مسرحيه شمّة زعوط


تأليف عدنان كنفاني
المشهد:
ساحة ترابية، تتناثر على مساحتها حجارة كبيرة وصغيرة.. صندوق باص قديم يطل طرفه من زاوية المسرح، تبدو على صفحته الجانبية الظاهرة للمسرح كلمات مكتوبة بخط رديء بدهان أخضر " مخيم الرباط رقم 46 " وتحتها بلون أحمر "مخيم الصمود"..
باب صندوق الباص يفتح على المسرح، معلّق على طرفه راديو ترانزيستور صغير، وإلى جانب الباب حجر كبير يبدو كمقعد، بينما في جانب المسرح الآخر يظهر جزء من سياج مرتفع، ومن بعيد تبدو بعض التلال..
يخرج بعد قليل رجل طويل عريض محنيّ الظهر من صندوق الباص ، يبدو في العقد التاسع من عمره، عيناه صغيرتان ضعيفتان، وشاربه كث أشيب معقوف كأنه منقار صقر، يرتدي قنبازاً مقصّباً (القنباز الفلسطيني) ويضع على رأسه حطّة بيضاء حريرية، ويحمل بيده عكّازاً، يبدو على وجهه وطريقة حركاته التوتّر والقلق، يدخل إلى صندوق الباص ويخرج عدّة مرّات ينظر إلى الجهات القريبة والبعيدة بقلق.. ينظر المرّة تلو الأخرى إلى السماء، وإلى آخر الطريق الذي تبدو أيضاً آثاره ممتدّة إلى جانب السور، وينظر حوله، ثم يبدأ الحديث وكأنه يتحدث مع نفسه:
خمس ساعات والولد لسه ما إجاش..
يبتسم، ويتابع:
صار رجّال عمره فوق العشرين سنة ولساتني بقول عنه ولد.. يمكن لأنه أصغر ولادي.. ويمكن لأنه الوحيد بين ولادي اللي ما فارقنيش أبداً..
وكأنه تذكر شيئاً للتو:
الحق عليّ أنا.. سألني إيش جاي على بالك يابا أجبلك معاي من القدس.. ما سألتوش إيش رايح تساوي بالقدس، قلتللو جيب لي معك جوافا.! (نوع من أنواع الفاكهة يكثر في فلسطين ولها رائحة نفّاذة)
يتحرك أبو يوسف جيئة وذهاباً، ثم يقف فجأة، ويشير بعكّازه إلى خلف السور:
ريحة الجوافا بتنعش القلب..
مش عارف ليش اليوم إجت على بالي.. يا ترى إحنا هلئيت بموسم الجوافا.؟ والّلا يمكن لأني استحيت أكسر بخاطره واقولله قدّام رفقاته ما تروحش عالقدس.
يتنهد ويستند إلى العكّاز.. أم هيكل عمرها ما حبت الجوافا، بس كانت تحب ريحتها، تقوللي: لمن بشمّ ريحة الجوافا بحس كإني ماشية بحارات القدس..
يسترسل ساهماً: بتتذكر يا أبو هيكل.؟
يخرج من جيب صدريته علبة زاهية، ينقر عليها نقرتين، ويفتحها ببطء، ثم يتناول منها مسحوقاً بين أصبعيه ويشمّه بعمق، يكرّر تلك الحركة مرتين، ثم يجلس على الحجر ويتنهّد:
إيه.. والله كبرت يا أبو هيكل وما عدتش تعرف إشي.. شو بدك تتذكر تا تتذكّر، يوم نزلنا نشتري جهاز أم هيكل كان وقتها موسم الجوافا، ومن يومها كل ما بتشمّ ريحة الجوافا بتتذكر هديك الإيام، مرّات بتضحك، ومرّات بتبكي.. يرفع صوته بألم: ما إحنا هيك حياتنا من أول عمرنا.. بنضحك ساعة وبنبكي أيام..
الله يرحمك يا فاطمة.. ينظر حوله مرّة ثانية بقلق وكأنه تذكر شيئاً.. من يوم اللي قاللي إنّه شاف اليهودي صاحب الجدايل اللي ضربني كفّ واقف على حاجز طرخونيا، حاجز الموت السريع متل ما بيسمّوه، وأنا حاسس إنه ورفقاته عم يحضروا ليعملوا إشي.. قاللي يابا شفته بعيني.. قلتللوا ليكون واحد غيره يابا حاكم كلهم لمن يلبسوا الأسود ويحطّوا الطاقية، ويرخوا جدايلهم بيشبهوا بعض.؟ قاللي بس هادا بالذات مش ممكن أنسى شكله أبداً، صورة وجهه محفورة هون براسي، يشير إلى رأسه.. شفته واقف على الحاجز مع الجنود، وكل ما مرق ولد ابن عرب بيفتشه، وبيشوف إيديه إذا فيها أتر حجار واللا مشققة ويقلّب جيوب بنطلونه يشوف إذا بيهرّ منها تراب، وكل ما يخلص من واحد بيضربه شلوت ويقوللوا: يالله روخ.. روخ انكبر..
يتابع بحماسة: بس إحنا يابا كنا قبل ما نوصل الحاجز، نغسّل إيدينا من حنفية الميّ اللي جنب بيت أبو إسماعيل، ونفضّي جيوبنا وننفضها..
يبتسم ويهزّ رأسه يمنة ويسرة.. كنت أضحك وأقول بسرّي: والله ابن أبوك يا يوسف..
يعود إلى جديّته وقلقه.. بس مش عارف ليش بهالكام يوم حاسس إنه ورفقاته عم يحضروا إشي، بشوفهم يجمّعوا بعض وبينزلوا عالقدس، بيدوروا دورة كبيرة حوالي البنايات العالية المنصوبة قدامنا، يمكن عشان ما يشفهم حدا من اليهود، وبضلّها عيوني تراقبهم حتى يبعدوا عني كتير، بيغيبوا كام ساعة ويرجعوا، وكل ما أسأله وين كنتوا يابا يقوللي بنصللي بالأقصى..
