تأليف:د.حمدي موصللي
مسرحية في فصل واحد
تحولات رجل وامرأة
الشخصيات
ـ الرجل
ـ المرأة
ـ رجل الدمية
ـ النادل (الجرسون)
ـ الجمهور
ـ صوت الراديو (خبرها ـ أغنية هابطة)
**
ـ ما قبل العرض
ـ نلاحظ على الرصيف..
ثمة مقاعد طويلة مستطيلة موزعة بانتظام خصصتها الحكومة للمسافرين.. عمود حديدي مثبت إلى قاعدة على رصيف المحطة، وفي نهايته مكبر صوت يعلن عن مواعيد المغادرة والوصول.. عربات متوقفة وأخرى تتحرك بين فترة وأخرى.
ـ مقهى صغير (بوفيه) إلى يمين المنصة.. تقسم إلى قسمين.. داخلي وجزء خارجي منها يشغل رصيف المحطة يفصل بينهما واجهة زجاجية، وباب مخصص لدخول وخروج الزبائن والنادل..
ـ في القسمين يوجد بعض الزبائن، وعدد من المناضد وحولها الكراسي.
ـ ثمة رجل وامرأة يجلسان على مقعد المحطة الخشبي، ويكادان يختلطان بزبائن المقهى.
ـ في القسم الداخلي: نرى "رجل الدمية" يجلس وحيداً إلى منضدة دائرية، وأمامه مجموعة من الكتب والدفاتر وقلم يكتب به. كذلك نلحظ "رجل الشرطة" يجلس وحيداً إلى منضدة دائرية، وأمامه بعض صحون الطعام يأكل بنهم.
ـ الإنارة: تتبادل بالتناوب بين القسمين وعلى الشكل التالي:
ـ دائماً دائرية (بقعة)في القسم الخارجي: مُسلَّطة على الرجل والمرأة وثمة أكثر من بقعة خفيفة السطوع على ساعة المحطة وكذلك عل مكبر الصوت.
ـ دائماً عامة في القسم الداخلي: (الذي يضم الزبائن ورجل الدمية ورجل الشرطة.. الخ)
ـ النادل: يتنقل بين القسمين ويمكن أن يتحدث بالعامية.
ـ الموسيقى:
ـ إيقاع موسيقي هادئ (يخص القسم الخارجي) مستمر يتخلله أحياناً صفارات القطارات العابرة، ودقات ساعة المحطة، وأصوات الناس والباعة.. الخ.
ـ في القسم الداخلي:
يُسمع صوت الراديو وهو يصدح بأغنية ما، من الأغاني الرخيصة (الهابطة) تسمع بشكل مكرر واضح قبل حوار (رجل الدمية) في كل مرة.
ويمكن أن يبث الراديو أيضاً بعض الأخبار عن الحروب والكوارث، وغير ذلك بطريقة طريفة أو ساخرة يمكن أن تضيف بعداً آخراً للخط (الكومودرامي للمسرحية).
ملاحظة: رجل الدمية شخصية محورية. أهميتها تنبع من أفكارها المحملة برموز الواقع الراهن المعاش، وقد تميل إلى العبث أحياناً بآلية طرحها وهي تقصد ذلك. أما اللجوء إلى الرمز أحياناً لا يقتضي منا أن نفسره على أنه هروب. وإنما حالة أسلوبية تخص المبدع.
ـ الوقت: حوالي العصر.. أشعة الشمس تخترق شقوق الغيوم بشكل متقطع.. رذاذ مطر خفيف.
ـ المكان: واجهة محطة سكة حديد من الداخل.. ثمة ساعة كبيرة تتوسط الواجهة من الأعلى..
مدخل إلى المسرحية
لوحة خاصة:
الإنارة على الرجل والمرأة فقط
(المرأة واقفة.. الرجل جالس أمامها)
المرأة : هل أنت متزوج؟
الرجل : أنا!.. نعم
المرأة : وزوجتك؟
الرجل : ما بها؟
المرأة : هل هي متزوجة أيضاً؟
الرجل : لا أعتقد
المرأة : وأين هي؟
الرجل : هنا معي في المحطة
المرأة : كيف هي؟
الرجل : تشبهكِ..
