لكنهم تركوا القاعة قبل اانتهاء العرض
المشهد الاول : خشبة المسرح . على الجانب الايمن للجمهور اربع مقاعد ، وكرسي كبير في الوسط بمواجهة الجمهور . وعلى الشمال حلبة مستطيلة ، تمثل خشبة مسرح مصغرة . يجلس المخرج على الكرسي بمواجهة الجمهور ، يقلب اوراقا بين يديه ، وهو يقول : انتهينا من هذه ، وهذه انتهينا منها أيضا ، لقد وصلنا إلى المشهد الاخير . المشهد الأخير فيه الكثير من الضحك ( يرفع صوته فرحا ، كأنه اكتشف شيئا ) الكثير من الضحك ، سوف يضحك الجمهور حتى تشق بطنه ، وسيعرف العالم أي مخرج انا . . سوف أبهر الجميع . . الجميع يجب ان يخرجوا من هذا العرض وهم يلهجون بذكري . . المخرج عبقري . . المخرج كبير . . آ ، انه مخرج كبير . . كبير حقا . لا شيء غير المخرج ، المخرج .
ينزل من الكرسي ويدور على الخشبة بحركة متشنجة ، وهو يتذكر ، والقلق باد عليه ، ويقول : لا بد ان يعترف الجميع بي . . لابد ان يعترف الجميع بأنني لست فاشلا ، وأولهم زوجتي ، سوف تلقم حجرا وهي ترى نجاحي ، وتسمع باسمي يدور على الألسنة ، المخرج كبير ، المخرج عظيم ، المخرج رائع . لابد من ذلك . لا . . ( يتوقف بمواجهة الجمهور ) سوف يضحك الجمهور كثيرا ( يصيح بصوت عال ) ولكن لماذا يتأخر هؤلاء ، لقد مضى على بداية التمرين نصف ساعة ولم يحضر أحد .
يدخل ثلاثة شابان وفتاة وهم يهرولون ، حتى يتوقفون في وسط المسرح ، قريبا من المخرج .
الاول : آسف ، ازمة مواصلات .
الثاني : آسف ، مواصلات أيضا .
الفتاة : آسفه ، كان أحدهم يلاحقني .
يعود المخرج إلى الجلوس على كرسيه ، ويخاطبهم :
المخرج : انتما تجدان دائما في المواصلات عذركما الدائم . قلت لكما ان تحاولا الحضور قبل نصف ساعة كي لا تتاخرا من جديد ، ولكنني لا اجد أذنا صاغية . سوف تعاقبان على ذلك .
الاثنان معا : نحن ‘سفان يا حضرة المخرج .
المخرج : اسكتا ، لا حاجة بي لأسفكما ( مع نفسه ) كيف اقتحم المسرح بهؤلاء الكسالى ( إلى الفتاة ) أما أنت فلم اجد اقبح من عذرك ، مادام هناك من يطاردك أيتها الشابة ، كان عليك اذن ان تحضري بسرعة .
الفتاة : ولكنه كان يمشي ببطء سيدي المخرج .
يضحك الجميع .
الاول : من منكما كان يطارد الاخر ؟
الثاني : لا شك انك كنت تطاردين كسيحا .
الفتاة : اخرسا ، غدا سيعرف العالم قيمتي .
المخرج : ( وهو ينهي ضحكته ) نكتة جيدة . . نكتة جيدة ، ويجب ان تضاف إلى النص . آ ، نكتة جيدة سيضحك لها الجمهور كثيرا .
الاول : ( متملقا المخرج ) نعم ، انها نكتة جيدة حقا ، وفكرة اضافتها إلى النص ، فكرة عبقرية حقا .
الفتاة : ( تضحك بتغنج ، وهي تتمايل بجسمها ) انا دائما مصدر الهام ( مع نفسها ) وعندما اعتلي خشبة المسرح سيعرف الرجال قيمتي .
المخرج : خذوا اماكنكم ولنبدأ التمرين . ( يجلسون على المقاعد ، وينزل المخرج حتى يقف وسط الخشبة ، فينتبه إلى ان ممثلا لم يحضر ، يسأل الشابين ) أين زميلكما ؟
فيجيبان : لا نعرف .