يسكت قليلاً ثم يتابع بحماس أكثر.. في يوم إجاني عم يلاهت، تيابه مليانة تراب وعفار، وإيديه مجرّحة، وشفت في بجياب بنطلونه كم حجر، سألته إيش هادا يابا.. قاللي هربنا من الدوريات ومن ورا الحواجز، يمكن شافوني بس ما حداش غدر يمسكني، ولا يعرف مين أنا ولا من وين.
وصار يطلّع الحجار من جيوبه ويضحك.. بعد شوي قاللي هاي الحجار من الحجار اللي كنت بتحكيلنا عنها..
يتمتم وهو ينظر إلى الأرض، ينظر إلى علبة السعوط، ثم يضعها في جيب صدريته.. الله يرحمك يا أم يوسف.. كانت كل ماتشوفني مجمّع الصغار حواليّ وبحكي معاهم تقوللي: كبرت يا أبو يوسف وما غيّرتش عادتك.. لساتك بتجمّع الصغار وبتقعد تحكيلهم.. بس لو أعرف إيش بتحكيلهم.؟
يلتفت فجأة إلى الناس ويحرّك عكّازة في الهواء بخيلاء.. ما كانتش تعرف إني بحكيلهم عن حجارة البلد وعن أهاليهم وبيوتهم..
كانوا يجمعوا بعضهم ويروحوا على راس التل، بيعرفوا إني دايماً بكون هناك. في يوم شافوني ماسك حجر.. يشير بيده وكأنه يمسك حجراً: حجر العادة بس شكله غريب عجيب، أبيض لمّاع مالس مدوّر كأنه قرص القمر، قعدوا يسألوني وأنا أحكيلهم.. يجلس: كان يوسف صغير متلهم، قاللي إيش هادا الحجر يابا.. قلتللوا حجر مثل الحجار، والحجر يابا كان من قديم الزمان، صحيح ساكت ما بيحكيش، لكنّه رافق الإنسان من أول ما خلق، وعلّمه شغلات كتيرة ساعدته على الحياة..
أوّل ما تعلّم البني آدم كيف يشعل نار يوم اللي قدح حجرين ببعضهم، وطلع منهم شرار.. بعدين تعلّم كيف يرسم عليها وينحت ويبني منها بيوته، ومنها عرفنا كتير من تاريخ الناس اللي عاشوا قبلنا من زمان بعيد وبنوا البلاد.. يردد بحزن وحسرة: بنوا لبلاد يا ولاد.. وتعلّم البني آدم كمان كيف يدافع بالحجر عن حاله وكيف يسوّي منه سلاح يصطاد فيها عشان ياكل ويحارب فيها لوحوش.. الحجر يابا هو مش بس إحنا، هو الإنسان من أول ما قامت الدنيا..
يسرح أكثر: كنت وأنا أحكي من دون ما احسّ أرفع الحجر مرة والعكّازة مرة.. وكل ما رفعت العكّازة كان يوسف يخبي راسه..
سألته: ليش بتخبي راسك يا ولد.؟
يضحك، ويتحرك خطوتين: لو تعرفوا إيش قاللي..
يرفع العكّاز.. قال بخاف يابا تطلع منها رصاصة.. يضحك أكثر: قلتلله: ولك هاي عصاي مش بارودة..
لما كبر شويّ وصار يسمع بالبواريد ويشوفها صار يضحك على حاله.. قاللي لما كنت بتحكيلنا عن بيتنا بحارة الشرف وترفع عكّازتك وتقولنا هناك بيتكم، هناك بيتكم.. كنت أغمّض عيوني، أشوف كأنه الشرار طالع من عيونك، أقول هلئيت بتطلع الرصاصة.. ويضحك.. يمسك العكّاز بيديه ويستند عليها، ويتحدّث بصوت منخفض وحزين.. ما حدّش منهم كان يعرف إني لمن أمدّ العكّازة، وأقوللهم هناك بيتكم كنت بحس إني بلمس حجارة بيتنا عن صحيح، وكنت أشمّ عنها ريحة أبوي، وأشوف عليها آتار إيدين جدّي ونقط عرق بتنزل من جبينه، بتغسل كل حجر..
يجلس ويتابع: كنت بشوف حالي كأني قاعد مع أبوي الصبح بكّير على عتبة البيت والفلاحين بيمرقوا من جنبنا، كل واحد حامل رزقاته ونازل يبيعهم بالقدس، وكل ما تمرق جماعة يقوللي أبوي هدول من بيت إكسا، هدول من قلندية، هدول من ريحا، أسأله يابا أنت بتعرف كل هدول الناس.؟ يقوللي لأ يابا أنا بعرف كل بلد من التياب اللي بتلبسها حريمهم.. حاكم يابا كل بلد إلها شغلة بيتوارتوها من أكتر من ألف سنة، وبيحافظوا عليها، بالتوب أو بغطا الراس.. شغلة بدك تقول متل الهويّة..
بس يابا مش عارف ليش كل نسوان بلادنا بحبوا اللون الأحمر والأخضر والأبيض، ولازم تلاقي هدول التلات الوان بكل توب بتشوفه..
يتنهّد.. الله يرحمك يابا.. كان يقوللي لازم نزرع شجر زتون قد ما بنقدر، أقولله ليش يابا، يقوللي شجر الزتون الله سبحانه بارك فيه، بيعطي كتير وبعيش كتير وبضللو أخضر كل السنة وما بياخدش إشي..
يقف.. يبدو غاضباً، ويشير بيديه إلى كل الجهات.. يجي يشوف هلئيت كيف عم يقلعوا شجر الزتون من شروشه.!
