مسرحية عرس عراقي


عرس عراقي
- تمثيل الكارثة -
نص : خضير فليح الزيدي

انتظار أول:

لافتة : كل انتظار مدعاة لقلق محتمل ..

المذياع : ( صوت مضخم ) أعزائي المستمعين الأفاضل ..انتظار ليلة الزفاف واحد من أهم انتظارات العمر.. تحمل سمة القلق والخوف لعنصر مفاجأة محتملة الوقوع .. ثمة انتظارات أكثر قسوة وقلقا من اقتراب ليلة العرس بصيغته العراقية.. يحمل في طيات أهازيجه الحزن الدفين المعجون بتباشير فرح.. إننا نحاول تمثل كارثة انتظارات ما قبل الموت بما فيها من أعراس وولادات وميتات، كلها في جلباب قلق انتظار ما .. في زمن عراقي شهير.. فاصل ونعود ( إيقاعات عاشورائية )..
أما المسرح فهو مكان شبحي .. يبقى كذلك على مدى العرض إلا من صور أشباح المجموعة عارية الصدر.. الإنارة شبحية إلا من خلال إنارة الخوذ فوق الرؤوس .. الجدران تعكس ما خلفته انفجارات ماضية ولاحقة.. يعانون قلق انتظار في انفجار محتمل تمّهد له ساعة التوقيت.. أجواء الحرب تلبد سماء المكان.. يدلل عليها ارتباك الشخوص وقلقهم في ساحة الانتظار.. المكان والحوار والشخوص والمذياع القديم دلالة انتظار.. المجموعة هي بطولة سائدة .. هناك في عمق المسرح سكلة بناء وفيها سلم صغير يؤدي الى ارتفاع أعلى من رؤوس المجموعة بقليل .. المذياع في عمق المسرح.. يبث أغاني مشوشة وأخبار متلاحقة ..

الشخوص :

المذياع : يمكن أن يكون رجلا بهيئة مذياع وهوائي.. يخافه الجميع
المذيع الأول:
المذيع الثاني :
المجموعة
الأول:
الثاني ..المهاجر :
الثالث :
الرابع :
الظل الأول :
الظل الثاني :
الأم :
الابن :
الضحية :
المغني:
شخوص أخرى تمثل كارثة الانتظار من الممكن أن يؤديها ممثلو المجموعتين كلما ادعت الضرورة ..

مشهد استهلال

المسرح خالي ..صوت ساعة توقيت لمؤقت ما.. تدق دقاتها طيلة لحظات الانتظار الممل.. المسرح يبقى فارغا ولحظات الترقب ينقلها التشويش الذي يبثه المذياع ..
( تنقسم المجموعة الى كتلتين .. الأولى تدخل الى المسرح من جهة اليمين تسير على مهل وهي تلتقط من الأرض رموز لرؤوس مقطوعة .. أقدام .. كفوف .. نظارات .. خوذ.. عيون كبيرة .. حقائب .. أضابير .. تضع الملتقطات في نعوش موشاة برسوم تجريدية يصاحبها زغاريد نسوة ثم تبدأ همهمات المجموعة على شكل آهات مخنوقة بنشيد الحرب الشهير - أحنه مشينا للحرب - في ذات الوقت تدخل المجموعة الثانية من جهة اليسار.. تحمل مهود ولادة موشاة بقطع قماش بيضاء.. صينية فيها شموع وبخور وأعواد الياس الخضر.. صوت بكاء مر ونحيب ولطميات صدور مأخوذة من تعزيات موت نسوية مع آهات نشيد الحرب.. يمتزج تدريجيا مع صوت الزغاريد وصوت لطم النسوة - للمأساة وفرح الولادة والعرس وجه واحد- تتداخل الطقوس معا تحت ظل خيمة الحروب المستمرة ) ..
المجموعة: قصف ..
صوت المذياع يبث مارشات عسكرية
الأول : اسكتوا المذياع، انه نذير شؤم . لنسمع أزيز القذائف واتجاه سيرها ..( صوت قذيفة تقع خارج المكان، ثانية وثالثة ) ..
الثاني : أين نلوذ من الحمم ؟ أي الأمكنة ستحمي لحمنا من التشظي ..
الثالث : اللهم أحرف مسارها ودعنا نعيش لحظة أخرى.
الرابع : لنلتحم مع بعض..
الأول : والله لم نمش للحرب.. نحن ندفع ضريبة غيرنا .. ( يتجه نحو المذياع ) أنت سبب بلوانا ومآسينا كلها ( يصرخ ) لم كل هذا الطغيان .. الم تشبع بعد من عذاباتنا .. اصمت قليلا لنرى طريقنا ..
الخامس : لنكوّن ساترا من اللحم الى بعضنا .. هيا ..
السادس : القذائف عمياء ونحن كذلك في هذه الظلمة اللعينة ..
الأول: ماذا تخبئ لنا السائر من الأيام بعد الذي حصل ..
الثالث : تراصوا يرحمكم الله .. كونوا لحمة واحدة عندما تشتد ساعات القصف ..
الثاني : هل هذه عقوبة سماوية لنا ؟ أم إنها مشيئة الأشرار.. اصمتوا يرحمكم الله واستمعوا لسمفونية القذائف المنفلقة ..
الرابع: أية موسيقى وأية صفير اصفر هذا الذي يرافق مسيرتها ..
لحظة صمت قلقة تعقبه صوت دق ساعة التوقيت لتمهد لصوت انفجار أول .. تنقذف أجساد المجموعة مشتتة على زوايا المسرح ..
الخامس: أنا بردان دفوني بأجسادكم ..
السادس : انه خائف ويرتجف من الفزع وليس بردان .. كلنا خائفين مثلك ولكننا نخفي ارتجافنا ورعبنا بالتفكير بلحظات هاربة من العمر .. انس كل شيء واتلوا أدعية الخوف وآيات مباركة ..
تلتئم المجموعتين وسط المسرح وتصبح واحدة.. ساعة التوقيت تبدأ بالدق .. تلعب المجموعة في أرجاء المكان وهم خائفين قلقين من صوت الساعة .. يبحثون عن مكان يلوذون به .. يتجمعون وسط المسرح ..تكوين هرمي بأجساد عارية خائفة حول سكلة يشبه شكل العبوة أو القنبلة اليدوية.. كلما تصاعدت آهات أنشودة الحرب تزداد أصوات إيقاع لطم الصدور.. ساعة التوقيت تعود لتدق بقوة.. لحظة انفجار هائلة أخرى فتتفرق كتلة الأجساد.. ثمة صوت ينطلق من لحظة الانفجار لوليد تخلفه صيحات الطلق ..

