ رجليها ولكن الطفلة صمتت تماماً) أظنها نامت.
الأب : هذا الخيط عزيز علي، عندما ولدت ابنتنا معينة زعلت وقلت في نفسي: من أين سيأتيني رزق هذه البنت؟ وكنا نحفر آنذاك في الطريق أثاثاً لحائط انهار، وفجأة أصابت القظمة جرة مطمورة في التراب فاندلقت منها ليرات ذهبية ، وراح العمال يلتقطونها ويملؤون جيوبهم، أما أنا فأخذت ليرتين ولففت عليهما خيط البناء. وفي الكراكون نبّشتنا الشرطة وصادروا كل الذهب ونجوت وحدي..إيه.. الله كبير، أرسل لي رزق البنت في الحال. (يحمل الزنبيل ويهم بالذهاب).
الأم : اعتن بنفسك يا أبا حمدي.. أنت تعمل في الشوارع تحت المطر والبرد، ولا أريدك أن تصاب بالذاتية مرة أخرى، سنتان وأنت مريض بالذاتية تلازم الفراش وأنا أسهر الليل ألصق قصاصات ورق الشام أعمل منها دفاتر لأبيعها في سوق الجمعة مع أثاث البيت حتى نعيِّش الأولاد.
الأب : وأخوكِ أبو دياب التاجر في سوق الشام، وشريك البدو في الأغنام يقيم الولائم يومياً لشركائه وأصدقائه، نسمع قرقعة الصحون، ولا يفصلنا عن داره سوى جدار.
الأم : (بغضب) لقد حذّرتك سابقاً، لا تأت بذكر أخي على لسانك، ثم إن أخي لا يعلم بحالي، كلما سألني قلت إنني أعيش جيداً ولا ينقصني شيء. (باعتزاز) أنا الوفائية سليلة الحسين من بيت رسول الله لا أستجدي أحداً.
الأب : آسف، لم أقصد إغضابك.
الأم : (برقة) وأنا آسفة لأنني رفعت صوتي، أنت زوجي وتاج راسي، وأخاف عليك من البرد وأن تصاب بالذاتية مرة أخرى.
الأب : وهل هنالك عامل في البلدية مثلي يعمل في الطرقات ولا يصاب بالذاتية، هل تذكرين يوم وقعت من فوق السقالة على الأرض وجاؤوا بي محمولاً إلى البيت، حتى البلدية لم تصرف لي الدواء، وكدت أفقد وظيفتي، كان الجيران يتحننون علينا ويأتون لي بقطع الهبر أضعها على الرضوض والجروح.
الأم : لماذا تصر على أن تتذكر تلك الحادثة، لقد ذَهَبَت وشفاك الله؟ (يسمع صوت إطلاق رصاص) ما هذا؟
الأب : الإنكليز وقوات ديغول يدخلون حلب ويشتبكون مع قوات حكومة فيشي، ألمانيا تخسر الحرب الآن، لقد طالت المحنة.. أربع سنوات قاسية مثل قلع الضرس.
الأم : لا أريدك أن تخرج الآن، ابق حتى يهدأ الوضع.
الأب : ما أظنها تطول.. الفرنسيون لن يحاربوا بعضَهم بعضاً. ( يضع الزنبيل) سأطمئن على سعيد (يكشف الغطاء عن وجه ابنه) إنه نائم، أعتقد أن الجدري سيترك أثره على وجهه. (يعيد الغطاء)
الأم : ستزول الآثار مع الزمن، احمدِ الله على أنه قد نجا من الموت.
الأب : من كان يصدق أننا تتزوَّج ويكون لنا أولاد؟
الأم : بل من كان يصدق أن يكون نصيبك عندنا؟
الأب : (منزعجاً) أتعيِّرينني أنكم أهل نعمة وأنا فقير؟
الأم : لم أقصد ذلك، وهل تعتبر ما نحن فيه نعمة، نحن متوسطو الحال، وعرسنا كان عالسيكت .
الأب : لو أحدثك عن أعراس الأعيان في الشام وحلب.
الأم : (تحاول أن تستبقيه مدة أطول) هات، حدثني إلى أن يصحو الجو.
الأب : في عام 1156هـ زوَّج فتحي الدفتري ابنته لابن أخيه فأقام فرحاً عظيماً، سبعة أيام من الولائم والأفراح والطرب، اليوم الأول خصه لوالي دمشق سليمان باشا العظم، والثاني للموالي والأتراك والأمراء، والثالث للمشايخ والعلماء، والرابع للتجار، والخامس للنصارى واليهود.
الأم : النصارى واليهود!
الأب : نعم، هم يحضرون أعراسنا ونحضر أعراسهم، علاقات ممتازة والحارة الواحدة فيها المسيحيون والمسلمون متجاورين، أما اليهود فهم وحدهم يسكنون حارات مستقلة.
الأم : في حي قسطل الحرامي والشرعسوس عندنا في حلب ما زالوا يسكنون معاً، حتى إن المسلمين يذهبون إلى كنيسة مارجرجس في الشرعسوس ويشعلون الشموع. المرأة التي لا تحبل أو التي لم تخطب تشعل شمعة لمارجرجس ليقضي حاجتها.
الأب : وما الغريب في الأمر، الخضر يده خضراء عندنا وعندهم.
الأم : أكمل لي الحديث عن عرس الدفتري في الشام، وصلت إلى اليوم السادس.
الأب : اليوم السادس خصّه الدفتردار للفلاحين والعمال، أما اليوم السابع فقد كان أفخم الأيام فقد خصه لدعوة الغواني والمومسات وهن بنات الخطأ والهوى وقد تكرم عليهن إكراماً زائداً ، ولائم وهدايا، وطلب منهنّ أن يدعين له ولابنته العروس فدعواتهن مستجابة.
الأم : وهل هذا معقول؟
الأب : ولِمَ لا يكون معقولاً. أعرف صديقاً لي تَوّب مومساً تعمل في بحسيتا وتزوجها ورزق منها أولاد.وصارت مثل رابعة العدوية، صائمة قائمة ومخلصة.
الأم : اللهم احفظنا من جور الأيام والانزلاق في الخطأ. (يهدأ إطلاق الرصاص).
الأب : هدأ إطلاق الرصاص، يجب أن أذهب إلى الشغل، لا أريد أن يحسم عليَّ أجرة يوم.
الأم : (من الواضح أنها تحاول أن تستبقيه فترة أطول خوفاً على حياته) هل ستبقى في البلدية طول حياتك؟
الأب : أليس هذا أفضل من أن أكون عاملاً يومياً أقف طول النهار أمام باب انطاكية أنتظر من يشير لي بإصبعه لأشتغل عنده.
عشرات العمال اليوميين يقفون أمام باب انطاكية بوجوههم البائسة، وثيابهم البالية، وفي أعينهم يأس وترقب وذبالة أمل منطفئ ، ينتظر كل منهم من يشير إليه بإصبعه ليشتغل عنده هذا اليوم ويعود إلى عائلته ببعض الأرغفة، و أغلبهم يقضي سحابة نهاره منتظراً من لا يأتي ثم يعود إلى عائلته حزيناً بائساً.
أية مفارقة مؤلمة! هذا حال باب انطاكية اليوم، وقد كان بالأمس رمزاً للمجد العربي، منه دخل العرب المسلمون بقيادة أبي عبيدة بن الجراح إلى حلب وحرروها من الحكم البيزنطي! (صمت)
البلدية يا أم حمدي نقطة دايمة بالرغم من أنها قليلة، آخذ راتبي آخر الشهر وبحسن تدبيرك نعيش منه.
الأم : وعندما تحال إلى التقاعد في نهاية الخدمة ماذا تشتغل؟
الأب : ليس هناك تقاعد، هناك تعويض.
الأم : وهل يكفي التعويض لأن تأخذني إلى الحج.
الأب : يكفي، سنذهب معاً إلى الحج وهذا وعد، وإن كنت سأرجع صفر اليدين، ولكن من سيعيلنا بعد أن أصرف التعويض؟
الأم : الأولاد، سيكون الأولاد قد كبروا ( يعود إطلاق الرصاص) الحمد لله أنك لم تذهب، لقد عاد إطلاق الرصاص.
الأب : (ينظر من النافذة) يبدو أن المعركة حول قشلة الألمان. إنها بعيدة عن مركز عملي ، يجب أن أذهب.
الأم : (تجاهد كي تستبقيه مدة أطول) ما هي آخر الأخبار.
الأب : الجنرال كاترو القائد في جيش فرنسا الحرة أعلن استقلال سورية التام وعين تاج الدين الحسيني رئيساً للجمهورية.
الأم : ها قد فُرجت أخيراً.
الأب : لا..لم تفرج بعد، هذا مجرد كلام، والفرنسيون مازالوا يحتلون البلد. (يهدأ إطلاق الرصاص) يبدو أن المعركة انتهت، هدأ إطلاق الرصاص. ( يحمل الزنبيل ويتجه للخروج ثم يتوقف ويلتفت) أنا لا أسمع صوت البنت.
الأم : إنها نائمة على رجلي.
الأب : لم تنم هكذا من قبل، لا حس ولا أنس ( يضع الزنبيل على الأرض ويقترب من الطفلة ، يرفع يدها فتسقط) أم حمدي إنها ميتة.. (يضرب جبينه بكفه) حفيظة ماتت من الجوع.
