مسرحيه الأبله ومقامات السراب




تأليف محمد حامدي

الشخوص :
-- عامل الموسيقى -- عامل الإنارة -- مقدمة النشاط -- بديع الزمان الهمذاني -- امرؤ القيس
--عروة بن الورد -- ليلى البدوية -- هارون الرشيد -- الأبله -- الشاهد الأعمى الأبكم -- دون كيشوت

حلقة بديع الزمان الهمذاني

( تنطلق موسيقى معينة يتم تغييرها مرة ومرتين وثلاثة من طرف " عامل الموسيقى : " بشكل يثير حفيظة الحاضرين, يتدخل "بديع الزمان الهمذاني " صارخا )
بـــــــديع الزمان : يا صاحب الحلقة .. ألم تبدأ بعد في قص حكاياتك ؟ الناس ينتظرون منذ مدة ..
عــامل الموسيقى : أنا لست صاحب حلقة .. أنا مكلف بالموسيقى .. وعندي تعليمات .. لا أبدأ إلا حينما يشع الضوء الأصفر
بـــــــديع الزمان : ( بتعجب ) سبحان الله .. وما علاقة الموسيقى والضوء بالحكاية ؟ .. إن عيسى بن هشام كان يروي طرائفه دون هذه
الأشياء ..
عــامل الموسيقى : قلت لك : أنا مكلف بالموسيقى فقط ولا شأن لي بما تقول .. أفهمت ؟ لن أبدأ إلا بعد صاحب الإنارة ..
عـــامل الإنــــارة : ليس لي دور في هذه المسرحية ( نحو صاحب الموسيقى ) أنسيت أن أحداث هذه المسرحية ستمر كلها في الظلام ؟
بـــــــديع الزمان : كيف ؟ حكايات في الظلام ؟ ماذا حدث لكم يا أهل هذا الزمان ؟ أتستأثرون على الناس الشموع ؟
عـــامل الإنــــارة : الشموع ؟ ( نحو عامل الموسيقى ) الشموع ..( يضحكان بسخرية ) ها ها ها الشموع .. يبدو أن الرجل حديث عهد
بالمسرح .. ( يحملق مليا في الرجل ) من تكون أيها الرجل ؟ هل سبق لك أن ولجت قاعة من قاعات المسرح ؟
بـــــــديع الزمان : ماذا تقول ؟ المسرح ؟ وما يكون هذا المسرح ؟ لم أسمع به من قبل ..
عـــامل الإنــــارة : ( باستغراب ) من أنت ؟
بـــــــديع الزمان : ألا تعرفني ؟ ألم تقرأ مقامات بديع الزمان الهمداني ؟ انظر .. انظر .. إن هيئتي تدل على هويتي ..
عـــامل الإنــــارة : ( بسخرية ) هيئتك تذكرني بعرب ألاسكا .. أين جملك ؟
عامل الموسيقى : ( بسخرية ) لقد أناخه قرب ناطحات السحاب .. ( يضحكان ) وجاء يطلب ناراً ( يتقدم نحو الرجل ) يا مرحبا..
الشمقمق عندنا .. يا هلا .. يا مرحبا..
بـــــــديع الزمان : ( بغضب ) أن لست بالشمقمق .. أنا بديع الزمان الهمذاني ..
عـــامل الإنــــارة : اهمد يا رجل .. وخذ مكانك بين الناس .. ستبدأ المسرحية .. الآن ستبدأ الحكايات ..
بـــــــديع الزمان : ( يجلس ) وأنا مستعد للاستماع .. هيا ابدأ ..
عـــامل الإنــــارة : ( متقدما نحوه وبعنف يحاول إخراجه) هنا ستدور أحداث الحكايات .. خذ مكانك هناك ( مشيرا إلى الصالة )
المـقـدمـــــــــــة : ( تعلن بلهجة اعتذار) سيداتي سادتي أيها الجمهور الكريم .. نظرا لأعطاب تقنية خارجة عن إرادتنا.. سيتأجل العرض
باثنتين وعشرين دقيقة وسبع عشرة ثانية .. المرجو المعذرة ( تبتسم وتخرج )
بـــــــديع الزمان : ( يتبع المقدمة مندهشا ) سبحان الله .. حريم يقتحم حرمة الرجال .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..
عـــامل الإنــــارة : لا شأن لك بهذا .. قلت لك خذ مكانك هناك ( مشيرا إلى الصالة )
بـــــــديع الزمان : ( باسغراب ) هناك ؟ أين ؟ .. إنك تمزح .. الحكايات تحتاج إلى حلقة .. إلى دائرة ..
عامل الموسيقى : اسمع .. حكاياتنا لا تحتاج إلى دائرة .. واعلم أن هؤلاء ( مشيراً إلى الجمهور ) هم المتفرجون .. وأن موضعك
بينهم ..
بـــــــديع الزمان : ( يحملق في الجمهور ويتوجه نحو العاملين ) سبحان الله .. ألا زلتم تعيشون عهد الحريم ؟.. عندما كان عيسى بن
هشام يروي لنا حكاياته .. كنا نتحلق حوله نحن الرجال .. وكانت النساء يستمعن من بعيد ..
عـــامل الإنــــارة : أنت لست في حلقة الآن .. أنت في قاعة مسرح ..
عامل الموسيقى : وللمسرح قواعد لا بد من احترامها .. هناك ممثلون وهناك متفرجون ..
عـــامل الإنــــارة : وهناك مخرج يدير اللعبة ويتحكم فيها .. أفهمت يا..
بـــــــديع الزمان : ( مقاطعا ) أنا بديع الزمان الهمذاني .. صاحب المقامات المشهورة .. ألم تسمع عني ؟
عـــامل الإنــــارة : ( مستغربا ) أنت بديع الزمان الهمذاني ؟
بـــــــديع الزمان : ( بافتخار ) أنا أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد بن بشر .. ولدت بهمذان .. أكنى بأبي الفضل .. وألقب ببديع
الزمان ..
عـــامل الإنــــارة : أعرف هذا .. وأين صاحبك عيسى بن هشام ؟
بـــــــديع الزمان : من أجله جئت إلى هنا .. قال لي بعض الصبية إنهم رأوه في هذه الحلقة .. وجئت لملاقاته والاستماع إلى حكاياته ..
عامل الموسيقى : قلت لك إن هذا مسرح وليس حلقة .. وإذا كنت تبحث عن صاحبك فابحث عنه خارج هذه القاعة ..
عـــامل الإنــــارة : ( لعامل الموسيقى ) انتظر .. جاءتني فكرة ( يبتعدان قليلا عن بديع الزمان ) ما رأيك في أن نستغله ريثما تصلح
الأعطاب ؟.. حتى لا يمل الجمهور وينسحب ..
عامل الموسيقى : وماذا سيقدم هذا الرجل لهؤلاء ؟ إنهم يريدون أشياء جديدة .. لقد ملوا من سماع حكايات البخل والفروسية وحكايات
الأمير والأميرة ...
عـــامل الإنــــارة : سنجرب ونرى .. أخبر المخرج عن هذا وطمئنه أنني سأحافظ على نظام القاعة ( يخرج عامل الموسيقى )
عـــامل الإنــــارة : ( يتقدم نحو بديع الزمان ) بماذا ستكافئ من سيدلك على مكان صاحبك عيسى بن هشام ؟
بـــــــديع الزمان : ( بلهفة ) أرجوك دلني فورا على مكانه .. لقد اشتقت إليه .. أرجوك لا أستطيع الصبر أكثر ..
عـــامل الإنــــارة : تمهل .. كل شيء سيأتي في حينه .. ولكن قبل ذلك أريد ..
بـــــــديع الزمان : ( مقاطعا ) تريد مالا .. ( يبحث بارتباك عن نقوده ) سأعطيك كل مالي .. كل ما أملك ..
عـــامل الإنــــارة : عفوا سيدي .. أنا لا أريد مالا .. أطلب منك فقط أن تروي لهؤلاء شيئا من مقاماتك الجديدة ..
بـــــــديع الزمان : ( باستعطاف ) ولكن أريد أن ...
عـــامل الإنــــارة : ( يبتعد ) إذا كنت تريد معرفة مكان صاحبك ..
بـــــــديع الزمان : حاضر .. مقامة واحدة لا غير ..
عـــامل الإنــــارة : اتفقنا ..... ( ينسحب )
بـــــــديع الزمان : ( يستطلع القاعة بكاملها ) فعلا إنه مكان رحب لو علم به عيسى بن هشام ..لفضل أن يروي حكاياته هنا .. وحينها
سأنشر بين الناس مقامات جديدة تكون في حجم هذا المكان .. سأكتب أحسن مقامة لن يكتب مثلها الحريري ولا
غيره ستكون مقامة العصر .. أنا صاحب الذهن المتوقد والذكاء الحاد والبصيرة القوية .. أنا حافظ الأشعار وعالم
الأخبار ...
( إظلام تدريجي .. ثم إنارة مسلطة على مقدمة البرامج )
المـقـدمـــــــــــة : ( تعلن بلهجة اعتذار) سيداتي سادتي أيها الحضور الكريم نستسمحكم ونعتذر عن هذا التأخير في تقديم المسرحية
نظرا للإزعاج الذي أحدثه أحد المتفرجين حيث أراد اقتحام القاعة "صحة" ودون تأدية تذكرة الدخول .. مرة أخرى
نلتمس منكم العذر ونتمنى لكم "فراجة" ممتعة ..
( تدخل جماعة من الممثلين وينتشرون في جنبات الخشبة على شكل باعة متجولين وهم يرددون )
يا بـــــــديع يا بـــــــديع يا بـــــــديع الزمان
يا ربــــــيـع يا ربــــــيـع يا ربـــــيـع المكان
المشي طال والعيش حال جف الموال يا بـــــــديع الزمان
الوضع مال والحــل زال دمع سيال يا ربـــــيـع المكان
بائــع الفـرجة 1 : فرجتنا اليوم أيها السادة يا كرام .. اخترناها لكم من مقامات الغول والماغول .. قد لا تعجبكم فرجتنا أيها السادة ولكن
ستتفرجون .. سوف لن نرجع لأي أحد منكم ثمن التذكرة إن هو غادر القاعة قبل نهاية الفرجة ..
المجـــموعــــــة : يا بـــــــديع يا بـــــــديع يا بـــــــديع الزمان
بائــع الفـرجة 2 : فرجتنا أيها السادة يا كرام اخترناها لكم من مقامات الزمن الذي سيأتي بعد سنين فلا تغادروا المكان .. ابقوا معنا ولا
تنسوا أن الأماكن محدودة .. احجزوا تذاكركم منذ الآن ..
المجـــموعــــــة : يا بـــــــديع يا بـــــــديع يا بـــــــديع الزمان
بائــع الفـرجة 3 : فرجتنا أيها السادة يا كرام مقامات كتبناها بكلمات الناس في الطرقات والشوارع .. بجمل النساء في الحمامات
الشعبية .. بحروف الأطفال في المدارس .. فرجتنا لا تحتاج إلى مستوى ثقافي معين فهي موجهة إلى كل المغرمين
بالتمثيل والمسرح ..
المجـــموعــــــة : ( يخرجون وهم يرددون )
يا بـــــــديع يا بـــــــديع يا بـــــــديع الزمان
يا ربــــــيـع يا ربــــــيـع يا ربـــــيـع المكان