المرأة : أمتأكد؟
الرجل : أعتقد..
المرأة : هل أنت رجل؟
الرجل : ما رأيك أنتِ؟
المرأة : (تكرر) هل أنت رجل؟
الرجل : وهل تشكين في ذلك؟ أمامك حصان.
المرأة : (ضاحكة).. حصان يعرف كيف يبول، ولا يعرف كيف؟
الرجل : (مقاطعاً) معقول.. هنا على الرصيف، وأمام الناس! (المرأة تصفعه) آي.. لماذا فعلت ذلك؟
المرأة : كي تصحو وتدرك أننا في زمن اللا معقول (تجذبه) هيّا.. أرني فحولتك
(الرجل والمرأة يجلسان في وضع غرامي)
ـ الإنارة عامة في القسم الداخلي
ـ أغنية ما (من النوع الهابط) تنبعث من الراديو لفترة وجيزة.. تختلط بصوت الزبائن بالتناوب
النادل : (بصوت ممدود ثخين).. واحد شاي يا ولد (يسجل على ورقة.. يتنقل بين الطاولات)
اثنان قهوة وواحد زهورات.. الطاولة أربعة يا ولد (يحاسب زبون) 65 قرشاً زائد 30 قرشاً.. المجموع يساوي 95 قرشاً.. الله يرزق الجميع (لزبون آخر يؤشر له) على عيني الطاولة خمسة.. صلّح له الشاي يا ولد.. (يحاسب بعض الزبائن)
رجل الدمية: (واقفاً باستعداد يمد يده ويشير نحو المرأة والرجل
.. الرجل والمرأة في وضع غرامي)
كفانا مهزلة.. أوقفوهما.. أين أنتم يا رجال الشرطة؟.
كنتم أكثر عدداً من هذا الحضور
(يشير نحو زبائن المقهى ثم يجلس في مكانه ويكتب)
يا حثالة هذا الزمن المغلوط.. يا لقذارة هذا الإنسان.. أصبحت.. تصرخ.. تركع.. تزحف..
لا فرق بين الأرصفة والمجاري والغرف المكيفة ومستنقعات البعوض.. زمن الأمراض والأوبئة المستوطنة.. يا حثالة هذا القرن النازف
الشرطي : (مشيراً بعصاه إلى رجل الدمية.. يتحدث بالعامية) يلعن قرن أبو أبوك..
ليش بقي حدا منّا ما لـه قرن؟..
لَكْ بدِّي أفهم شو عم تكتب؟!
رجل الدمية: (متابعاً يكتب) تاريخ أسود.. تاريخكم.. أبناء السفلة.. حتى الكلاب لها مأوى..
(ينهض ويدور بثبات واستقامة حول نفسه ويده ممتدة نحو الجميع)
نعم!. حتى الكلاب لها مأوى وأنتم!.. أنتما.. أنتن.. هم!.. هما!.. هن..
أنت.. أصبحت حائراً مثل أنثى الإوز العراقي حين تُحاصرُ بذكر إوزٍ خنثى
(باتجاه الشرطي الذي يهز رأسه).. نعم أنت لا غيرك.. (يجلس ويتابع الكتابة)
الشرطي : أنا؟!.. أنا خنثى يا ابن الحرام..
رجل الدمية: (يكتب) أنت قبلت المسخ.. جعلوك أجوف من كل الأشياء..
جعلوك مخلوقاً ضعيفاً مثل أنثى أرنب بري تحب الحمل وتكره الإنجاب
الشرطي : (باللهجة العامية) مانك شايف غيري يا ابن الحرام!
اعرف نواياك.. لَكْ.. طول عمرك وأنت عم تكتبْ .. بدي أفهم شو طلع معك
أنا بفهم.. (باعتداد) ما حدا أحسن من حدا (جالساً في ضيق يكلم نفسه ثم يرفع عصاه ويصرخ).