.. ظلام . .


انتظار أول:

تعود ساعة التوقيت في تك .. تك .. تك
امرأة في عمق المسرح تحجبها كتلة الأجساد في حالة الولادة . المشهد خلف سايك ابيض .. المجموعة تطلق همهمات .. ثمة أصوات طلق للام وهي تحاول إخراج وليدها ..
( صوت صرخة ولادة الجنين .. زغرودة حادة الصوت تنطلق في أرجاء المكان ) ..
المجموعة : ( حوارات المجموعة يوزعها المخرج ) ألف الصلاة والسلام عليك يا حبيب الله محمد .. ولد صالح .. يدعى صالح .. اللهم أحفظه من شر العافي والمتعافي ومن شر الخاطفين وشر العبوات المزروعة على حافة الشوارع ومن شر كل مفخخة منفلقة دون إنذار .. من شر الوشاة وجنون الأفكار المتوحشة وقلق الانتظار .. وموت الشوارع المزدحمة ..
الأم : ( من مكان مرتفع في عمق المسرح .. لا تتضح سوى ظلالها وهي تهز المهد ) المهد أو الكاروك معلق في مكان عالِ..
يمه الولد يافص السليمان .. لكطه ولكينها باليشان.. الولد ياغالي الأثمان عطية الباري المنان..
المجموعة : عندما يكون العالم اصغر من ثقب الباب تتسع الرؤيا .. عندما تستعر النار في تنور الوطن .. تأكل طين التنور .. عندما يكبر شق الفجيعة تحتقن الذاكرة .. تنفجر كعبوة الأرصفة.. الولد يكبر بسرعة ..أصبح أطول من بندقية .. عندما يكبر صالح يصبح الليل عباءة يغطي فيها وهج النهار .. قبضته لم ترتجف في حمل الخنجر المعقوف .. بدلا من أن يحلم بزوجة جميلة كان يحلم بعدو مفترض وساحة حرب وقضية..
الأم : ( تهز المهد ) خلو الولد غافي .. وابعد يمتعافي .. حلمان جنه بالحلم يعبر نهر صافي.. العوافي يالولد ياسلوة التعبان ..
صًوت المجموعة: برائحة البارود الدنيا ملبدة .. حدائق الجزرات الوسطية مزروعة كل صباح بآخر العبوات المتبرعمة ، وهي تعد دقاتها لتنسف حيادية الزمن قبل لحظة الانفجار.. ترى هل تلد الأمهات أجسادا مفخخة؟؟ هل تلد عبوات لاصقة بدل الأجنة الصالحة ؟؟ ربما يحدث كل شيء ها هنا .. ربما لا يحدث شيء بعد فوات الأوان.. نحن بانتظار ما لا تحمد عقباه يارب نلوذ بخيمتك الكبرى ألا تسمعنا يارب.. عطفك ورجاك ..
الأم : ظليت اكالب بالهموم .. امكالب الشرجي بالغيوم.. يمه ماكدر على الفركة ولا يوم ..
المجموعة : نام الولد نام وألام لم تنم .. سوف لا تذق طعما للنوم بعد اليوم.. الولد أصبح عبوة صالحة النفاذ ..
الأم : ( تصغي لصوت الساعة ) هاي الساعة لو تسكت شوية ما تدك جان الولد نام .. هاي الساعة هي أغراب البين ..
المجموعة : ولد .. ألف الصلاة والسلام عليك يا حبيب الله محمد.. (تطلق تصفيق إيقاعي ).. الأرض تعاني من جفاف ، ليس سوى انهار الدم تروي عطشها .. صالح منذور لسقاية هذه الأرض .. منذ زمن طويل ونحن ندفع ضريبة ارض جرداء حتى من الحلم ..
الأم : أبوه كان يقول أريد بنية حبابة .. البنات أكثر آمان من البنين .. البنية سلوة أمها وأبوها .. الولد منذور.. مع الأسف كل الأسف ما شاف ابنه.. كتلوه أخوته كبل لا يشتم ريحته ويسمع صوته..
تنزل الأم الى مقدمة المسرح على إيقاع راقص لولادة الطفل .. الطفل في سلة ومغطى بقماش شفاف .. تؤدي الأم رقصة تعبيرية عن احتفاء بولادته ..المجموعة يؤدون أداء راقص بدبكات مفرحة .. من يسار المسرح الى يمينه .. ثمة روائح وبخور تنشر ضوعها في مكان العرض..
صوت المغني : محروس يوليدي الحلو
من نظرة الحساد
ما عندي غيرك للأبد
أنت الشرب والزاد
صوت الولد دافي
يمه فدوة الوجه صافي
( لحظة تعبيرية عن اختطاف الولد من مهده )
الأم: ( خارجة من كابوس ) الولد وين الولد .. هسه جان بفراشه .. صالح أنباك؟ ( صرخة )

.. ظلام ..


انتظار ثان :