الأم : (تأخذ البنت وتضمها إلى صدرها) بنتي..آه.
(إظلام قصير)
* * *
(يضاء القسم الأمامي للمسرح، يدخل سعيد تحت بقعة ضوء وهو يقلّب بعض الصور، يجلس في مقدمة ويمين المسرح ويوجه الحديث إلى شخص افتراضي)
سعيد : للأسف ليس لديَّ صورة لأختي الصغيرة، لم تكن آلات التصوير الفردية معروفة، ومن يريد أن يتصوَّر يذهب إلى باب الفرج حيث ينتشر المصورون الشمسيون في العراء حول ساعة باب الفرج. (يعيد الصور إلى جيبه) ظللت فترة طويلة أشعر بالذنب وأعتقد أنني السبب في وفاة أختي الصغيرة، وكان الجيران يلومون أمي على إهمالها لها، أما أبي فلم يأت على ذكرها أبداً لئلا يؤذيَ مشاعر أمي، ولكنني كنت أراه صباح كل جمعة يقرأ لها صفحات من القرآن الكريم.
(يسمع صوت ضجيج تلامذة الكَتّاب ، يصيخ السمع، يتبسم) هذا صوت تلامذة الكَتّاب. الشيخ عيدو عصايتو بإيدو هكذا نسميه، هو ابن عمي وزوج أختي أيضاً، كان شديداً في التعليم، كل غلطة بفلقة. ولكنه كان قادراً على أن يعلم الحمار الكتابة والقراءة، وأول تعليمنا بجزو الرشيدي. (يعلو الضجيج ثانية)
صوت الشيخ : سكوت يا أولاد، رددوا معي (الشيخ يقرأ والتلامذة يرددون وراءه) ألف أسد. باء بقرة. جيم جمل. . ارفعوا أصواتكم..ألف لاشنّ عليها . باء وحدة من تحتها. تاء تنتين من فوقا.(تتلاشى الأصوات).
سعيد : (يتابع الحديث إلى الشخصية الافتراضية) هذه الذاكرة العجيبة التي انحفرت على جدرانها نقوش لا تَمّحي رغم عاديات الزمن، تتحول إلى قبة أسطورية من المشاهد المختزنة والمعارف والكتابات الاستسرارية المختزلة كأنها قبة دانيال .
الحي الشعبي الكلاسة الذي ولدت فيه، كان أكبر حاضر في العالم الإسلامي، عرف بالحاضر السليماني قبل أن يدمره هولاكو. العمائر الأيوبية الأثرية فيه، جامع أبي الرجاء، وجامع حسان وأمامه يربض تنور الكلس، صور القيامة والحساب والجنة والنار تتقافز في مخيلتي وأنا تلميذ في الكَتَّاب وتتجسد أمامي في تنور الكلس المشتعل ليل نهار وشيخ الكتاب في الجامع وعصاه التي قُدَّت من نار تحاكي نار تنور الكلس ، و كنا نحن التلاميذ الصغار وكنانيرنا على أكتافنا نتحلق حول التنور أثناء الفرصة، نثرثر مع نسوة الحي اللائي قد حملن قدور الطعام والشوندر والذرة ووضعنها على الحجارة الملتهبة التي تتحول بفعل النيران إلى كلس حي تُوَرَّق به الجدران. (تدخل امرأة ملتحفة بملاءة حاملة طست الغسيل على رأسها وتضعه على حافة التنور) ويحلو لي أحيانا أن أجلس إلى جانب امرأة تسخن الماء في وعاء للغسيل وضَعَته فوق الأتون لتغسل بعض الثياب وهي تحكي لي عما تعانيه من شظف العيش.
المرأة : (تغسل وتخاطب طفلاً متخيلاً) ابتعد عن التنور يا ولدي، يقولون إنهم في الشهر الماضي وجدوا طفلاً متفحماً في التنور. اجلس هنا بجانبي حتى ينادي عليكم الشيخ. أنا آتي إلى هنا وأغسل الثياب لأن الماء من الجب والنار مجانية، أنتم جيل محظوظ يتعلم عند الشيخ وفي المدرسة، أما نحن .. يا حسرة علينا.. انظر أصابعي مهترئة من الغسيل. أنا أغسل لبعض الجيران أيضاً لقاء أجرة بسيطة. اللقمة مغمَّسة بالدم. ماذا أفعل؟ أبو الأولاد قلب رأسه ومات وترك لي ستة أولاد يقرطون الحجر. البنت الكبيرة خطَّبتها والحمد لله، والشاب طفش لا أعرف أين أراضيه، يقولون تطوع في الجيش الفرنسي وذهب إلى حرب الألمان ولم يعد حتى الآن، والأربعة الباقون صغار، يقولون سورية استقلت لا أدري إن كانت ستتبدل الأحوال (تصمت برهة) إذا كان الفرنسيون قد رحلوا فلماذا لا يعود ولدي؟ إيه.. الحمد لله في الشدة وله الحمد في النعمة. (تميل وتهمس في أذنه) أنت صغير الآن ولكن عليك أن تتعلم كيف تصبح رجلاً (تنهض وتحمل طست الغسيل وتخرج)
(إظلام قصير انتقالي للمشهد التالي)
* * *
( الإنارة مركزة على القسم الخلفي من المسرح. يمر موكب أفراح الجلاء، رجال يحملون شخصاً يهتف وهم يرددون وراءه – ويمكن تجسيد المشهد على شاشة إسقاط ضوئي - )
الموكب : هيّا لنـا هيّا لنـا باريس مربط خيلنا
ديغول خبِّر دولتك النصر لثوّارنــا
"يخرج الموكب وتدخل مجموعة الدبكة باللباس العربي يرقصون ويشدُّون".
المجموعة : يا سوري اتْهَنّا وافراح ظلم فرنسا ولّى وراح
أولْ قولي واعْتـادي صلّوا عالزين الهـادي
سورية تحـيا بلادي بلاد الهنا والأفـراح
سورية تحيا رجالك تهني بعـزّ استقلالك
من شانك ضَحَّى أهلك بالأمـوال وبالأرواح
(تخرج مجموعة الدبكة)
سعيد : (في جانب المسرح يخاطب الشخصية المفترضة) كنت في شغل عن أفراح الجلاء بالطريق الطويلة التي أقطعها يومياً من الكلاسة إلى مدرسة العرفان الابتدائية في الأسواق القديمة عبر مقبرة الكليماتي وخندق السور الموازي وباب قنسرين الشامخ والحارات القديمة بأزقتها المتلاوية وعمائرها الأثرية، هذه الآثار علمتني كيف يقفز التاريخ من الأبراج المطلة وشقوق الأسوار إلى دم القصيدة والمسرحية، ثم كان ذلك الصباح الذي لا أنساه.
(تخبو الأنوار قليلاً، ينسحب إلى وسط المسرح، يتساقط الثلج وصوت ريح عاصفة)
الريح تزأر والثلج يتساقط والبرد شديد وأنا داخل باب قنسرين أقف بلا حراك وقد تجمدت تماماً، حذائي البالي المثقّب، وثيابي القديمة المرقَّعة لم تكن لتردّ عني البلل والبرد، وأحسست بالموت يثقب عيني بمخرز من نار، ولحسن الحظ كان أخي بجانبي فانهال عليّ صفعاً وضرباً حتى عاد الدم يسري في عروقي.
قالت لي أمي: الحمد لله يا ولدي، لقد عدت إلى الحياة ببركات الشيخ خليل الطيار المدفون داخل باب قنسرين، يجب أن تقرأ له الفواتح دائماً (ترتفع أنوار المسرح من جديد)
(يمد يده في البرميل ويخرج لوحاً حجرياً مع قلم حجري مما كان يستعمله التلامذة الصغار في الكتابة)
أخيراً اشتريت لوحاً حجرياً بعد خمس عشرة سنة، اشتريته للذكرى فقط. هذا اللوح شغلني عن أفراح الجلاء، كان أستاذ الصف الثاني عبد الجليل يطلب منا شراء لوح حجري للكتابة
- (بصوت الأستاذ) أنت يا سعيد أين لوحك الحجري؟
- (بصوت الطفل) ليس عندي لوح يا أستاذ.
- (بصوت الأستاذ) ليس عندي لوح.. ليس عندي لوح.. سنة كاملة وأنت تردد هذه المعزوفة. لماذا لا تطلب من أبيك أن يشتري لك لوحاً..ها..لماذا؟ قف هناك وأدر وجهك للحائط. (بقعة ضوء على الطفل ووجهه إلى الحائط)
مرة يضربني عصوين ومرة يوقفني أمام الحائط ولم تسمح عزة نفسي يوماً أن أقول له: كيف أطلب من أبي لوحاً حجرياً وهو طريح الفراش بالذاتية منذ سنتين وأمي الوفائية عملت بسطة في سوق الجمعة لتعيِّشنا.
لم أحقد يوماً على الأستاذ، بل كنت أرثي له؛ فقد كان شبه كفيف ومخلصاً في تدريسه.
(يعلق اللوح على الجدار) لم تعد بي حاجة إلى اللوح لكنني اشتريته أخيراً وعلقته على جدار بيتي للذكرى.
أوه .. تذكرت .. لديَّ شيء آخر للذكرى (يخرج من جيبه مفتاحاً كبيراً) أم وليد جاءت من حيفا مع النازحين وأعطت المفتاح لأمي وقالت: خبئيه عندك يا أم حمدي ريثما نعود إلى فلسطين.(يعلقه على الجدار) ماتت أم وليد، وماتت القضية، والمفتاح مازال معلقاً على الجدار وقد علاه الصدأ..