كل ما كنت أشوف جرّافة بتقلّع شجرة زتون أقول ليش هدول الناس بيكرهوا هاي الشجرة.؟ كل ما يشوفوا بستان زتون بينجنّوا، تهجم الجرّافات متل الشياطين، وتلاقيهم عم يرقصوا ويغنوا وشروش شجر الزتون بحس كأنها عم تبكي وهي بتطلع من الأرض اللي صار الها مغروزه فيها الله أعلم كم سنة.. يسكت قليلاً ثم يتابع: كنت لمّا أطلع من داري، أشوف خضار شجر الزتون على مدّ عيني، منظر بيشرح القلب.. هلئيت يفرد ذراعيه.. وين هادا كلّه، يشير إلى البنايات.. ما عدتش أشوف إلا بنايات عالية ورا السور العالي وجناين فيها ورد كتير بس ما إلوش ريحة.. يضرب الأرض بعكّازه: ما إلوش ريحة.. ما إلوش ريحة..
ثم يشير إلى الأرض حوله.. وهون حواليّ ما بشوفش إلا القرف والسخام..
يمسك العكّازة بكلتا يديه وراء ظهره ويمشي منحنياً بضعة خطوات.. ينظر إلى البعيد وينصت ثم يقول بقلق: سامع صوت رصاص من بعيد..
يقترب صوت الرصاص ودويّ القنابل، ينتفض بقلق: يا ترى وينك يا يوسف.؟ قلت رايح تصلّلي، وهاي صلاة الجمعة خلصت من اكتر من تلات ساعات، يسكت قليلاً ثم يتابع: والله إنهم تأخروا كتير هالمرّة..!
ينظر إلى الأرض.. الصغار لمن بيكبروا ما بعدش حدا يغدر يمسكهم، وبس يكبروا أكتر ويصرلهم جناحات، بيطيروا..
يشير بعكّازه وهو ينظر في وجوه الناس.. أم يوسف الله يرحمها كانت تجيب كل سنة ولد.. جابت حداشر ولد.. كلهم صبيان.. الولد الكبير سميته هيكل على اسم أبوي، كان عمره خمسه وعشرين سنة لمن وقعت حرب السبعة وستين..
يبتسم ساخراً.. كنا نستنا الفرج..عشرين سنة وإحنا بنحلم باليوم اللي نحارب فيه ونرجّع البلاد اللي راحت بالتمانه وأربعين.. نفخونا وهم يقوللو بدنا نرجعكو لبلادكو وأراضيكو.. كلها تلات ساعات وجيوشنا بتوصل لتل أبيب، سمعنا من الراديو (يشير إلى الراديو المعلّق) إنه الحرب وقعت، فرحنا ورقصنا، وأبو عايد ضبّ بقجة غراضه، وحمل مفاتيح بيته بيافا، قاللي: صارلي عشرين سنة وأنا محافظ على مفاتيح البيت، وهاي إجا اليوم.. قاللي: إحنا راجعين يا أبو هيكل..
بس يا خسارة ما كملتش فرحتنا..
والله شغلة عجيبة ما بصدقهاش العقل.. الراديو بيقول إنه عم نحارب، ونتقدم، وإنه إسرائيل وقعت بين اسنان الكمّاشة، بس اللي كنا نشوفه هون على الأرض غير شكل..
يحاول أن يضرب الراديو بيده وهو يردد: غير شكل يا راديو..
يضرب يديه على فخذيه، ويقول بحزن: انكسرنا واللي كان كان.!
يرفع رأسه ويعلو صوته قليلاً: قاللي هيكل: يابا هون العيشة ما عاداتش تنطاق، لا شغلة ولا عمله.. الدكّان بسوق القطّانين ما عادتش تجيب همّها والضرايب هلكتنا، بالأخص هاي الضريبة الجديدة اللي رسموها علينا منشان يطفّشونا. قال إيش ضريبة الأرنونا.. ضريبة بس على صحاب الدكاكين والبسطات والتجّار والبياعين العرب بالقدس.. يعني البسطة الصغيرة اللي ما بتسواش كلها على بعضها عشر ليرات يرسموا عليها ضريبة عشر ليرات باليوم، يعني إذا اشتغل الواحد بليرة لازم يدفع العشر ليرات، اليهود يابا راكبين ضهورنا وبدهن إيانا نهجّ..
يتنهد.. قاللي: تعال نهاجر يابا..
يحرّك رأسه يمنة ويسرة.. قال نهاجر.! وين بدي أهاجر وأنا روحي ودمّي بهاي الأرض.؟ حدا بيرمي ست آلاف سنة هيك متل ما بيرمي قشرة بردقانه، قلتللوه يابا الهجرة ذل.. يابا وين ما بروح البني آدم بيحمل بيته وأرضه بصدره، يابا لو كل واحد منا قال هيك وهاجر، لمين بتبقى البلاد..؟ وقبر جدّك.؟ وبيتك اللي تربيت فيه.؟
يجلس على الحجر وينشد بصوت حزين:
سور عكا بإيدي بنيته
وبحر عكا بدمّي جريته
إجاني مكتوب من صحابي لسّه ما قريته
عسا الله يكونوا بخير الحباب
يسكت قليلاً ثم يتابع حديثه الأول: يا ترى يابا رح نغدر نقيم كل هدول من صدورنا، الأرض يابا متل العرض والعرض غالي ما بينحماش إلا بالسيف، وأنتو اللي بدكو تحملوا السيف يابا..
يضرب كفّاً بكف أسفاً.. ما سمعش كلامي، فقدته ما لقتوش.. سافر بعرفش لوين وانقطعت اخباره..
يحرك رأسه يمنة ويسرة مرّة أخرى باستسلام، ثم لا يلبث أن يستعيد قوته..
ويا ريت المصيبة وقفّت عند هون.. صاروا الولاد إخواته يسافروا واحد ورا التاني، وكل واحد منهم يقول إنه رايح يجيب إخواته.. يخفض صوته بحزن.. بس كانوا يروحوا وما يرجعوش..
مرّات بقول معاهم حق، لقمة العيش صعبة.. ومرّات بقول ما هياتنا إحنا عايشين، ما حدش بموت من الجوع، إذا ما لقيناش خبز بناكل ورق شجر.. يعني لقمة الخبز برا أهون.؟ ما هي أصعب ألف مرّة، وهاي إحنا بنسمع كيف الفلسطيني ما بيغدرش يتحرك إلا بهويّة وإقامة ورخصة شغل..