الاول : ربما كان هو الذي يلاحقها .
الفتاة : لن اسمح لحمار بملاحقتي .
يضحكون . فيصيح بهم المخرج طالبا منهم الصمت .
المخرج : فليتاخر ( مع نفسه ) انها المرة الاولى التي يتاخر فيها الحمار ( ينتقل بالكلام اليهم ) ليس له دور في تمرين اليوم ( يرفع صوته ) المشهد الذي نتدرب عليه اليوم هو مشهد جحا الميت .
يدخل الشاب الثالث ، فيتوقف المخرج قليلا حتى يجلس .
المخرج : ( يكرر ) سنتدرب اليوم على مشهد جحا الميت . هل حفظتم ادواركم ؟
الاول : اظن انني حفظته .
الثاني : نعم .
الفتاة : ( بتغنج ) بما اننا في التمرين ، فسوف اقرأه على الورقة .
المخرج : هذه المرة الاخيرة التي تاتين وانت غير حافظة لدورك ، سوف اطردك إذا حدث هذا مرة أخرى .
الفتاة : ( بتوسل ) ستكون هذه هي المرة الاخيرة .
ينهض الممثلين الثلاثة إلى الحلبة . بينما يبقى الشاب الثالث مراقبا . يأمر المخرج الشاب الثاني بالتمدد على الخشبة ، ثم ياخذ بكتف الفتاة ويوقفها امامه ، ويطلب من الشاب الاول ان يدخل من الباب المفترض ، ويقطع المسافة حتى الفتاة بخمس خطوات . فيبعتد الشاب إلى بداية الحلبة .
المخرج : ( وقد عاد إلى وسط الخشبة ) الجميع في اماكنهم . ابدأ .
يتقدم الاول من الفتاة ، فيصرخ المخرج : توقف . يتوقف الشاب مندهشا . فيدخل المخرج الحلبة .
المخرج : قلت لك ان تتقدم في خمس خطوات ، ولكنك قطعت المسافة في اربع . انظر اليّ ، راقبني . ( يتراجع إلى الباب المفترض ، ثم يتقدم في خمس خطوات يقوم بعدّها اثناء المشي ، واحد ، اثنان ، ثلاثة ، اربع ، خمس ) هكذا . . هكذا يجب ان تمشي .
يعود الجميع إلى اماكنهم . يتقدم الشاب وهو يعد : واحد ، اثنان . . . فيصرخ المخرج طالبا منه التوقف .
الشاب : ( مندهشا ) ماذا ؟ ماذا فعلت ؟
المخرج : يجب ان تعد الخطوات في داخلك ، وليس بصوت عال ، هذا جنون .
الشاب : ولكنني لا استطيع التفكير في عد خطواتي وأنا امشي ، ربما اخطئ فتصبح اربعا أو ستا ، وانت تريدها خمس ، خمس خطوات بالتحديد .
المخرج : يجب ان تتدرب على ان تجعلها خمس ، فهذا ليس بالأمر المستحيل .
يتشاجران حول عدد الخطوات ، فيما يبدو الملل على الفتاة ، والإنزعاج على الشاب الرابع الذي يهز رأسه علامة الأسف .
المخرج : والآن حاول أن تسير خمس خطوات دون أن تعد .
الشاب : سأحاول . ( يتقدم ببطء حتى يصل الفتاة ) هل هذا هو بيت جحا ؟
الفتاة : ( بصوت مغر ، وهي تقرأ الورقة ) نعم ، هو بيت جحا وأنا زوجته .
المخرج : يالهي ، تقرأين حوارك في الورقة وتخطأين . زوجته . . اين كتبت زوجته ؟ قولي زوجه . . زوجه ، وليست زوجته ، فلا توجد في العربية الفصحى كلمة زوجته .
الفتاة : حسنا ، حسنا .
المخرج : ثم مالك تتكلمين وكأنك تريدين دعوته إلى الفراش . قلت لك تكلمي بمرح . . مرح ، ولم أقل بغنج . هل فهمتي ؟
الفتاة : نعم ، فهمت .