أجساد الممثلين تشكل سياجا مانعا بين الابن والأم تحاول الكتلة منع الأم من الوصول الى الولد..
( الأم تحاول الوصول الى الابن الذي بدوره يحاول الابتعاد والتخفي خلف ساتر المجموعة.. )
الابن : ( صفين من الرصاص على جسده ) لا ، ليست هناك قوة في هذه الأرض تدفعني نحو الهرب.. هذه الأرض تستحق إروائها من دمنا . أماه لا تلاحقيني في كل مكان .. أنت تحاولين إضعافي بملاحقتك لي .. انسيني قليلا ليتسنى لي معرفة الطريق .. أما كان أبي مقاتلا في الجبهات .. أما كان أخي جنديا ولم نعثر حتى على جثة مفترضة له .. وضعنا لك كومة من اللحم المهروس وساقين غريبتين لنوهمك به .. لماذا لم تعتادِ على الموت يا أماه .. هو عنوانا وهويتنا وما الحياة الا سلة مهملات متعفنة وغامضة الملامح ..
الأم : من اجلي أنا يا ولدي .. اهرب بعيدا عن هاي الكاع .. كل اهلك وأجدادك انكتلوا اهنا .. ما عندي غيرك..يومية اباوع عليك وأنت تكبر وانه فرحانه بيك مثل طفلة ازغيرونة فرحانه بلعبته.. أنت الأخير الباقي لي من دنياي .. لا تفر من بين أيديه.. بعدني ما شبعت من ريحتك من سوالفك من ضحكتك .. يمه صالح.. انتظرك أن تعيش وتتزوج وأشوف أولاد أولادك ..
الابن : لا يا أمي لم اخلق للهرب عن بيتي وأصدقائي ومدينتي .. ثم من قال أن الموت فقط هنا ؟ الموت ينظر لنا من خلال المذياع هذا .. يرمقنا ببرود وهو يجلس على مائدة الطعام أو قبالتنا على تخت المقهى .. من ثقب الباب.. الموت يتربص لنا في كل ظلمة.. في كل ابتسامة في كل موكب عرس عراقي .. الموت هواء يحيط بنا ..عندما تفقد الحياة مقومات البقاء سيكون للموت معنى اكبر من كل خزعبلات الحياة ..
الأم : الناس هنا تموت بلاش من غير ثمن .. في البيت في الشارع وعلى الرصيف وفي الدائرة والسوق وفي كل مكان ياولدي .. لا تعاندني واسمع كلامي .. ( تبكي ) ما عندي غيرك .. أنت الباقي لي من هاي الدنيا.. صالح؟ خلي عيني تغمض وأنام ليلي ..
الابن: ( قلق ) أماه لا استطيع .. أنا بنظر صحبتي بطل ارضي .. أنا استغرب من الأمهات كيف لا تعتاد على الموت بعد .. الأمهات يجب أن ترقص وتهتز طربا في موت ابنها أو أخوها أو زوجها .. كما كانت تفعل سابقا .. الأرامل جيش جرار من الآهات والحسرات والشهوات المخنوقة .. والأماني الضائعة ..
الأم : يمه الرصاص هنا مثل زرة طيور .. السمه متروسه رصاص وخالية من الطيور والقناصة بكل بمكان .. إذا ما لكو بشر يقنصونه يتلذذون بقنص ما تبقى من الطيور والبعوض والذباب.. سلوتهم القنص ..
الابن : وإذا لم احمِ نفسي وأتسلح فاني اذهب بالأقدام الى ..
الأم : صالح العن الشيطان يمه ..
الابن : الشيطان نفسه هرب من هذه الأرض خوفا على نفسه .. هو الذي لعننا وليس نحن الذي نلعنه، هنا ولدت وهنا علي أن أقاتل.. في القتال أجد نفسي.. أهداف كثيرة من اجلها لابد أن أحارب.. وإذا لم أجد أهدافا بعينها، سأخلق لي ما يبرر أفعالي لاحقا.. الحرب وحدها التي تعطي معنى للحياة .. الحرب وحدها التي تعطي طعما للحياة.. حتى الموت يصبح له طعما مميزا إذا أنتجته بيضة حرب مثل مساءات حروبنا الثقيلة.. اللوم على الذي بدأها وليس على الذي يستمتع بصوت الانفجارات والرصاص المهلهل والذي يكمل مشوارها .. نحن فقط نكرس حباتها ..
الأم : المن تقاتل ؟
الابن : لم اسأل نفسي مثل تلك الأسئلة .. ليس ضروريا معرفة الهدف ، المهم عندي كيف أقاتل .. المهم إني احمل السلاح .. ولا اسأل أنفسي أسئلة أخرى .. كل شيء خلف ظهري .. وحتى لو.....
الأم : لا .. لا تكولها اسم الله عليك يمه .. سور سليمان يمه .. وين أبوك وين أخوتك وين أولاد عمك وين الناس .. الناس الي راحت أكثر من الناس اللي بقت .. الناس واكفة بالسرة على الموت.. كلهم صاروا تراب ياوليدي ؟ باوع هناك ، تشوف ذيج المكبرة .. يمه كاعد تكبر يومية .. لا يا صالح لا تركب راسك يمه .. روح اشرد بجلدك يمه.. خلص كلبي يا صالح .. اشرد بسرعة يا صالح.. بعيد وسعيد وخليني عايشه على الأمل ..
( تتحرك المجموعة لحجب الرؤيا )
الابن : أماه لست بي حاجة للرحيل .. أنا أحب هذه الفوضى، إنها تجعلني أحس بنشوة غامرة في عشق الحياة مغمسة برائحة البارود.. كل يوم جديد ولا مكان للروتين القاتل هنا .. أماه اتركيني وشأني، أحقق ما يحتمل بداخلي.. أنتي لست الأولى من الثكالى ولست الأخيرة في نعي البنين .. انظري الى الأرامل والثكالى والعازبات جيش معطل عن العمل ، كتب عليهن الحزن .. بل انتن الأمهات لا تعشن دون حزن مغمس بتراب هذي الأرض.. اتركيني( يتحرك للمغادرة)
الأم : وليدي صالح..( تحجب المجموعة الابن عن أمه ) الناس هنا تنظر موتها كل يوم ما تنتظر الحياة .. صالح .. وين أنت ؟
الابن : اتركيني وشأني.. وعيشي ما تبقى من حياتك في الأمل .. أمل الانتظار.. حياتنا انتظارات خاسرة ( تحجبه المجموعة بحركة التفاف الولد عن أمه ويختفي )
الأم : لا تروح لا ..
المغني : حرام الكلب لو ينثلم ثلمه
وشبيده الفجر من ينكلب ظلمه
مو ذنب الطفل لو جابته أمه
ليش أيكون ليش أيصير ليش أيموت

.. ظلام ..


انتظار ثالث :