القضية الفلسطينية كلها اليوم معلقة على جدار الأمم المتحدة وقد علاها الصدأ.
* * *
(تخبو الأنوار في القسم الأمامي ويضاء القسم الخلفي من المسرح. أم حمدي (الأم) تجلس وهي ترفو جورباً، يدخل أبو حمدي (الأب) يلبس الصاية وفوقها المعطف، ويلف وسطه بشال، يضع على رأسه الطربوش المعمم بالزبتاية وقد غرس فيها فلة)
الأب : مساء الخير.
الأم : مساء الخير.
الأب : كيف حال الأولاد؟
الأم : ناموا، سعيد عاد من المظاهرة وقد شُجَّ رأسه.
الأب : يجب أن أراه.
الأم : دعه نائماً، جرح بسيط، وهو بخير.
الأب : ولماذا يخرج في المظاهرة وهو صغير؟
الأم : الكبير عاد إلى البيت، والصغير خرج للتظاهر، الدنيا معكوسة.
الأب : (يجلس على كرسي واطئ من القش وأمامه طاولة صغيرة عليها ساعة منبه مفكوكة للتصليح، ويبدأ بجمع أجزائها) المظاهرات ملأت البلد اليوم، والناس يهتفون بسقوط الحكومة.
الأم : أهذا لأننا خسرنا الحرب؟
الأب : القضية ليست خسارة معركة، إنها نكبة.
الأم : وهل ستسقط الحكومة؟
الأب : ومتى كانت الحكومات تسقط بالهتافات؟ الشعب الغاضب لا يجد أمامه غير حكومته يلقي عليها اللوم، ولكن القضية أعقد من ذلك.
الأم : وأنت أين كنت بكل هذه الأناقة؟
الأب : هل تلومينني على اللباس الجيد، أنا عامل في النهار ولكنني أحب الأناقة حين أكون متحرراً من العمل.
الأم : (تبتسم) أنا لا ألومك، أعلم بأنك غاوٍ، ويعجبني ذلك، ولكنني أسألك أين كنت حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل.
الأب : كنت في الأزبكية، في حفل تكريم الجندي العائد من فلسطين.
الأم : جنودنا يستحقون التكريم. ماذا حدث في الحفل؟
الأب : عمر أبو ريشة ألقى قنبلة.
الأم : قنبلة.. قنبلة حقيقية!؟
الأب : لا.. أقصد قصيدة مثل القنبلة، تصوري رجال الحكومة كادوا يغوصون تحت المقاعد من الخجل.
الأم : وماذا قال فيها؟
الأب : لقد نسخت بعض أبياتها، هل تودين سماعها؟
الأم : ليتني تعلمت القراءة والكتابة مثلك، هات أسمعني.
الأب : (يخرج الورقة من جيبه ويقرأ)
أمتي هل لك بين الأمــم منبرٌ للسيف أو للقلـــمِ
كيف أَغْضيتِ على الذل ولم تنفضي عنك غبارَ التهــم
اسمعى نوح الحزانى واطربــي وانظري دمع اليتامى وابسمي
واتركي الجرحى تداوي جرحها وامنعي عنها كريم البلسـم
رب وامعتصِماه انطلـقـت ملء أفواه الصبايـا الـيـتَّم
لامست أسماعهم لكنهــا لم تلامس نخـوة المعتصــم
الأم : إنها قنبلة فعلاً.
الأب : زكية ما هذا المفتاح المعلق على الجدار؟
الأم : هذا لأم وليد، مفتاح دارها في حيفا، وضَعَتْه أمانة عندي إلى أن تعود ثانية إليها.
الأب : لم أزر حيفا، ولكنني زرت القدس وأنا عائد من حرب القناة. كنا نمشي في الليل ونختفي في النهار خوفاً من هجمات البدو. عندما وصلنا دمشق وجدنا جمال باشا قد أمر بالزينة مدّعياً أنه انتصر على الإنكليز في القناة، وقد شهدت بأم عيني إعدام الشهداء في ساحة المرجة.
الأم : موت هناك وموت هنا، هذه هي السفربرلك، تصور أن الحكومة هنا قد صادرت الأرزاق، والوالي العثماني بدري بك يتاجر بالحبوب وقوت العباد، غلت الأسعار وانتشرت المجاعة، الموتى من الجوع تراهم في الخرائب وفي زوايا الطرقات، والناس أكلوا فطائس الحيوانات، إلى أن جاء الوالي العثماني مصطفى عبد الخالق، بيّض الله وجهه، فأمر بفتح المخازن، ووزّع الأرزاق، وألزم الأغنياء بمساعدة الفقراء، وشكّل لجاناً لدعم الأسر الفقيرة.
الأب : وماذا حلّ بهذا الوالي الطيب؟
الأم : غادر إلى استانبول بالقطار بعد أن وصلت القوات الفيصلية بقيادة الأمير مطر. حدثني أخي الحاج حسين بأن له مآثر أخرى فهو الذي منع جمال باشا من قصف حلب وكان قد نصب مدافعه فوق الجبل وقال للوالي: أهل حلب ضد العثمانيين، فقال له الوالي: ما علاقة هذا الشعب المسكين بالحرب، أما كفاه الجوع والحرمان.
تصور يا أبا حمدي أن هذا الوالي قبل أن يغادر المدينة شكل قوات شعبية في الحارات لحفظ الأمن ريثما تصل قوات فيصل.
الأب : إنه فعلاً رجل طيب يخاف الله. وها هي الشدة تعود من جديد على شعبنا في فلسطين. ولكن بالنسبة لأم وليد لماذا لم تسكن في مخيم النيرب؟ النازحون كلهم تجمعوا في برّاكات هناك.
الأم : لديها أقرباء هنا سكَنَت عندهم.
الأب : (ينهي تركيب الساعة) الساعة صارت جاهزة، إذا جاء جارنا محمود خذي منه ربع ليرة أجرة تصليحها. (الأم تضحك) لماذا تضحكين؟
الأم : أنت..كتير كارات قليل بارات ، بنّاء، نجار، مصلح ساعات.. ورزقك بالقطّارة.
الأب : الرزق مقسوم، ولا اعتراض على حكم الله.
* * *
(تخبو الأنوار في القسم الخلفي وترتفع في القسم الأمامي)
سعيد : كتير كارات قليل بارات.. ما الذي تبدّل اليوم؟ (يمد يده في البرميل ويخرج أحد الكتب) أكثر من أربعين كتاباً ألفتها وما زلت أتلقّط رزق الأولاد، مكافأة الكتاب إن كان هنالك مكافأة أقل من ثمن وليمة يقيمها واحد من ذوي النعمة لبعض محظياته أو أصدقائه، ونحن نعزّي أنفسنا ونقول: الحياة رسالة تؤديها وليست مادة.
(في القسم الخلفي تدخل الأم وتتمدد على أريكة قديمة)
صاحبي ترك الدراسة وأسس مصنعاً للعلكة (يخرج من جيبه علكة ويقرأ) علكة مرام، مضغها غرام، وطعمها يشفي السقام. (يعيدها إلى جيبه) صاحبي هذا كان يقول لي: (بلسان صاحبه) اسمع يا سعيد، معك قرش بتسوا قرش، المال عصب الحياة يا صديقي، كم راتبك؟ تعال اشتغل عندي وأعطيك ضعف راتبك. وأنا مستعد إكراماً لك أن أطبع لك مؤلفاتك وأوزعها مع العلكة، لديَّ مندوبون للتوزيع في جميع المحافظات.
يقولون: اللي استحى ما مات ..هه.. يوزعها مع العلكة..وكلمات أمي ما تزال ترن في أذني.
الأم : (تجلس وتوجه الحديث إلي الفراغ) ادرس يا ولدي وتعلم، العلم نور، والجاهل مثل الأعمى، المال وسخ الدنيا، العلم يأتي لك بالمال لكن المال لا يأتي لك بالعلم.
سعيد : اليوم أتساءل : من كان الصادق بينهما؟
كانت أمي أمِّية لكنها مثقفة تعرف جوهر الحياة وقيمة العلم، وهي التي أصرَّت على تعليمنا أنا وأخي. أقول الحق إنها أيضاً دخلت في تحدٍّ مع أهلها.
الأم : (تتناول علبة السجائر وتنزع ورقة سيجارة من دفتر السجائر، تضع فيها التبغ وتصنع منها لفافة تشعلها وتدخن، وتوجه الحديث إلى الفراغ) اسمع يا سعيد لن أسمح لك ولأخيك بأن تناما قبل أن تنهيا وظائفكما وتحفظا دروسكما، إني ساهرة معكما، ولكن اخفضا ضوء لمبة الكاز حتى يستطيع أبوكما أن ينام. (صمت) ادرسا أريد أن أفقأ الحصرم في أعينهم. أهلي وأولادهم يلومونني ويعيرونني ويقولون: ما لك يا زكيّة ودرب العلم . زوجك فيعل وأنت أمِّية، وحالتكم منتوفة، خلهم يشتغلوا فُعولاً مع أبيهم، لن تستطيعي إكمال دراستهم، درب العلم طويل، ابنكِ حمدي الذي يدرس في المدرسة الشرعية في أحسن حالاته سيكون خادماً في الجامع، وسعيد لن يكون أكثر من آذن في المدرسة.
