تأليف حاتم عبدالهادى السيد
سفينة المستقبل
شموع تحيط بالمسرح ، سفينة راسية ، البحارة مصبوغون بألوان مختلفة غريبة ، علم أسود غريب فوق سارى السفينة .. طيور حمراء غريبة تحيط بالمكان .. المياه بلون الدم تنعكس على جدران السفينة ، يبدأ البحارة فى غناء جنائزى .. تراتيل خافتة .. صوت غربان .. ثم صخب وصوت صراخ آت من داخل المسرح .
( يظهر الراوى ويشير إلى رجل فى وسط المسرح يحمل شمعة ) :
الـراوى : إنه يصرخ وحيداً ، هناك .. انظروا إليه .. يا له من ساذج ، يحمل شمعة فى يده ، لازال يمارس البلاهة .. يحلم وكم هى قاسية تلك الأحلام .. أطلبوا منه أن يتقدم . ( يكلم الجمهور ) لا تدعوه هكذا ، إنه أملكم جميعاً ، لا تدعوه يعود للوراء .. لا تدعوه يصالح الأشرار ، لاتدعوا الشمعة تنطفئ ، لا تدعوها تموت .
( يختفى الراوى فتظهر شمس تطل على السفينة .. تبدأ حركة الرجال الذين داخلها تتابع ببطء شديد يقف أحدهم يصيح ) : آه .. آه
( يسقط مغشــــــياً عليه )
[ أغنيــــــة ]
( يظهر الراوى حاملاً شمعة فى يده يبدأ فى الحديث ) :
الــراوى : حين ودعت جولييت حبيبها المدلل ،
قالــــت : سأحبك ما حييت
فكان موتها قبرَّة
وحبيبها طائر غريد
والآن يا سادة سنجرج وجه التاريخ قليلاً ، سنسيل الدم الطاهر فوق سفينة الأحلام .. ( يكلم الجمهور ) : أنت ، لا ليس أنت ، بل أنت
أيها الواضع يداً فوق الخد .. ألا تريد العودة للماضى ..
سأدعك تعيش اللحظة .. تقدم .. تعال .. هيا تعال لا تخف .. أعذرنى إذ لا أستطيع أن اجئ لآخذك من يدك ، تعال باختيارك إن أردت ، فإذا لم ترد فليتقدم أحدكم .. ولكن حذراً من أن تقتربوا منى حتى لا تنالوا
نفس المصير الذى أصبحت عليه ، أتدرون ماذا كان مصيرى ، لا
عليكم منى الآن ، والآن هيا يا سيد .... ، قل لهم أولاً ما اسمك .
( يدعه يحدث الجمهور باسمه ثم يكمل مقاطعاً إياه ) :
الـراوى : لا .. ليس اسمك أحمد .. بل اسمك الماضى ، وتذكر بأننا جميعاً فى الزمن الفائت الجميل ، زمن الغناء .
( يختفى الراوى فينزل من بالسفينة فى تتابع ... يتكلم قائد السفية ):
عثمان : أنا عثمان أبويا مرجان ، وانت اسمك ايه ، وأبوك مين ؟
( يتكلم الرجل الذى أتى من المسرح بصوت أجش عاالٍ )
الرجـل : أنا الماضى .
عثمان : ( يضحك بتهكم ) ، انت الماضى ، أبوك مين إن شاء الله آدم ..
الرجل : أبويا مات .
عثمان : أنا بسأل مين أبوك مش فين أبوك .
الرجل : أنت .
عثمان : لكن أنا ما اتجوزتش علشان أخلف ، وهخلف مين الماضى ، ولا الحاضر .. انت الظاهر عليك رجل خرفان .. يلا أُهْرُب من هنا أهرب .. ولا أقولكم ( يوجه حديث للبحارة ) هاتوا الماضى ده معانا فى السفينة ، يلا شيلوه علشان نخبيه مش عايزين حد يشوفه .
( يكلم نفسه ويضرب كفاً بكف ثم يكمل حديثه ) :
والله عال يا عثمان ، طلعت خلبوص ولك ماضى كمان .. ويمكن
تاريخ أحمر ولا أخضر ما تفرقشِ الألوان .. يلا بسرعة عايزين
نمشى من البلد دى ، والله فكرة لما ناخد الماضى ده من عندهم ...