الضحية: مربوط على احد اعمد السكلة معصوب العينين .. خلفه لافتة سوداء خُط عليها محمد رسول الله
المجموعة ملثمة وتحمل الخناجر والحراب تقف على صفين مفتوحين ..
الضحية : ( علامات الموت وقلق انتظاره واضحة عليه.. أصبح اقرب الى الجنون ) قل لهم أنت .. لا يقتلوني ها .. لا يقتلوني .. أنا لا أساوي شيئا يهمهم مطلقا ( يضحك باستمرار ).. لا تتغير موازين العالم بقتلي .. قتلي لا ينفعكم بأي شيء .. لم تتغير البورصة العالمية.. ولم يشجب احد قتلي .. لم تنشر الخبر أية فضائية.. اعترف أمامكم إني لا استحق أن ألوث خناجركم هذه ( يبكي ) ها والله إني نملة تمشي على الأرض لا أعض وليست لي أظافر للنهش أسير طوال حياتي بجنب الحائط .. أنا أعلنها أمامكم إني نكرة.. لا أنا ذبابة بعوضة هل يذبح الإنسان ذبابة اتركوني وسأغادر الأرض من هذه اللحظة .. أنت لا أنت لا أنت من هو صاحب الكلمة الفصل فيكم قله لا أساوي ثمن تلويث خنجر الذبح لا أساوي عقب سيجارة والله ( يبكي بجنون )
القاتل1 : انتهى وقت الكلام ..
الضحية: لا .. بربك انتظر .. تريث قليلا لأشبع من الحياة .. لأرتوي من صوركم الجميلة سادتي.. لأقول ما أريد قوله .. انتظر ريثما استنشق الهواء وابلع ريقي قليلا . انتظر لأنطق الشهادة، لأطلق وصيتي الى من يحملها لابني وزجتي وأمي .. وصيتي ليست ثروة لكنها قرصة إذن لهم ، هم الذين أرسلوني لاشتري قنينة الغاز التي أوصلتني اليكم.. أريد ماء أنا عطشان .. ها هل تعطوني ماء ؟ أريد سيجارة أخيرة .. هل تعطوني سيجارة؟ أريد حبة لوز واحدة أنا أحب اللوز .. هل تعطوني حبة لوز ولو واحدة؟ كل معدوم في الدهاليز المظلمة حقه بتحقيق أمنية واحدة .. ها ماذا قلتم ؟
القاتل2 : انك تستنزف الوقت ..
الضحية: علام العجلة ياسيدي كلنا نموت ولكن كل بأجله صدقوني.
القاتل3 : بعدك مجموعة كبيرة تنتظر أنها في الطابور .. المساكين قد تأخروا.. قتلهم الانتظار وتيبس الدم في عروقهم..
الضحية : وأنا ماذا فعل بي الانتظار ؟ لقد كان اشد من الموت نفسه .. منذ فترة كنت أتوق الى أشكال مبتكرة من الموت على أيديكم .. حتى هذه اللحظة لقد تخيلتها جيدا ، والآن تبدو عادية وكأنها خيال أو حلم .. كذلك زملائي في الطابور هم في تصور مسبق سادتي .. باشروا عملكم ..
القاتل 1: بسمه تعالى : إن الهيئة الشرعية لجماعتنا قررت بقرار مفتيها إعدامك لارتدادك ..
الضحية : ماذا فعلت .. طوال حياتي أسير بجنب الحائط .. لعنة الله على أنبوبة الغاز وعلى زوجتي وعلى ..
القاتل الأول : كفى هرطقة ..( يقرب الخنجر من رقبته ) بسم الله والله اكبر ..
الضحية : نكرة والله اني نكرة .. اللعنة على قنينة الغاز .. يارب رحمتك ورضاك يار......
صوت ينطلق من عمق المسرح : تزويل لموجات المذياع على عجل فتنطلق مجموعة من أغاني وخطابات وتشويش من فوهة المذياع ..

..ظلام ..



انتظار رابع :

المغني: صلو ع النبي ياسامعين الصوت
صار يحوم مثل غراب شكل الموت
فجيعة أبكل وكت .. افرح ياتابوت
وطيور المحبة تنوح بس بسكوت ..
المذياع : سيأتي الباص في موعد .. ربما يتأخر قليلا .. ربما لا يأتي ، المهم أن تتذوقوا حلاوة الانتظار سادتي ..شكرا الى اللقاء احبتي..
المذيع الأول : ( رجل بخوذة .. يجلس على مسطبة يعاني قلق الانتظار في محطة انتظار الباص في جهة المسرح الأيمن ويقابله المذيع الثاني بنفس المكان ). تأخر الباص كثيرا .. ليس سوى الهرب وخوض مرحلة المنافي الأخيرة ..
الثاني : المذياع .. المذياع قضية انتظار وبعد .. البقاء موت .. المذياع يؤجل الموت الى حين ..فجيعة أبكل وكت افرح يا تابوت ..
الأول : أرى حقيبة سفر أمامك يا صديقي ؟
الثاني: كما ترى ليس سوى الهجرة طريقا للبقاء .. والاحتفاظ بالرقبة..
الأول : ولكننا اتفقنا على البقاء ها هنا .. أين تحالفنا وعقدنا على الموت معا هنا ..
الثاني : هل تسمع المذياع كيف يهمس لنا بالمغادرة ؟ الأرض موغلة بالوحشة .. أشم رائحة شواء اللحم البشري .. كل شيء عرض الحائط قررت الهروب الى الأمام يا صديقي ..
الأول : خيانة عظمى ..