في بلاد ما بيغدرش يدخّل فيها ولاده عالمدارس، وفي أكتر من سبعين تمانين صنعة ممنوع يشتغل فيها.. هادا غير المخيمات الزفت، والعيشة الزفت..
ينتفض، ويرفع صوته.. ولادي العشرة طاروا.. طاروا من بين إيديّ متل ما بيطيروا العصافير.. يهدأ قليلاً ويتابع: يوسف الله يرضى عليه ما تركنيش، قاللي يابا إنت متل سيدنا يعقوب، وأنا يوسف.. وإخواتي لا بد ما ييجي يوم ويرجعو..
يمسح عينيه بطرف الحطّة، ويقول بصوت خفيض: يا ريت يابا.. يا ريت.. الله يرضى عليك يا يوسف.. صحيح أنا سامع صوتهم، وكل يوم بسمع صوتهم في الراديو، يا باي قديش صوتهم عالي وملّلي الدنيا، مرّات بقول والله فيهم الخير لسه، ها.. هيّاتهم بيتذكروا إنه إلهم بيت بحارة الشرف بالقدس..
ينظر حوله، ثم ينظر إلى الأرض: بيت في القدس.. بيت في القدس.. يرفع رأسه وصوته بعصبيه.. وين هادا البيت.؟
يشير إلى صندوق الباص بسخرية.. لو كانوا هون ما كانش البيت صار خيمة، والخيمة صارت صندوق باص مهتري، وهويتنا بهاي الدنيا رقم صغير. يشير إلى الرقم المكتوب على صفحة صندوق الباص.. لو كانوا ضللوا حواليّ ما كانتش الحياة رايحة تكون صعبة متل هلئيت، بس يا خسارة، يا خسارة.. تركوا اليهود يحبسوا عمرنا وحياتنا ورا سلاك شايكة وسور عالي رفعوه مش بس بينا وبين حارتنا وبيتنا اللي سرقوهم، كمان بينا وبين القدس كلها..
يتنهّد ويتحرّك.. كان جدي وأبوي يقولوا كترة الولاد عزوة لأهاليهم.. ينشد:
ما حلا الشايب بين ولاده
متل السبع بوسط الغابة..
يعود إلى حديثه: حداشر ولد، ويوم اللي دافعت بإيدي هدول عن بيتي ما كانش معي حدا منهم.. يمكن لو كانوا ولادي يومها معاي ما جراش اللي جرى..
وقتها كان يوسف لساته صغير، سأل إمه ليش يمّا عم يضربوا أبوي.. ما عرفتش تجاوبه، ما كانتش تعرف إلا البكا، واللطم.. ما عرفتش تقولله إنه الكفّ اللي نزل على وجه أبوك دبحه، وجرح قلبه، وكسر كتير شغلات هون.. هون.. يضرب على صدره بقوّة..
يرتاح قليلاً ويتحدث بهدوء أكثر.. الله يرحمك يا أم هيكل، بعد خمس تشهر ماتت، مغدرتش تتحمل المذلّة في خيمة وبيتها اللي عاشت وخلفّت فيه ولا دها الحدعش قدام عينيها ومش غادره توصلّله.. ماتت وأنا مش غادر اطّلع بعيونها.. كل ما أتذكّر كيف غدر يضربني ابن الحرام بحس إني مكسور، وإني ما عدتش أبو هيكل..
يقف مرّة أخرى، يشدّ ظهره ويمدّ ذراعيه.. كنت عم أدفش الجرّافة بإيدي لمن هجم عليّ واحد منهم لابس توب أسود طويل، وعلى راسه طاقية سودا، وإله جديلتين نازلات على كتافه..
قاللي: عربي كلب، إنت ما تعرفش إيش يعني شالوم.. وضربني كفّ.. يتحسس خدّه.
دارت الدنيا بعيوني.. شفت يوسف ماسك طرف توب إمّه وخايف، وشفت أم الولاد عم تلطم وتبكي.. شفت سجن عكا، والبحر، شفت الجامع، وساحة الحرم، وسمعت صوات ولادي العشرة بس ما شفتش حدا منهم..
كسروني يا فاطمة..
يجلس على الحجر بانكسار، ويردد بحزن:
يا ليل وقف تا قضّي كل حسراتي
يمكن نسيت مين أنا
ونسيت آهاتي
يا حيف
كيف انقضت بإيديك ساعاتي..
قالتلي وهي عم تبكي: ما حدش يقدر يكسر أبو هيكل..
يبتسم وهو يستعيد ذكريات تبدو عزيزة على نفسه.. كانت حاملة بإيديها صورتي وأنا راكب على الفرس وعلى صدري جنادين فشك قالتلي: يدخل إلى صندوق الباص ويخرج يحمل بن يديه تلك الصورة.. يبدو في الصورة رجل يمتطي حصاناً أبيض وعلى رأسه حطّة بيضاء، وعلى كتفه بارودة وعلى صدره جنادين من الفشك.. هاي صورتك يا أبو هيكل.. سبع سنين بسجن عكا ضليتك متل النمر. عمره ما حدا غدر يكسرك..
الله يرحمك يا فاطمة.. يسترسل بالذكريات..
قاضي انكليزي قلب شوية وراق قدامه.. قاللي:
يو أبو هيكل.؟ قلتللوا: آ أنا أبو هيكل.! قاللي: بتشتغل مع عصابة مخرّبين وبتكتلوا يهود مساكين.. قلتلله: هدول مش مساكين، هدول شياطين.. المسكين يا أفندي ما بيجيش من آخر الدنيا عشان يسرق أرض غيره، أنا بدافع عن بيتي وأرضي.
وقّف على حيله، ومدّ إصبعه الطويل وقال: حكمت عليك المحكمة بالسجن سبع سنين..
يمكن سمعته قال إني ضد القانون أو خارج عن القانون، إشي متل هيك..
ساعتها ضحكت..!
ما أنا عارف إنه كل المصايب إجت من ورا الإنكليز..