يبقى ما لهمشِ ماضى ، ويبقى يروحوا يشتروا لهم ماضى تانى ..
ولا يستلفوه ، وأنا مالى مش هو قال ان أنا برضه أبوه وكلكم
شاهدين ، يبقى لما آخد ابنى الماضى يبقى يستوردوا ليهم ماضى زى
ما هما عايزين .
( البحارة يحملون الرجل ويدخلونه داخل السفينة .. ينادى أحدهم ) :
بحــار (1) : كله تمام ياريس عثمان .. ربطنا الماضى جوا .. تحت .. تحت خالص ..
بحــار (2) : يلا بسرعة علشان نرميه فى البحر .
بحــار (3) : أنا ربطت مناخيره فى القاع علشان يحرم يتطاول على الريس .
( ينادى أحدهم .. يلا ياريس .. احنا جاهزين )
يركب عثمان السفينة ويرتفع الشراع .. تعكس الإضاءة سير السفينة
وتموجات هواء الصارى ... يدخل من جانب المسرح رجل يحمل فى
يده مزمار يعزف ويتعالى غناء .
[ أغنـــــية ]
( يظهر الراوى من جديد حاملاً فى يده كتاب كبير ومسبحة يتكلم الراوى ) : الـــراوى : والآن يا سادة رحل الماضى من بلدة جولييت ،
لكن جولييت ظلت تولول على حبيبها المفقود .
( تظهر جولييت فى ملابس العاشقة بملابس شفافة بيضاء مقصبة
فضفاضة ، تمسك بيدها وردة تبدأ الحديث ) :
جولييت : ها أنا الآن وحيدة بلا ماضٍ يهدهد فؤادى ، كم أحبك أيها الماضى ، كان اسمك كهيئتك كنت أرى فيك الحياة ، والآن ماذا سأنتظر ؟
لا شئ سوى الصمت ، الصمت .. الصمت المخيف ،
أرى الخفافيش تلاحقنى ، لا من فارس يعيد لجولييت حبيبها ..
لكن انظروا ، أرى النور يأتى من الشرق ،
نحن الذين نضع النور هنا
فلماذا توقد الشموع عند الفجر ؟!
أنا الآن آتية إليك ياحبيبى ..
ربما أنت كل شئ
لا شبيه مثلك الآن
لا فرح ، لا غناء
سأجئ إليك
حتماً سأجئ
يومها لن أحتاج لشموع تضئ المكان
إذ الزمان ليس كالزمان
والمكان ليس بالمكان
لا مكان إلا أنت
سأجئ .. سأجئ
( تصرخ وتسقط وتختفى الإضاءة )
المشهـد الثــــانى
( تدب الحركة فى السفينة .. يحدث هرج ومرج ...
البحارة يتحدثون ويختلفون ) :
بحــار (1) : لن نقذف بالماضى فى البحر ؟
بحــار (2) : إن القائد أهوج ..
بحــار (3) : لا .. بل يحب أن يموت .
بحــار (4) : لا .. أنه حبيب جولييت .
بحــار (5) : اننى أكرهه .
بحــار (6) : لكننى أحبه .
( يتدخل الريس عثمان ) :
عثمان : القائد ليس بأهوج ، سيقذف فى البحر ، سيموت ، ستحب جولييت من جديد ، لا أبادلكم الحب والكره ، لكنه خطر .. خطر علينا جميعاً
بحــار (1) : كيف ؟
بحــار (2) : لم أعد أفهم .
بحــار (3) : نعم إنه خطر ، لذا يجب أن يختفى .
عثمــــان : بل يموت .
بحــار (3) : ولكن ألا تدرى لو مات ماذا سيحدث .
عثمــــان : أعلم ذلك جيداً ، لكنها الحيلة فقط .
بحــار (4) : عندى فكرة .
( يتكلمون جميعاً : ماذا ؟ ! )
بحــار (5) : سنخبأه ، ونقول لهم بأنه مات .