الثاني : أنا اعرف تماما إن الهروب موت للروح، موت محتم . المنافي تشحذ الذاكرة ..
الأول : البقاء هنا أيضا موت .. لكنه موت رحيم .. حتى لو مت في المزابل فهناك من يحتفي بموتي.. أما المنافي فالموت فيها بارد كصقيعهم ..
الثاني : مثالية زائدة .. كن واقعيا وتكلم بحكمة.. أنت وسط النيران والحرائق .. مالذي يبقيك محترقا ، أمن اجل هذه الأرض؟ كل العالم هو أرضك.. وكل الأراضي هي عالمك.. المنطق العقلاني الحديث يحتم عليك الهجرة الى مكان آخر إن ضاقت عليك فرصة الحياة هنا.. هنا ليس سوى انتظار قاسِ لقطرات مغذي الموت ..
الأول: ليس كل العالم ذاكرتي.. ليس المنافي هوية واضحة المعالم ..
الثاني : معظم الناس بدون ذاكرة .. الذاكرة في اغلب الأحيان تجلب المأساة على صاحبها .. ثم ما هو مصيرك لو تعرضت الى اختطاف أو موت مفاجئ ؟ من هذا المذياع يخرج لك من يذبحك ويشرب بعدك الماء ..
الأول : حالي حال كل الناس التي ما انفكت تجري بالشوارع .. هم ليسوا أفضل مني حالا.. حتى الذين ماتوا وعيونهم مفتوحة .. أجد بعيونهم تتسمر في التراب.. على البقاء.. الذين ماتوا لم يفاجئوا بالموت .. كانوا يعرفون بمصادفة غريبة موتهم هم يعثرون به كما تعثر أنت بحجارة ملقاة في الطريق.. وكأنهم يقلون للموت تأخرت كثيرا أيها الصديق ..
الثاني : ما خرب عقلك غير هذا الكلام .. أنت تعرف إن موتك اقرب إليك من عين الى جفنها.. أتسمع هذه ساعة التوقيت ؟ إنها إشارة ما قبل الموت .. والله ربما سنجمع أشلائك لحمة لحمة وعين عين وأصبع إصبع .. يا أخي دعنا نهرب فالعالم قد فتح ذراعيه لنا .. ومن الحلم ما قتل اترك مشاريع الأحلام وانظم الى قافلة المهاجرين يا رجل .. أوه لقد تأخر الباص كثيرا ..
الأول : الباص لا يأتي صدقني .. لقد قتلوا سائقه في الصباح .. الم تسمع نشرة الأخبار من هذا المذياع اللعين ..
الثاني : أي بلد هذا الذي تتشدق به .. حتى سائق الباص ؟ ماذا تبقى إذن لأبقى .. امن اجل الكباب وأباريق الشاي والكسل وعاجل المذياع والظلام والقتل العشوائي وفصول العشائر ؟
الأول : كل من هاجر من البلد كنت التقط دموعه بيدي من شاشة التلفاز .. الموت هنا وسادة مريحة من قلق الانتظار يا رجل .. اترك الحقيبة وتعال ننتظر موتنا بسعادة .. هل تذكر حياتنا في المواضع ذكريات الموت في الخنادق ورائحة الجثث المتفسخة ؟ هل خانتك ذاكرتك في شاي الجبهات في علبة حليب النيدو .. عندما يشتد ساعة القصف كنت تقضي حاجتك في الشقوق والجنود يتهامسون عليك .. هل نسيت أحلام الخنادق وليلها الفاحم كهذا الليل؟؟ هل نسيت غبطة الإجازات وأمل التسريح والسيطرات المتجهمة ؟؟
الثاني : كلا لم انسَ ما تقول مطلقا انه هنا في ذاكرتي التي سأحملها معي كهدية لعالمي الجديد في حقيبة رأسي..
الأول : بحق تلك الذكريات أن تبقى هنا ..
الثاني : والله لو زحفت زحفا الى الحدود .. حتى لو مات سائق الباص مثلما تدعي حتى لو مات كل مذيعي هذا المذياع اللعين سأغادر والى الأبد .. سألعن كل مهاجر يفكر في العودة أو يذرف دمعة للحنين وأمراض العربة الكاذبة .. لمَ لا تأتي معي؟
الأول : مستحيل .. لمن اترك البلد ؟ أنت تعرف جيدا تلك هي غايتهم .. لا .. لا لا أتحرك خطوة .. يا نار الانفجار احرقي لحمي واتركي الروح تعبث في التفاصيل العتيقة إنها سلوتي الوحيدة وشهادة براءتي عند الممات.. يا رب بحق كل من عند جاه عندك دعه لا يفكر بالرحيل .. ( يطلق المذياع بعض تشويشات جديدة .. تبدأ ساعة التوقيت بإطلاق إشارة الانفجار )
( صوت انفجار هائل )


.. ظلام ..


انتظار خامس :


لافتة : هذا دمنا .. دمكم.. لافتة احتجاج .. انه زمن الانتظار المر..

الأم : صالح وين أنت .. بيا مكان عدل .. ميت .. لا كلبي ايكول موجود .. بس ليش ما اسمع صوته ما اشتم ريحته..
المجموعة : اعتدنا أعداد الموتى ولم نألف بعد انتظار الموت .. انه زمن الانتظار المر .. في غابر الأمس البعيد ماتت العنقاء .. واحترقت الأسواق.. غدت عيوننا نجوم للدلالة.. لا تصدقوا ما يقوله المذياع .. انه محض غواية فقط ..
المذياع : عاجل .. شظايا الرحمة تقبل أجسادكم كل صباح ..كل مساء..
المجموعة :وسط حروب مذ ألف عام وعام .. لم تنته بعد .. بسوسنا حفلة مجانين مستعرة..منذ ألف عام وعام
الأم : ( أمامها طبق من الخوص يحمل تفاصيل الطشة .. تقذف محتويات الطشة في الطبق ) هذا صالح رايح بدرب بعيد .. ذوله جماعة داير ما دايره .. يمه هذا درب اظلم ..
المجموعة : ألف قناص يصـّـوب نحونا.. ألف عين تشتهي موتنا .. ألف انتظار وانتظار يلف أحلامنا المؤجلة ..
الام : أي درب اظلم ..
المذياع : هذا الصباح تتفتح ورود ويلملم الندى قطراته ويطير وسط بساتين الصوبين ..