في بلد بالعالم كانوا محتليّنه وتركوه بخير وسلام.؟ ما إحنا شايفين كل بلد كانوا يطلعوا منه بيتركوا فيه مسمار جحا، وهادا المسمار صعب قلعه، عشان هيك ما بتلاقيش بلد من هاي البلاد إلا وفيها حروب ومشاكل إلها أول ما إلهاش آخر.. وعارف كمان إنهم هم اللي سلّحوا اليهود، وهم اللي سمحولهم بالهجرة لفلسطين، وهمّ وهمّ.. منشان هيك غلبت عليّ الضحكة.
ساعتها نجن القاضي واحمرّ وجهه أكتر ما هو أحمر ونادى على العسكر وهو عم يصرخ متل المجنون: آوت.. آوت..
حطّوا أساور حديد بإيدي وإجريّ، مربوطة مع بعضها بجنازير قصيرة.. ساعة اللي حطّوها تذكرت ثور أبو إبراهيم يوم اللي نجن، وصار ينطح بقرونه كل شي قدّامه، يومها تحايلوا عليه أكتر من عشر رجال حتى مسكوه، بطحوه على الأرض وجنزروه بمتل هديك الجنازير، ارتمى متل الطابة.. إيديه وإجريه مجموعين مع بعضهم.. بعد يومين دبحوه قبل ما يفطس..
يمسّد شاربه.. سبع سنين قضيتها بسجن عكا ما كسرتنيش.. وما غدرش حدا يدبحني..
يخرج علبة السعوط من صدريته، ينقر عليها ولا يفتحها.. الله على هديك الإيام.. كنا نحارب اليهود والإنكليز، بس كنا آخر النهار نرجع لبيوتنا، مرّات نغيب شهر أو أكتر بس كنا عارفين إنه ماحدش يقدر يقرّب من بيوتنا.. هلئيت الدنيا تغيّرت..
ينظر إلى آخر الطريق، ويشير بعكّازه.. قرّبت الشمس على الغياب ولسه يوسف ما إجاش.. قلبي بيقوللي إنه رايح يعمل شغلة كبيرة..
امبارح قبل ما ينام قاللي يابا كيف الواحد يغدر يرجع لبيته.؟
قلتللوا: الله كريم..
قاللي: بتتذكّر لمن سألك ابن أبوعايد شو يعني مخيّم الصمود شو قلتللوا.. سكتت.. قاللي: يومها قلتللوا إنه إحنا فلسطينيه من القدس من حارة الشرف، جرفوا بيوتنا ما هربناش عملنا مخيم وسميناه مخيم الرباط، جرفوا مخيم الرباط ما هربناش عملنا مخيم تاني سميناه مخيم الصمود وصرنا إحنا ولاجئين التمانة وأربعين جيران، الفرق بينا إنه إحنا من مخيم الصمود وهم من مخيم شعفاط، يعني المخيمين صامدين، الصمود يابا إني أضلني أتذكّر، إني أحارب هدول اللي عم يحاربوني عشان أنسى، الصمود إني ما أنساش، وأضلّني دايماً أقول أنا فلسطيني.. أنا فلسطيني.. قلتللوا كمان: الأرض متل العرض والعرض غالي ما بينحماش إلا بالسيف..
سكت شوي وقاللي.. كيف الواحد يابا بيحمي أرضه وعرضه إذا كان ماماعوش سيف..؟
ما عرفتش إيش أقولله ساعتها، كنت حاسس إنه وهو عم يسألني عم يفكر بإشي تاني، كأنه رايح يساوي إشي..
يا باي أديش كنت خايف عليه..
يتمشى جيئة وذهاباً.. اليوم الصبح إجو رفقاته بكّير، إبن الكركي، وإبن أبو ترك، وإبن الأسطى، وكان بيناتهم مرزوق الشراونة إبن الحاج عثمان اللي استشهد أخوه محمد الشراونة كمان على حاجز طرخونيا..
المسكين كان رايح يجيب فراش من بيته اللي طردوه منّه قبل كام يوم، عشان ينام عليه هو ومرته وولاده.. طخّوه على الحاجز، وقالوا مخرّب.. حملوه الشباب وجابوه على المخيم، لفيناه بالعلم، ورفعناه على روس أصابيعنا، وصياحنا يومها وصل للسما الله أكبر الله أكبر..
قلنا بركي بشوفونا وبيسمعونا إخواته البعاد.!
بس يا خسارة دفنّاه وما حدش شاف ولا حد سمع غيرنا.. بعد ما دفنّا الرجّال سمعت بداني ساعة اللي حلف مرزوق يمين على قبر أخوه إنه ياخد بتاره.. وسمعت يوسف كمان ساعة اللي قاللوه: إنت إلك تار وأنا إلي تار كمان..
ساعتها ما فهمتش إيش بيقصدوا.. الله يلعن الشيطان هلئيت بديت أفهم..
قاللي يابا بكرة الجمعة رايح أصللي بالأقصى.. وقاللي كلمة ما فهمتهاش ساعتها.. قال يابا إحنا مش لازم نستنا حدا يعطينا سيف، لازم نساوي سيفنا بإيدنا، مش إنت قلت إنه الحجر هو إحنا..
قلتللو: أروح معاك.. قاللي: لأ يابا إنت رجّال كبير ومش رح تغدر تفوت بالحواجز ونقط التفتيش والزحمة..
قلتللوا: أنا رايح أصللي مش رايح أحارب..
ضحك ساعتها وقاللي: ما هيّ متل بعضها..
يتنهد.. وينك هلئيت يا يوسف.؟ يا ترى بعيد عن صوت الرصاص اللي سمعته قبل شوي.؟
يا ترى طيب واللا..