أنا بحب الحمل يا ابن الحرام!.. أنا شيخ الشباب.. أنا فحل ابن فحل ولاك
رجل الدمية: ( يرفع من طبقة صوته غير مكترث) طز.. طوبى لك أنت.. أنت بدلت الجيم بحاء.. شتان بين الفجل والفحل.. أنت مسخٌ لأنك قبلت المسخ.
(يطغي صوت الراديو والزبائن من جديد)
ـ الإنارة حزمة دائرية على الرجل والمرأة
(تبدو المرأة حاملاً في شهرها الأخير، وهي في حالة مخاض تتألم بينما الرجل في حالة ترقب وانتظار)
المرأة : (بعد صرخة طويلة) آخ.. آخ.. ناولني القنِّينة.. عطشانة يا ابن اللئيمة
الرجل : (بسخرية) لم يبق في القنينة إلا قليل من الماء وهذا الغطاء.. الفلِّينة
(ينزع غطاء القنِّينة فيصدر صوتاً قوياً.. يقدمها إليها فتشرب حتى آخر نقطة فيها)
المرأة : (ترمي القنِّينة على الأرض) آه.. الزواج على الرصيف متعة.
الرجل : والولادة على الرصيف مسخرة
المرأة : مسخرة يا ابن الحرام.. أنت الذي اخترت هذا المكان!..
الرجل : هذا صحيح
المرأة : ألم تقل إن هذا المكان أيسر لنا وأسهل وأنقى هواءاً وأكثر شعبية للولادة
الرجل : (مقاطعاً) نعم هذا صحيح.. فالولادة في المقابر غير مستحبة..
يقولون: المرأة عند الولادة..
إحدى رِجليها في السماء والأخرى في القبر.. فخفت على رجليك أن تصبحا كلتاهما في القبر قلت لنفسي لماذا لا يكونا بين السماء والأرض؟ (المرأة تصرخ من شدة الألم) أما الولادة في المجارير إلى حد ما غير صحيِّة في الوقت الحاضر بسبب ازدحام الكائنات الحية وتلوث الهواء والأفكار والأذواق.. ثم لا أريد لهذا الطفل أن يولد إلا في حضور شعبي راقٍ، وهذا لا يتوفر إلا على الرصيف. ثم هذا المكان له في نفسي ذكرى.. ألا تذكري يوم
(تصرخ المرأة ثم تهدأ وتتابع كلامها)
المرأة : آه.. تذكرت كان ذلك قبل ثلاث سنوات.. يوم تعارفنا هنا، ويوم تزوجنا هنا.. قلت لي سيكون زفافنا حفلاً شعبياً خيالياً يفوق التصوّر، وستتحدث عنه وسائل الإعلام..
الرجل : (باسترسال يمسك يديها ويشدها إلى صدره) يومها دعوت كل الأصحاب من أنذال وقوادين وحمقى وأصدقاء، وأنصاف مسؤولين وعاهرات وسماسرة وتجار وشيوخ بلد.
المرأة : (بعد صرخة طويلة) وهل نسيت أن معظم الحضور كان من الشحاتين والحرامية، والعربنجية والسمكرية والخضرجية والبوياجية وحتى رجال دفن الموتى.. جميعهم حضروا زفافنا وصفقوا طويلاً.. آه.. رزق الله على تلك الأيام.
ـ الإنارة عامة في القسم الأول
يقف جميع من في المقهى يصفقون طويلاً عدا رجل الدمية..
الرجل والمرأة يقفان وينحنيان باحترام أمام الحضور.. يطغى صوت الراديو من جديد
ـ الإنارة على الرجل والمرأة فقط
(تصدر عن المرأة صرخة طويلة)
المرأة : (تتنفس بعمق) أما زلت تحبني؟
الرجل : كان ذلك قبل ثلاث سنوات وعلى الرصيف.. وأنتِ؟
المرأة : لم أفكر يوماً بأن أحبك
الرجل : وزواجنا؟
المرأة : مجرد منفعة متبادلة
الرجل : أعرف
المرأة : (بعد صرخة طويلة).. كنا جائعين
الرجل : أعرف
المرأة : والبرودة كانت تنسل إلى جسمينا
الرجل : أعرف.. وخاصة حين نجتمع في الفراش..