بحــار (1) : لن يصدقوننا .
بحــار (3) : لا تكون أصولياً أكثر من اللازم .
بحــار (2) : لست شيوعياً مثلك .
بحــار (7) : أنا اشتراكى .
بحــار (4) : أنت تافه ، عميل ، بل جاسوس .
بحــار (3) : أريد المال والجاه .
بحــار (4) : لن يعطوك شيئاً .
بحــار (2) : قالوا لك عليك بالشباب .
بحــار (5) : أنا مزارع ولست بخطيب مسجد .
بحــار (4) : لذا أدخلت الكيماويات ، وأفسدت الجسم والعقل .
بحــار (2) : وصديقه كذلك هذا ( يشير لأحد البحارة ) .
بحــار (3) : لقد رأيتهما يتهامسان أمس ، يقولان لماذا عثمان هو القائد .
بحــار (4) : اذن ظهرت المؤامرة .
بحــار (1) : انه يكذب
بحــار (2) : لا ، واذا أردتم أن تتأكدوا فاسألوا الماضى .
بحــار (4) : ومادخل الماضى بنا الآن ؟
بحــار (1) : لقد كان حاضراً .
بحــار (4) : الماضى حاضراً .. كيف يكون ذلك ، ونحن فى سفينة المستقبل ؟
بحــار (1) : إن الريس عثمان خبيث .
بحــار (4) : كيف ؟!
بحــار (1) : لقد جمع فى السفينة الماضى ، ونحن الحاضر ، ونسير فى سفينة المستقبل ، ألم تفهموا بعد مقصدة .
بحــار (4) : أقبضوا عليه .
بحــار (2) : على من ؟
بحــار (4) : الريس عثمان .
بحــار (2) : بل يجب أن نقبض على الماضى .
بحــار (1) : نعم .. انه هو المطلوب الآن .
بحــار (3) : لا .. كلكم عملاء .
عثمــــان : كفوا عن الحديث .
بحــار (1) : لا .. كلكم خونة .
( يتشاجرون فتتمايل السفينة بعنف ، يظهر الشجار من خلال جهاز
البحارة حائرون في مصير عثمان
فلاشر .. يهتز السارى بعنف وتتكسر السفينة .. يبدأون فى الصياح .. يمسك الماضى فى خشبة ، بينما يتشبث عثمان فى خشبة أخرى .. يموت الجميع عداهما ... تعلو الاضاءة تدريجياً .. يتكلمان وهما على حالهما جاثيان على الأرض ) :
عثمان : الآن لم ينجُ سواى وسواك أيها الماضى ، ولكن لماذا ظللت صامتاً ، حتى عندما حاصرتنا الأمواج كنت لاتتكلم ، فقط كنت تلهث لماذا أنت صامت تكلم .
( لايتكلم فيكمل عثمان ) :
عثمان : قد يكون أصابه الخرس ، لاأحد الآن سواى الذى يتكلم .. ترى أين أنا ، ومن هؤلاء ؟!
( يتقدم رجال كثيرون يلبسون ملابس بيضاء حاملين الشموع المضيئة ..
يظهر صوت وشوشة البحر وهدير الأمواج ... يحيط بهم الرجال فى شبه
دائرة ... يتكلم الشيخ الكبير ) .
الشيخ : رباه ماذا أرى ؟ الماضى والحاضر مجتمعان ؟ إذن أين السفينة ؟
رجـــل : وما العمل ياشيخ ؟! .
الشيخ : اجمعوا الحطب وأشعلوا النار ، لكن إياكم أن تطفئوا الشموع !!
( يبدأ الرجال فى جمع كومات الحطب .. بينما يعلو صوت الشيخ وهو يضحك بهستيرية ... يتكلم موجهاً حديثه للرجال ) :
ها .. ها .. ها ، قلت لاتطفئوا الشموع هيا قيدوهما ..
الرجــــل : لماذ1القيود .. سنحرقهما بدون قيود .
الشــــيخ : لا .. القيود آثام ، والنار تحرق الآثام .
رجل (2) : عثمان مظلوم .. لم يفعل شيئاً .