دايماً كنت أقول للاولاد مثل ما كان يقوللي أبوي.. الأرض متل العرض والعرض غالي، ما بينحماش إلا بالسيف.. أكتر من تمانين تسعين سنة قاعدة على كتافي ما شفتش يوم راحة، بالأول مع كتائب القسّام رحمة الله عليه، وبعدين مع عبد القادر الحسيني رحمة الله عليه، وبعده مع فوزي القطب وبعدين مع المتسللين، وبعدين قالولنا إنتوا ارتاحوا وإحنا بنرجع فلسطين، كلها سبع تيام والجيوش العربية بتحل المشكلة.. وكل واحد قريب وغريب صار يمد أصابيعه.. أتاري لمن بتكتر الإيدين بتنحرق الطبخة، لحد ما أخذوا اليهود بيوتنا وأراضينا ودكاكينا ورمونا بالمخيمات..
يمكن لو تركونا نحارب لحالنا ما كانش صار اللي صار.. بالتمانة وأربعين أخدوا نص فلسطين وبالسبعة وستين كمّلوا عليها وعلى غيرها ولسه لهلئيت ما كانش حدا يفهم إنه الدور جاي عالكل.. البعيد والقريب.. واللا.. هاي بريطانيا وأميركا وطمع ومصالح وشغلات كتيرة فهمّونا إنها صعبة ومعقّدة وفايتة ببعضها وإنها شغلة كبيرة، مجلس أمن وأمم متحدة، وهيئة أمم وميزان وقائمة طويلة عريضة والقصّة كلها مش هيك، أنا بقول الشغلة أبسط كتير من ما بيقولوا، شغلة بالعقل.. تلتميت مليون عربي، وخمس ملايين يهودي، كيف بدي أفهم إنه عدد الناس معادلوش قيمة بهالإيام..
بعد السبعة وستين قضّينا سنين أصعب من الموت تحت الاحتلال اليهودي..اتحمّلنا، قلنا بكره بيجي الفرج.. ولمن افتكرنا إنه إجا الفرج.. هه.. أتاري اللي إجا أصعب من اللي كان.. كترت المخيمات، وكترت العمارات العالية، والطرقات العريضة، وكتر الفقر والجوع، وصار الحبس حبسين، والحاجز حاجزين، وما نابناش إلا….
إيش بدو يحكي الواحد.. خليّنا ساكتين أحسن.!
يرفع عكّازه إلى جهة مجهولة ويتمتم: لو كانوا ولادي معي يمكن كان تغيّر كل إشي..
يسكت قليلاً، ويمشي بضعة خطوات ثم يقف فجأة وينظر حوله ويقول بحسرة:
إيش بغدر أساوي أكتر من اللي ساويته.. حاربت سنين ما بتنعدش بعصاية وسكينة وحجر وبارودة إنكليزية وشوية فشك، قضيت أيام وليالي بالمغر وعالجبال، جعت وعطشت، شوّبت وبردت كنت قوي وقادر، بس هلئيت.. آخ..
إيش بدي أقول.. الله يرحمك يا فاطمة.. ما كانتش تعرف إنه إحنا المدارس اللي لازم يتعلّموا منها الصغار.. الصغار لازم يعرفوا إيش الوطن، وإيش إحنا ساوينا من ميت سنة وأكتر عشان ما يلوموناش، ولازم يعرفوا إنه هناك بيتهم.. هناك بيتهم.. يشير بالعكّازة.. محل هدول البنايات العالية، وإنه الهوا النضيف اللي عم يتنفّسوه اليهود هناك ملكنا إحنا، وإنه يوم اللي إجوا اليهود من شرق وغرب العالم فاتوا لبيوتنا، ورموا كل شي إلنا، الفراش والطناجر ولعب الولاد، وبعدين رمونا.. أول مرّة كنا قراب كتير على حارة الشرف، بعد شوي قالوا ريحة المخيم وسخة، وسكّان المستعمرة مش متعودين على الوساخة، كعرونا لمطرح أبعد.. وما خلوناش نحمل الخيام..
ما تسألونيش إيش الفرق.! يوم اللي بعيشوا ولادنا عالتراب وجنب المجاري، وما بلاقوش سقف بيت يحميهم من برد الليل وشمس النهار..
يوم اللي ما بيغدروش يحلموا.. يوسف متل كل الناس بيحلم يصرله بيت، وولاد، ودكّان، وحاجات كتيرة بيحلم فيها كل واحد على وجه الأرض، بس محرّمة علينا.. ما بلاقوش إلا الطين يلعبوا فيه وهم عم يشوفوا بعيونهم على بعد شبر منهم ورا هاي السلاك العالية دنيا غير شكل، بيوت نضيفة، وشوارع نضيفة، وجناين، وملاعب فيها كل إشي بيشتهي الولد وهادا كله وين، على أرضهم ومش غادرين لا هم ولا أهاليهم يوصللها، وإذا غدر حدا منهم يوصل بيوم من الأيام بطخّوه..
كنت أشوف ولادنا كيف بيطلّعوا على ولاد اليهود من ورا السلك، ويتحسّروا على حالهم، إيش ذنبهم هدول، حتى يوم اللي طارت طابة من بين إيدين ولاد اليهود، ونطّت من فوق الشريط وطبّت هون، خطفوها ولادنا وهربوا.. يومين ما طلعوش من الخيام وهم خايفين حدا من اليهود يطخّهم، بعدين صاروا يلعبوا فيها بعيد هناك يشير بالعكّاز.. جنب مقلب الزبالة، ورا خيمة أبو العبد، ولمن ضاعت الطابة منهم مرّة تانية زعلوا عليها كام يوم بعدين رجعوا يلعبوا لعبتهم القديمة، عسكر وحرامية..
الحاج عثمان الله يخلف عليه جاب لنا صندوق الباص القديم هادا، وزرعه جنب خيمته، قاللي هادا بيتك الجديد يا ابو هيكل،، ضحك كتير لمن قاللي: إله باب وشبابيك، وأكبر من الخيمة.. يبتسم بحسرة ويردد:
أكبر من الخيمة.. قال أكبر من الخيمة.. آي هي الخيمة صارت هويتنا..
يجلس على الحجر الكبير المركون إلى جانب باب صندوق الباص، يخرج من جيب صدريته علبة زاهية ينقر عليها ولا يفتحها..