2 - ليلى البدوية والشعراء



( صحراء قاحلة . الوقت ليلا . رياح وأمطار.. الشاعران عروة وامرؤ القيس يصارعان هموم الليل وينشدان..)
امــــــرؤ القيــس : ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل..
أيها الليل .. ها نحن فيك ندمن الفراغ .. فيك نبني أعشاش الفراغ ..
عـــروة بن الورد : فيك أيها الليل ، رسمنا على هذا الجدار البليد وجها وهميا للقمر ..
امــــــرؤ القيــس : فيك للنشيد ابتسامة صيف .. فيك للصباح مسافة صمت
عـــروة بن الورد : هكذا يسترسل فينا الصمت كهوية معلقة على صدر تاريخنا الغبشي ..
امــــــرؤ القيــس : فيك أيها الليل ، يتسع الحلم فينا باتساع حجم هذه الصحراء ..
عـــروة بن الورد : هدنا العشق .. تعبنا .. ولليلى شق أهلي أودية سلسبيلا كالقمر ..
امــــــرؤ القيــس : أينك قيس ؟.. مكر مفر .. والنهار الأزرق يبعد عنا ..
عـــروة بن الورد : نحضن عري الشوارع ..ونقتفي أثر نهد قد صودر من صدر ليلى
امــــــرؤ القيــس : يوم دكت أحذية الغرب رسوم الصغار .. ولعب الأمهات ..
عـــروة بن الورد : والنهار تتهاوى زرقته في الدفاتر كالكلمات الفقيرة ..ويسافر فينا الحلم إلى حدود الصحراء الخضراء..
امــــــرؤ القيــس : في عناق الريح والموج ، في حصار الرعد والماء ، رأينا وجه ليلى يأخذ شكل السفر ..
عـــروة بن الورد : في عناق الموت والجوع ، في حصار الحب والشهادة ، رأينا وجه ليلى يأخذ شكل السفر ..
الشـــاعـــران معا : هكذا بدأت ليلى حكاياتها ..
( تدخل ليلى البدوية متعبة تجر ثيابها الممزقة متلمسة وجهها الشاحب وشعرها المنفوش )
ليـــلى البـــدويــة : الليلة الثانية بعد الألف .. أنا ليلى البدوية .. أنا التي حملت على عاتقي فعل السرد والحكاية بعد أن ذبحت شهرزاد
في واضحة النهار..
امــــــرؤ القيــس : وأنا امرؤ القيس العربي .. أنا الذي حملت على عاتقي قول النظم والشعر .. أنا الذي دُفِنَتْ الخمرة في جسدي .. (
يعب خمرة )
عـــروة بن الورد : وأنا ( يشهر سيفه ) عروة بن الورد صعلوك الصعاليك .. أنا الذي حملت على عاتقي سرقة الجوع من عيون
الفقراء .. ونشرت في ليل الصحراء فضائح النهار ...
ليـــلى البـــدويــة : أنا ليلى البدوية التي تغنى بها الشعراء .. أنا ليلى راضعة العشق من أفواه البدو في بارات بني عبس .. أنا ليلى
المذبوحة على عتبات معابد النفط .. أنا ليلى المصعوقة بأسلاك الدولار والأورو الأموي .. أنا ليلى الليل .. أنا
شهرزاد هذا الزمان .. أنا ليلى الليل ..
امــــــرؤ القيــس : ( يضحك مخمورا) بل أنت عروس مملكة هذا الليل .. أتنفس من مسامك شبق العنفوان .. ما قتلت شهرزاد إلا لأنها
كانت تقول كلاما مغريا ليتبعها الغاوون ..
عـــروة بن الورد : الليلة سنختزل مجون الوقت في لعبة جامحة .. وسنركب طيشنا نحو خراب الذات ..
امــــــرؤ القيــس : ( يضحك ) لا شيء خارج الذات يدعو للرحيل يا صاحبي ..الذات شيطان يزين الدنيا بما تعشقه الأبصار.
ليـــلى البـــدويــة : عشقتني الأبصار المفترسة .. ولدغتني الأظافر الجرباء .. وأسسوا ممالك وهمية على صدري ..
عـــروة بن الورد : سقطت كل المماليك .. انتحبت شهرزاد من كثرة الصراخ .. الْتَوَتْ أعناق السيوف لتدس رؤوسها في حناجر هذه
الصحراء المبحوحة ...
ليـــلى البـــدويــة : ( ساخرة ) ألازلت تعيش زمن السيف والقرطاس والقلم يا عروة ؟ أين القيم ؟ أين ال..... ؟
عـــروة بن الورد : ( مقاطعا ) القيم ؟ لقد تعودنا على التضحية بالقيم .. فعلينا المزيد من التضحية لننقذ ما يمكن إنقاذه .. القيم لا تصنع
خبزا يا ليلى .. ولا تضمن تذكرة لولوج عوالم العيون الزرقاء ..
ليـــلى البـــدويــة : ( بحيرة وتساؤل ) لا أدري أيهما أصعب .. خيانة الحبيب أم خيانة التاريخ ؟
امــــــرؤ القيــس : ( بغضب ) الخيانة .. الخيانة .. ( لليلى ) تقولين الخيانة ؟ .. ألم تخنا هذه الصحراء ؟ ألم تستبدل هذه الصحراء
قيسومها وشيحها بأشواك الغجر ؟ ألم تستبدل جِمالها بجِمال العجم ؟
عـــروة بن الورد : ( مهدئا ) لا تقلق .. سنهاجمها ليلا وسنوزع الغنائم على الفقراء وأبناء الليل .. لا تقلق لقد تركت الشنفرى هناك
يترقب حركاتهم .. وسيوافيني بكل الأخبار .. وستشارك معنا في الهجوم ..
ليـــلى البـــدويــة : ( تضحك بسخرية ) أجننت يا عروة ؟ أنسيت أن امرأ القيس ما خلق للسيف ؟
عـــروة بن الورد : ( بعنف ) ماذا تقولين ؟
ليـــلى البـــدويــة : ( مشيرة بأصبعها إلى جسد امرئ القيس ) هذا الجسد الذي تراه أمامك وقد هدته أشواك الصحراء ..لا يصلح لحمل
السيف .. لقد تعود فقط على معاقرة الخمر ودفن الرأس في ريش نعام الصحراء ..
امــــــرؤ القيــس : ( بغضب ) أتهينينني يا ليلى ؟ ألم يخبرك من شهد الوقيعة أنني .. أغشى الوغى وأعف عند المغنم ؟
ليـــلى البـــدويــة : ( تضحك بسخرية) هذا ليس كلامك يا... زير النساء،هذا كلام عنترة .. ذلك الأسود المفتول العضلات .
امــــــرؤ القيــس : ( يبتعد ) أتشتهين هذا العبد أيتها الـ....
ليـــلى البـــدويــة : إنه عبد بألف رجل يرتدي عمامة اللقالق ... عبد يحمل شرف قبيلته في قلبه .. ويجوب الصحاري بحثا عن الشرف
الضائع .. أين هو الآن ليقطف هذه الرؤوس المحشوة بالقطران والصمغ ؟ ...
عـــروة بن الورد : هذا صحيح يا ليلى .. ولكنه فعل كل ذلك من أجل حريته .. من أجل أن تعترف به قبيلته التي تنكرت له رغم أفضاله
عليها ..
ليـــلى البـــدويــة : وهذا ما أعجبني فيه .. أقام الدنيا وأقعدها من أجل أن يُعترف بهويته ..( تنظر باشمئزاز واستصغار إلى امرئ
القيس ) فكيف لمن انداس تاريخه وصلبه ولم يحرك ساكنا .. ؟
امــــــرؤ القيــس : ( يضحك ) الصلب ؟ النسل ؟ لقد انهدت أصلابنا يا ليلى .. لم نعد نقدر حتى على إنجاب حشرات ..
ليـــلى البـــدويــة : ( بغضب ) لأنكم مزجتم عقولكم بأصلابكم .. وجئتم العروش على سيوف العلوج .. لتشربوا نخب الخيانة في جماجم
القرى والمداشر ..
عـــروة بن الورد : لم نخن أحدا يا ليلى والصحراء شاهدة .. الصعاليك لم يخونوا مبادئهم .. الصحراء جنتنا وملاذنا .. وهي قبرنا
كذلك ..
امــــــرؤ القيــس : الصحراء شيطان شعرنا .. الصحراء ألهمتنا جمال خولة وفاطمة وأميمة ..
ليـــلى البـــدويــة : لقد ماتت أميمة مصلوبة على عَروض الخليل .. ماتت خولة مشنوقة على عباءات بني كليب .. علقت بثينة من ثديها
على أسوار بغداد .. انتهى كل شيء .. علق رأس عنترة على مآذن قرطبة .. هكذا انتهت حكاية اليوم .... ( يمسكان
بها ويطوفان بها على إيقاع ترديد جماعي )
المجمـــــــــــــوعة : احك يا حاكي والطم يا باكي
الحكي أقوال نغم الموال أجيال أجيال يبكي الجمال