الشــــيخ : أل
م يقبض على الماضى إذن ؟!
رجل (3) : كلهم اشتركوا فى القبض عليه .
الشــــيخ : النار ستجيب ، ، النار هى الحقيقة ولكننا لن نحرقها بالنار .
رجل (1) : سنحرقها بماذا إذن ياشيخ ؟!
الشــــيخ : أحرقوهما بالشموع ليتطهرا ... ولكن اياكم أن تطفئوا الشموع .. إياكم واطفاء الشموع .
( يقترب موكب الشموع فى حلقة دائرية ... يحيطـــوا بالرجلـين وتتضائل الدائرة تدريجياً مع مصاحبة غناء حزين .. تتضائل الإضاءة والغناء .. يصيح رجل ) :
رجــــل : ياشيخ .. ياشيخ .. لقد هرب الماضى ياشيخ .
الشيخ : دعوه يهرب .. سيعود إلى جولييت هناك .. سيعود إلى دفء المحبوب .
المشهــد الثالــث
( كرسى كبير يجلس فوقه عثمان .. يتحلق حوله الشيخ والرجال ..
يُسْمَع نباح بعض الكلاب ، وعواء ذئاب ، ومواء لقططٍ ، وأصوات
لحيوانات متداخلة .. الشموع تحيط بالمكان ، والمكان يضاء فقط على
ضوء الشموع يتقدم الشيخ من عثمان يخاطبه ) :
الشيخ : رفعناك فلا ترتفع علينا ، ملكناك فلا تصفنا بالعبيد ، سنعطيك كل
شئ ، ولكن إياك وكل شئ ، الشئ بالشئ يتشابه ، فلا تشابه أى شئ ، وتشبه بكل الأشياء ، ولكن إياك والعواء ، إياك والمواء ، إياك والكلاب الجاثمين عند الشواطئ ، لقد ذهبنا كما أمرت ، مشينا فوق الماء ، وغصنا فى قلب البحر .. الآن قد جمعوا حطام
السفينة ، وغداً سنثبت الأركان ، ستركب ونركب معك ، أنت القائد ، ونحن الفرسان ، تأمر فنطيع ، وتضحك فنضحك ، وتبكى فنبكِ ، ولكن لن نسايرك على الدوام ، ستسير بمفردك ، وسنفر منك كما فر الماضى إلى جولييت ، وسنتبعك إذا لم تكن هناك نار تمور ، وجبال تفور !! .
( يقف عثمان وقد لبس ثياباً زاهية .. يبدأ فى الحديث )
عثمــــان : من أنتم ؟
رجل (1) : رجالك .
رجل (2) : فرسانك .
رجل (3) : ماضيك الذى فرمنك .
رجل (4) : حاضرك .
رجل (5) : مستقبلك المجهول .
الشـــيخ : إذن هيا للغناء ..
( يغنون وهم يدقون الأخشاب ليصنعوا السفينة )
تعلو أصوات الذئاب ، تنبح الكلاب ، يعلو صوت المواء ، تختلط
أصوات الماعز بالبقر برغاء الابل بصهيل الخيول ..
( الكل يعمل بجد .. الشموع مضاءة ، يضيئون
ها كل وقت .. ( فلاشر يصور السرعة فى بناء السفينة ) .. يبدأ الجميع فى حمل السفينة .. تظهر صورة البحر .. يُنْزِلُوا السفينة فى هدوء .. يجمعوا الكلاب والذئاب ، والقطط والماعز والبقر ( أىَّ مجسمات لحيواناتٍ كثيرة ) يضعون كل ذلك فى السفينة ويبدأ الجميع فى دفعها بقوة تجاه البحر .. تنطلق السفينة بينما يعلو فى مقدمتها صورة لخيال المآتة وهو يقود السفينة إلى المجهول ..
( ينطلق غناء مكتوم .. همسات .. يصيح الجميع فى صوت واحد وهم يشيرون إلى السفينة وهى تبدأ السير فى عرض البحر ) : الآن ...