اسمع يا ولدي لقد تحدوني وأنا قبلت التحدي، فلا تخيِّبا أملي. سأقطع من لحمي وأدرسكما.. إيه..الله يعطيك يا سعيد سيارة وعمارة وعبد على الباب.. وتمسك التراب بيدك يقلب دهب.
(تطفئ السيجارة وتضطجع)
سعيد : (يتابع توجيه الحديث إلى الشخصية الافتراضية) أنا اليوم لا أمسك غير الورق والقلم.. لا.. صرت أكتب على الكومبيوتر، وصورة أمي تقفز أمامي على الشاشة أو تطل من بين الكلمات، أو هكذا أتصوّر.
عندما مات أخوها أبو دياب حزِنَت عليه، ولكن عندما مات أخوها الثاني الحاج حسين، وكان مستودع حبها وأسرارها، أدركْتُ أن أمي لن تعيش طويلاً فقد هدها الحزن عليه والمرض بعده.
كانت متعلقة بي بشكل جنوني، وعندما سافرت للتدريس في الجزائر لم تعش إلا بضعة أشهر لم تنكفئ دموعها، ولما حضرتها الوفاة ظلت يومين تنازع الروح وهي تشير بيدها إلى شيء مجهول حتى أدركت أختي ما تقصد فقالت: حرام عليكم..أحضروا لها قميص سعيد حتى تسلم الروح.
وأحضر لها أبي قميصي فشمَّته وبكت ثم وضعه تحت رأسها فهدأت وأسلمت الروح.
(الأب يدخل وهو يحمل القميص يقربه من وجهها فتشمه وتدمع عيناها ثم يرفع رأسها ويضعه تحته. يخبو النور في القسم الخلفي )
ماتت تلك الأم العاشقة عند مطلع الفجر ولكنها مازالت حية في قلبي، منها تعلمت العشق وطَعِمْتُه، وعرفت أن من تناول من هذا الطعام اتسع صدره لكل الأَنام، وخرج من دائرة الزمان والمكان إلى معشق علوي لا يدركه فيه الموت.
(إظلام)
* * *
(إضاءة على القسم الخلفي، الأب يدخل مستنداً على مسند مربع من حديد ينقله مع كل خطوة، فقد أصبح عاجزاً بعد أن تفتت مفصل فخذه. سعيد على الأريكة التي كانت تتمدد عليها أمه، تلفون على طاولة صغيرة)
الأب : ماذا تكتب؟
سعيد : أكتب مسرحية.
الأب : ما عنوانها؟
سعيد : الجرذ العظيم.
الأب : عنوان غريب، هل يقبل الناس على مشاهدة مسرحية بهذا العنوان؟
سعيد : لا يهمني إذا لم تعجبهم، أغلبهم يطلب المتعة والفرفشة فقط.
الأب : وما قصتها؟
سعيد : جرذان تخلع جلودها وتتحول إلى هيئات إنسانية، وتقوم بالسيطرة على المصارف والمرافق العامة ودار الحكومة معلنة ميلاد عصر القوارض.
الأب : هذا لا يكون إلا في المنام.
سعيد : بل هو الواقع يا أبي.
الأب : (يجلس بجانبه) وأنا أية قوارض أكلت رجلي.
سعيد عملك في الطرقات في برد الشتاء وحر الصيف نخر عظامك فتفتت المفصل من الهشاشة ونقص الكلس، صرفوك من العمل وأعطوك تعويضاً تافهاً. أكلوك لحماً ورموك عظماً.. هذا عصر القوارض الذي أتحدث عنه.
الأب : أنا خجل منك، أنا مقعد في دارك منذ ثماني سنوات. وفي أغلب الأحيان لا أستطيع قضاء حاجتي من غير مساعدة أولادك. لو كانت أمك حية لأرحتكم من هذا العناء. انكسر ظهري عندما ماتت أمك.
سعيد : لا تقل ذلك، أنت أبي وسيدي وتاج راسي.
الأب : الله يرضى عليك يا بني (صمت قصير) ألم يتصل أخوك من السعودية؟
سعيد : كلا..لم يتصل.
الأب : سنوات وهو يدرِّس هناك، وتمر سنة كاملة ولا يتصل، أو ربما يتصل مرة واحد، هل المكالمات غالية في ذلك البلد؟
سعيد : لا أعرف.
الأب : عندما تجيء زوجته في الصيف يتصل بها يومياً.
سعيد : إنها زوجته. (يرن الهاتف)
الأب : ربما هو. لقد ذكرناه، والإنسان ترن أذنه عندما يذكره أحد.
سعيد : (في التلفون) ألو.. عفواً النمرة غلط. (يعيد السماعة)
الأب : قلبي محروق لسماع صوته. ماذا يفعل هناك في بلاد النفط.
سعيد : يجمع الأموال.
الأب : وأنت تعيش على قد الحال! هل يرسل لك شيئاً من أجل معيشتي أو ثمن أدوية لي؟
سعيد : كلا..
(يمسك بحنو بيد أبيه) يا أبي لا تسأل ولا تحزن، أنت هنا معي تعيش مثلنا وفي قلوبنا.
الأب : كيف يفعل ذلك، أنت أصغر منه لكنك صرت منتجاً قبله، وتكفلتَّ بدراسته الجامعية في دمشق أربع سنوات، وزوَّجتَه وهو طالب، وتكفلتَ بإعالتنا جميعاً..لماذا لا يذكر ذلك؟
سعيد : عملت واجبي، وأنا لست بحاجة إلى أحد.المثل يقول: مد رجليك على قد لحافك.
الأب : هل درَّستُه علوم الدين ليجمعَ الأموال وينسى والده..؟
من كان يظن أنّ هذا الذي كان يخطب في الناس خطبة الجمعة في جامع سكر ويعظهم ويأمرهم ببر الوالدين يفعل هذا..؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
(يرن الهاتف رنات متواصلة وعندما يهم سعيد بتناول المهتف يمنعه والده).
(إظلام)
* * *
(يضاء القسم الأمامي)
سعيد : مات ولم يسمع صوت ابنه، غير أنه اتصل بالهاتف بعد أيام وقال لي: هل عملتم حصر إرث؟
(يخاطب أخاه عبر الفراغ) عملنا حصر إرث يا شيخ حمدي، هذه الدار العرجاء التي اشترت أمك أرضها من إرث أخيها أبي دياب، وعمّرها والدك لبنة لبنة بعرق جبينه، و أمك تحمل الإسمنت والنحاتة بيديها، صارت جاهزة للتقسيم، تفضل وخذ حصتك..تفوو..
(يبحث في البرميل ويتناول صورة لأمه)
تعرفت على أمي في سوق الجمعة أيام كانت تفرش بسطتها الصغيرة، وهي الوفائية بنت الحسب والنسب، تنتظر من يشتري منها شيئاً لتعود بلقمة العيش لنا (يضع الصورة في عبّه ثم يتناول صورة لأبيه من البرميل) وتعرفت على أبي يوم حملوه في محفة على الأكتاف بعد أن سقط من أعلى الجدار، وأنا ولد صغير أسير وراءه وقد تحجرت الدموع في عيني. وما تزال صورتهما تقفز من الذاكرة إلى كتبي وتنطبع في مرايا كلماتي (يضع الصورة في عبه). أما أخي وبعد سبعين سنة، وقد صار مليونيراً وصَنَّف كنجّار حاذق العديد من الكتب الدينية، فإنني لم أتعرف عليه حتى الآن.
(يخرج محفظة صغيرة من البرميل، يفتحها ويقرأ وصية والده)
هذه وصيتك يا أبي قبل أن تموت، أقرؤها بين الحين والآخر ولا زلت أسمع كلماتك ترن في أذني.
الأب : (على الأريكة وتحت إضاءة خاصة) هذا ما أوصى به العبد الفقير إلى الله تعالى الحاج محمد بن محمد، أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، وأوصيهم بما أوصى به إبراهيمُ بنيه ويعقوب : يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وقد أوصيت بما أوصى به الرسول الأعظم محمد (ص) الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، وأرجو الله أن يوفقكم إلى العمل بما فيه راحتي ورضا ربي. وأوصيكم بأن تدفنوني في قبر زوجتي الحاجة زكية. (الأب يرقد ويموت، سعيد يضع المحفظة في جيبه)
سعيد : (يعبر إلى القسم الخلفي ويحضر الزنبيل الذي فيه عدة أبيه) حفظتها مع الوصية، أنا أحرص على هذه العدة أكثر من حرصي على مؤلفاتي، وإلى الآن مازلت أسمعها في عتمة الليل وهي تنتحب عليه.
قبل أن يموت قال لي: إني رأيت في المنام أنني سليم معافى أمشي على رجليّ وأحمل عدتي، وأسير فوق الماء، البحر ساج، والنسيم عليل، وأمك علي شاطئ جزيرة خضراء تلوح لي وتشير أن تعال إليّ. (تخبو الأضواء لمشهد انتقالي)
* * *
(يتغير المشهد. إضاءة خفيفة ملونة وبهيجة، صوت العصافير وموسيقى ناعمة. الأم تجلس على الأريكة نفسها لكنها مغطاة بشرشف زهري جديد وعليه رسوم، الأريكة تحت شجرة وارفة الظلال، والأم تقرأ في كتاب، يدخل الأب، كلاهما في ثياب أنيقة وجميلة، تضع الكتاب جانباً)
الأم : (تنهض وهي تحمل الكتاب بيدها لتستقبل زوجها) أهلاً بك ، تأخرت كثيراً يا محمد.
