تاليف جبـار جـودي العبـودي
المسرح فارغ من كل شيء..بعض الرمل يغطي أرضية وسط المقدمة..يدخل رجل من العمق يرتدي دشداشة رثة مشدودة من الوسط بحبل يسحب خلفه حقيبة أو شبه حقيبة.. ويحمل شبكات جرّيد وبعض المتاع.. ويمسك بيده الأخرى امرأة معه تتشح بالسواد من قمة رأسها حتى أخمص قدميها.. لايظهر منها أي شيء.. الرجل حافي والمرأة ترتدي ثوب أسود طويل يخط على الأرض وهي حافية ايضا".. وتحمل على رأسها صرة ملابس.. يصلون الى منتصف المسرح.. الرجل يضع جزء من أغراضه.. ينزل الصرة من على رأس المرأة.. يجلس المرأة بالقرب منه وتأخذ بجلستها شكل القرويات.(تتربع). الرجل ينظر حواليه ,يسحب الحقيبة أمامه،، نصف وجه الرجل مشوه بشكل ما..
الرجل يبحث بشدة عن شىء في الحقيبة.. يخرج كل مافيها.. ملابس مستعملة،جرائد مستعملة، ملصقات صور...
- الرجل/ وينهه..!!؟
يعاود البحث في كومة أغراضه المتهرئة.. يتعب.. يزهق.. يجدها..
- الرجل/ هاي هيه.. !!يجد شمعة عادية.. يحاول تثبيتها على شيء فيجد بالقرب منه طابوقتين يضعهما واحدة فوق الأخرى ويحاول تثبيت الشمعة عليهما ,,تسقط,,يحاول مرة أخرى.. يخرج شخاطة يحاول اشعالها.. تنطفىء..
- الرجل/ ياساعة السوده..!!يشعل الشمعة..المرأة بقربه تحاول النهوض.. يمسك بها.. يخرج من بين أغراضه أبريق نايلون وطاسة فافون.. يصب لها الماء ويعطيها.. يخرج الرجل.. المرأة تزيح نقابها بشكل جزئي.. تشرب الماء.. يعود الرجل وهو يحمل طابوقات.. المرأة تنهي شرب الماء..
- الرجل/ عوافي..يأخذ الطاسة منها.. ثم يخرج ويكرر عملية جلب الطابوق حتى تتجمع لديه خمسة عشر أو عشرون طابوقة.. ويبدأ عملية البناء..ومن الممكن أن يستعين بأشياء أخرى.. أغصان أشجار.. كرسي مكسور وماشابه ذلك.. يستعين بالجرّيد ويحاول تثبيته وينشر عليه بعض قطع الملابس المهلهله كستر له..
كلما ينتهي من بناء جزء يخرج صورة لأحد رجال الدين ويلصقها على ماقام ببناءه.. صوت اطلاقات هنا وهناك..أصوات انفجارات متفرقة.. صوت انفجار قوي..الرجل يفز ويحتضن الطابوقات..
-الرجل/ تحطلك تلث طابوكات وتظل خايف لايجي واحد ويهدّم كل اللي جاي تسويه..
( يعاود العمل بالبناء وبين الحين والأخر يستعين بفاسة صغيرة في العمل)..
- الرجل/ كالعادة.. كانت الكهرباء مقطوعة,وامرأتي تحاول اشعال النار لتصنع لنا الشاي بآخر ماتبقى من كتب التاريخ.. حاولت مساعدتها,ومددت لها يدي بمنهج التربية الوطنية( يقهقه).. كأن الوطنية تحتاج الى تدريس..!!(يقهقه) هسه صارت أكسباير..
طرق الباب المؤجر,مع بعض من أصدقائه الطيبين الذين يحملون مايحملون
وبكل أدب جم وأخلاق عالية,رموني وامرأتي في الشارع..ضحكت طويلا"، فأنا لم آسف على سقف كان يؤويني وامرأتي بقدر أسفي على الشاي الذي كنت أنتظر ارتشافه..