( إظـــــــــــــــــــلام )


- هارون الرشيد وحكمة الصحراء

( أصوات وهمهمات .. صوت من الخارج )
الصــــــــــــــوت : مولانا الخليفة هارون الرشيد ..
( يدخل المسرح شخص فقير الملبس لحيته متسخة يسير بخيلاء ووقار مفتعل . ويسير خلفه أحد الحراس . يقف عروة وامرؤ القيس بلا حراك ثم يقولان بصوت واحد...)
الشاعــــــــــران : السلام على مولانا هارون الرشيد
هــــارون الرشيد : وعليكم السلام ورحمة الله
ليـــلى البـــدويــة : ( تقترب من هارون الرشيد في وداعة ) كيف كانت رحلة صيدكم يا مولاي ؟
هــــارون الرشيد : لم استطع التوغل في الغابة .. لقد اقتربوا يا ليلى .. اقتربوا أكثر .. وأصبحنا على مرمى منهم في كل لحظة ممكنة ..
عـــروة بن الورد : نحن فداك .. لن نسمح لأية قدم غازية أن تطأ هذه الصحراء ..
امــــــرؤ القيــس : لن نبكي الأطلال مرة أخرى .. يكفينا أطلال بني عامر وبني الأندلس ودمشق وبغداد ........
ليـــلى البـــدويــة : ( بتوسل) مولاي .. أرجوك .. أنا لا أقبل بالغناء والرقص في قصورهم .. لن أكون سبيتهم .. لن أسقط في يدهم كما
سقطت مدننا من قبل ..
امــــــرؤ القيــس : خروجك في مثل هذه الظروف غير مناسب يا مــولاي .. نحن في حاجة إليك أكثر من أي وقت مضى ( عروة ينظر
بطرف عينيه لإمرئ القيس. يهم بالكلام مع هارون الرشيد ،ثم يتردد ) ابق هنا ونحن سنفديك بأرواحنا وبكل ما نملك .
هــــارون الرشيد : أتريد أن أبقى حبيس هذه الصحراء ؟ أيريضك أن يقال عن هارون الرشيد إنه مات طريدا في الصحراء ؟ لا .. لن
أقبل بذلك .. سأحاربهم بما بقي من سيفي إلى آخر دبابة في الصحراء ( يشهر سيفه المكسور ) أعلنوا في جيوشنا
أن هارون الرشيد سيخرج شخصيا لمواجهة الماغول .. فليستعدوا .. سنهجم غدا بعد صلاة العصر ..
عروة وامرؤ القيس : حاضر يا مولاي .. سنفديك بأرواحنا وأمهاتنا ( ينسحبان )
ليـــلى البـــدويــة : ( مداعبة ) مولاي .. سأكون إلى جنبك في المعركة .. لألهب حماسك وعزيمتك .. وإن قتلت، لا قدر الله ، فستموت
في أحضاني .. ستموت على هذا الصدر الذي تموت فيه أسرارك وأفراحك وأحزانك .. هيا تقدم وتفحص مدفنك .. لا
تدع أمور الغد تعكر صفو اللحظة .. تفحص وجهك في عيني .. واقتلع لنفسك قبلة تنسيك أمور الخلافة .. هيا اقترب ..
هــــارون الرشيد : ( يقترب أكثر يلامس شعرها ثم يبتعد ) أنا أطلب شيئا واحدا فقط .. أريد أن أعرف سر هاتين العينين اللتين ضاع من
أجلهما كل شيء .. ( ينظر إلى عينيها بإمعان ) أرى مماليك تتهاوى أعمدتها على أشفار عينيك .. أرى فقراء يلملمون
مصارينهم من بين حمرة وجنتيك ...
ليـــلى البـــدويــة : مولاي .. العيون عيونك .. والخدود ملكك .. وهذا الجسد سيظل مملكتك .. فلن أسمح لرعاة الصحراء والماغول
بتدنيسه ..
هــــارون الرشيد : ولكن ضاع كل شيء يا ليلى .. لم أعد أقوى على لمس شعرك .. ( يحاول لمس شعرها ) لقد أصبح غابة من
الأشواك .. لم تعد رائحته تعجبني .. أريد أن أموت .. لا أريد أن أرى نفسي منهزما ..
ليـــلى البـــدويــة : أتخاف هزيمة العينين أم هزيمة الأعداء ؟
هــــارون الرشيد : ( بتحسر) كلاهما واحد يا ليلى .. من هزمته العيون تدوسه أرجل الأعداء .. ومن هزمته الأعداء تقتله وخزات العيون ..
ليـــلى البـــدويــة : ( تضحك بصوت مرتفع ) مولاي هارون الرشيد ينطق فلسفة .. وأخيرا جعلتك الصحراء تقول فلسفة.. عجبي من
هذا الزمان ..
هــــارون الرشيد : ( بتحسر) ضحكك هذا يا ليلى .. يمزق في ما بقي من الشعور .. يزرع في داخلي غابات من الأشواك والعلقم ( يقترب
منها أكثر ) لقد كنت في السابق في حاجة إلى بريق عينيك .. والآن أنا في حاجة إلى بريق عقلك ودهائك .. أصبحت
محاطا بجبال من النفاق والخيانة( يسأل بقوة ) أين كنت البارحة يا ليلى ؟
ليـــلى البـــدويــة : ( بتلعثم ) أنا .. يا مولاي.. ؟
هــــارون الرشيد : ( بحدة) وهل هناك أحد غيرك في هذه الصحراء ؟
ليـــلى البـــدويــة : كنت أبحث عن شهرزاد .. أردت أن أراها لأخبرها الأمر .. بحثت عنها في كل القصور وبين الأسوار.. سألت عنها
الرعاة في الصحراء .. سألت عنها النجوم في الليل .. شاهدت وجهها منقوشا على أغماد السيوف .. شاهدت
عينيها في كل حبة رمل متبرجة .. سمعت غناءها في صهيل الخيل المبحوح وصليل السيوف الصدئة ..
هــــارون الرشيد : ( بحدة) اصمتي يا ليلى .. أنا لا أحب هذا العويل .. أصوات الصحراء تداهمني .. رائحة الجثث المتعفنة تشق
خياشيمي .. كفى يا ليلى من هذا العويل .. كفى .. كفى .. ( يخرج مرددا نفس العبارة وتتبعه ليلى صارخة )
ليـــلى البـــدويــة : إلى أين ستذهب يا مولاي ؟.. أتريد أن تتركنا هنا فريسة لكلاب الصحراء ؟ .. انتظر .. سأموت معك .. انتظر.. انتظر (
تخرج وتدخل المجموعة مرددة )
المجمـــــــــــــوعة : لم تنته الحكاية قد قتلت شهرزاد
تلك هي البداية بالوعد والميعاد
أيا رعاة يا دعاة أين الذهاب ؟ أيا سعاة يا نعاة أين الرباب ؟
قتلت شهرزاد لم تنته الحكاية لم تنته الحكاية لم تنته الحكاية