المجموعة: هذا الصباح . ألف مخلب وخنجر وسكين وعبوة ومفخخة واطلاقة طائشة .. تنتظرنا في محطة الباص.. في كراجات النقل العام على الرصيف أو مفترق الطرق أو على كرسي الوظيفة أو على فراش الزوجة الدافئ .. أو في حقيبة السفر المفخخة أو في جثة الأخ الممدد بين الرصيف وحافة الإسفلت .. آه ( يرفعون أيديهم على رؤوسهم )ألف عزرائيل يشتهينا في الصباح .. ألف عزرائيل يعشقنا يقبلنا كل مساء ، قبل أن تقبلنا قهوة المساء تقبلنا شهقة عثرة موت القدر..
الأم : ميت .. لالا .. بعد ما شبع من الهوه واللعب ..
المذياع : درجات الحرارة تبقى في معدلاتها الطبيعية وسرعة الريح خفيفة الى متوسطة السرعة .. الرؤيا من خمسين الى ستين مترا في الطرقات الخارجية..
المجموعة : ميتون .. منذ زمن بعيد يالله .. ميتون والشوارع تحملهم من مكان لأخر.. يبكون ويضحكون ويأكلون وينامون مع زوجاتهم لكن دون ... ووو.. موتنا ينظر لنا من ثقب الباب ..
الأم : وين أنت يا صالح بيا مكان ..
المجموعة : يدخل معنا حتى في الحمام .. دمنا تحاصره الأسوار.. تحاصره الأوطان .. تحاصره الأفكار.. يحاصره الجوار .. تحاصره الأمم البعيدة والقريبة .. دمنا محاصر بالحراب.. لحمنا تسيل له لعاب العبوات .. كم ساعة حرب أو يوم أو سنة أو قرن وننتهي يالله يالله اليك المشتكى.. لقد مللنا الدعاء .. الاغتراب آخر سلوتنا ..
الأم : (تطش تفاصيل الطشة ) هذا قفل كبير يركض وراه..
المذياع: نستمع الى باقة من الأغاني القديمة ..
المجموعة : أجسادنا مصيدة لأرواحنا الهائمة.. هل نفرّ كالجرذان أم نموت كما يشتهون لنا أن نموت .. هل يصطادنا الموت بمصيدة الفئران ويقذفنا للمزابل ؟ أفي موتنا إنقاذ لطفولة قادمة ؟ لفي شك في الأمر يا ربنا .. هل تحبنا ؟
الأم : صالح يمه كطعت نياط كلبي ..آه لو اعرف أنت وين .
المذياع: نأسف لهذا الخلل الفني ونعود الى برامجنا المعتادة .. الى الى برنامج طبخة اليوم ..
المجموعة: وحيـدون .. دون دروب.. متروكون هنا ككلاب ذليلة .. وحدنا ننظف الأرصفة من بقايا الجثث بأظافرنا .. بأحلامنا .. ننظف الشوارع من بقايا الخوذ المثقوبة من الحراب المدماة من بقايا الدماء المتيبسة .. من العيون التي تقفز من محاجرها وتلتصق على الاسفلت ..
الأم : ( تكمل طشتها ) درب اظلم وبعيد ..
المذياع : سيداتي آنساتي سادتي .. تحتجب برامج الإذاعة عن برامجها الاعتيادية وإقامة الحداد على أرواح الشهداء الذين قضوا في حادث التفجير الأليم ..( تلاوة قرآن )
المجموعة : منذ ألف عام وعام .. تروس الساعة تعدنا بانتظارات قادمة .
الأم : درب اظلم وبعيد.
المذياع : للحرب بداية وتاريخ ساعة معلومة .. لكن لا نهاية مطلقة للحروب .. للحرب ابتسامة الأعمى وإيماءة العهر .. الحرب تمشط شعرها في بيوتنا .. تستحم وتأخذ قيلولتها وتنام على أسرتنا .. الحرب امرأة عوراء تمارس البغي رغم أنوفنا ..
الأم : أي هذا صالح لكيته .. يمه وين جنت يا بعد كلبي يالولد ..
المذياع : عاجل ..عاجل ..عاجل .. وردنا البيان التالي .. ألزموا أحلامكم حتى تمر الدبابات فوق أجسادكم .. في بيان لاحق نعلمكم التفاصيل ..
الأم : لا هذا مو هو هذا يشبه نفس الشارب نفس العيون نفس البندقية بس مو صالح ..
المذياع : ضحايا الحرب الأخيرة يعيشون بأمان ويبلغوكم السلام .. يمززون الانتظار .. أطفالهم يمضغون البارود في حليب صدور الأمهات .. أطفالنا أحلامنا المؤجلة تمشي على الأرض .. في الحالتين هم جثث على الرصيف أو وسط الشارع أو في باص الأجرة جثة متفحمة .. ( تذهب الأم الى المذياع وتزوله على صوت أغنية من أغاني زمان . من أغاني زمان القديمة ..)

المجموعة : هذا دمنا .. دمكم.. لافتة احتجاج .. انه زمن الانتظار المر..

..ظلام ..




انتظار سادس :

تبدأ الساعة بالدق المبرمج
الأول : أتسمعون.. ( فترة صمت للإصغاء ) دقات هذه الساعة.. ميلاد قيامة أرضية ؟
الثاني : تلك هي ساعة توقيت انفجارنا القادم .. وليست قيامة .. لا تستغربوا سادتي .. نعم نحن نعيش لحظات ما قبل التشظي ..الآن الساعة تعوي .. تعوي ..( صوت بندول الساعة يدق بصوت عال )
الأول : تعوي ونحن مثل الساعة نعوي بتناغم معها .. نحن ساعة زمن قد هشمت تروسها مطرقة حرب عملاقة .. قطار أعمارنا على وشك الوصول الى محطته الأخيرة.. يهش الذئاب عن سكة موتنا القادم .. يا ربنا نحن انتظار رد الأمانات .. أرواحنا أجسادنا لك الفداء.. نموت ويعيش الوطن .. أين هو الوطن الذي نموت من اجله ؟
يا رب .. ( يتذرع) أشبعتنا موتا في معقل الحياة .. أما كان من الأجدر أن نعيش ويحيا الوطن في كنفنا ؟
الثاني : ( يصرخ ) يا ربنا أنا تائبون.. نعلنها توبة نصوحا.. باسم كل جيش الأرامل هذا .. إنهن سحابة سوداء من الحزن .. وحقك ياربي إنهن يعتصرن وسادات الليل من الحسرة والعوز والوحشة القاتلة وكأنها وحشة نبيك يونس في بطن الحوت المظلم .. من الموت والحياة معا .. تائبون تائبون .. رغم إننا لم نعش مثلما يرام ..
الأول : ( بهمس ) يا مجيب الدعوات .. هل تسمع شيء؟
الثاني : كلا .. نحن المغضوب عليهم يا رجل ..
الأول: ( ينزوي ) حتى ننشر أحزاننا على حبل الغسيل ونتوب .. حتى نرفع راية الاستسلام .. الريح تجفف أحزاننا ونتوب .. تعوي كما تعوي العوانس في وحشة ليل الشتاء هل نتوب عن خطيئة الانتظار ؟ يا ربنا يا ربنا إنا تائبون.. الى الحلم عندما تقد سلاسلها .. أيتها المرأة الحنون تعالي لأقدر لك مصيرك هنا ..
صوت المرأة : أين أنت .. أسمعك ولا أراك ؟
الأول : تعالي اغسلي الذنوب واسكبي العشق على ابدأننا سوية .. أيه كم نسيت نفسي في خضم هذه المهزلة ..
صوت المرأة : أين أنت ؟
الأول : هنا .. في مكاني الأول منذ دهور .. لا أقوى على الحب يا امرأة .. أنا آسف لقد فتحت نافذة الحلم الخطأ .. اذهبي الى مكان آخر ليس فيه ندوب حرب .. ليس فيه حرائق مستعرة ..
الثاني: الولادات تعسّرت في الأرحام.. الأطفال خائفون من عبوات الأرحام المؤقتة .. تائبون .. انتم بانتظار لحظة انفجارنا الأخير .. ليلكم عباءة الأحزان وصباحكم كارثة جديدة .. احزموا حقائب السفر وانتظروا الباص الذي لا يأتي مطلقا .. او تذرعوا لرحمة ربكم ..
صوت المغني :
تائبون تائبون ..والساعة تعوي ..الريح تعزف الحان الخراب .. ياليل صدق أو لا تصدق ما من مجير .. أو سميع .. أو من مجيب ..
الثاني1 : ياليل.. الريح تعوي والنجوم هاربة والعصافير ترتعد من الخوف
الأول :الساعات ترتجف من الخوف فغدت تنبض بقوة ها أتسمعون..
الثاني: الموت يحوم من حولنا كما الهواء يلعب في الأحزان المنشورة على حبال الغسيل .. يا لله إنا إليك راجعون ..
الأول: الى حتوفنا سائرين مكبلين.. أما مذبوحين أو مصلوبين أو متشظين او مفقودين في مقابر عشوائية .. يا لله نحن محاصرون بمصائد الموت .. أين الطريق الى رحمتك ؟
الثاني: محصلتنا إنا راجعون .. سئمنا الحياة التي فرّت من بين أيدينا .. مثلما يفر العصفور من كف طفل طائش .. في كل شبر من الأرض موت يترصد في الطرقات ..
المغني : صلوا ع النبي يا سامعين الصوت
دوم يحوم مثل الطير شكل الموت
فجيعة من الولادة لحظة التابوت..
( مجموعة الظل بملابس سود )
ظل1 : قلوبنا حجر .. سنصنع الحياة التي نريدها بأيدينا ..
ظل2 : كل ما علمتنا به المدارس محض هراء.. الوطن فكرة زائلة.. نحن فكرة باقية على الأرض..
ظل3 : نمسك قرني العالم وندوره للجهة التي نريد.. حياتنا نسرقها من حياة الآخرين عنوة ..
ظل4 : ليس هناك قوة في هذي الأرض تمنعنا من صياغة وطن وناس على مقاساتنا نحن ..
ظل1 : التقط أخاك واضرب به خصمك إذا استدعت الضرورة واضرب رأسك برأس من تحب حتى تؤمن أو ترتاح الى الأبد ..
ظل 2 : نصنع قوانين جديدة للحياة وفق ما تقتضيه حركة العصر.
ظل 3 : كل شيء أبيحه أو امنعه أو احرمه .. أزيح كل ما يقف أمامي ..
مجموعة الظل: كل الحقائق الى زوال .. الى مطمر صحي او مقبرة ..
ظل 4 : أما أن نكون مثلما نريد أو نكون مثلما يريدون ..
مجموعة الظلال : أن نكون وفق ما تشتهي خناجرنا ..