الأب : هل كنت تنتظرينني يا زكية؟
الأم : عشر سنوات حسب ميقاتكم وأنا أنتظر.
الأب : آسف، ليس الأمر بيدي، هل شعرتِ بالملل؟
الأم : هنا لا يشعر أحد بالملل أو التعب، حياة جميلة ومتجددة دائماً.
الأب : (ينظر إليها) لم أركِ بمثل هذا الجمال من قبل.
الأم : كل ما تراه العين هنا جميل، لا وجود للقبح أبداً.
الأب : وكيف يُعرف الجمال إن لم يكن هنالك قبح؟ الجمال نسبي، والقبح درجة من درجات الجمال.
الأم : الجمال هنا مطلق، ولا حاجة لأن تتعرف عليه.
الأب : هل ترينني جميلاً؟
الأم : أنت وسيم دائماً في عينيّ (تنظر إلى عمامته) ولكن أين الفلة؟
الأب : بعد أن رحلتِ يا زكية ذبل الفل في دارنا ، وماتت الياسمينة. ولم تعد شجرة التفاح تثمر وهجرتها العصافير.
الأم : (تضع له على عمامته فلة) عرفت قدومك فقطفت لك واحدة من هذه الجنائن. كنت دائماً أنيقاً وغاوياً.
الأب : حتى وأنا في ثياب الشغل ؟
الأم : كنت أجمل ما تكون عندي وأنت في ثياب الشغل.
الأب : ثياب الشغل، ورائحة العرق من جسمي بعد التعب، هل كان يعجبك ذلك؟
الأم : المرأة تسكر برائحة عرق الرجل.
الأب : أتقولين ذلك الآن، لِماذا لم تقولي ذلك من قبل؟
الأم : عيب يا محمد، ما الذي ستظنه بي إن فعلت ذلك؟ علمنا الأهل أن المرأة كائن خجول.
الأب : بل المرأة كائن مجهول، جماله في غموضه، مثل كتاب مكتوب بكسر الحروف والأرقام.
(الأم تبتسم وتجلس على الأريكة وتتناول الكتاب)
الأب : ما هذا الكتاب في يدك؟
الأم : آخر كتاب صدر لولدنا سعيد.
الأب : وعمَّ يتحدث الكتاب؟
الأم : عن معراج الروح، كأنه زار هذه البلاد وعرفها، إنه دليلي الآن.
الأب : ومتى كنت تجيدين القراءة.
الأم : لا يوجد هنا من لم يتعلم. وكل ما يصدر هناك يصلنا مباشرة.
الأب : (ينظر في كفيه) انظري يا زكية، لقد زالت الدمامل من يديّ، وأنا لم أعد عاجزاً، إنني أمشي على رجليّ.
الأم : (تضحك) أنت مازلت جديداً هنا، لم تتعرف ولم تتعود على هذه الحياة. لن تشتغل بعد الآن بالدبورة والمِهدَّة والكريك، هنا السلام والسعادة والسكينة، وكل ما تتمناه تناله في الحال من غير تعب أو طلب.
الأب : إن لم يكن هنالك تعب فكيف أحس بطعم الراحة. هذه حياة مملّة لا طعم لها.
الأم : لا تجدِّف، التجديف هنا ممنوع.
الأب : هل عدنا إلى المسموح والممنوع؟ (تنظر إليه محذِّرة معتبة) آسف.. ولكن ألا يحتاج أحد هنا إلى تصليح ساعته؟
الأم : الساعة لمعرفة الزمن، ولا زمن هنا. أنت تعيش خارج الزمن.
الأب : يا امرأة، كنت لا تعرفين القراءة والكتابة، وتعيشين حياة بسيطة على الفطرة، والآن تتحدثين بلغة لا أفهمها مثل الفلاسفة.
الأم : ستتعود على ذلك وتصير مثلي.
الأب : لا أريد أن أصير مثلك. ( يدير ظهره راجعاً)
الأم : إلى أين؟
الأب : سأعود ، الحياة هنا لا تعجبني.
الأم : أ تعود إلى الجوع والفقر والعمل في الطرقات؟ تعود إلى المعاناة والظلم وقسوة الحياة؟ هنا لا برد ولا حر، لا جوع ولا حرمان، لا حروب تقتل الناس ولا سجون، لا أحد يمرض أو يتألم، لا حزن ولا قلق، لا أحد يعتدي على أحد، الذئب والشاة يجلسان معاً، هنا تخلع الملوك تيجانها وترمي إلى الأرض بصولجاناتها ولا يُعرف أحد إلا باسمه، وربما يكون فقير معدم في الدنيا في منزلة أفضل من وزير أو أمير في هذه الدار. هنا العدل الذي فقدناه وهنا السلام والسعادة والحب.
الأب : (مندهشاً من خطبتها) ياه.. من أين لك هذا المنطق؟ متى أصبحت خطيبة مفوّهة وكنت لا تجيدين غير الكنس والغسيل ورتق الجوارب؟
الأم : ألا يعجبك هذا الكلام، متى تستيقظ وتدرك أن ما أقوله هو الحق؟
الأب : أنا لا أنكر ما تقولينه، ولكن كل ما ذكرت من آلام كان يشعرني بأنني حي، ويدفعني إلى التحدي والاستمرار في الحياة، إذا فقدت ذلك فإنني أفقد الإحساس بوجودي (صمت يتلفت متأملاً ما حوله) ألا تفعلون شيئاً هنا غير القراءة؟
الأم : نحن نتأمل، نسبِّح، نتجول أحياناً بين الجنائن وفي الأسواق.
الأب : أسواق؟ هل يوجد عندكم أسواق؟
الأم : لدينا أسواق مدهشة، وكل ما فيها رائع وجديد.
الأب : ألا يوجد سوق للبالة والأشياء القديمة كسوق العصر .
الأم : تقصد سوق الخماخيم الذي تباع فيه كل بضاعة فاسدة وكاسدة، وكنت تذهب إليه عصر كل يوم تتجول بين البسطات كأنك تزور معرضاً دولياً فخماً.. كلا هنا لا يوجد مثل هذا السوق.
الأب : أهذه هي الحياة المتجددة كما تقولين، ما طعم الحياة بدون هذه الأشياء، ألا تذكرين كيف كنت تعرضين بسطتك في سوق الجمعة منذ شروق الشمس، وكنتِ إذا بعت شيئاً ببعض المتاليك تعودين وتخشخشين بها في يدك وتغنين (يغنّي)
تلات متاليك تلات متاليك
محتار قلـبي شو يعمل فيك
الأم : إيه.. ذكريات بعيدة وغائمة، أنساني ما أنا فيه من نعيم هذه الذكريات.
الأب : ألا تذكرين أيضاً كيف كنت تحملين كيس الحنطة وأنت حامل إلى المطحنة لتطحنيه، ومرة جاءك المخاض وأنت في الطريق إلى البيت..
إيه.. ذكريات مرّة ولكنها ذات طعم مميز.
الأم : هذه الذكريات لم تعد تسبب لي أي ألم . الحياة كلها ذرة غبار في كون هائل لا حدود له. ستدرك ذلك حين تعيش هنا وتتعلم النسيان.
الأب : (يهم بالذهاب) أحببتك يا زكية مع الألم والجوع والمرض، كنت كلما زادت معاناتنا أحببتك أكثر ، كنت أشم فيك رائحة الجنة، كنت جنتي رغم خلافاتنا الصغيرة، أنا لا أريد النسيان.. لا.. لا أريد.. هنا أرض النسيان ولا معنى للحب مع النسيان.. اسمحي لي يجب أن أعود.
الأم : أما زلت مصراً على العودة يا محمد؟
الأب : أجل، ما زلت مصراً. (الأم تضحك) لماذا تضحكين؟
الأم : أنت مستجد، لم تستيقظ بعد، ولم تدرك بعد ما أنت فيه. لقد عبرت الثقب الأسود، ومن يصل إلى هنا لا يعود أبداً. الطرقات كلها مقفلة وأنت في كونٍ آخر.
الأب : إذن.. هكذا..
(يجلس على الأريكة محبطاً حزيناً، يخلع عمامته ويضعها بجانبه)
(يظلم المسرح)
* * *
(سعيد وأمامه رزمة من الأوراق يتصفحها ويرمي بعضها في البرميل، إضاءة خافتة))
سعيد : لم يبق لي غير هذه، ذكرياتٌ مبعثرة تعيد لي زمناً لا أدري أين يغور.
نهر الزمن إلى أين يجري وأي بحر يصب فيه، أم أنه زمن دائري يعود بنا دائماً إلى نقطة البدء؟ وهل حقاً أننا سنعيش بعد الموت حياة بلا زمن؟ الأحلام وحدها لا زمن لها.