4 - مقامات رحلة السراب

بـــــــديع الزمان : ( يروي ) حدثنا عيسى بن هشام .. عن زمن الحب والغرام .. أنه لما سمع الناس والعباد .. في كل أرجاء البلاد ..
بموت وانتهاء شهرزاد .. أعلن الخليفة المغوار .. في كل المدن والأغوار .. أن من يأتيه برأس شهريار .. له منه
ألف دولار .. فاستبق الناس إلى الحسنة .. وسال ريق الأحرار والخونة .. وتحككوا بعباءات السدنة .. ضاقت
الأسواق بالشعراء .. وانتفخت الآذان بالخطباء .. ولما اقتربوا من مخبأ شهريار .. عتمت الأسماع والأنظار .. وفقئت
عين ابن هشام .. حتى لا يُتم بناء المقام .. ( يخرج ويدخل هارون الرشيد رفقة امرئ القيس )
هــــارون الرشيد : ( يحملق في وجه امرئ القيس ) إنها الخيانة يا امرأ القيس .. كل أسراري تسربت إلى الأعداء .. وممن ؟ ( في
وجه امرئ القيس ) من الذين تربوا في كنفي .. من الذين عاشوا في أحضان خيراتي وعطاءاتي.. ( يفاجئه ) بماذا
وعدك الماغول يا امرأ القيس ؟ سأقطع رأس كل من يحاول خيانتي .. ( يتحسس امرؤ القيس رقبته ) سأفقأ عين كل
من يتعامل مع ألأعداء أو يتآمر على نقاوة هذه الصحراء ( يتحسس امرؤ القيس عينيه )
امــــــرؤ القيــس : مولاي .. لا تكترث لهذا الأمر .. ستنتصر بحول الله .. وسيعود لك صولجانك .. وسنعود إلى الأيام الخوالي ..
هــــارون الرشيد : ( بغضب ) لم تعد الأجساد اللطيفة تستهويني .. ما عادت يدي قادرة على التلمس .. إن يدي الآن تهفو إلى حمل
السيف لتقطع به أمثال هذا الرأس ( مشيرا إلى رأس امرئ القيس )
امــــــرؤ القيــس : ( يضحك ) إنك تمزح يا مولاي .. نعم أعرف أنك تمزح .. تريد أن تنسى همومك الآن ..تريد أن تكون سعيداً .. أنا أريد
كذلك أن أمزح وأغـني .....
هــــارون الرشيد : ( يقاطع الشاعر و يمسكه بعنف ) سأكون سعيدا يوم أقطع دابر هذا السواد إلى الأبد .. يوم يتدحرج هذا الرأس فوق
هذه الرمال الموحشة ..
امــــــرؤ القيــس : ( باستعطاف ) أرجوك يا مولاي لا تمزح معي بهذه الطريقة .. أنا أكره هذا المزاح الذي ( يمرر يده على فخذه
ويشمها ) ينقض الوضوء .. أرجوك نحن في صحراء والماء ناذر ..
هــــارون الرشيد : إذا كنت تريد أن تحافظ على طهارتك .. أغرب عني .. ودعني لوحدي ..
امــــــرؤ القيــس : أرجوك يا مولاي .. لا أستطيع فراقك .. فقد واعدتك أن أبقى معك إلى أن يصل حلفاؤك ..
هــــارون الرشيد : ( يبتعد عنه قليلا ) أنا لم أعد في حاجة إليك .. ثم .. لم يعد لدي شيء أمنحه إياك .. لقد فقدت كل شيء .. ضاعت
الخلافة مني .. وحتى أبناء عمومتي قد تنكروا لي ..
امــــــرؤ القيــس : أعرف ذلك .. ولا أنتظر منك عطاء مقابل مدحي إياك .. ولا تنسى يا مولاي أنني كذلك قد تهت قبلك زمنا طويلا في
البحث عن ملك أبي .. ولكن دون جدوى ..
هــــارون الرشيد : أراك مصرا على قطع رأسك ..( يصرخ في وجهه ) لماذا تحاول في كل مرة أن تذكرني بهمومي وأحزاني ؟ ..أنا
أعرف أنك تحب أن تشمت بي ..
امــــــرؤ القيــس : ( مهدئا ) هدئ من روعك يا مولاي .. سيتجمع حلفاؤك من الشرق والغرب ومن الجنوب والشمال .. وسيعاقبون كل
أعدائك .. و ستعود إلى خلافتك مرفوع الرأس .. يومها سأنشر في كل القبائل أعظم مدح فيك .. لم تجد به أفواه
الشعراء على مر العصور ..
هــــارون الرشيد بحدة وعنف ) إذا لم تسكت في الحين .. فسأجعل من جثتك ألذ جيفة في هذه الصحراء لم تحلم بها الوحوش من قبل ..
امــــــرؤ القيــس : عفوا يا مولاي .. أنا لا أريد أن أعكر صفو بالكم .. أنا هنا في خدمتكم .. إن كانت جثتي تعيد خلافتكم .. فاقطع رأسي
الآن فأنا رهن إشارتكم .. ولكن الأمر يحتاج إلى حكمة وتبصر.. وأنا ما عرفتك إلا حكيما ورزينا مهما عظمت المصائب ..
هــــارون الرشيد : ولكن الحكمة والتبصر تحتاجان إلى هدوء .. إن نعيقك يفلت مني خيط التفكير والتركيز ..
امــــــرؤ القيــس : لقد أصبت قبلك في قتل أبي .. ولما وصلني الخبر .. قلت على التو : اليوم خمر وغداً أمر ..
هــــارون الرشيد : ولكن ما ذنبي أنا ؟... مجانين .. لماذا أنا بالضبط ؟؟
امــــــرؤ القيــس : لأنك حفيده ..
هــــارون الرشيد : لقد كان له أحفاد كثيرون قبلي .. فلماذا لم يفعلوا ذلك معهم ..؟
امــــــرؤ القيــس : ربما كانوا منهمكين في إخضاع الأمم الأخرى .. وجعلها في دائرة الحكم العربي ..
هــــارون الرشيد : تقصد الفتوحات ؟ .. زمن العزة والصولجان ..ها.. فهمت ..
امــــــرؤ القيــس : تعجبني بذكائك الخارق .. بسرعة فهمك للأمور .. ونحن في حاجة إلى مثلك .. فلا خليفة إلا أنت ..
هــــارون الرشيد : وأنت تعجبني بخفتك .. يبهرني رأسك هذا .. أشتهي أن أقتلعه من بين كتفيك وأرتاح منك ..
امــــــرؤ القيــس : عفواً يا مولاي .. ماذا ستقول العرب عنك ؟ هارون الرشيد يقتلع رأس شاعره في الصحراء ؟ هذا لا يليق بك يا
مولاي .. لا يعقل .. هارون الرشيد الذي مسدت يداه أجمل شعر في الدنيا ؟ يسفك دماً ؟ حاشا أن يفعلها الكريم ابن
الكريم .. وإذا كنت تعشق هذا الرأس فلا تقطعه هنا أمام هؤلاء الناس ( مشيرا إلى الجمهور ).. اقطعه في قصرك ..
واجعله هدية إلى أجمل معشوقاتك ..
هــــارون الرشيد : ومن يكون هؤلاء الناس ؟
امــــــرؤ القيــس : على الأقل ليس أمام ذلك الرجل .. ( يشير إلى شخص يوجد ضمن الجمهور )
هــــارون الرشيد : أين هو هذا الرجل ؟
امــــــرؤ القيــس : هناك في الخلف .. يجلس لوحده مهموما أكثر منك ؟
هــــارون الرشيد : ذلك الرجل الذي يرتدي عباءة صفراء ؟
امــــــرؤ القيــس : أجل .. حدق فيه ملياً .. ألا يذكرك بشيء ؟