يعني يوسف مش أغلى من الشباب اللي عم يستشهدوا.. كل يوم أربعة خمسه، وبيوت بتنهدّ وشجر بينجرف، وصواريخ وطيّارات ودبابات، ومقابر عم تكبر يوم بعد يوم، ونسوان بتترمل، وأطفال صحيت على صوت الرصاص وريحة الدم ووجوه الشهدا، وشيوخ نشفت الدموع بعيونهم.. بتصدقوا صارت المقبرة أكبر من المخيم..
إيــه.. صحيح أنا زعلان على الشهدا كلهم وعلى استشهاد محمد الشراونة الله يرحمه، كان شبّ ولا كل الشباب.. بس والله بيني وبينكم أنا بحسد أبوه، لو شفتوه كيف صار يمشي بن الناس بعد ما استشهد ابنه.. كأنه رجع شباب، نشدّ ضهره، وعليت كتافه، وارتفع راسه.. واللا نشدّ ضهره، وعليت كتافه، وارتفع راسه.. وما عدش يستحي لمّا بيطّلع بعيون العالم..
واللاه.. ما هي الشهادة فخر، ونعمة من نعم الله، والّلا كيف بدنا نرجّع بيوتنا وبلادنا إذا ما بنضحيش بولادنا..
ينظر إلى الأرض، ويتحدث إلى نفسه بصوت خفيض: بس لو يرجعوا إخوات يوسف كانت الأحوال بتصير غير شكل.!
إيش بدو يسوّي يوسف لحاله.. قال بدو يقتل هداك اليهودي أبو الجدايل لأنه ضربني كف.. وقال بدو يخلع السور اللي بيننا وبين حارتنا، قال بدو يكسّر صندوق الباص المهتري، وبدو يرجّع عظام أمه لمقبرة البلد، وبدو يرجعني لبيتي هناك بحارة الشرف، وبدو يتجوز، وبدو يصير عنده ولاد، وبدو يسمي أول ولد بيجيه اسماعيل على إسمي، وبدو.. وبدو..
آه يا يوسف.. يا ريت يابا.. يا ريت.!
يتنهّد ويعود إلى قلقه.. ياترى وينك هلئيت يابا.. قدّام باب العمود، واللا بساحة الحرم.؟
يلتفت يمنة ويسرة ثم ينظر إلى السماء.. لو بدو يرجع كان رجع من زمان.. مش سامع صوت رصاص، ومش شايف حدا جاي من بعيد.. طيب إذا هو ما إجا وين رفقاته..
يقف ويمسح عينيه بطرف الحطّة ويتحدّث بحزن.. هيك يابا تتركني على نار وأنت عارف إنه ما إليش غيرك في الدنيا.. هيك يابا تتركني لا حس ولا خبر.. مين بدو يحمل معي هم السنين، وهم الغربة، ولمين بدي أحكي، ومين رايح يحكي معي..
لساته صوتك بداني، كإني سامعك هلئيت وأنت بتحكي بالليل مع إمّك الله يرحمها، في ليلة من الليالي سمعتك بتقولها يمّا بردان، شو ها البيت اللي ما فيهوش باب بيتسكّر، وسمعتها لمن قالتلك في بيتنا هناك يمّا بواب وشبابيك، وحنفيات مي، وخزانه مليانة لعب، وأكل..
ببيتنا هناك يابا كان في كل إشي، بنيته أنا وأبوي وجدّي إلكم حجر فوق حجر، وفتحنا بابه على الغربي عشان تجينا نسمة من البحر.. كانت إمك تزرع بالحوض قدام الباب حبأ.. الله يرحمها أديش كانت تحب ريحة الحبأ، تفرك الورق وتشممني ريحة الحبأ عن إيديها..
ينقر على العلبة الصغيرة نقرة ويفتحها، يأخذ بين إصبعيه ذرّات يشمّها بعمق…. الأرض متل العرض يابا.. والوطن هو الدار والأرض والعرض..
يمسّد شاربه الأبيض المعقوف، ويرفع كتفيه..
هديك الليلة إجوني بعد صلاة العشا.. أبو سلام ومعه واحد عربي معرفتش مين هو، وواحد يهودي.. قلتلهم: تفضلوا.. وأنا بعرف إنه أبو سلام سمسار.. فاتوا عالمضافة، وقعدوا على الأرض..
قبل ما أصبلّهم القهوة قاللي أبو سلام: ياخوي أبو هيكل، إنت عارف قديش أنا بحبك، وبفتّش على مصلحتك، وعشان هيك ما قبلتش آخده لمطرح تاني، قلت إنت أولى..
قلت بقلبي. الله يلعنك والله إنك كذاب ابن كذّاب، الله يعطينا خير هالليلة..
مدّ إيده وسحب من عبّه رزمة مصاري.. قاللي هاي ميتين ألف أردني، ورماها على حضني..
قلتللوا: لإيش هدول.؟
قال: حق البيت..
قلتللوا: ومين قال لك إنه البيت للبيع، مش تستحي على شيبتك..
قاللي: يا أبو هيكل إضحك بعبّك، بيتك ما بيسواش ميت ألف..
وقبل ما أجاوبه، رمى اليهودي رزمة مصاري على حضني وقال: وهاي كمان ميتين ألف..
سكتت، كل شي سوّيته إني رفعت حواجبي..
قاللي اليهودي: يعني بدكاش تبيع.؟
نط أبو سلام قاللي: يا أبو هيكل الجماعة بدهم يبنوا جامعة، وأنت عارف إيش يعني جامعة كبيرة بالقدس..
تطلّعت فيه.. كنت سمعت من كام يوم إنهم بدهم يبنوا جامعة عبرية مطرح بيوتنا بحارة الشرف، وقلت بقلبي.. بدهم يبنوا جامعة على عضام جدودنا وأبّاهاتنا وولادنا، بدهم يدفنوا حتى اللغة اللي بنحكي فيها.. قال جامعة قال..