الآن ... الآن ... الآن ... الــ .. آ .. ن )
( اظــــــــلام )
( تمـــت )
سفينة المستقبل
شموع تحيط بالمسرح ، سفينة راسية ، البحارة مصبوغون بألوان مختلفة غريبة ، علم أسود غريب فوق سارى السفينة .. طيور حمراء غريبة تحيط بالمكان .. المياه بلون الدم تنعكس على جدران السفينة ، يبدأ البحارة فى غناء جنائزى .. تراتيل خافتة .. صوت غربان .. ثم صخب وصوت صراخ آت من داخل المسرح .
( يظهر الراوى ويشير إلى رجل فى وسط المسرح يحمل شمعة ) :
الـراوى : إنه يصرخ وحيداً ، هناك .. انظروا إليه .. يا له من ساذج ، يحمل شمعة فى يده ، لازال يمارس البلاهة .. يحلم وكم هى قاسية تلك الأحلام .. أطلبوا منه أن يتقدم . ( يكلم الجمهور ) لا تدعوه هكذا ، إنه أملكم جميعاً ، لا تدعوه يعود للوراء .. لا تدعوه يصالح الأشرار ، لاتدعوا الشمعة تنطفئ ، لا تدعوها تموت .
( يختفى الراوى فتظهر شمس تطل على السفينة .. تبدأ حركة الرجال الذين داخلها تتابع ببطء شديد يقف أحدهم يصيح ) : آه .. آه
( يسقط مغشــــــياً عليه )
[ أغنيــــــة ]
( يظهر الراوى حاملاً شمعة فى يده يبدأ فى الحديث ) :
الــراوى : حين ودعت جولييت حبيبها المدلل ،
قالــــت : سأحبك ما حييت
فكان موتها قبرَّة
وحبيبها طائر غريد
والآن يا سادة سنجرج وجه التاريخ قليلاً ، سنسيل الدم الطاهر فوق سفينة الأحلام .. ( يكلم الجمهور ) : أنت ، لا ليس أنت ، بل أنت
أيها الواضع يداً فوق الخد .. ألا تريد العودة للماضى ..
سأدعك تعيش اللحظة .. تقدم .. تعال .. هيا تعال لا تخف .. أعذرنى إذ لا أستطيع أن اجئ لآخذك من يدك ، تعال باختيارك إن أردت ، فإذا لم ترد فليتقدم أحدكم .. ولكن حذراً من أن تقتربوا منى حتى لا تنالوا
نفس المصير الذى أصبحت عليه ، أتدرون ماذا كان مصيرى ، لا
عليكم منى الآن ، والآن هيا يا سيد .... ، قل لهم أولاً ما اسمك .
( يدعه يحدث الجمهور باسمه ثم يكمل مقاطعاً إياه ) :
الـراوى : لا .. ليس اسمك أحمد .. بل اسمك الماضى ، وتذكر بأننا جميعاً فى الزمن الفائت الجميل ، زمن الغناء .
( يختفى الراوى فينزل من بالسفينة فى تتابع ... يتكلم قائد السفية ):
عثمان : أنا عثمان أبويا مرجان ، وانت اسمك ايه ، وأبوك مين ؟
( يتكلم الرجل الذى أتى من المسرح بصوت أجش عاالٍ )
الرجـل : أنا الماضى .
عثمان : ( يضحك بتهكم ) ، انت الماضى ، أبوك مين إن شاء الله آدم ..
الرجل : أبويا مات .
عثمان : أنا بسأل مين أبوك مش فين أبوك .
الرجل : أنت .
عثمان : لكن أنا ما اتجوزتش علشان أخلف ، وهخلف مين الماضى ، ولا الحاضر .. انت الظاهر عليك رجل خرفان .. يلا أُهْرُب من هنا أهرب .. ولا أقولكم ( يوجه حديث للبحارة ) هاتوا الماضى ده معانا فى السفينة ، يلا شيلوه علشان نخبيه مش عايزين حد يشوفه .
( يكلم نفسه ويضرب كفاً بكف ثم يكمل حديثه ) :
والله عال يا عثمان ، طلعت خلبوص ولك ماضى كمان .. ويمكن
تاريخ أحمر ولا أخضر ما تفرقشِ الألوان .. يلا بسرعة عايزين
نمشى من البلد دى ، والله فكرة لما ناخد الماضى ده من عندهم ...