هــــارون الرشيد : ( يحملق .. يحاول أن يتذكر شيئا ما ) هذا الرجل ليس غريبا عني .. لقد التقيت به في مكان ما ( بتردد ) إنه .. إنه
يشبه طارقا بن زياد .. ( يؤكد ) نعم .. إنه طارق بن زياد ..
امــــــرؤ القيــس : عفواً يا مولاي .. إنه ليس كذلك ..
هــــارون الرشيد : قلت لك إنه هو .. يمكن أن ننسى كل الوجوه إلا طارقا بن زياد فمن المستحيل ..
امــــــرؤ القيــس : هذا صحيح .. ولكنه ليس كذلك ..
هــــارون الرشيد : ( بغضب ) أتحاججني يا وجه الغراب ؟
امــــــرؤ القيــس : أنا لا أحاججك .. بل أنت الذي تتوهم أشياء لا وجود لها ..
هــــارون الرشيد : ( يشك في الأمر ويعترف ) إنها كثرة الأحزان على ما ضاع .. نعم لقد ابتلعني هذا الليل الثقيل .. وجعلني أفقد
صوابي واختلطت الأمور علي .. وتشابه عندي كل شيء ..
امــــــرؤ القيــس : لنفكر في أمر نمحو به براقيع هذا الليل ..
هــــارون الرشيد : كيف ؟
امــــــرؤ القيــس : سننشد شعراً .. أو نحكي قصصاً .. أي شيء يخلصنا من عويل هذا الليل ..
هــــارون الرشيد : أوتظن أن هذا الليل سينجلي بالشعر والحكايات ؟
امــــــرؤ القيــس : لنجرب .. وإذا لم نفلح .. سنبحث عن طريقة أخرى..
هــــارون الرشيد : لقد جربتَ أنت منذ زمن طويل ولكنك لم تفلح .. ألست أنت القائل : ألا أيها الليل الطويل ..
امــــــرؤ القيــس : ( يتمم البيت ) ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل..
هــــارون الرشيد : وهل أدركت الصباح ؟ لقد قلتها في الزمن الغابر.. وفي هذا المكان بالذات .. وأنت تكررها في هذا الزمان الأغبر
وفي نفس المكان ..
امــــــرؤ القيــس : هذا صحيح ولكن الزمان غير الزمان .. والمكان غير المكان .. والمشكل أن الليل غير الليل ..
هــــارون الرشيد : أفصح .. فأنا لا أقوى الآن على الفهم .. والتأويل ..
امــــــرؤ القيــس : ( بمرارة ) تكلمت في الزمن الغابر والآن يسمعني الزمان الأغبر .. قلت شعري في هذه الصحراء .. والآن أصبح
إيقاعه نشازاً ..( بصراخ ) لأن الصحراء لم تعد صحراء .. وحاتم لم يعد طائياً .. وزهير لم يعد راعي غنم .. وجميل
لم يعد عاشقا ..
هــــارون الرشيد : ( بنفس الإيقاع ) وأنت غابت عنك كلمة " أمرؤ" .. بقيت فيك كلمة قيس فقط ..
امــــــرؤ القيــس : الليل لم يعد ليلاً .. لقد صيرته الشهب الاصطناعية نهاراً لكن بوجه أصفر .. وشهرزاد الأعرابية أصبحت تبيع المتعة
في خيام بني قينقاع .. أنت فقط الذي لم تتغير .. كنت هارون الرشيد ولا تزال ..
هــــارون الرشيد : ( بغضب وتأكيد ) حتى أنا لم أعد رشيداً .. فقد أصبحت هارون الضال ..
امــــــرؤ القيــس : وأنا لقبت قبلك بالملك الضليل ..
هــــارون الرشيد : لأنك كنت تبحث عن ملك أبيك .. كنت تصارع السراب .. لم تكن تدرك أنك لم تخلق للملك ...
امــــــرؤ القيــس : لم أكن الوحيد .. لقد قرأت في كتب من جاؤوا بعدنا أن افرنجيا يدعى دون كيشوت صارع الوهم هو الآخر....
هــــارون الرشيد : وهل انتصر ؟
امــــــرؤ القيــس : لا.. ولكنه استطاع أن يتزوج من طواحين الهواء .. وقد أنجب منها آلاف الدون كيشوطات .. وربما نكون من بين
حفدته ..
هــــارون الرشيد : ( يضحك ويسخر منه ) نكون من بين حفدته ؟ لا شك أنك فقدت صوابك .. ألم تقل إنه إفرنجي ؟
امــــــرؤ القيــس : ماذا تقصد ؟
هــــارون الرشيد : أيعقل أن يكون عرب الصحراء حفدة لإفرنجي كافر ؟ كف عن هذا الهراء .. فأنا متعب جدا وأريد أن أرتاح قليلا .. (
يهم بالخروج )
امــــــرؤ القيــس : مولاي .. أريد جرعة ماء .. إني أشعر بالظمأ ..
هــــارون الرشيد : لدي ما يكفيني فقط .. وقد نفذ نصيبك منذ مدة ..
امــــــرؤ القيــس : ( بتوسل ) أرجوك يا مولاي .. الظمأ سيقتلني ..
هــــارون الرشيد : شكراً له .. سيريحني من رؤية هذه الخلقة التي ما خلقت إلا لتموت في الصحراء ..
امــــــرؤ القيــس : وهل يرضيك أن تسمع العرب أن هارون الرشيد أعز على شاعره جرعة ماء ؟
هــــارون الرشيد : اللسان الثرثار لا يجب أن يبل ريقه .. اللسان الثرثار لا بد له أن يلعق الرمل .. ويطرز بالأشواك..
امــــــرؤ القيــس : إذا كنت تريد موتي .. فانهض واقطع رأسي وأرحني للتو .. أنا لا أحب أن أموت بالقهر ..
هــــارون الرشيد : ستروي الحكايات أن امرأ القيس مات ظمآن حتى لا يتبعه الغاوون .. ثم كل الناس يعرفون أنك مت في الصحراء
ضليلا .. فلماذا تريد أن تشككهم في التاريخ ؟ ..
امــــــرؤ القيــس : لقد مت في سبيل مبدأ أقسمت عليه حين قلت .. اليوم خمر وغداً أمر ..
هــــارون الرشيد : لن يصدقك أحد .. فأنت قد مت عربيداً ضالاً .. لا تحاول قلب الحقائق ..
امــــــرؤ القيــس : حين سأموت بين يديك .. سيصدقون .. سيراجعون كل الأكاذيب التي يحفظونها عن ظهر قلب ..
هــــارون الرشيد : ( يضحك ساخراً ) تقول عن ظهر قلب .. أليس ظهر القلب هو قشرته ؟ .. لقد بدأت تلهج بكلام غريب .. إنها بداية
الهلوسة .. نعم الهلوسة .. إنه الظمأ .. ( يناوله جرعة صغيرة من الماء ) خذ .. خذ .. ربما ستعود إلى رشدك ..
امــــــرؤ القيــس : ( يمد يده ببطء لتناول الجرعة ) أنا أعرف أنك من معدن أصيل .. ولا يرضيك أن يموت شاعرك أمام عينيك ..
هــــارون الرشيد : ( يضم الكأس إلى صدره ) الآن عاد إليك رشدك ( يصب الجرعة أرضاً وهو يضحك ) أليس هذا هو السراب الذي
كان يصارعه صاحبك الإفرنجي دون كشوت ؟ ( يخرج وتدخل المجموعة وتحيط بامرئ القيس مرددة )
المجمـــــــــــــوعة : سراب سراب ينشد السراب
سراب سراب يظمأ التـراب