أيمكن أن تكون كل تلك الأيام التي عشتها مجرد حلم، وهذه الحياة التي نظن أننا نعيشها الآن ألا يمكن أن تكون مجرد حلم، أو ذكرى لحياة سابقة (ترتفع الإضاءة تدريجياً، يتناول بعض الأوراق يقلبها ويقرؤها) لم أكسب من عملي في الجزائر غير تلك الرحلات التي قمت بها ويقيت عالقة في الذاكرة إلى الآن كطعم الحلوى في فم الطفل (يقرأ ورقة) ذكريات رحلتي إلى الأندلس، أحقاً وقفت في قصر الحمراء في غرناطة وزرت مسجد قرطبة العظيم.. و صعدت مئذنة الخيرالدا الشاهقة في إشبيلية. وتلك.. فتاة البانسيون في برشلونة تفاحية الخدين التي استقبلتني بابتسامتها المشعشعة مازالت صورتها ماثلة أمامي (يرمي بالأوراق في البرميل) لا حدود تفصل ما بين الوهم والحقيقة، لعل الحياة مجرد وهم كبير، أو فكرة تعبر في خاطر الإله. (يتناول أوراقاً أخرى ويستعرضها) ذكريات رحلتي إلى فرنسا (يرميها في البرميل ثم يستعرض صورة) صورة سيارتي التي تحطمت في لاتيزانيا بإيطاليا، كانت حادثة مروِّعة ، في المستشفى كان إلى جانب زوجتي في الغرفة امرأة إيطالية لطيفة، دخلت عليهما فرأيتهما تثرثران، ذُهلت، فزوجتى لا تكاد تفكُّ الأحرف العربية، وتلك لا تعرف العربية، وراحت زوجتي تحدثني عن موسوليني وما فعله حزبه الفاشي في الحرب.
- يا حرمة كيف تفهمين عليها وأنت نصف أمِّية
- (بلسان زوجته) أنا أفهم عليها جيداً وهي تفهم عليّ، حدثتها عن فلسطين وما فعله اليهود بشعبها.. نحن النساء لدينا وسائل للتواصل غير اللغة أنتم لا تعرفونها.
(يرمي الصورة في البرميل) وهم..وهم.. حتى الصورة وهم، والحياة كذبة كبيرة، وإلا فمن يخبرني أين تغوص كل تلك الأيام.
(يتناول بضعة أوراق ويقرأ) أيامٌ في السقيفة وأيامٌ على سطح التربية. (يضحك) في دارنا التي اشترت أمي أرضها من ميراث أخيها دهليزٌ يؤدي إلى أرض الحوش، وفي سقف الدهليز فتحة وسلم ملتصق بالجدار. (يصعد على سلم ملتصق بجدار المسرح ويتابع الحديث من أعلاه) كالقط أتعربش على السلم لأدخل من الفتحة إلى السقيفة (يمد رأسه داخل السقيفة المفترضة) هنا كانت غرفتي، ولو كان سقف السقيفة أخفض قليلاً، أو كنت أطول بسنتيمترين لاصطدم رأسي بسقفها. لم يكن في السقيفة من الأثاث والكراكيب غيري، هنا برجي العاجي الذي أبدعت فيه بعض كتبي وأشعاري، وهنا أيضاً غرفة نومي وطعامي، وهنا قاعة استقبالي لزواري من حرافيش الحارة والأصدقاء.
أخي وزوجته احتلاً المربّع الكبير، وأمي وأبي في القبو، وأنا في السقيفة.. هذه مملكتي.. والملك لله! (ينزل من السلم)
ها قد نزلت لأصعد بعد سنوات درج مديرية التربية إلى السطح (يقرأ في ورقة) بناء على مقتضيات المصلحة العامة ينقل المدرس السيد سعيد بن محمد إلى المكتبة.. نقطة انتهى.. التوقيع مدير التربية.
(ينتقل إلى الطرف الآخر من المسرح، يمسك بمظلة مغلقة ويمثل صعوده للدرج، يفتح المظلة) لتنتقل من فتحة الدرج في السطح إلى غرفة المكتبة لابد لك من مظلة تقيك من المطر والثلج وهباب المدافئ. (يسير بحذر ويصل غرفة المكتبة ويغلق المظلة).
غرفة حقيرة على السطح يسمونها المكتبة، بين المداخن العديدة، تصفر فيها الرياح و يمطرها هباب المازوت. سيبريا، ينفى إليها المعاقبون، والمجانين من المعلمين، والمغضوب عليهم سياسياً، والمشكوك في ولائهم السياسي، والفاشلون في التدريس.
(ينشر صورة ملفوفة ويعلقها على الجدار) الأستاذ صالح يوقع على جدول الدوام في الثامنة صباحاً ويصعد إلى السطح، لا يدخل إلى غرفة المكتبة وإنما يظل يدور حول السطح حتى ساعة الانصراف في الثانية وهو يكلم نفسه ويشير بيديه، معه انفصام في الشخصية وجنونه هادئ.
(ينشر صورة أخرى ويعلقها بجانب الأولى على الجدار) الأستاذ أمجد كان شخصية هامة في الحزب، تسلم وظائف كبيرة، (ساخراً) كان مناضلاً ثورياً اختص بكتابة التقارير الأمنية ضد زملائه، بعضهم أرسله إلى السجن وبعضهم سُرِّح من عمله. ولكن ..كل حال يزول.. عُزل أمجد وعاد معلماً عادياً فطق عقله وراح يتخيل أناساً نصبوا له الرادارات في كل مكان ليتجسسوا عليه، صام عن الكلام، حتى زوجته يتفاهم معها بالإشارات، يكتب على الورق ما يريد أن يقول ثم يمزق الورقة ويحشرها في فمه ويبتلعها.
(ينشر صورة ثالثة ويعلقها على الجدار) الأستاذ خالد شاعر أُعفِيَ من التدريس وحوُِّل إلى المكتبة، وصار خطيباً للجمعة في أحد المساجد، يلقى الخطبة مرتين، مرة أمامنا في المكتبة، ومرة في المسجد، ويفخر بأنه يزين خطبته بقصائده العصماء، قالت زوجته لجاراتها: أعجب كيف يخطب في الناس ويصلي فيهم وهو يخرج من البيت إلى الجامع من غير أن يغتسل من الجنابة!
( يعلق صورة أخرى لمدير المكتبة) مدير المكتبة شيخ معمم وإنسان بسيط وطيب، صدمه ابن مسؤول وهو يشفِّط بسيارة أبيه ففقد عينه، قال لي ذات مرة: الرجل الكبير..الكبير جداً في المدينة، يرسل حاجبه إلى مدير التربية فيستعير أمهات الكتب استعارة أبدية فلا تعود ثانية إلى المكتبة، ماذا أفعل؟ قلت: خذ حسبك الله وقل: " جلاها حمد. (يرمي الأوراق في البرميل.. يضحك) وهذه الذكريات جلاها حمد.
(يتناول بضعة أوراق أخرى، صوت طائرات وقصف) بيروت بين سندان الفتنة ومطرقة العدو (يتوقف القصف) تكرر سفري إلى بيروت لنشر كتبي، فأنا هنا لحقني الفرز الأرعن، و لا ناقة لي فيه ولا جمل، فرزٌ حوّل البلد إلى قبائل متعادية، وزائر الليل، الخفاش الأسود، لا تدري متى يطرق عليك الباب ثم تختفي سنوات بعده أو إلى الأبد،
(ينزع ورقة ثم يضحك) اليوم أضحك من هذه الرسالة وكانت مصدر قلق وهمٍّ كبيرين لي، وقد وجدتها أثناء الفتنة في صندوق البريد (يقرأ) إلى سعيد بن محمد، هذا هو التحذير الأول والأخير، أنت ممنوع من الكتابة في الصحف والمجلات، ممنوع من الاشتراك بالندوات والمحاضرات، ممنوع من حضور المحاضرات والمجالات الثقافية، الزم بيتك وأغلق فمك تسلم، وإلا سننفذ فيك حكم الله..(يشير بإصبعه للرسالة) لقد ذيّلوها بآية قرآنية .
عرضتها آنذاك على اثنين من ذوي الشأن في الجانبين المتصارعين فقال الأول
- (بلسان الأول) نحن بيدنا السلطة ولو أردناك ما أرسلنا إليك رسالة وإنما أحضرناك إلينا مرغماً، واعلم أننا نعرف كل شيء عنك ونحصي أحلامك.
وقال الثاني:
- (بلسان الثاني) لا علاقة لنا بهذا الأمر بدليل أن الآية المذكورة في الرسالة نزلت في المؤمنين، ولو كنت تستحق الموت وأردناك لاستشهدنا بآية نزلت في الكافرين.
من كتب الرسالة إذن؟ لم يبق إلا طرف ثالث لم أسأله، إنهم بعض أشباه المثقفين الحاقدين ومدعي الفكر الذين ركبوا الموجة الدامية ليصفوا حساباتهم مع زملائهم.
وأتساءل : لماذا يحدث معي كل هذا.. ومن أنا؟
أنا.. أنا مجرد إنسان يحلم، هل الحلم ممنوع؟
صوت : (صوت مع الصدى) ليس لك أن تحلم، و ليس لك أن تكتب أحلامك. ما رأيته هنا درس أوليّ، فركة أذن، يمكن أن نعيدَه، هل فهمت؟
سعيد : أجل فهمت.
صوت : كلا.. أنت لم تفهم، لأنك ما زلت تحلم وأنت أمامي الآن..أنتم مجرد حيوانات وأحلامكم خبيثة. أحذرك..الرغيف الذي تأكلونه نعجنه بأسرار تسجّل أحلامكم.
يا حمار، لعلَّك فهمت الآن.. انقلع من هنا.