.. ظلام ..


انتظار سابع :

(صوت ساعة التوقيت قبل لحظة الانفجار)..
الأول : ( قلق ) أين أنت يا صديقي ؟ اسمع صوتك البعيد يرن في أذني هل ازدادت عذاباتك في الغربة أم انك تكابر وتخفي لوعتك ؟
المهاجر : لا تقلق .. اشرب شايك العراقي وانتظر الكارثة .. الشاي العراقي يقلل بؤس الانتظار ويبرد القلوب ..
الأول : خمرة البؤساء..
المهاجر: تمزز برائحة الموت.. رائحة الكافور وورق السدر والأكفان البيض ولطم الصدور ونواح النسوة دالة الموت الأكيد .. أجمل الانتظار ذلك الذي يحمل بطياته المجهول .. الانتظار عنوان قلقكم الدائم ..
الأول : أنت شامت بما يحدث وفرح بهروبك ..
الثالث : سوف يقتله الحنين ويعلق صورة خوذته في غرفة نومه الأنيقة هناك في غربته .. لا طعم لحياته لأنها خالية من لذة الانتظار .. الحياة على نزرها تأتي من ثقب الموت ..
الرابع : انتظر أمامك مطب للموت ..( يضحك ) ما لذي يبقينا هنا بطابور طويل للموت ؟
الأول : لماذا تركتني وحيدا يازيد .. ( يبكي ) ليست أية بارقة للأمل .. ترى من فينا هو المحق في فكرته ؟
الثاني : انتظر .. آخر ما تبقى لنا من هذه المهزلة هو الانتظار، هل تتذكر هذا الكلام؟ قطار العمر يمضي ومحطاته انتظار مرير .. لا تسأل اختر ميتة مناسبة لجسدك واحلم كالمجانين .. حيواتنا مزرايب بيوت طينية دائما ما تصب غرينها وتنهدم ..
الأول : يا رب هي نطفة انشاج لماذا لم تسقطها كقطرة المطر الطائشة .. ا في دارفور أو أديس أبابا أو كمبوديا أو لاوس أو فيتنام أو في القطب المنجمد . هل مأساتنا في حضارتنا ..
الثاني :لا
الأول : في نفطنا
الثاني : طبعا لا
الأول : في هويتنا
الثاني : لا
الأول : إذن مالذي يحدث الآن ؟
الثالث : طلق.. ومخاض عسير..
الرابع: الخبز يتنشق اللهب داخل التنور .. مستمتعا بنشوة الانتظار ..
الثالث: في صرخة الوليد بين يدي القابلة ثمة انتظار..
الرابع : انتظر في استعلامات الطب العدلي وانظم الى الطابور.. ريثما يلحقك الدور..
الثالث :الأرحام تتلو سورة الفاتحة على من خرج منها توا ..
الأول : انتظار ما يحدث الآن أجمل من الذي يحدث في الغد..
الثالث : في اعذاق النخيل التي اشتعل الشيب فيها ..
الثاني : ثمة انتظار ..
الأول : هذه الساعة لازالت تدق بلغة التشفي .. صداع .. صداع وصخب في رأسي ..
الثاني : اصبر على البلوى :
الثالث : وأنت تفر من ساحة الأحزان ..
الرابع : ستلاحقك اللعنة أينما حللت .. سيأتي تابوتك المزخرف بخشب الأبنوس المدهون الى هنا مرة أخرى ..
الأول : مطارق .. مطارق عملاقة تدق في قاع رأسي يالله خذ الأمانة اليوم قبل الغد ..
المغني :الغمة كبيرة وددوم هالغمة
مو ذنب الطفل لو جابته امه
ليش أيكون ليش أيصير ليش أيموت
( صوت الانفجار الثاني .. تنبطح المجموعة وتتبعثر على اثر الانفجار ..)


..ظلام ..