( إظـــلام )
- دون كيشوت يحاكم عواصف الصحراء

( يعود الضوء فنرى هارون الرشيد يبيع ألبسة نسائية . وعروة بن الورد قصابا يصنع سللا من القصب . وامرأ القيس صانع سيوف . .)

هــــارون الرشيد : ( ينادي متوهما مرور نساء أمامه) مرحبا سيدتي .. ( يعرض عليها قطعة ثوب) هذا القماش جلبته من الهند ..
تلمسي سيدتي إنه ناعم .. لقد بعت منه قطعة البارحة لزوجة الخليفة.. إنه لباس لا ترتديه إلا الأميرات
الحسناوات .. إنه ثوب ناعم وجميل ( يتوهم انسحاب المرأة يلاحقها بنظراته) إنه ثوب ... ( بتدمر ) فلتلبسي
الشوك يا جلد المعز ....
امــــــرؤ القيــس : ( يضحك ساخراً ) ما عادت النساء تهتم بالحرير .. هذه الصحراء تحتاج إلى الوبر والحصير ..
هــــارون الرشيد : ماذا تقصد يا امرأ القيس ؟
عـــروة بن الورد : يقصد بضاعتك الكاسدة يا هارون الرشيد ..
امــــــرؤ القيــس : لا يا عروة .. أقصد الحرير والصحراء .
هــــارون الرشيد : ( لإمرئ القيس) وأنت .. هل بيعت سيوفك ؟ هل من فارس سألك ولو على ثمنها ؟
امــــــرؤ القيــس : سيأتي فرسان الصحراء ويشترونها كلها .. سترى يا هارون .. إنهم قادمون ..
عـــروة بن الورد : أصبح الناس في هذه الصحراء في حاجة إلى ملء بطونهم .. إلى ملء قففهم ( يعرض واحدة مما يصنع )
امــــــرؤ القيــس : ولكنك تبيع الواحدة بثمن ما تُملأ به أصلا .. الناس لا يبحثون عن القفف .. إنهم يبحثون عما بها ..
هــــارون الرشيد : انظرا إلى هذا المكان .. لقد أصبح خاليا من كل شيء .. من الناس والحيوان وحتى من الحشرات .. ونحن نعرض
بضاعتنا على مخلوقات وهمية لا تاتي أبداً .. هل عرفتم لماذا ؟
عـــروة بن الورد : طبعا .. إننا نعرف السبب جيدا .. ولكننا نتجاهل الأمر ..
امــــــرؤ القيــس : كيف ؟ أنا شخصيا لا أعرف ..
هــــارون الرشيد : لا تعرف ؟ هذه كارثة أخرى .. الناس لا يأتونا هنا لأنك أنت السبب .. أنسيت أنك شاعر .. والشعر غواية .. ومن
يتبعك يعد من الغاوين ؟
عـــروة بن الورد : ليس الأمر كذلك يا هارون .. الناس لا يأتون هنا لأن هذا المكان وهمي .. ونحن كائنات وهمية .. نحن بالنسبة إليهم
تحف تاريخية لا تصلح حتى لإسكات رضيع ..
هــــارون الرشيد : هذا هراء .. هذا تنكر للجميل .. أنا هارون الرشيد موحد البلاد والعباد أصبح لا أقدر حتى على إسكات رضيع ؟.. ماذا
تقول يا ابن الـ...... ؟
عـــروة بن الورد : ولكن هارون الرشيد ( بسخرية ) موحد البلاد والعباد أصبح يبيع الأقمشة في أدغال الصحراء ..( ضحك )
امــــــرؤ القيــس : وعروة ابن الليل أصبح يصارع الزواحف في الصحراء على لقمة العيش ..( ضحك )
هــــارون الرشيد : وامرؤ القيس صاحب الشعر والفروسية أصبح يقارع الحشرات بسيوفه الصدئة في ريح الصحراء .. (يضحون وبعد
فترة وجيزة يسمعون صوتا فيتوقفون عن الضحك ويلزم كل واحد مكانه )
الصــــــــــــــوت : " كلام غير مفهوم "
عـــروة بن الورد : هل تسمعون ؟ إنه صوت إنسان ..
الصــــــــــــــوت : " كلام غير مفهوم "
هــــارون الرشيد : نعم إنه صوت امرأة جميلة .. لا شك أنها تبحث عن قماش حريري ..
الصــــــــــــــوت : " كلام غير مفهوم "
امــــــرؤ القيــس : لا .. هذا صوت فارس من فرسان الصحراء .. إنه يبحث عن سيف بتار كهذا ( يشهر سيفا من سيوفه )
الصــــــــــــــوت : " كلام غير مفهوم "
عـــروة بن الورد : إنكما تتوهمان .. هذا صوت فلاح يريد شراء سلل لتخزين التمر والزبيب ..
( يدخل رجل غريب الهيئة .. مدجج بسلاح قديم متآكل يحمل درقة وسيفا مكسورا .. يتبعه شخص أبله يرتدي لباس رعاة البقر.. يتصلب الأخرون خوفا واستغرابا )
دون كــــيشــــوت : أنا دون كيشوت دي لامانشا ..( نظرات متبادلة بين هارون وامرئ القيس ) أجوب البر والبحر من أجل نشر قيم
الخير والإنسانية .. و لما أبلغني مرافقي هذا بما يحدث لكم في هذه الصحراء .. جئت مسرعا لنجدتكم وإنقاذكم من
ديكتاتورية هذه الصحراء ..
عـــروة بن الورد : ( بخضوع ) ولكن نحن لسنا ...
دون كــــيشــــوت : ( مقاطعا وبحماس ) أعرف كل كبيرة وصغيرة عنكم .. أنا دون كيشوت دي لامانشا ( رافعا يديه مستعرضا قوته )
الأبــــــــــــــــــلـه : وأنا كوكوت مينوت دي لاباشا .. ( يشهر مسدسا بلاستيكيا )
دون كــــيشــــوت : ( نحو هارون الرشيد ) أنت هارون الرشيد .. يقولون عنك إنك أفقرت النهار وأكرمت الليل بسخاء ..
هـــــارون الرشيد : لقد كذبوا ..
دون كــــيشــــوت : ( مقاطعا وبحماس ) قلت لك أعرف كل شيء .. أنسيت أني دون كيشوت دي لامانشا ( رافعا يديه مستعرضا قوته )
الأبــــــــــــــــــلـه : وأنا كوكوت مينوت دي لاباشا .. ( شاهرا مسدسه )
هـــــارون الرشيد ينظر باستغراب إلى حركات الأبله ) نعم أعرفك، لقد حدثني امرؤ القيس عنك يوما.. ولكن السيد كوكوت لم أسمع به ..
الأبــــــــــــــــــلـه : أنا كوكوت مينوت دي لاباشا .. دابليو دابليو (W) بوشباشا .. ( شاهرا مسدسه )
دون كــــيشــــوت : ( نحو عروة ) أنت عروة بن الورد .. قالوا عنك إنك كنت صعلوكا .. كنت تتزعم الغوغاء لتنشروا الفساد والفتن بين
الناس ..
عــــروة بن الورد : لم أكن إلا خادما للفقراء ..
دون كــــيشــــوت : ( مقاطعا وبحماس ) قلت لك أعرف كل شيء .. أنسيت أني دون كيشوت دي لامانشا ( رافعا يديه مستعرضا قوته )
الأبــــــــــــــــــلـه : وأنا كوكوت مينوت
عــــروة بن الورد : دي لاباشا ..
امــــــرؤ الـقيــس : دابليو دابليو (W) بوشباشا ..