سعيد : وانقلعت إلى بيروت.. (يعود القصف ويقلب بعض الصفحات) اللعنة على حرفة الأدب وسُوسَةِ الكتابة.
بيروت تقصف وأنا عالق فيها، ودبابات العدو تغلق أبوابها الغربية، ولا بد أن أعود إلى بلدي لأخرج من تحت الدلف إلى تحت المزراب
- (بلسان رجل الدورية، وباستهزاء) أهلاً وسهلاً.. ما الذي جعلك تمر من هذه البوابة، من بيروت الشرقية.
- أريد أن أعود إلى بلدي والطرقات هناك تقصف. (صمت قصير )
الداخل مفقود والخارج مولود والموت على الهوية، حدثت بذلك نفسي وهم يعصبون عينيّ، وتراءت لي أطياف أولادي وزوجتي وأمي وأبي.. ولعله الوداع الأخير، إلى أن طلع الصباح وارتفعت الشمس وجاء المحقق.
(بقعة ضوء على المحقق أنطوان في منتصف المسرح ، وسعيد في مكانه يرد على أسئلته من غير أن يلتفت إليه).
المحقق : أنت كاتب وصحفي.
سعيد : نعم، وهل هذه جريمة؟
المحقق : أنا لم أقل ذلك.. أين تكتب ؟
سعيد : أكتب في مجلات وصحف عديدة زوايا أدبية وفكرية، هل أعدِّدها لك؟
المحقق : لا حاجة، نحن نعرف كل شيء عنك (يضرب رقماً في الهاتف) ألو.. هالو ماري.. أعطني ملف سعيد نعم.. نعم..على الهاتف (ينتظر قليلاً، ويخاطبه) الاسم ليس غريباً علي، أعتقد أنني قرأت لك شيئاً ( في الهاتف) ألو.. اللون حنطي ..صحيح.. أعطني ملخصاً عن الأماكن والمجالات التي يكتب فيها (ينتظر ويستمع) شكراً (يغلق الهاتف).
المحقق : آسف.. نحن مضطرون لاحتجازك.
سعيد : أعطني سببا مقنعاً لذلك. أنا كاتب حر، نذرت نفسي للدفاع عن الإنسان في أمنه وحريته وكرامته ورغيف عيشه، أكتب عن عصر القوارض، ولا أحد يملي عليّ ما أكتب، هل في ذلك ما لا يرضيكم؟
المحقق : (يبتسم) عصر القوارض.. جميل هذا التعبير، وأنا لا أقاضيك على ما تكتب، ولكن أنت لم تذكر لي لماذا اخترت أن تمر من هذه البوابة.
سعيد : أنا صحفي وكاتب، ويقولون عنكم أشياء وأشياء.
المحقق : (بغضب) إننا أكلة لحوم البشر.. أليس هذا ما يقولونه؟
سعيد : أنا لم أقل شيئاً، أنا لا أنفي ولا أثبت، أنا طالب معرفة وحقيقة، ولهذا أصررت على المرور من بوابتكم.
المحقق : (يصمت قليلاً) حسن.. أنت حر ..تستطيع أن تذهب.
سعيد : أعطني أي شيء مكتوب لئلا يعترضني أحد من رجالكم، حتى أصل إلى أقربائي في الطرف الآخر.
المحقق : اطمئن، إن اعترضك أحد قل له كنت عند أنطوان.
(تختفي بقعة الضوء عن المحقق)
* * *
سعيد : (يمزق بعض الأوراق ويلقيها في البرميل بعصبية) هل تستحق الكلمة كل هذه المخاطر، وما الذي فعلته الكلمة؟ كان وهماً ما نذرنا أنفسنا له، قلنا كل ما يجب أن يقال، فلم يصغ إلينا أحد، حملنا إلى الناس حلمنا بحياة أفضل فتكسرت أحلامنا، والحياة فرس جموح، عنانه بيد الأقوياء والطغاة والأثرياء والمستكبرين، أما نحن فليس بين أيدينا غير هذه الكلمة في سوق النخاسة. ما قيمة الكلمة إن لم تغيِّر واقعاً وتصنع حياةً، إنها بذور حيّة في أرض ميتة لا تشرق عليها الشمس. ألهذا أصبت العقم حتى جاءني ذلك القرين يغريني بكتابة الفصل الأخير، هل كان ذلك القرين وهماً آخر ، كهذه الحياة التي نتوهم أننا نعيشها؟ لقد خذلني ذلك القرين ولم يعد.
هنالك أقوام يحرقون جثث موتاهم، وآخرون يدفنونها تحت الأرض، وأقوام يتركونها في العراء حتى تصير في بطون الطير. (يمد يده في البرميل ويعرض بعض الكتب ثم يرميها فيه ثانية) ماذا أفعل بجثث الموتى هذه؟
ترى هل شعر أبو حيان التوحيدي بالندم على إحراقه مؤلفاته، ليته يجيبني على سؤالي؟
* * *
(تتغير الإضاءة، يدخل أبو حيان التوحيدي ملقياً على ظهره كيساً فيه كتبه وأمتعته)
التوحيدي : كلا.. لم أشعر قط بالندم على إحراق كتبي.
سعيد : من أنت ؟ قرين آخر؟
التوحيدي : دعوتني فجئت، أنا أبو حيان التوحيدي.
سعيد : هل أنا في النوم أم اليقظة؟
التوحيدي : ليس هنالك من فاصل بين اليقظة والنوم ، ولا بين الحياة والموت. الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
سعيد : خلتك ذلك القرين الذي جاءني وأقنعني بالعدول عن إحراق كتبي.
التوحيدي : أنت ما زلت متعلقاً بما كتبت، لم تتخلص من ترددك، تسأل نفسك هل أحرِقُها أم أحافظ عليها، إن عقلك الباطن هو الذي اخترع قصة القرين.
سعيد : وهل أحرقتَ كتبك فعلاً؟ بعضهم يشك في ذلك.
التوحيدي : أحرقتها فعلاً، جمعتها في صحن الدار وتركتها طعمة للنار.
سعيد : هذا عمل لا يقوم به إلا يائس.
التوحيدي : عشت آملاً أكثر من ستين عاماً، ولما أدركت أن لا جدوى من الأمل، وبعد أن طحنني الفقر والهم جمعت كتبي كلها، وكانت تعد بالعشرات من أنفس وأبدع ما كُتب، وأحرقتها لئلا أتركها من بعدي للناس الذين أذاقوني العذاب والهوان أكثر من ستين عاما، ولولا وقوع نسخ من بعض هذه الكتب بأيدي الناس لما وصل إليكم منها شيء.
سعيد : لو أنك معنا الآن لرأيت اهتمام الدارسين بكتبك، ولما أقدمت على فعلتك تلك، إنهم يعتبرونك كاتباً موسوعياً، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة وبخاصة في كتبك الإمتاع والمؤانسة، والبصائر والذخائر، والمقابسات،والصداقة والصديق.
التوحيدي : وما الذي يفيدني ذلك إذا كنت قد عشت وأنا لا أجد أسباب العيش.
سعيد : كيف تقول ذلك وقد اتصلت بكبار رجال السلطة في عصرك كالوزيرين ابن العميد والصاحب بن عبّاد والوزير المُهَلَّبي؟

التوحيدي : وكنت أعود منهم في كل مرة صفر اليدين، خائب الآمال، فأعود إلى مهنة الوراقة ونسخ الكتب التي أكلت أصابعي وعينيَّ.
سعيد : وقد انتقمت من الوزيرين فهجوتهما شر هجاء. لعل ما عانيت من إهمال وفشل يعود إلى طباعك هذه فأنت رغم ذكائك وعلمك وفصاحتك واسع الطموح، شديد الاعتداد بالنفس، سوداوي المزاج، حاد اللسان.
التوحيدي : أما الوزيران فقد وصفتهما بما فيهما من حسنات وسيئات، ولكن الناس لم يتعودوا نقد رجال السلطة، وأما ما ذكرتَ من صفاتي فهذا ما أشاعوه عني، كنت أدافع عن كرامتي كإنسان وأديب، فهؤلاء ما جالستهم يوماً إلا وذكَّروني بنشأتي يتيماً في عائلة فقيرة. كانوا يريدون مني أن لا أنسى بأني فقير معدم عندما أحضر مجالسهم وأتحدث إليهم.
سعيد : يقول ابن الجوزي : إنك أحد زنادقة الإسلام الثلاثة، هل هذا صحيح؟
التوحيدي : اتق الله يا رجل ، ألم تقرأ كتابي الإشارات الإلهية، وأكثره مناجاة لربي لترتاح روحي المعذبة بعد أن يئست من كل مخلوق وأنا في السبعين من سنيِّ حياتي الشقية البائسة؟ ثم إني زهدت من الدنيا وتصوفت بعد إحراق كتبي، ألم يشهد غيره فيّ شهادة أخرى؟
سعيد : أجل، يقول السبكي عنك في طبقات الشافعية: التوحيدي هو شيخ الصوفية، كان فاضلاً مصنِّفاً وكان فقيراً صابراً متديناً صحيح العقيدة.
التوحيدي : هذه شهادة حق.
سعيد : الأديب الحر عندنا يشعر بالإهمال والوحدة، هل كنت تشعر بذلك، وهل كتبت شيئاً من سيرتك الذاتية.