المرأة : لا.. بل في كل الأوقات
الرجل : الحمد لله
المرأة : (بعد صرخة).. كانت لك رائحة فم قذرة
الرجل : أعرف
المرأة : (بعد صرخة طويلة) آخ.. أما زلت تحبني؟
الرجل : كان ذلك قبل ثلاث سنوات مضت وعلى الرصيف.. وأنتِ؟
المرأة : لم أفكر يوماً بأن أحبك
الرجل : وهذا الطفل؟ (يشير ناحية بطنها)
المرأة : (متجاهلة) سيكون طفلاً جميلاً
الرجل : (مكرراً) وهذا الطفل؟
المرأة : (متجاهلة).. أزرق العينين.. أبيض البشرة.. طويل القامة.. فمه صغير وعنقه طويل..
الرجل : (يتأمل لون جسده وطول قامته.. يتحسس وجهه وعنقه.. فيجد أن المواصفات لا تنطبق عليه فيضحك، وهو يتلّفت حوله بحياء مصطنع) أعرف.. لا أعتقد أني أملك (يضحك).. يشبه أباه كثيراً..
(واقفاً كمن يخطب في حضور)
إن تحسين النسل ضرورة اجتماعية علمية إنسانية يقع على عاتقنا نحن الرجال الأقوياء. لأنه نابع من مفهوم النظرية الوراثية التي تقول: إن الجينات (المورثات) المنقولة عبر الاتصالات المشبوهة تؤدي إلى تحقيق صفات نوعية جيدة على مستوى الخريطة الوراثية التي تتضمن تحسين الشكل والمضمون {صرخة طويلة.. المرأة تتمدد على المقعد وتأخذ وضعية الاستعداد للولادة.. الرجل يأخذ مكان القابلة القانونية "الداية"}.
ـ الإنارة عامة في القسم الداخلي..
صوت الراديو من جديد (خبر أو أغنية ما).. بعد لحظات
رجل الدمية: الشكل والمضمون!.. عن أي شكل تتحدث وعن أي مضمون؟ أنت قبلت المسخ..
يا ثالوث العار.. القهر.. الجوع.. العهر.. "دين زماني ثالوث قذارة"
الولد لم يولد بعد.. الولد لم يولد بعد
الشرطي : (مقاطعاً بالعامية) لكْ بدي أفهم يا مثقف أفندي.. عم تحكي سيادتك عن الشكل والمضمون.. إنتْ.. أنت لم تتغير لا في شكلك ولا في مضمونك (يستعمل اللغة الفصحى وبصوت خطابي)
انظر إلى هؤلاء الدراويش (يشير نحو زبائن المقهى) منذ عشرات السنين بل قل مئات السنين أنت تحلم ونحن نحلم معك.. لم يتغير الشكل ولم يتغير المضمون.. من انكسار إلى انكسار، ومن خيبة إلى أخرى الإحباط أصبح الشعار الذي تحمله أفكارك العفنة.. أما أنا (يشير إلى شخصه باعتداد).. أما أنا.. (يتوقف عن الكلام)
رجل الدمية: (بلا مبالاة يكتب) انهزاميٌ أنت.. انبطاحيٌ أنت..
الشرطي : (مقاطعاً وباللهجة العامية) لكْ بدي أفهم منشان الله شو عم تكتب يا ابن الحرام؟
رجل الدمية: (يكتب) أنت أيها القذر.. رأسك البيضوي هذا أجوف وذاكرتك الصدئة تحمل عفن السنوات زمن المطاردات والهروب الكبير بين المدن العتيقة وزنزاناتها النتنة..
حاصروك.. كبلوك.. أشبعوك ضرباً.. ثم أجلسوك على (الشرطي مقاطعاً)
الشرطي : (متابعاً) على الخازوق.. أو على؟.
رجل الدمية: صحيح! (يكتب) لكن لا فرق.. الموت واحد.. على الخازوق أو على؟..
الشرطي : (يقطع الكلام، وكأنه حقق إنجازاً) يا لله.. كمان أنا بفهم (باعتداد) ما حدا أحسن من حدا.. لكْ بدي أفهم منشان الله شو عم تكتب يا ابن الحرام؟
ـ الإنارة (بقعة ضوئية) على الرجل والمرأة..