دون كــــيشــــوت : ( نحو امرئ القيس ) أنت امرؤ القيس .. قالوا عنك إنك كنت فاسد ملة .. كنت تقول شعرا إيباحيا وتنشر الرذيلة بين
العباد ..
امــــــرؤ الـقيــس : إنها طبيعة الشعر في كل مكان وزمان ..
دون كــــيشــــوت : ( مقاطعا وبحماس ) قلت لكم أعرف كل شيء .. ولهذا جئت قبل مقاضاتكم والحكم عليكم بالإعدام .. جئت لأرد الأمور
إلى طبيعتها .. ستعود يا هارون الرشيد إلى قصورك وحريمك .. ولن يستطيع مخلوق على وجه الأرض أن يقول
العكس ..
امــــــرؤ الـقيــس : وهل تعرف أن أبي كان ملكا .. وأنا قد ضيعت العمر كله في استرجاع ملكه ؟
دون كــــيشــــوت : ( بغضب ) لا تتعجل يا امرأ القيس .. كل شيء مقدر ومحسوب هنا ( يشير إلى عقله ) عفوا أنت لا تصلح للملك ..
ستعود شاعرا كما كنت .. وستعود إلى مغامراتك العجيبة .. أما أنت يا عروة فسأغير من وضعك شيئا ما حتى يتناسب
مع الأوضاع الجديدة ..
عــــروة بن الورد : ولكن كانت حياتي كلها صعلكة .. وأنا لا أستطيع أن أقوم بدور آخر دونها ..
دون كــــيشــــوت : أعرف هذا .. ستعود صعلوكا .. ولكن في ظل الشرعية والقانون .. القوانين تطورت يا عروة .. أتسمع بالشرعية
الدولية ؟ .. بالديموقراطية وحقوق الإنسان ؟
عــــروة بن الورد : الديموقراطية ؟ حقوق الإنسان ؟ وما دخل هذا بالصعلكة والصعاليك ؟
الأبــــــــــــــــــلــه : ( يشهر مسدسه في وجه عروة ) إلى متى ستظل صعلوكا ؟ ألا تفهم معنى الشرعية الدولية ؟
دون كــــيشــــوت : ( بغضب إلى الأبله ) قلت لك مرارا لا داعي لسلاحك هذا .. التفاوض أحسن .. ألا ترى أن الوضع متأزم أكثر ؟
اصطحب هذين الرجلين ( عروة وامرؤ القيس ) وانتظرني بالخارج ( يخرج الثلاثة .. ويتقدم نحو هارون الرشيد)
قل لي يا هارون .. ما أخبار ليلى البدوية ؟
هـــــارون الرشيد : لا اعرف عنها أي شيء .. لقد انقطع الود بيننا يوم هاجمتنا جيوش الماغول .. وحينها وهبتها لأحد الغلمان وارتحت
منها إلى الأبد ..
دون كــــيشــــوت : ما رأيك ؟ إذا أرجعتها إليك ؟ أتقبل أم ترفض ؟
هـــــارون الرشيد : ( بلهفة وتلعثم ) و.. وهل لازالت على قيد الحياة ؟ أين هي ؟ أريد أن ..
دون كــــيشــــوت : ( ضاحكا ) لا تتعجل .. أجبني أولا .. هل تقبلها أم ترفضها ..
هـــــارون الرشيد : ( بلهفة وتلعثم ) سـ .. سأقبلها وأُقُبلها .. سأصونها من كل أذى يلحق بها ..
دون كــــيشــــوت : ( ضاحكا ) هذا جميل جدا .. هذا يشير إلى أن هارون الرشيد لم يتغير ولم يتبدل .. وهذه خطوة مهمة في تنفيذ
المشروع..
هـــــارون الرشيد : أي مشروع تقصد ؟
دون كــــيشــــوت : مشروع خلافتك .. أنسيت لماذا أنا هنا ؟
هـــــارون الرشيد : لم أفهم .. أجئت لتنقذني أم لتقلب علي المواجع ؟ أرجوك لقد نسيت كل شيء .. نسيت أمور الخلافة نسيت ليلى
البدوية نسيت كل شيء .. نسيت حتى نفسي ..
دون كــــيشــــوت : النسيان هروب وتستر .. النسيان سراب في النهار .. ووضوح في الليل .. إنك لا تستطيع النسيان .. ولا يجب عليك
أن تنسى ..
هـــــارون الرشيد : أرجوك سيدي .. لقد أصبحت لا أقوى على الكلام .. أريد أن أموت وأرتاح ..
دون كــــيشــــوت : لست ملكا لنفسك حتى تختار متى تعيش ومتى تحيى .. أنت مِلْك للشرعية الدولية .. أنت رجل اقتحمت باب الفروسية
بغير إذن .. وشهرت سيفك لتفتك بطواحين الهواء من دون أن تستشيرني أنا دون كيشوت دي لامانشا .. أنا الذي
حملت على عاتقي مقاومتها ودحرها إلى الأبد ..
هـــــارون الرشيد : أرجوك سيدي .. أنا لم أهاجم لا طواحين هواء ولا طواحين خبز ..
دون كــــيشــــوت : ( بحدة ) بل فعلت .. ولدي ما يكفي من الشهود على جرائمك وحماقاتك .. الآن ستسمع ..( ينادي ) الشاهدالأول..
( يدخل رجل أعمى رفقة الأبله ويوجه له السؤال ) هل تعرف هذا الرجل ؟
الشــــــــــــــــاهـد : ............
الأبــــــــــــــــــلــه : ( لدون كيشوت ) أنسيت أنه أصم ؟ ( للشاهد وبصوت مرتفع ) هل تعرف هذا الرجل ؟
الشــــــــــــــــاهـد : ( يحرك رأسه بالإيجاب )
دون كــــيشــــوت : ( يرفع صوته ) أذكر لنا ما رأيته وما سمعته عن حماقات هذا الرجل ..
الشــــــــــــــــاهـد : ( يحكي بلغة البكم والصم )
الأبــــــــــــــــــلــه : ( مترجما ) يقول إنه رآه كثيرا وهو يطعن طواحين الهواء في العراء وكان كلما تكسر سيفه يأتونه بسيف آخر حتى
حطمها كلها .. ويضيف أنه سمع من الناس الكثير عن هذه الحكاية ..
دون كــــيشــــوت : ( بصوت مرتفع ) أريد أن أعرف متى أصبت بهذه العاهات .. حتى يكون حكمي عادلا ..
الشــــــــــــــــاهـد : ( يحكي بلغة البكم والصم )
الأبــــــــــــــــــلــه : ( مترجما ) يقول إنه ولد بهذه العاهات .. وقد أخبرته أمه بعد أسبوع من ولادته أنها حبلت به وهي خائفة ..
دون كــــيشــــوت : إذا لقد حلت به لعنة الطواحين .. كما حلت بغيره .. وعليه سنرجئ المحاكمة إلى حين وصولنا إلى القصر ومعاينة
الحماقات .. هيا .. خذهم جميعا إلى هناك .. ( يمسك الأبله بهارون ويخرج به ثم يتبعه الشاهد ودون كيشوت )
المجمـــــــــــــوعة : احك يا حاكي والطم يا باكي
الحكي أقوال نغم الموال أجيال أجيال يبكي الجمال


6 - بديع الزمان الهمذاني يعيد ترتيب المقامة

( يبدو امرؤ القيس في أقصى اليسار وعروة في أقصى اليمين وهارون الرشيد في الوسط وليلى البدوية على يمينه ودون كيشوت على يساره . منتصبون على شكل تماثيل .. الأبله يطوف حولهم شاهرا مسدسه ويصيح فيهم ..)