المخرج : والآن لنبدأ من جديد .
يعيد الاول طرح السؤال على الفتاة ، فتجيب بمرح مبالغ فيه : نعم ، انه بيت جحا وأنا زوجه .
المخرج : جيد . . جيد ، هذا سيحفز الجمهور على الضحك . اكملا .
الاول : وهل . . هل . . .
المخرج : ( يلقنه الجملة ) وهل اجده في البيت ؟
الاول : ( بتكلف ) وهل اجده في البيت ؟
الفتاة : نعم ، انه ميت .
الاول : ميت ! وهل كان عليه ان يموت في هذا اليوم ؟ . . . .
المخرج : ( يلقنه ) انه مدين لي بالمال ، وقد حان وقت الوفاء .
الاول : انه مدين لي بالمال ، وقد حان وقت الوفاء .
الفتاة : ( تقرأ ) ادخل ، ويمكنك ان تراه ميتا .
يمثلان الدخول إلى البيت ، يقفان عند رأس الثاني . فيصيح المخرج بالفتاة : عليك ان تقفي عند قدميه . ابدأآ من جديد . يعيدان تمثيل عملية الدخول . يقف الاول عند رأس الثاني ، وتقف الفتاة عند قدميه . يجلس الاول ، ويتحسس وجه جحا المسجى على الخشبة ، ويهمس في اذنه :
الاول : جحا ، جحا ، هل مت حقا ؟ ( يبكي ) لقد كنت رجلا طيبا يا جحا ، وانني اسقط ما بذمتك من مال لي .
الثاني : ( يقفز من نومة مسرورا ) شكرا جزيلا يا اخي ، وارجو ان لا تطالبني به مرة أخرى .
الاول : لقد خدعتني .
الفتاة : ( تضحك ) اجل ، لقد خدعك زوجي . . خدعك زوجي . وتتمايل على الحلبة .
المخرج : هذا جيد . . جيد جدا . . تلك الرقصة المبتكرة ستضاف إلى العرض ، سوف يعجب بها الرجال كثيرا .
الفتاة : ( بفرح ) حقا ! لقد اخبرتكم أني ملهمة .
الاول : سيكون من الافضل لو انها ارتدت في هذا المشهد ملابس الرقص .
المخرج : فكرة لامعة .
الثاني : ستجلب الكثير من الزبائن .
يرن هاتف المخرج ، ينظر إلى الرقم ، يعتذر ويغادر بسرعة . يضحك الشباب .
الاول : لا شك انها زوجته .
الفتاة : ( مقلدة صوت المخرج ) قل زوجه ولا تقل زوجته ، فليس في العربية الفصحى زوجته .
الثاني : هل تظنون انه سيأتي الكثير من الناس إلى العرض .
الاول : لا بد ان ياتوا إلى العرض ، فالجميع يريد ان يرى جحا ويضحك . لقد مل الناس الحديث في السياسة ، ولن يجدوا فرصة افضل للترفيه من جحا وحماره .
الفتاة : ستكون هذه اولى خطواتي على طريق الشهرة ، وبعدها ساكتسح الفضائيات ويصبح اسمي على كل لسان .
الثاني : اتمنى ان يحضر الكثيرون لاحصل على المال ، ثم اصبح ممثلا مشهورا ، مثل الممثلين الاجانب ، واحصل على اجوري بالعملة الصعبة ، ابني فيلا في ارقى المناطق ، واقود احدث السيارات .
الاول : تصوروا أي نشوة في ان اقف على المسرح . الجميع صامتون بينما انا وحدي أتكلم ، وافرض على الجميع أن يصغوا اليّ .
الثاني : بل اظنهم سيصغون اليّ اكثر منك ، لا تنس انني جحا ، والناس سيأتون لرؤيتي .
الاول : بل ضخامة دوري ستسحب الاضواء نحوي ، وسوف اقول ما اريد . اراهنك على ان الجمهور سينبهر بي .
الثاني : اراهنك على ان الجمهور سيدفع الأموال من اجل رؤيتي .