الرجل يدور حول المقعد بانفعال
الرجل : إذا شئت كلباً لا طفلاً
المرأة : (وهي تتألم) لا فرق.. المهم أن ألد
الرجل : (وهو يدور) أنصحك أن تلدي كلباً.. النصيحة اليوم ببغل
المرأة : على عيني لو كان الأمر بيدي
الرجل : كلاب هذه الأيام تعامل باحترام.. لها مأوى.. تأكل وتشرب ما لذا وطاب..
المرأة : على عيني لو كان الأمر بيدي
الرجل : (يتابع الدوران) أسمعي: أعرف كلباً يتحرك بحرية كاملة، ويعبر عمَّ يريد بحرية كاملة
المرأة : على عيني لو كان الأمر بيدي
الرجل : لا تصدقي ما قلته أمامك الآن.. كنت عم أمزح يا بنت الحلال.. معقول في كلب هيك؟!
المرأة : مستحيل!.. شعارات
الرجل : (بالعامية) شفتِ.. وأنا قلت ذات الكلام
ـ الإنارة عامة في القسم الداخلي في المقهى
صوت الراديو من جديد (خبر أو أغنية ما)..
بعد لحظات
رجل الدمية: (يكتب) نعم الموت واحد.. لا فرق
أما أنت أيتها الحشرات الإرهابية فمارسي طقوسك كيفما شئت.. ابحثي بعصاك عن الحفر الجلدية.. فجّري ينابيع الشرايين والأوردة الحمراء وغني.. احلمي بخبز وشراب وفراش دافئ.. خاصيريني كيفما شئت ومتى شئت.. ادخلي حرمي الهادئ.. اعبريه كالشمس بلا استئذان.. تمتعي ثم انجبي ما شئت من الحشرات العارية..
ـ الإنارة على الرجل والمرأة..
مجموعة صرخات متناوبة.. يعقبها صرخة طويلة ومدوية ثم بكاء طفل مولود.. الرجل يحمل المولود.. ينظر إليه طويلاً وهو ينقله بين ذراعيه.
تنهض المرأة وقد استعادت وعيها بسرعة وتعدل من هندامها وهي تضحك، ثم تحيط بالرجل من الخلف.
ـ إنارة عامة في القسمين..
تصفيق حار من قبل الجمهور الحاضرين في المقهى وعلى الرصيف
المرأة : شكراً.. شكراً.. عقبالكم جميعاً.
الرجل : شكراً لكل من يساهم في تحسين الخريطة الوراثية.. شكراً.. شكراً
من القلب يا جار.. ألم أقل لكم إن الطفل يشبهني..
ـ الإنارة على الرجل والمرأة..
الرجل يحمل المولود..
الرجل : (يدقق النظر بالطفل ويهدهده ثم يكلمه)..
ذات مساء كنت جائعاً وتعساً.. هل تصدق؟
كان يحمل رغيفاً.. لا.. بل قطعة من الخبز.. ماذا أفعل؟ الجوع ابن كلب.
قلت لـه: ما رأيك لو نلعب عسكر وحرامية؟
(يبكي المولود بين يديه.. يهدهده من جديد حتى يسكت)
كان ذكياً.. نعم كان ذكياً.. هل تعرف ماذا قال؟.. (يهز المولود.. يبكي ثم يسكت)
قال: لنلعب ولكن بشرط؟ (يكلم المولود) هل تعرف ما هو الشرط؟ آه لو كنت كلباً.
قلت له: وما هو هذا الشرط؟
(يضغط على المولود.. المولود يبكي)
قال: أنا العسكري وأنت الحرامي.. يقصدني أنا ابن الحرام.. أعتقد أنه كان يملك حاسة عاشرة..
المهم دخلنا في جدال طويل.. أخيراً وافق وهو غير مقتنع بأن أكون أنا العسكري وهو الحرامي خفت أن يلتهم قطعة الخبز قبل أن أمارس سلطتي كعسكري.