الأبــــــــــــــــــلــه : ( يلقي خطابا بحركات هستيرية ) يا شعوب الأرض .. أيها المستضعفون .. أنا الأبله العظيم هازم الإنس والجن ..
ملئت السماء بالغربان وملئت الأرض بالثعابين ..أنا الأبله الدجال .. جئت لأخلصكم من الدجالين الصغار في الجبال
والوديان .. أنا الأبله الساحر الفتان .. جعلت السراب حقيقة والحقيقة خيالا وطموحا .. جعلت النمل فيلا والفيل
حلزونا ( يضحك ويقهقه ) أنا الأبله ناطح السحاب .. ( يشهر مسدسه في وجه هارون ) ستركع لي حتى وأنت
تمثال .. ستموت ألف مرة ( يتوجه نحو ليلى ويحاول أن يضع المسدس في يدها ) جاء دورك الآن للانتقام .. هيا
اقتليه .. ( بغضب ) أتعصين أوامري ؟ طيب .. (يسل سيفا من غمد امرئ القيس ويحاول وضعه في يد عروة ) خذ يا
عروة أقتلها إنها تجلب لكم العار .. اقتلها يا عروة .. أنا أعرف قلبك القاسي الذي لم يرحم أحدا في ليالي
الصحراء .. هيا اقتلها .. ( يغلي ويزبد ) أنت كذلك يا عروة ؟ .. ( يطوف حول الجميع ) سأقتلكم جميعا .. أخطأت
يوم علمتكم حمل السلاح .. كنت أدرأ شركم بشركم .. ولكن لما تعلمتم أدرتم سلاحكم في وجهي ( نحو دون كيشوت )
كنت تريد تخليد اسمك كفارس من فرسان الحكايات القديمة هذه فرصتك أجهز عليم جميعا واقتلهم ..هم الذين
أفزعوا العالم بطواحين الهواء ..اقتلهم ( يحركه ) اقتلهم ( يحركه بعنف وينزلق بيديه ويسقط وهو يردد ) اقتلهم ..
اقتلهم ... ( أصــوات مدوية إنارة تومض على شكل برق )

( إظــــــــــلام )

( يبدو عاملا الموسيقى والإنارة في مقدمة الخشبة منهمكان في عمل ما تحت ضوء الشموع )
عــامل الموسيقى : هذا أمر مقصود ..
عـــامل الإنــــارة : لا تتعجل سوف نرى السبب
عــامل الموسيقى : أنا واثق أن هذا أمراً مقصود .. لم يقع هذا أبدا في قاعات المسرح ..
عـــامل الإنــــارة : بالنسبة إلي الأمر عادي جدا خاصة وأن المسرحية أصلا لا تحتاج إلى إنارة ..
عــامل الموسيقى : بالنسبة إليك .. أما أنا فلا .. المسرحية تحتاج إلى لحن واللحن يحتاج إلى موسيقى والموسيقى تحتاج إلى جهاز
والجهاز يحتاج إلى كهرباء ..
( يدخل بديع الزمان مندهشا ومتسائلا )
بـــــــديع الزمان : ماذا حدث ؟ .. أين اختفت شهبكم وأنواركم ؟ لقد صعقت مما جرى .. لقد سقط خيط الحكاية من فمي .. ماذا حدث ؟
عــامل الموسيقى : تسأل عما حدث وأنت سبب كل هذا ؟ منذ أن رأيتك لم أطمئن لخلقتك .. لقد كنت شؤما على هذه القاعة ..
عـــامل الإنــــارة : لا تآخده .. انقطاع التيار ذهب بعقله وصبره .. هذه أحوال كل العاملين بالمسرح أنت لا تعرفها ..
بـــــــديع الزمان : ولكن أنت الذي أرغمتني على البقاء .. جئت فقط لأبحث عن صديقي عيسى بن هشام وأذهب ..
عـــامل الإنــــارة : وأنا لازلت عند وعدي .. سأدلك على مكان صاحبك ..
بـــــــديع الزمان : أرجوك دلني عليه بسرعة .. أين هو ؟
عـــامل الإنــــارة : ( يشير بأصبعه إلى رأس بديع الزمان ) إنه هنا .. عيسى بن هشام يوجد هنا .. في خيالك فقط .
بـــــــديع الزمان : كيف ؟ ماذا تقصد ؟ .. أنت تمزح ؟ أليس كذالك ؟
عـــامل الإنــــارة : بل أقول الحقيقة .. عيسى بن هشام شخصية وهمية خلقها خيالك لتوهم الناس .. وكل شخصياتك التي حدثتنا عنها
هي شخصيات وهمية كذلك ..
بـــــــديع الزمان : ( بإصرار) لا إنها شخصيات حقيقية
عـــامل الإنــــارة : خيالية
بـــــــديع الزمان : حقيقية
عـــامل الإنــــارة : خيالية
( فجأة يعود التيار وتسطع الأنوار )
عــامل الموسيقى : عجبا .. لا يعود التيار ولا تسطع الأنوار إلا عندما يشتد العراك بيننا ..
بـــــــديع الزمان : قلت لك إنها شخصيات حقيقية
عـــامل الإنــــارة : وأنا أؤكد لك أنها شخصيات خيالية
بـــــــديع الزمان : حقيقية
عـــامل الإنــــارة : خيالية
عــامل الموسيقى : ( يتوجه نحو الكواليس ) إظلام بسرعة .. استروا هذه الفضائح .. إظلام بسرعة .. ( يخرج )
بـــــــديع الزمان : إنها شخصيات حقيقية وقد تشبه لهؤلاء ( مشيرا إلى الجمهور ) وقد يكون من بينهم عيسى ابن هشام .أو حفيدا له ..
عـــامل الإنــــارة : ليس لدي وقت الآن لتضييعه معك في هذا الجدال العقيم حول الحقيقة والخيال ( ينسحب )
بـــــــديع الزمان : إنها شخصيات حقيقية بمنطق الحكي .. الحكايات دائما مفتوحة على الأزمنة والأمكنة والشخوص .. الشخوص تأخذ
مقاماتها عند التقاء الحقيقة والخيال .. دائما هناك التقاء عند نقطة الافتراق ( يشير إلى شخوص في الهواء ) أنت
هارون الرشيد وأنت خليفته .. أنت عروة بن الورد وأنتم أشباهه .. أنت ألأبله المجنون .. وأنتم حفدته .. أنت ليلى
البدوية .. ( تدخل المقدمة ينظر إليها بإعجاب ) وأنت ... سبحان الله ... سبحان الله ... ( يخرج وهو يردد ) سبحان
الله.......
المـقـدمـــــــــــة : ( تعلن بلهجة اعتذار) سيداتي سادتي أيها الحضور الكريم نستسمحكم ونعتذر عن هذا العطب مرة أخرى نظرا لأن
صاحب القاعة لم يسدد ما عليه من مستحقات الكهرباء .. وإلى حين تسديدها .. أنتم مدعوون لمتابعة بقية أحداث
المسرحية .. بإحدى القاعات المتوفرة على الكهرباء .. فحافظوا على تذاكركم ومشترياتكم .. وإلى ذلكم الحين أتمنى
لكم خيالا ممتعا مع مقاماتنا والسلام ..
المجمـــــــــــــوعة : لم تنته الحكاية قد قتلت شهرزاد
تلك هي البداية بالوعد والميعاد
أيا رعاة يا دعاة أين الذهاب ؟ أيا سعاة يا نعاة أين الرباب ؟
قتلت شهرزاد لم تنته الحكاية لم تنته الحكاية لم تنته الحكاية

( انـــــــــــــــــــتـــــــــهى )
















0 التعليقات:

إرسال تعليق