يبقى ما لهمشِ ماضى ، ويبقى يروحوا يشتروا لهم ماضى تانى ..
ولا يستلفوه ، وأنا مالى مش هو قال ان أنا برضه أبوه وكلكم
شاهدين ، يبقى لما آخد ابنى الماضى يبقى يستوردوا ليهم ماضى زى
ما هما عايزين .
( البحارة يحملون الرجل ويدخلونه داخل السفينة .. ينادى أحدهم ) :
بحــار (1) : كله تمام ياريس عثمان .. ربطنا الماضى جوا .. تحت .. تحت خالص ..
بحــار (2) : يلا بسرعة علشان نرميه فى البحر .
بحــار (3) : أنا ربطت مناخيره فى القاع علشان يحرم يتطاول على الريس .
( ينادى أحدهم .. يلا ياريس .. احنا جاهزين )
يركب عثمان السفينة ويرتفع الشراع .. تعكس الإضاءة سير السفينة
وتموجات هواء الصارى ... يدخل من جانب المسرح رجل يحمل فى
يده مزمار يعزف ويتعالى غناء .
[ أغنـــــية ]
( يظهر الراوى من جديد حاملاً فى يده كتاب كبير ومسبحة يتكلم الراوى ) : الـــراوى : والآن يا سادة رحل الماضى من بلدة جولييت ،
لكن جولييت ظلت تولول على حبيبها المفقود .
( تظهر جولييت فى ملابس العاشقة بملابس شفافة بيضاء مقصبة
فضفاضة ، تمسك بيدها وردة تبدأ الحديث ) :
جولييت : ها أنا الآن وحيدة بلا ماضٍ يهدهد فؤادى ، كم أحبك أيها الماضى ، كان اسمك كهيئتك كنت أرى فيك الحياة ، والآن ماذا سأنتظر ؟
لا شئ سوى الصمت ، الصمت .. الصمت المخيف ،
أرى الخفافيش تلاحقنى ، لا من فارس يعيد لجولييت حبيبها ..
لكن انظروا ، أرى النور يأتى من الشرق ،
نحن الذين نضع النور هنا
فلماذا توقد الشموع عند الفجر ؟!
أنا الآن آتية إليك ياحبيبى ..
ربما أنت كل شئ
لا شبيه مثلك الآن
لا فرح ، لا غناء
سأجئ إليك
حتماً سأجئ
يومها لن أحتاج لشموع تضئ المكان
إذ الزمان ليس كالزمان
والمكان ليس بالمكان
لا مكان إلا أنت
سأجئ .. سأجئ
( تصرخ وتسقط وتختفى الإضاءة )
المشهـد الثــــانى
( تدب الحركة فى السفينة .. يحدث هرج ومرج ...
البحارة يتحدثون ويختلفون ) :
بحــار (1) : لن نقذف بالماضى فى البحر ؟
بحــار (2) : إن القائد أهوج ..
بحــار (3) : لا .. بل يحب أن يموت .
بحــار (4) : لا .. أنه حبيب جولييت .
بحــار (5) : اننى أكرهه .
بحــار (6) : لكننى أحبه .
( يتدخل الريس عثمان ) :
عثمان : القائد ليس بأهوج ، سيقذف فى البحر ، سيموت ، ستحب جولييت من جديد ، لا أبادلكم الحب والكره ، لكنه خطر .. خطر علينا جميعاً
بحــار (1) : كيف ؟
بحــار (2) : لم أعد أفهم .
بحــار (3) : نعم إنه خطر ، لذا يجب أن يختفى .
عثمــــان : بل يموت .
بحــار (3) : ولكن ألا تدرى لو مات ماذا سيحدث .
عثمــــان : أعلم ذلك جيداً ، لكنها الحيلة فقط .
بحــار (4) : عندى فكرة .
( يتكلمون جميعاً : ماذا ؟ ! )
بحــار (5) : سنخبأه ، ونقول لهم بأنه مات .
بحــار (1) : لن يصدقوننا .