ساعتها يابا دارت الدنيا بعيوني..صحيح إنه البيت إلي، وأنا حرّ فيه إن بعته وإن ما بعتوش، وصحيح إني ورته من أبوي من أبوه من أبوه من أبوه الله أعلم لوين، بس يا هل ترى بحقللي أبيعه لواحد غريب.؟ وأنا عارف إنه هادا الغريب مابدّوش بيتي بس، بدو بيوت الحارة وبدو الحارة، والبلد والجامع وفلسطين كلّها، بدّو يمحي أترنا وذكرنا..
ساعتها يابا شفت عمر بن الخطّاب وصلاح الدين الأيوبي والشيخ القسّام وفرحان السعدي وعبد القادر الحسيني والشهدا كلهم من أكتر من ألف سنة وجاي، كلهم عم يستنوا كلمة تطلع من تمّي..
كانت علبة الزعوط بين إيدي، فتحتها شوي شوي، وأخدت شمّة، وضحكت..
حسّيت إنها ألذ شمّة زعوط شمّيتها بحياتي.. شمّيت فيها ريحة الحبأ عن إيدين فاطمة، وريحة الزتون والجوافا والبردقان، وشمّيت فيها ريحة أبوي وجدّي..
دفشت رزم المصاري، ورفعت كتافي لفوق..
كانت إمّك عم تسمعنا من ورا برداية الشبّاك، بعد شوي، وهم التلاتة عم يستنوا جوابي مدّيت إجري، وضربت كوع على المخدّات، وقلتلهم..
ولكو مال الدنيا كلها ما يسوّيش عندي شمّة زعوط..
نط أبو سلام وقال: إعقل يا راجل..
قلتللوا: إخس على شيبتك.. إسمع وله. كلمة وحده ما عنديش غيرها إسمعها إنت وهادا اللي جاي معاك..
إذا غدرت تجبلي ورقة ممضيّة من كل العرب ومسلمين العالم كبار وصغار، تعال خود البيت ببلاش..
بعد ما طلعوا من الدار وكانوا وصلوا يا دوب على العتبة فقعت إمك زلغوطة..
يا ابو هيكل يا نخلة في الوطن
ما انكسرت لعاصفة وحطّاب
وما جزّت ضفايرها
يهود ولا وحوش البيد والغاب
وقف اليهودي، التفت عليّ وقاللي وجدايلة عم ترقص على كتافه: طيب بكره بنشوف..
قالتلي فاطمة الله يرحم ترابها يومها: ولا يهمّك.. ما حدش بيقدر يكسرك يا أبو هيكل..
يضرب بعكازه على الأرض.. مش بيقولوا إنه القدس بلد مقدّسة.؟ مش فيها الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، مش فيها الصخرة اللي استقبلت فدو سيدنا إسماعيل لما إجا أبوه بدو يدبحة.؟ مش فيها كنيسة القيامة، مش بحارات القدس وشوارعها مشي المسيح حامل الصليب، مش فيها تاريخ البشر من أيام سيدنا نوح لليوم.. يعني أنا وكل سكّان القدس إسلام ومسيحية حرّاس عالوصيّة، يعني إحنا عم ندافع مش بس عن حالنا وبيوتنا وأرضنا، كمان عن كل المسلمين والمسيحية، عم ندافع عن شرفهم ودينهم وعرضهم..
يتململ، ويبدو شبح حزن على تقاطيع وجهه.. بعد شهر يابا إجت سيارات كتيرة مليانه عسكر معهم سلاح ما بينعدش، قدامهم تلات دبّابات، وجرافة كبيرة كتير.. شفتهم جايين صوب البيت ما غدرتش أمسك حالي نزلت بالفرعة، وصرت أدفش سنان الجرّافة بإيدي هدول، بس يابا ما اقدرتش أردّها، وما اقدرتش اتحمّل كعاب البواريد اللي كانت عم تهدّ ضهري..
كان هداك اليهودي أبو الجدايل واقف بعيد عم يضحك..
آخ يابا.. لو كانوا إخواتك معي يومها يمكن ما كانش صار اللي صار.!
يقف فجأة وينظر إلى بعيد، يرفع يده ويدقّق النظر.. يا ترى أنا سامع صوت حدا جاي واللا لأ..
ينظر حوله بقلق.. الشمس رايحة تغيب، وما عدتش أقدر أشوف منيح.. بس أنا سامع صوت جاي من آخر الطريق..
ها.. ها.. شايف ناس جايين من هناك.. يمكن إجو..؟
يقترب الصوت أكثر ولا يزال ينظر إلى الجهة نفسها.. يلوّح بعكازّه بفرح ويصرخ:
زغردن يا نسوان المخيم رجعو الشباب. رجعو الشباب.. رجعو الشباب.. يشيرإلى آخر الطريق ويؤكد.. ها.. هيّاتهم إجو..
يرفع يده ويدقّق النظر، ويتساءل:
بس إيش هادا اللي حاملينه، ورافعينه لفوق.؟
تسقط يده ويتحدث بحزن واستسلام..
شهيد جديد..
يضرب كفّاً على كف.. يجلس على الحجر بإعياء ويمسح عينيه بطرف حطّته البيضاء ويتمتم باستسلام..
يمكن يوسف.؟ يمكن شب غيره.. كلهم وهم ملفوفين بالعلم بيشبهو بعض.؟
يقف، يستند على العكّاز، ثم يلتفت إلى الجهة الأخرى ويصرخ..
يا ترى يا يوسف إيمتن بدهم ييجو إخواتك.. لبعاد.. إيمتن.. يجو.. لبعاد.. إخواتك…؟
ياترى يا يوسف إيمتن بدهم ييجو إخواتك.. لبعاد.؟
يردد الجملة عدّة مرّات، وتخرج من فمه متقطّعة مختلطة..
يسكت لحظات.. ثم يقف.. يلقي العكّاز بعيداًً.. يرفع ظهره المنحني ببطء شديد، قليلاً قليلاً حتى تنتصب قامته.. يرفع كتفيه أيضاً.. يبدو كأن دماً جديداً غزا عروقه..
يمشي بخطوات قويّة واثقة وهو منتصب القامة.. حتى يخرج من المسرح..!
ستار

0 التعليقات:

إرسال تعليق