ظللت أضحك,وامرأتي تنظر بوجهي وتضحك هي الأخرى..ذرعنا كثيرا"من الأرصفة والساحات والشوارع..وكانت كلها محجوزة..هذه للأحزاب وتلك للحواسم..وأخرى غلفتها الأسلاك..حتى وصلنا الى هنا(يتلفت) نهاية المطاف أو مطاف النهاية..لافرق..
( يعاود العمل بالبناء..صوت انفجار..وانفجار آخر..وثالث.....)
ليس لي زجاج أو سقف أخاف عليه التكسر أو السقوط..تعالي أيتها القذائف،وانظري غربتي,انظري الى قلبي..هذا القلب الذي انتحرت كل الهزائم أمامه وظل يضحك..يضحك..تلك الهزائم التي صفق لها العازفون كي يظلوا أحياء..
كيف لي أن أفسر هذا الشغف بروحي ؟ عشرون عاما"وأنا أرقبهاصباحا"ومساء" حتى ذابت المسافات..وجدتها أمامي تغازل كل شارع ورصيف..ألأسلاك..نفس الأسلاك..والتفاصيل,بعض التفاصيل تختلف..
هي القدرة التي جلبت هذه الأسلاك لتطوق كل شيء..وأنا بلا مأوى يطوقني, وصمتي يهزأ من كل رعيد القذائف..
( يعود الرجل الى عمله..يهمهم..يدردم مع نفسه بصوت مسموع..)
بلا مأوى..بلا مأوى..بلا مأوى..لن أخاف..أنا أبن الجوع..بلا مأوى.. لن أخاف.. ( اصوات انفجارات قريبة واطلاقات رصاص )
- الرجل/ مري فوق رؤوسنا واقتربي فما عدنا نخاف..ياهو..أيتها القذائف قد نثرت من القذارات مايكفينا..أنت ومن أطلقوك..
هدمت السقف الذي كان يوما" ما يظل وجوهنا الحزينة..وجوهنا التي احببناها لأنها حملت تاريخنا الحقيقي..
( يعاود العمل.. المرأة تهفي أو تروّح لنفسها وتحك جسدها.. الرجل ينتبه لذلك..يهفي او يروح للمرأة بطرف دشداشته وهي تظهر الأستحياء,يغازلها بقراءة أبوذية لها..( يتبين لنا أنه يعشق هذه المرأة بجنون )
أهفيلج بآخر جرد من هدومي العلي باق..
.............................................
( عند انتهاءه من أبوذيته يكون قد أكمل احدى الزوايا فيجلسها تحت ظلها.. يكون هنا شغل مسرحي يعكس مقدار محبة الرجل لهذه المرأة../شغل لون وضوء/..)
- الرجل/ عشرون عاما"..عشرين سنة..عشرة وعشرة..أربع مرات خمسة..عشرين..لم أنجح في الرياضيات..لكن لفرط الجوع والرتابة تعلمت الأحصاء..أحصيت كل شيء..وكنت أميّزبشكل دقيق بين الأصوات..الرصاص.. المدافع..القذائف..اطلاقات الرشاش..الراجمات..صواريخ الطائرات..الألغام..الأيدي..الرؤوس..
الأقدام..الأفخاذ..الأرجل..ولائم الدود دسمة في منطقة الشرق الأوسط..
درس وحيد ماتعلمت فيه التمييز ولا الأحصاء..من هو الوطني؟؟ ومن هو العراقي؟؟
( يعاود الرجل عمله..يجد بين أغراضه فردة بسطال ..يمسكها بيده ويصفن..يكلمها..)
الرجل/ سعدون..ظل بس بسطالك الأيسر وين ماروح آخذه وياي..ذكرى لزمن صعب اخترقت فيه لجة الموت ولم تفارق شفتيك تلك الأبتسامة المريرة التي كانت تطرز محياك..
سعدون..كم من الشرف والشجاعة أحتاج كي أرمي بنفسي وسط حقل الألغام الذي رميت نفسك به لتنقذ سرية" بأكملها..؟؟ تطايرت أجزاء" ماحظيت منها الا بهذا..أطبع قبلتي عليك [b]يامن قلبت بروحي كل شيء..سأجعل منك لبنة" في هذا الأساس..بسطالك طابوكه أبّيتي..بسطالك طابوكه أبيتي.. [/b]( يرددها أكثر من مرة مع ضرب البسطال مع الطابوق كبناء أكثر من مرة )
ولو حفيت جدمي طابوكه أعله دربك..انت بيتي.. ( يصرخ )..