انتظار ثامن :

الأول : عيون ( يبحث في ارض المسرح ) ، هذه الأرض ملئ بالعيون . عندما تهتز الشجرة تساقط عيون ..العيون البشرية تضوي في الظلام عندما تقلع عنوة من محاجرها ..
الثاني: سيقان .. أطراف .. بالمفرد والجملة ( يفتش في ارض المسرح )
الأول: ( يواصل ) عيون .. عيون.. هل تصورتم وجوه بشرية ممسوحة العيون .. أول علامات عصف الانفجار في العيون المقلوعة من محاجرها .. وآخر العصف طيران كتل اللحم البشري المحروق .. الى أين أيتها الأجساد تحلقين ..أما آن لك أن تهبطي الى الأرض ؟
الثالث : آذان .. شفاه ذابلة
الأول: ( ينظر في فضاء المسرح ) عيون عيون .. حتى طفل الروضة عندما يرسم الوجوه يضع العيون مثل نجوم كبيرة على مساحة الوجه.. الوجه من غير عين يبدو ممسوحا .. الرأس يطير بل السيارة تطير والطائرة تزحف والرضيع يحلق .. كل شيء قابل للحدوث هنا ..
الرابع :أقدام بأحذية أقدام منزوعة الأحذية .. أصابع يد أصابع قدم .. كل شيء موجود .. حتى الأظافر .. على الرصيف أو في عمق الشارع..
الأول :عيون ..فقط عيون ..
الثاني : بطون .. جلود .. أمعاء
الأول : عيون .. عيون
الثالث: شعر .. شعر بنات .. جدائل .. قحف
الأول: عيون .. عيون
الرابع: قمصان محروقة الاردان .. أحذية
الأول :عيون .. عيون
الثاني: كتب حقائب دفاتر وأقلام
الأول: عيون .. عيون
الثالث : مجارف .. مطارق لحم محترق
الأول : عيون .. عيون
الرابع :أسفلت محروق وعباءات ويشاميغ ورضاعة أطفال بحليب نصف دسم .. مهود ومقاود سيارات حديثة أوراق تعيين .. شهادة جنسية سالمة من الحرق بصورتها الجديدة ومصدقة بالختم الفسفوري غير إن صاحب الصورة تبخر كليا ..
الثالث : خوذ بساطيل طماطم بطاطس عربات دفع دراجات ورؤوس أمهات تبحث عن بنين..
الثاني : الرأس المقطوعة لأحد الأمهات لازال يبحث عن فلذة كبدها بين عتبة الطب العدلي والرصيف .. يالله يالله عطفك ورضاك ..
الأول: منْ يدلني على عيون؟ من شاهد عيونا منزوعة من الوجوه ؟ من شاهدته العيون الخجلى .. بعثرها العصف .. خرجت من محاجرها .. الحشوات الجديدة تستطيع إذابة اللحم البشري كليا ..انظروا هناك عند تلك النقطة .. هناك فص لعين يتيم يسبح في الفضاء ( يضحك ويتحول الضحك الى بكاء ) انه ينظر نحوي يستجدي عطفنا .. يبحث الفص عن انف وأذن ووجه وشعر ليرسمه الطفل الصغير في كراسة الرسم . يالله عطفك ورضاك ..
الثالث: انهض أيها الرجل ماذا أصابك ، لا يوجد في الأفق سوى محرقة بعيدة . انحن مجانين أم الدنيا جنت ..
الرابع : تنور تنور كبير اكبر من ناطحة سحاب عملاقة .. مالذي يبقينا على قيد هذي المهزلة ؟ سوى انتظارات أسوأ مما حدث .. الذي يحدث في الغد أو بعده أسوأ مما حدث اليوم .. يالله عطفك ورضاك..
الأول : ليس سوى بقايا مفخخة .. سوى ركام محروق.. سوى لحم مهروس .. سوى لحم آدمي مشوي .. رائحة الموت هنا غدت هواء نتنفسه كل ساعة .. يالله عطفك بنا ورضاك عنا ..
الثاني: عيون كثيرة في عيني .. ( يضع يديه على رأسه ) أماه أين هي أحضانك الدافئة ؟ لأضع رأسي في حجرك وأغمض عيني قليلا وتغادرني هذه العيون ..
الأول : يا شريكي في المأساة اتضنها لعنة أبدية علينا ؟؟
الثاني : ربما
المجموعة : عطفك رحمتك ليس لنا سواك ..

.. ظلام ..


انتظار تاسع :

تبدأ الساعة بالتكتكة من جديد .. المشهد ليل دامس
( الانتظار التاسع مشهد تعبيري .. يبدأ بأصوات لطم صدور وزناجيل ..صوت طبول إيقاعية .. تتلاشى أصوات لطم الرجال تدريجيا .. تبدأ أصوات لطم نسائي إيقاعي وصياح نسوة ثكالى .. صوت شاعرة الموت تعزف نشيدها في دائرة النسوة اللاطمات .. يستمر المشهد وينتهي تدريجيا .. أجواء كربلائية بطقوس مألوفة )
..تتسارع الضربات تدريجيا وتخفت ثم يتسارع لطم الصدور ويتحول ما يشبه صدى في فضاء مفتوح ..
المغني : زفوا يا حبايب وزينوا التابوت
ع القمصان خطوا لافتات الموت
يم بيت العروس أنريد منكم صوت
عريس وربعه أيزفونه وبحضن أمه راح ايدفنونه
هلهولة تزاود هلهولة وتحدي أمه المجنونة
صلوا ع النبي ياشايفين الموت
تبدأ موسيقى بغدادية شعبية خاصة تضرب على لحن مشهور لأهزوجة تصاحب العرس البغدادي .. تبدأ المجموعة في الظهور على خشبة المسرح تتقدمهم الأم المجنونة مؤتزرة في مشهد غرائبي تشييع ابنها العريس .. تبدو حركات الأم من الغرابة في أداء حركات قريبة الى فاجعة الجنون وهي تتقدم المشيعين خلفها يسير رجل يحمل بدلة عرس رجالية على خشبة وكأنها لافتة على شكل صليب ، يعقبه آخر يحمل على خشبة بدلة عرس نسائية.. يمر مشهد التشييع على المسرح على إيقاع طبول العرس .. مجموعة المشيعيين يشكلون دائرة يضربون على رؤوسهم ووجوهم ثم يتوارون الى الجهة المقابلة من المسرح..

ظلام تدريجي

يعود الممثلين على المسرح .. إنارة الممثلين فوق رؤوسهم بخوذ عسكرية كل اثنين متقابلين يبدأن حوارا غير مفهوم .. الحوارات بصوت عال وإذ يتحدث العشرة من حوار مبهم يختلط مع تشويش صوت المذياع .. يذهب احدهم سأتي بعصا غليظة ويتجه نحو المذياع يحطمه ويسكته الى الأبد ..

.. انتهت ..

الأشعار الشعبية : الشاعر حسون الشنون
الشعر الفصيح : مأخوذة من قصيدة نو فوتو للشاعر العراقي موفق محمد ..

0 التعليقات:

إرسال تعليق