بحــار (3) : لا تكون أصولياً أكثر من اللازم .
بحــار (2) : لست شيوعياً مثلك .
بحــار (7) : أنا اشتراكى .
بحــار (4) : أنت تافه ، عميل ، بل جاسوس .
بحــار (3) : أريد المال والجاه .
بحــار (4) : لن يعطوك شيئاً .
بحــار (2) : قالوا لك عليك بالشباب .
بحــار (5) : أنا مزارع ولست بخطيب مسجد .
بحــار (4) : لذا أدخلت الكيماويات ، وأفسدت الجسم والعقل .
بحــار (2) : وصديقه كذلك هذا ( يشير لأحد البحارة ) .
بحــار (3) : لقد رأيتهما يتهامسان أمس ، يقولان لماذا عثمان هو القائد .
بحــار (4) : اذن ظهرت المؤامرة .
بحــار (1) : انه يكذب
بحــار (2) : لا ، واذا أردتم أن تتأكدوا فاسألوا الماضى .
بحــار (4) : ومادخل الماضى بنا الآن ؟
بحــار (1) : لقد كان حاضراً .
بحــار (4) : الماضى حاضراً .. كيف يكون ذلك ، ونحن فى سفينة المستقبل ؟
بحــار (1) : إن الريس عثمان خبيث .
بحــار (4) : كيف ؟!
بحــار (1) : لقد جمع فى السفينة الماضى ، ونحن الحاضر ، ونسير فى سفينة المستقبل ، ألم تفهموا بعد مقصدة .
بحــار (4) : أقبضوا عليه .
بحــار (2) : على من ؟
بحــار (4) : الريس عثمان .
بحــار (2) : بل يجب أن نقبض على الماضى .
بحــار (1) : نعم .. انه هو المطلوب الآن .
بحــار (3) : لا .. كلكم عملاء .
عثمــــان : كفوا عن الحديث .
بحــار (1) : لا .. كلكم خونة .
( يتشاجرون فتتمايل السفينة بعنف ، يظهر الشجار من خلال جهاز
البحارة حائرون في مصير عثمان
فلاشر .. يهتز السارى بعنف وتتكسر السفينة .. يبدأون فى الصياح .. يمسك الماضى فى خشبة ، بينما يتشبث عثمان فى خشبة أخرى .. يموت الجميع عداهما ... تعلو الاضاءة تدريجياً .. يتكلمان وهما على حالهما جاثيان على الأرض ) :
عثمان : الآن لم ينجُ سواى وسواك أيها الماضى ، ولكن لماذا ظللت صامتاً ، حتى عندما حاصرتنا الأمواج كنت لاتتكلم ، فقط كنت تلهث لماذا أنت صامت تكلم .
( لايتكلم فيكمل عثمان ) :
عثمان : قد يكون أصابه الخرس ، لاأحد الآن سواى الذى يتكلم .. ترى أين أنا ، ومن هؤلاء ؟!
( يتقدم رجال كثيرون يلبسون ملابس بيضاء حاملين الشموع المضيئة ..
يظهر صوت وشوشة البحر وهدير الأمواج ... يحيط بهم الرجال فى شبه
دائرة ... يتكلم الشيخ الكبير ) .
الشيخ : رباه ماذا أرى ؟ الماضى والحاضر مجتمعان ؟ إذن أين السفينة ؟
رجـــل : وما العمل ياشيخ ؟! .
الشيخ : اجمعوا الحطب وأشعلوا النار ، لكن إياكم أن تطفئوا الشموع !!
( يبدأ الرجال فى جمع كومات الحطب .. بينما يعلو صوت الشيخ وهو يضحك بهستيرية ... يتكلم موجهاً حديثه للرجال ) :
ها .. ها .. ها ، قلت لاتطفئوا الشموع هيا قيدوهما ..
الرجــــل : لماذ1القيود .. سنحرقهما بدون قيود .
الشــــيخ : لا .. القيود آثام ، والنار تحرق الآثام .
رجل (2) : عثمان مظلوم .. لم يفعل شيئاً .
الشــــيخ : أل
م يقبض على الماضى إذن ؟!