هاجمته وطوقته من الخلف بقوة.. صرخت به: أمسكت بك أيها اللص.. من أين سرقت قطعة الخبز هذه؟
خطفتها منه بسرعة، وبسرعة كانت داخل فمي.. مضغتها كوحش.. صرخ.. ضربته بشدة
(يضغط على المولود.. المولود يبكي)
نعم ضربته بشدة لأنه قال لي: أنت سارق.. أنت حرامي.. العسكري لا يسرق..
قلت لـه: (يرفع صوته) لا.. العسكري يسرق.. العسكري يسرق.. يسرق.. يسرق
(يرمي المولود في حضن المرأة)
المرأة : (تتلقفه.. وبحزن).. الفقر تعودنا أن نأكله
الرجل : من منكم أكل الفقر؟
المرأة : نحن من أكله
الرجل : نحن ونحن فقط
الرجل والمرأة: (بصوت واحد).. المسألة بسيطة.. لا نريد أن نكون أغنياء
المرأة : فقط نريد طعاماً
الرجل : وشراباً
المرأة : وهواء
الرجل والمرأة: هواء.. هواء.. هواء
ـ الإنارة عامة في القسم الداخلي في المقهى
صوت الراديو من جديد (خبر أو أغنية ما)..
بعد لحظات
النادل : واحد كازوزة يا ولد.. الطاولة سبعة.. (يحاسب زبون)
50 قرش شاي واحد.. زائد 90 قرش أركيلة واحد.. المجموع 140 قرش.. يا عم.
رجل الدمية: (يكتب) يا حثالة هذا الزمن.. زوجتك الحبلى وأولادك العشرون.. جميعهم في مؤسسات المسخ يعملون.. يا للعار
الشرطي : (بدهشة) أولادي!
رجل الدمية: (يكتب) ثلاثة مهربين
الشرطي : (يبكي) أولادي!
رجل الدمية: (يكتب) وعشرة في سلك التسول يعملون
الشرطي : (يزداد بكاء) أولادي!
رجل الدمية: (يكتب) واحدة رقّاصة والثانية عوَّادة والثالثة للمناسبات ورابعة للراحة والزيارات وتلبية الدعوات.
الشرطي : (يجفف دموعه ويشهق) ما شاء الله.. عائلة محترمة وأصيلة (يكلم رجل الدمية) أخبار بقية الشباب حتى يطمئن قلبي إذا سمحت
رجل الدمية: (يكتب) واحد هاجر إلى الآخرة، والثامن عشر هاجر بالباخرة، والتاسع عشر في سلك القوادة وتحقيق السعادة.
الشرطي : (مقاطعاً) الحمد لله على عطائه ورضاه.. نشكر الله (لرجل الدمية) ومصير الولد الأخير؟ هذا غالي على قلبي كثير
رجل الدمية: (يكتب) أما الولد الأخير ففيه من الصفات الملعونة الكثير.. فبقدرة قادر أصبح مديراً ومن ثم وزيراً.. ثم رُفع إلى مرتبة أمير.. يدخن السيجار ويشرب العصير.. يأمر هذا ويضرب ذاك.. يسجن هذا ويشنق ذاك.. يا حثالة هذا الزمن المغلوط.
ـ الإنارة على الرجل والمرأة والنادل بينهما
النادل : واحد شاي واحد قهوة يا ولد.. مقعد الحكومة يا ولد..
الرجل : (واقفاً) أخي.. لا شاي ولا قهوة
النادل : أخي أريد أن أسألك سؤال؟ سنوات وأنت ناطر على هذا الرصيف.. أشتهي مرة طلبت طلباً واحداً شاي.. قهوة؟!
الرجل : أخي أنا طلبت من الحكومة طلب واحد والحمد لله اليوم تحقق واستجابت
النادل : شو طلبت من الحكومة.. شاي.. قهوة (يضحك)
الرجل : لا.. طلب هجرة
المرأة : وهذه جوازات السفر
الرجل : وهذه تذكرتا السفر
النادل : إلى أين إنْ شاء الله؟
الرجل : إلى محطة أخرى
النادل : وكيف وافقت الحكومة؟
المرأة : بعد أن صادرت أملاكنا المنقولة وغير المنقولة
النادل : وهل لديكم أملاك؟
الرجل : من جديد فقط هذا الطفل.. وهذه الصرة الذي تخصه
النادل : أقصد الأملاك المصادرة
المرأة : نعم كان لدينا بغل ورثه زوجي عن والده
الرجل : (مذكراً المرأة) وهل نسيتِ الخرج..