سعدون..لقد ركبوا المعونة وجاءوا لينتصروا من العدو اللدود..لو تعلم ياسعدون بما جرى بعدك لكنت لملمت أشلائك واعتذرت من حقل الألغام محنيا" قامتك المديدة ولدفنت نفسك بأحدى المقابر الجماعية التي صارت كأرغفة الخبز , سوف نظل نأكل منها الى مالانهاية.. (المرأة تأتي بحركة..يمسك بها)
- الرجل/ لاتلطمي صدرك ياصابرة..فللآن لم تندمل جروحك..ولن تندمل..اجلسي واستريحي..
من أين لي بهم الآن كيتخمد نار روحك وروحي؟؟ واحد أخذته الثمانينات..
والآخر غاب قسرا" بعد التسعين..ولم نعثر على قبر له لحد الآن.. استريحي يابعد روحي..( يعاود العمل بفاسة يحملها ) استريحي..استريحي..
( يضرب كفا" بكف )( صوت الآذان )
الله أكبر..الله أكبر..الله أكبر..الله أكبر..
أشهد أن لااله الا الله..أشهد أن لااله الا الله..
( تتداخل عدة آذانات..الرجل يتوقف عن العمل..يتطلع الى احدى الجهات..ستوب كادر تقريبا يقوم الرجل بعدها وبالفاسة التي في يده بحركة تعبيرية طقسية للصلاة..يضرب الأرض بفأسه ويده وينثر التراب من فوق رأسه..)
-[b] الرجل/ أشهد أن لااله الا الله..
وأشهد أن محمدا" رسول الله..
وأشهد أن عليا" ولي الله..
وأشهد أن من لابيت له لاعزة له..
وأشهد أن من لاأرض له لاوطن له..
وأشهد أن من لاوطن له لاكرامة له..[/b]
( مع الأستمرارية يرفع يديه صارخا" الى السماء..)
الهي..بحقك وقدسك وأعظم صفاتك..استبــاحــونـا..وأنت أرحم الراحمين.. ( يأتي صوت مسجل )
الى المواطنين العراقيين الشرفاء كافة..اليكم هذا الأعلان من السلطات المختصة.. ( الرجل ستوب كادر تقريبا" )
من أجل بناء عراق ديمقراطي فدرالي متعدد الثقافات والحريات..ومن أجل حرية الأنسان العراقي وكرامته وتاريخه..ومن أجل المحافظة على جمالية مدننا العزيزة..تقرر ازالة جميع الأبنية والتجاوزات على الأراضي العامة التابعة للدولة..والتي هي ملك للشعب.. لذا نهيب بجميع المواطنين المتجاوزين ضرورة اخلاء وازالة تجاوزاتهم بأقصى سرعة والمخالف سوف يعرض نفسه للأعتقال..
يتوقف الرجل..ينهض..يقف..المرأة تنهض,تقف..تبدأ المرأة بكشف وجهها..فيظهر لنا أنه مشوّه بشكل كبير ولاتسمع ولاترى ولاتتكلم..الرجل يزيح اليشماغ من على رأسه..يشمه ويرمي به على الأرض..تبدأ المرأة بنزع ملابسها قطعة قطعة..تسقط عباءتها من على رأسها ( أنّة وجع ) تبقى بثوب أبيض الى الركبة يشبه الأتك فنلاحظ أن جسدها مشوّه ومليء بالدماء من الرأس الى أخمص القدمين..الرجل يشق دشداشته ببطىء فتسقط عنه..يبقى بسرواله الداخلي الطويل..يقود المرأة ويغادران المسرح الى العمق............
نفس أغنية البداية تبث بنهاية العرض..( اذا الشعب يوما" أراد الحياة).
تـمّـت....

0 التعليقات:
إرسال تعليق