رجل (3) : كلهم اشتركوا فى القبض عليه .
الشــــيخ : النار ستجيب ، ، النار هى الحقيقة ولكننا لن نحرقها بالنار .
رجل (1) : سنحرقها بماذا إذن ياشيخ ؟!
الشــــيخ : أحرقوهما بالشموع ليتطهرا ... ولكن اياكم أن تطفئوا الشموع .. إياكم واطفاء الشموع .
( يقترب موكب الشموع فى حلقة دائرية ... يحيطـــوا بالرجلـين وتتضائل الدائرة تدريجياً مع مصاحبة غناء حزين .. تتضائل الإضاءة والغناء .. يصيح رجل ) :
رجــــل : ياشيخ .. ياشيخ .. لقد هرب الماضى ياشيخ .
الشيخ : دعوه يهرب .. سيعود إلى جولييت هناك .. سيعود إلى دفء المحبوب .
المشهــد الثالــث
( كرسى كبير يجلس فوقه عثمان .. يتحلق حوله الشيخ والرجال ..
يُسْمَع نباح بعض الكلاب ، وعواء ذئاب ، ومواء لقططٍ ، وأصوات
لحيوانات متداخلة .. الشموع تحيط بالمكان ، والمكان يضاء فقط على
ضوء الشموع يتقدم الشيخ من عثمان يخاطبه ) :
الشيخ : رفعناك فلا ترتفع علينا ، ملكناك فلا تصفنا بالعبيد ، سنعطيك كل
شئ ، ولكن إياك وكل شئ ، الشئ بالشئ يتشابه ، فلا تشابه أى شئ ، وتشبه بكل الأشياء ، ولكن إياك والعواء ، إياك والمواء ، إياك والكلاب الجاثمين عند الشواطئ ، لقد ذهبنا كما أمرت ، مشينا فوق الماء ، وغصنا فى قلب البحر .. الآن قد جمعوا حطام
السفينة ، وغداً سنثبت الأركان ، ستركب ونركب معك ، أنت القائد ، ونحن الفرسان ، تأمر فنطيع ، وتضحك فنضحك ، وتبكى فنبكِ ، ولكن لن نسايرك على الدوام ، ستسير بمفردك ، وسنفر منك كما فر الماضى إلى جولييت ، وسنتبعك إذا لم تكن هناك نار تمور ، وجبال تفور !! .
( يقف عثمان وقد لبس ثياباً زاهية .. يبدأ فى الحديث )
عثمــــان : من أنتم ؟
رجل (1) : رجالك .
رجل (2) : فرسانك .
رجل (3) : ماضيك الذى فرمنك .
رجل (4) : حاضرك .
رجل (5) : مستقبلك المجهول .
الشـــيخ : إذن هيا للغناء ..
( يغنون وهم يدقون الأخشاب ليصنعوا السفينة )
تعلو أصوات الذئاب ، تنبح الكلاب ، يعلو صوت المواء ، تختلط
أصوات الماعز بالبقر برغاء الابل بصهيل الخيول ..
( الكل يعمل بجد .. الشموع مضاءة ، يضيئون
ها كل وقت .. ( فلاشر يصور السرعة فى بناء السفينة ) .. يبدأ الجميع فى حمل السفينة .. تظهر صورة البحر .. يُنْزِلُوا السفينة فى هدوء .. يجمعوا الكلاب والذئاب ، والقطط والماعز والبقر ( أىَّ مجسمات لحيواناتٍ كثيرة ) يضعون كل ذلك فى السفينة ويبدأ الجميع فى دفعها بقوة تجاه البحر .. تنطلق السفينة بينما يعلو فى مقدمتها صورة لخيال المآتة وهو يقود السفينة إلى المجهول ..
( ينطلق غناء مكتوم .. همسات .. يصيح الجميع فى صوت واحد وهم يشيرون إلى السفينة وهى تبدأ السير فى عرض البحر ) : الآن ...
الآن ... الآن ... الآن ... الــ .. آ .. ن )
( اظــــــــلام )
( تمـــت )

0 التعليقات:
إرسال تعليق