المرأة : لا.. على كل حال البغل مات في الحجز قبل أن يركبوه
النادل : معقول!. لا أصدق!.. والخرج هل أفرجوا عنه؟
المرأة : أصبح أملاك دولة.
النادل : لي طلب من حضرتكم.. الشاي والقهوة على حسابي
الرجل : (ساخراً) لا تحلم بهذا الطلب.. لا شاي ولا قهوة.. القطار قرَّب يصل
النادل : (للمرأة) أخ.. لو كنت في الحكومة ولي يد طولى.. أخ.. لو كان لي أخ أو ابن عم أو ابن عشيرة أو ابن قوادة في الحكومة، لأمرت بمصادرة هذا الرجل بدل البغل، ولركبته قبل أن يموت (يبتعد وهو ينادي).
دنيا ملعونة.. دنيا بنت حرام يا ولد! شاي.. قهوة.. كازوز.. زهورات
.. ملِّيسة.. واحد نفس أركيلة.. على رأسي الحكومة.. طاولة على الرصيف يا ولد
ـ الإنارة عامة
صوت الراديو من جديد (خبر أو أغنية ما)..
بعد لحظات
رجل الدمية: "طوبى لزمن الأشياء المغلوطة
حتى الغربان اجتذبتها القرابين، وأبعدتها عن بقايا الجثث العفنة
تباً لتلك القوارب البشرية المصنوعة من الصدور والنهود والأرداف والأفخاذ والمحاشم"
تباً للطاعون الذي انسحب بلا وداع وللسل الذي انتحر ولتلك المدينة التي أسلمت مفاتيح عفتها للغرباء فاستباحها الإيدز والسارس.
الشرطي : هو.. هو.. (بالعافية) لَكْ بدِّي أفهم شو عم تكتب؟! منشان الله
رجل الدمية: يا حثالة هذا الزمن
الشرطي : (مقاطعاً ومكملاً) يا حثالة هذا الزمن المغلوط
حتى الكلاب لها مأوى وأنت؟ (يضحك ويضع إصبعه على صدغه)..
كشفتك يا ابن الحرام.. ما حدا أحسن من حدا..
ـ الإنارة على الرجل والمرأة
الرجل : لم أرغب في جرح شعوركِ
المرأة : ولكنه طفلنا
الرجل : لن يسمحوا لنا بالسفر
المرأة : الحيوانات تموت في سبيل صغارها
الرجل : لو أن ملاك الموت طلب من والدي أن يختار بيني وبينه لأختار موتي وطلب الحياة له
المرأة : أناني.. حقير
الرجل : والدي؟
المرأة : أنتْ.
الرجل : (غير مبال).. الوقت قصير والقطار قادم
المرأة : نذل
الرجل : لا نملك سوى تذكرتي سفر للطفل
المرأة : قد نحصل على واحدة أخرى
الرجل : أظن اتفقنا والزمن ليس في صالحنا
المرأة : لصالح من إذا؟
الرجل : الطفل ونحن.. الطفل قد يجد من يأويه ويتبناه.. ونحن ننفذ بجلدنا ونغادر إلى محطة أخرى.
المرأة : لم يعد أحد يتبنى الأطفال
الرجل : ولم يعد أحد يفكر بالإنجاب، وقد حذرتكِ وأنت المسؤولة
المرأة : نذل.. حقير.. أناني
(يظهر ناظر المحطة ضمن بقعة الضوء)
الناظر : جوازا سفريكما والتذاكر
الرجل : (يدفع بتذكرتي السفر) تفضل
(المرأة تحاول إخفاء الطفل في صرة الملابس)
الناظر : أين جوازا السفر
المرأة : (بارتباك).. تفضل.. (الناظر يقلب الجوازات)..