الفتاة : ( تصيح ) هيه ، توقفا . لقد نسيتما انني هنا ، وسيحضر الكثير من المشاهدين لرؤيتي .
الثالث : ربما سيحضر الجمهور في اليوم الاول فقط ، وبعدها تكون القاعة فارغة ، نؤدي فيها العرض للمقاعد والجدران .
الثلاثة : ( يصيحون ) هيه ، تكلم الحمار .
الثالث : صدقوني ، انني حمار جحا ، وأنا اعرف بالأمر اكثر منكم . لن يهدر الجمهور امواله من اجل الضحك فقط ، فما يريد الجمهور رؤيته هو شيء آخر غير الضحك الرخيص الذي تفكرون بتقديمه له . انه يجد الضحك في كل مكان ، وعندما ياتي إلى المسرح ، فانه يأتي للبحث عن الحقيقة .
الجميع : ( هيه ) جاء الحمار ليزعجنا بمواعضه المجانية .
الاول : سوف نخرج ، ونتركك هنا وحدك ، تلقي بمواعضك للفراغ . ( للآخرين ) هيا بنا نخرج ، ونترك هذا المجنون وحده .
يخرجون ويبقى الثالث وحده . يدور على الخشبة مفكرا ، ثم يتوجه للجمهور .
الثالث : ( متكلما مع الجمهور ) الناس تأتي إلى المسرح بحثا عن حقيقة تقدم على طبق من الجمال . المسرح يا اصدقائي مكان لبث الرؤى وصنع القناعات . هذا مختصر ما تعلمته في دراستي للمسرح ، ومن اجل ذلك اعشقه ، لأنه المكان الذي تسفر فيه الحقيقة عن وجهها الجميل . لكن ماذا . . ماذا افعل مع زمرة من النفعيين لاتعرف عن المسرح غير الربح وتضخيم الانا ؟ آه . عذرا . . عذرا يا صاحبي جحا . انا حمارك الوفي . انا الذي عرفت اسرارك ، ووقفت على حقيقة افعالك ، وهناك غيري . . هناك غيري ، فلا تقلق يا سيدي ، لن تضيع سيرتك بين الجهلة ، فهذا الكاتب يعرفك جيدا . . انتوني براندلو يعرفك جيدا ، وقد وجدته يتابع حكاياتك ويفسرها للناس . لقد وصل إلى لب الحقيقة ، واخرس الضاحكين . . انتوني كشف النقاب عن وجه العالم المتصوف ، فيما عجز قومه عن اقتناص الحكمة ، وغرقوا في الضحك . ( يصيح ) . ان جحا . . جحا ايها الناس عالم كبير وسط قوم جهلاء وسلطة طاغية . ماذا يفعل العالم هنا ؟ . . ها ، ماذا يفعل غير ان يتجاهل ، ويسخر مما حوله ؟
المشهد الثاني
المنظر نفسه . يدخل المخرج والممثلون جميعا من الباب الواقع على يمين الجمهور . يحمل الممثلون صندوقا كبيرا من الأوراق ، ولافتة . يجلس المخرج على كرسيه ، ويقف الشباب في وسط الخشبة .
المخرج : ( مخاطبا الجميع ) انتم تعرفون اهمية الدعاية . اريد منكم ان تلصقوا هذه الاعلانات على طريق الناس وحيث يتجمعون ، اريد ان يعرف جميع من في هذه المدينة ، ان عرضا مسرحيا سيقدم هنا . ( إلى الاول ) انت قم بالصاق الاعلان . ( إلى الثاني ) وانت قم بتوزيع الدعوات الخاصة . ( إلى الثالث والفتاة ) وانتما علقا اللافتة على النصب في وسط المدينة ، ثم عودا بسرعة فانا احتاج اليكما في تنضيف القاعة .
يقوم الاول بلصق الاعلانات على جدران المسرح ، ويوزع الثاني الدعوات على الجمهور الحاضر في القاعة ، بينما يرفع الثالث والفتاة اللافتة في المساحة الفاصلة بين الجمهور والخشبة .