التوحيدي : تجد ذلك في كتابي الصداقة والصديق. اسمع بعض ما كتبت (يخرج من الكيس كتاباً وقد أكلت النار أطرافه ويقرأ) لقد فقدت كل مؤنس وصاحب، ومرافق ومشفق، ووالله لربما صليت في الجامع، فلا أرى جنبي من يصلي معي، فإن اتفق فبقال أو عصار، أو نداف أو قصاب، ومن إذا وقف إلى جانبي أسدرني بصِنانه، وأسكرني بنَتْنه، فقد أمسيت غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنساً بالوحشة، قانعاً بالوحدة، معتاداً للصمت، ملازماً للحيرة، محتملاً للأذى، يائساً من جميع من ترى.(يسود صمت مؤثِّر)
سعيد : أخشى أن يكون في ما وصفت شيء من المبالغة.
التوحيدي : إنها الحقيقة، وإذا كنت لا تصدقني فلماذا دعوتني؟
سعيد : أنا أصدقك، وقد دعوتك لأطَّلع على تجربتك.
التوحيدي : ليس في تجربتي ما يسرّ.
سعيد : يبدو أن هذا الكتاب قد سلم من النار وقد احترقت أطرافه.
التوحيدي : وليته لم يسلم (يعيد الكتاب إلى الكيس)
سعيد : وماذا في الكيس أيضاً؟

التوحيدي : أغراض مسافر، وأدوات الكتابة، وبعض الحشائش أتقوَّت بها حين لا أجد الطعام (يتناول من الكيس بعض الحشائش).
سعيد : أليس فيه بعض كتبك التي لم تصل إلينا؟
التوحيدي : (يخرج من الكيس جرة صغيرة) في هذه الجرة رماد كتبي التي أحرقتها، أحملها كما يحمل البرهمي رماد موتاه، (يمد يده في الجرة ويأخذ حفنة رماد) أنفخ الرماد وأذره في عيون البلاد (ينفخ الرماد).
سعيد : جرتك هذه كبرميلي هذا.
التوحيدي : وماذا في هذا البرميل؟
سعيد : كتبي، أنا في سبيل تكرار هذه التجربة، في هذا البرميل جميع ما كتبت، ولا ينقصه سوى عود ثقاب.
التوحيدي : وماذا تنتظر؟
سعيد : أنا أفكر فتجربتي تختلف عن تجربتك، ودوافعي غير دوافعك، لقد ارتضيت لنفسك أن تعيش على موائد السلطة، فتقربتَ إلى رجالها ولم تدرك أنّ من يعش على مائدة السلطان يجب أن يضرب بسيفه.
التوحيدي : يضرب من؟
سعيد : وهل يضرب السلطان غير شعبه.
التوحيدي : هل تتهمني؟
سعيد : ألم تجعل نفسك نديماً لهم، وألَّفت لهم الكتب لمسامرتهم؟ تجلس على بابهم ذليلاً ساعات وأياماً حتى يأذنوا لك بالدخول.. والمثل يقول: نفسُك حيث تضعها.
التوحيدي : وما الذي كان يمكن أن أفعل غير ذلك؟ لقد كتبت إليهم متوسلاً أن يُجْروا عليَّ درهمين في اليوم لأتمكن من التفرغ للكتابة والتأليف فلم أظفر بهذا المطلب الزهيد، وبلغت بي الحاجة أحيانا إلى الخروج إلى الصحراء، أقتات بالعشب والثمار البرية، وبقيت على فقري وفاقتي في الوقت الذي كانت تُغدق فيه عشرات الألوف ومئات الألوف من الدراهم والدنانير على الجواري والغلمان في قصور الخلافة والسلطنة.
سعيد : هذا مؤلم بلا شك، ولكنَّ ما أقصده هو أنك لم تكن لك قضية تدافع عنها سوى طلبك للمال. ولهذا كان إحراقك لكتبك عبثاً.
التوحيدي : (بغضب) وأنت ما القضية التي تدافع عنها؟
سعيد : قضيتي في أغلب ما كتبت هي الإنسان في مواجهة قوى القهر والظلم والطغيان، قضيتي هي العدل والبحث عن أسباب السعادة لشعبي ودعوته إلى تغيير واقعه البائس.
قضيتك فردية يا أبا حيّان وقضيتي عامة. وإحراقك لكتبك كانت نزوة يائسٍ أراد أن يجتذب الأنظار ويثير الشفقة.
التوحيدي : (بسخرية) وماذا أنتجت قضيتك حتى الآن يا من تحمل على كاهلك هموم البشرية.
سعيد : (يصمت لحظة) لا شيء ..يحق لك أن تسخر (بحزن) أنا أضرب في جسد ميت.
التوحيدي : (يضحك ساخراً) إذن نحن متعادلان، أنا طلبت السادة فلم أنل شيئاً، وأنت طلبت المجتمع فلم يأبه لك أو لخطابك. والنتيجة في الحالتين هي لا شيء.
سعيد : الحياة رسالة، وعليَّ أن أؤدي رسالتي.
التوحيدي : (ساخراً بحكمة) عظيم، وهل تظن أنهم يدَعونك تؤدي رسالتك. إن لم تحرق كتبك أنت سيحرقونها هم، أو يمنعون تداولها، وقد لا يسلم رأسك أيضاً.
سعيد : أعرف ذلك، ولهذا تراني حزيناً ويائساً.
التوحيدي : يعزُّ عليَّ أن أراك حزيناً يائساً. قل لي ما الذي تريده مني الآن؟
سعيد : أريد أن تنصحني.
التوحيدي : عليك أولاً أن تتخلى عن ترددك، وتفكر بالأمر جيداً ثم تتخذ القرار بنفسك. (صمت)
اسمع.. قلت لي إن كتبي موضوع دراسة الدارسين اليوم، وأن اسمي غدا شهيراً لديكم، يعنى أنني عشت ميتاً وأنا حي وصرت حياً وأنا ميت. ولي كتب قيمة ليس منها غير نسخة واحدة أحرقتها كنت أتمنى لو أنها وصلتكم.
سعيد : هل أفهم من ذلك أنك نادم على فعلتك.
التوحيدي : الندم والخوف والقلق، الحب والكراهية، نحن في برزخنا لا نعرف مثل هذه المشاعر الدنيوية. دعك من أمري واهتم بأمر نفسك. فكِّر جيداً وافعل ما هو صائب. (يهم بالذهاب)
سعيد : إلى أين؟ مازلنا نتحدث.
التوحيدي : اعذرني..بدأت تباشير الفجر تلوح ويجب أن أعود قبل انبلاج الضوء (يخرج)
سعيد : (يردد عبارة التوحيدي) افعلْ ما هو صائب..لا بأس.. سأحرقها، ما الذي جنيته منها غير شظف العيش والسهر ولم توقظ الناس إلى القيامة.. لا بد أن أحرقها (يتناول علبة الكبريت ويخرج عوداً ويهم بإشعاله ثم يتوقف) لا.. لا يمكن أن أحرقها.. ربما يقرؤها جيل آخر فيستيقظ على كلماتها. وستأتي أجيال تقرؤها وتدرك قيمتها و تكتب دراسات عنها وذلك هو الخلود الذي نبحث عنه كمبدعين.. لا .. لن أحرقها (يعيد عود الثقاب إلى العلبة. يتحرك قلقاً حائراً) أُحرِقها.. لا أحرقها.. إني حائر (تخف الإضاءة) ما ضرَّ لو أجَّلت الأمر يوماً آخر..يجب أن أفكر بالأمر قبل أن أقدم على أمر أندم عليه (تتلاشى الإضاءة تدريجياً . إظلام)
* * *
(إضاءة، البرميل على حاله ولكنه في منتصف المسرح، يدخل كلب بوليسي ووراءه صاحبه رجل أعمى يضع نظارات سود وهو يمسكه من رسنه ويسير وراءه. يدور الكلب في المسرح ويشم الأرض ثم يتجه إلى البرميل ويبدأ بالنباح).
الأعمى : ماذا.. هل وجدت شيئاً من الممنوعات.. هيرويين.. حشيش.. أفيون..؟ (يتحسس بكفه البرميل والكلب ينبح) هنا في البرميل؟ هذا برميل قمامة يا غبي ! (الكلب يضع قائمتيه الأماميتين على البرميل وينبح) سأرى ما في البرميل (يمد يده ويخرج بعض الكتب) كتب؟ (يخرج كتباً أخرى ويرمي بها على الأرض) كتب.. كتب.. كتب كثيرة ومخطوطات (يشم أحد الكتب ويقلب صفحاته) لا شك أنها كتب ممنوعة (يخاطب الكلب) أنت تشم جيداً رائحة الممنوعات، تستحق منحة جيدة، سأعطيك عظمة أخرى (الكلب ينبح مزهوّاً ومسروراً) سنصادر هذه الكتب ونضعها أمام المعلم، سيفرح المعلم كثيراً بإنجازنا هذه المهمة النضالية، بقي أن نعرف من صاحب هذه الكتب، المعلم يريد الأمور بتمامها.
(يضع كتاباً أمام أنف الكلب)
شم رائحة الكتاب جيداً ودلني على صاحب هذه الكتب.
(الكلب يشم الكتاب ثم ينطلق ويجر صاحبه وراءه، يدور في المسرح دورتين ثم يتجه إلى مقدمة المسرح نحو الجمهور وينبح نباحاً متواصلاً ).

- ستارة النهاية -

حلب 19/11/2009

0 التعليقات:

إرسال تعليق