الناظر : (من تحت نظارته يكلم المرأة) هذه الصرة ماذا يوجد في داخلها؟
المرأة : (بارتباك زائد) ث.. ثيابنا
الناظر : فقط؟
المرأة : ن.. نعم
الناظر : افتحيها
(بارتباك تفتحها.. الناظر يحمل الطفل وينظر إليه بإمعان ثم ينظر إلى الرجل)
مبروك.. الطفل الجميل.. أبيض البشرة.. العينان زرقاوان.. الوجه.. الفم
أعتقد لا يشبه أباه.. متى شرّف إلى هذه الدنيا؟
المرأة : (تنظر إلى ساعة المحطة) قبل ساعتين من الآن تقريباً
الناظر : طبعاً على الرصيف؟
المرأة : نعم
الناظر : الولادة على الرصيف أكثر صحة وأفضل من ولادة المجاري أو المقابر..
المرأة : نعم.. هذا المكان أيسر لنا وأسهل وأنقى هواءاً وأكثر شعبية للولادة
(يبدأ أحد القطارات بتشغيل محركه البخاري ثم بالتصفير.. ساعة المحطة تدق عدة دقات)
الرجل : (للمرأة) وهل أنتِ على استعداد؟
المرأة : (للرجل) وهل أنتَ على استعداد؟
الناظر : إلى أين؟
الرجل : القطار بدأ يصفر
الناظر : لن تستطيعا الصعود للقطار والسفر قبل أن تؤمنا تذكرة سفر للطفل، ووضع اسمه وصورته على جواز سفر أحدكما
(تبدأ عجلات القطار الحديدية دورانها البطيء ويتصاعد الصفير)
الرجل : نحتاج إلى زمن والقطار بدأ يغادر
الناظر : القانون لا يسمح..
المرأة : ولا نملك ثمن تذكرة سفر
الناظر : وحتى تذكرة السفر لا تكفي.. اسمه وصورته وختم الحكومة على أحد الجوازات
(الرجل يغلي في مكانه.. رأسه في حركة دائمة.. عين على القطار، وأخرى على جوازات السفر والتذاكر)
الرجل : ما رأيك لو تشتريه؟
الناظر : أشتري ماذا؟
المرأة : (مؤكدة) يقصد زوجي الطفل.. نحن نبيعه لك ما رأيك؟
الرجل : انظر إليه.. تمعن فيه.. كما ترى.. جميل.. أزرق العينين.. أبيض البشرة
الناظر : قد يكون مسروقاً
المرأة : (بانفعال) يا رجل.. الطفل طازج الولادة، ولم ينه ساعاته الثلاث بعد
الناظر : (للمرأة).. أنت أمه؟
المرأة : نعم وهذا أبوه
الناظر : أبوه..! أهو ابنك فعلاً؟!
الرجل : نعم
المرأة : نحن نبيعه لك .. أتشتريه أم لا؟
(المرأة تخطف الأوراق وجوازات السفر من الناظر وتصعد القطار..)
عليك أن تصدق إنه ابنها.. وإلا لما هربت وتركته في حضنك..
(يلحق بالقطار الذي بدأ يسرع)
الناظر : (وهو يقلب الطفل بين يديه) نعم صدقت ولم لا؟..
الطفل جميل ومن النسل المحسن وسعره غال
ـ إنارة عامة..
أصوات حركة القطارات تتداخل مع صفاراتها وتتعالى
صوت الراديو (أغنية ما).. بعد لحظات
رجل الدمية: كفانا مهزلة.. أوقفوهما.. سيغادرون إلى محطة أخرى وولادة أخرى وطفل آخر.. أين أنتم يا رجال الشرطة..
الشرطي: نحن هنا...
رجل الدمية: (يكتب) حتى الخنازير لها مأوى وأنت
الشرطي : أنا.. أنا مسخرة.
العنوان : د.حمدي موصللي ـ الرقة
ـ سوريا ـ هاتف 228836ـ022
البريد الإكتروني الجديد :
hamdi.moslly@mail.sy

0 التعليقات:
إرسال تعليق