الثالث : ( يقرأ ما مكتوب على اللافتة ) تقدم جماعة الفن الحديث عرضها المسرحي الاول مغامرات جحا وحماره على قاعة مرايا الفن ، في اليوم التالي من الاسبوع الجاري . العرض من تأليف الاستاذ كاتب كبير واخراج الفنان مبدع العظيم ، وتمثيل الفنانة متعة النظر ، ومجموعة من الفنانين الشباب . ( يضحك ) عذرا سيدي جحا لقد تغير الزمان ، لقد كنت تقاوم الظلم بالسخرية ، وصرنا نقاوم القهر بالضحك . . فاعذرنا عندما لا نفهمك ، لأننا لم نفهمك حقا .
الفتاة : بم تهذي ؟
الثالث : لا شأن لك بهذياني ، يكفيك ان اسمك مكتوب بخط بارز دون بقية الممثلين .
الفتاة : بالطبع ، انه اسمي ويجب ان يكتب بخط بارز . فاسمي ما سيجلب الزبائن . واعتقد اننا لو وضعنا صورتي ، فان القاعة ستغص بالناس .
الثالث : ربما سيحضر بعض المدعوين في اليوم الاول ، ولكنني لا اظن ان أحدا سيحضر في باقي الايام ، واراهنك على ذلك .
الفتاة : من العجيب انك حمار ، وتفتقر لتفاؤل الحمير . انها المرة الاولى التي التقي بحمار سوداوي المزاج .
الثالث : ربما انا لست مثل سيدي ، ربما كان سيدي يجد في زمانه تاثيرا للنقد الساخر ، وقد يكون هناك من فهمه . لكنني اجد للسخرية في حياتنا نوافذ كثيرة ، سخرية من اجل السخرية . . سخرية تدغدغ المشاعر وتفرغ العقول . . فرقتنا المسرحية بحد ذاتها سخرية .
الفتاة : اسمع يا صديقي ، انها نصيحة اقدمها لك من اجل ما بيننا من صداقة . كف عن الهذر . انس ما تعلمته من قراءة الكتب الكبيرة ، وانزل إلى ارض الواقع . بزنس از بزنس . الصحيح هو ما يجلب المنفعة . واضحاك الناس وتمتيعهم عمل يجلب المنفعة .
الثالث : اراهنك على ان الناس لا تاتي للمسرح من اجل الضحك . . المسرح مكان تعري الحقيقة ، والناس تاتي لرؤيتها . اما . . . .
الفتاة : ( تقاطعه ضاحكة ) جميلة كلمة تعري هذه . اسمعها منك للمرة الاولى . جميلة لولا ارتباطها بمعنى غير مفهوم . الصحيح ان الناس تاتي منم اجل الممثلة العارية ، وليس الحقيقة العارية . فالحقيقة معنى غامض ، وقيمة غير مهمة .
الثالث : العري يا سيدتي في كل مكان ، وعندما يدفع الناس المال من اجل الدخول إلى قاعة العرض ، فانهم لا يريدون ان يشاهدوا ما يمكنهم مشاهدته في بيوتهم .
الفتاة : ( تسخر ) دماغك بحاجة إلى الاصلاح ، مثل دماغ سيدك جحا .
يعود الجميع إلى الخشبة بعد ان انهوا عملهم في توزيع الدعوات ، ولصق الملصقات ، ورفع اللافتة .
المخرج : ( بتباه ) احسنتم .
الاول : لقد اخذتنا على حين غرة .
الثاني : نعم ، اخذتنا على حين غرة .
المخرج : ماذا هناك ؟
الاول : لقد كتبت اسمها في الاعلان ، ولم تكتب اسماءنا .
الثاني : نعم ، لم تكتب اسماءنا ، ولهذا ، فانني محتج ، وربما سانسحب .
المخرج : تمهلا ، تمهلا . لقد كانت اللافتة صغيرة ، ولذلك لم أجد فيها مكانا لائقا لكما ، لكن اسميكما هنا ، وبالخط الواضح في مقدمة العرض .
الاثنان : حقا .
المخرج : نعم ، انظرا .
يناولهما ورقة العرض ، فيقرأآنها ويجدان اسميهما .
الاول : حسنا ، ذلك جيد ، ولو انه مكتوب بخط صغير ، وتحت اسمها أيضا .
الثاني : نعم ، ان اسمي هنا تحت اسمها مع انني بدور جحا ، وسيضحك الناس عليّ لا عليها .
الفتاة : ( غاضبة ) ان دوري ان من دوريكما . انتما ضد المرأة دائما . متخلفان .
الاول : لا اسمح لك بشتمنا .
الثاني : انت فتاة وقحة ، و . . . . . . .
الفتاة : بل انت . . . .
المخرج : ( بصوت عال ) stop .
يتوقفون عن العراك .
المخرج : كفوا عن الشجار السخيف هذا ، وارتدوا ملابس العرض ، ولنؤدي العرض كاملا .
يذهب الجميع لتغيير ملابسهم . ينزل المخرج من على كرسيه ، ويقف وسط الخشبة .
: ممثلون سخفاء يريدون اضاعة جهدي بمشكلاتهم التافهة . كل واحد منهم يريد ان يكون البطل ، متناسين ان هناك مخرجا هو الذي يصنعهم ، ويقدمهم إلى الناس ، لكن ماذا نفعل إذا كانت تقاليد المسرح السخيفة لا تسمح لنا بالظهور على الخشبة الا بعد انتهاء العرض لنحيي الجمهور . ان هذا غير عادل . ( مخاطبا الجمهور ) . ألا تتفقون معي ان هذا غير عادل ؟ انا اقوم بتصميم كل شيء ، انا الذي ارسم للممثل شخصيته ، ويتحرك وفق ما املي عليه ، ثم يكون هو اكثر بروزا مني . ألا تتفقون معي في انه يجب تغيير تقاليد العروض ، ووضع صورة كبيرة مثلا للمخرج في وسط الخشبة ، لينظر الناس إلى وجه صانع العرض الذي يشاهدون . ( يدور حول نفسه مبتهجا ) . انها فكرة . . فكرة عبقرية حقا . سوف يرى الناس صورتي غدا ، تتوسط الخشبة .
يدخل الممثلون بملابس العرض . يرتدي الاول زي رجل عربي ، ويرتدي جحا زيه التقليدي . ويرتدي الرابع قناع حمار ، بينما تدخل الفتاة بملابس عصرية مغرية . يتقدمون إلى الحلبة ويقفون قريبا منها .
المخرج : إلى الخشبة .
يدخل الممثلون إلى الحلبة . وياخذ كل واحد منهم مكانه . تظلم القاعة ، ويسلط الضوء على المخرج فقط .
المخرج : ( يصيح على طريقة مخرجي السينما ) اكشن .
ترتفع موسيقى مرحة ، ويركض الممثلون على الحلبة جيئة وذهابا ، ثم يتصارعون ، ويعودون إلى الركض مرة أخرى ، ثم الصراع . بينما يراقب المخرج مبتهجا . يرتفع صوت الممثل الثالث .
الثالث : لا ، لن ارتكب هذه الجريمة بحق سيدي .
المخرج : ( يصيح ) stop .
تضاء الخشبة .
المخرج : هذا خروج عن النص .
الثالث : بل خروج من العرض ، واعلان توبة .
المخرج : ماذا ؟
الثالث : لا استطيع الاستمرار في هذه الجريمة .
المخرج : ( مندهشا ) اية جريمة ؟ هل قتل أحد ؟
الثالث : نعم ، تريدون قتل جحا .
المخرج : ( ساخرا ) يا رجل ، لم اقل لك ان تتقمص دور الحمار إلى هذا الحد . أي جحا . جحا شخصية خيالية . عد إلى العمل ولا تخرج عن النص مرة أخرى .
الثالث : ( وهو ينزع القناع ) ملا نصر الدين ليس شخصية خيالية ، ولم يكن مسخرة كما تظن . ملا نصر الدين عالم وسط جهال .
يلقي الثالث بالقناع ويخرج ، وسط دهشة الجميع .
المخرج : ( للاخرين ) عودوا إلى عملكم ، يمكنكم نسيان دوره والبداية من جديد .
يظلم المسرح من جديد . ترتفع الموسيقى المرحة . يجري الممثلون على الحلبة . يتصارعون . يتمايل المخرج بجسده ، وهو يصفق بيديه ، ويصيح بصوت عال : رائع ، رائع ، مدهش ، سوف ننجح ، سوف نبهر الجميع .
ظلام .
المشهد الثالث
المنظرنفسه . وقد ازيلت الملصقات ، واعلانات العرض .
يجلس المخرج تحت الكرسي وهو في حالة انهيار . ثم يرفع رأسه ببطء ويتكلم :
: لماذا ؟ كيف حدث هذا ؟ لقد عملت كثيرا من اجل انجاح العرض . لم اترك طرفة الا ووضعتها في الحوار . لم اترك نادرة لجحا الا وجسدتها في العرض . هل من المعقول ان الناس لم يعودوا يضحكون لنوادر جحا ؟ لا شك ان خللا ما اصاب الجمهور . لماذا كان الجمهور كئيبا ولم يكمل مشاهدة العرض ؟ لماذا لم اسمع ضحكة واحدة جزاء لمجهودي الكبير ؟ ربما كان الممثلون هم السبب . هل من المعقول ان تضيع كل احلامي هباء ؟ هل ستبقى كلمة فاشل هي الكلمة الأبرز في قصة حياتي . لا ، لا بد من وجود خلل ما . مؤامرة دبرها أحدهم . . نعم هي مؤامرة ، فالحساد كثيرون ، ورجل موهوب مثلي يجب ان يحسد .
يدخل الاول منكسرا ، يلقي بالتحية على المخرج بفتور . فيكتفي المخرج بالصمت .
المخرج : ( يسأل ) لماذا ؟
الاول : نعم ، لماذا ؟
المخرج : كنت احلم بنجاح باهر .
الاول : وأنا كنت احلم أيضا بنجاح باهر . كنت اتمنى ان يتوقف الناس قليلا لسماعي ، لقد بذلت كل ما بوسعي ، كنت اصيح باعلى صوتي كي يسمعني كل من في القاعة ، لكنهم تركوني وخرجوا . انني اشعر بغضب شديد .
المخرج : ( غاضبا ) كان صراخك سبب فشل العرض .
الاول : ( يريد غاضبا ) بل كان غباؤك السبب في فشل العرض ، قلت لك انني افضل في دور جحا .
المخرج : ومن تكون ايها الكومبارس عديم الموهبة لتعلمني توزيع الادوار . لقد . . . . .
الاول : ( ساخرا ) وهل صدقت انك مخرج ؟
المخرج : ( بصوت عال ) كفى .
الاول : نعم ، ربما يكفي ما حصل حتى الان ، ربما كان يجب عليّ البحث عن عمل في مكان آخر .
المخرج : ( متوسلا ) لا ، لا ، ارجوك . يجب ان تبق معي . . يجب ان نكمل المشوار سويا ، اغلب الفرق المسرحية تتعرض للانتكاسات والفشل ، لكنها تستمر .
الاول : هذا لانها فرق مسرحية حقا ، لديها كتاب ، و ( يصمت قليلا ) الكاتب ، ربما كان السبب هو الكاتب . بل انه السبب بالتاكيد . ألا تظن ان السبب هو الكاتب ؟
المخرج : ( محرجا ) لا ، لا اظن ، لقد فكرت طويلا ، فوجدت ان السبب هو مؤامرة بكل تأكيد .
الاول : مؤامرة ؟
المخرج : نعم ، انها مؤامرة .
تدخل الفتاة حزينة . تلقي التحية بفتور ، فيردان عليها .
الفتاة : لقد كان الجمهور وقحا جدا .
المخرج : نعم ، انه وقح .
الفتاة : لقد بذلت كل ما بوسعي كي ارضيهم ، لكنهم تركوا القاعة قبل اانتهاء العرض .
الاول : اننا جميعا نشعر بخيبة الامل .
الفتاة : ( غاضبة ) اخرس . . انت بالذات يجب ان تخرس ، لا شك في انك سبب نفور الجمهور .
الاول : ( غاضبا ) بل ان جسدك القبيح هو السبب في هرب الجمهور .
الفتاة : جسدي ليس اقبح من نكاتك البذيئة .
المخرج : اخرسا انتما الاثنان . قلت ان المؤامرة هي السبب في فشل العرض .
الفتاة : ( خائفة ) مؤامرة ؟
المخرج : نعم ، كانت مؤامرة بلا شك ، فجسدك رائع جدا .
الاول : ( مؤكدا كلام المخرج ) نعم ، ان الفشل كان بسبب مؤامرة ، فالناس حيثما كانوا ينظرون إلى الاجساد شبه العارية ، ويسمعون النكات البذيئة .
الفتاة : يجب ان تكون مؤامرة ، ففي الباص الذي كنت اركبه ، كانت عيون الشباب تلتهمني من اعلى شعرة في رأسي إلى اخمص قدمي . لقد تركت الكثير من الحسرات في قلوبهم ، فلا يمكن ان اكون انا السبب في هرب الجمهور . انتما تقولان الحقيقة ، لقد كانت هناك مؤامرة .
يدخل الثاني حزينا وهو يحمل بيده صحيفة .
الجميع : ها ؟
الثاني : لقد كتبوا عنا في الصحيفة .
المخرج : عنك ؟
الثاني : لا ، بل عنا جميعا .
الفتاة : وماذا كتبوا ؟
الثاني : اشياء سيئة .
المخرج : إلى أي حد .
الثاني : إذا استثنينا الاشياء التي لم افهمها ، فقد كانت البقية سيئة إلى حد كبير .
الاول : ربما كانت الاشياء التي لم تفهمها جيدة .
المخرج : نعم ، ربما كانت جيدة .
الثاني : لا يمكن ان تكون جيدة ، فكلمة فشل تتردد فيها بكثرة .
المخرج : هي مقالة سيئة اذن . ناولني الصحيفة . ( بعد ان ياخذ الصحيفة ، يقرأ ) . آ . . آ . . هم . . هم . . هم . آ . . آ .
الممثلون : ( يتساءلون ) ماذا ؟
المخرج : ( يكمل قراءته ) آ . . آ . . هم . ( يخاطب الممثلون ) دعوني اكمل .
الممثلون : نريد ان نسمع .
المخرج : قلت لكم انها مؤامرة .
الممثلون : نريد ان نسمع المؤامرة .
المخرج : انه مجرد كلام سخيف
الاول : دعنا نسمع الكلام السخيف .
المخرج : دعوني اكمل .
الممثلون : نريد ان نعرف .
المخرج : مجرد كلام سخيف .
يحاول المخرج تمزيق الصحيفة ، فيخطفها الاول من يده ، ويكمل قراءة المقال .
الاول : ( يقرأ ) لم يعكس العرض فشلا على المستوى الفني فقط ، يبرره جهل جماعة طارئة ، بل عكس فشلا ذريعا على المستوى الفكري في التعامل مع شخصية شغلت التاريخ ، وكانت ثرية في امكانية تعدد قراآتها دلاليا ، وعلى مستويات مختلفة ، واظهر ترديا على المستوى الاخلاقي أيضا ، اذ كان مليئا بالنكات البذيئة ، والكلمات الخادشة للحياء ، مما لم يرد في سيرة الفيلسوف الساخر ( ملا نصر الدين ) . ويؤكد هذا الضرورة التي طالما طالبنا بها ، ونكرر مطالبتنا بها اليوم ، وهي ضرورة ايجاد لجنة من المسرحيين المختصين لتقييم العروض المسرحية قبل عرضها على الجمهور ، للتاكد من مستواها الفني ، ومدى دقتها في معالجة الفكرة . الكاتب جحا .
الممثلون : جحا .
المخرج : ألم اقل لكم انها مؤامرة .
ستار

0 التعليقات:
إرسال تعليق