مسرحية كازانوفا







المؤلف : معطي بن سالم بن سعيد المعطي


عندما يتناسى البشر من حولهم..
تتولد لدى الآخرين صور كثيرة ..
هذه الصور تزور الماضي، ربما.. لكنها لا تستطيع الكذب
أنا متأكدٌ بأن الكثير من الصور يمكن فهمها... دون الحاجة لترجمتها..
ملاحظة: إذا كان هناك تشابه بين شخصيات المسرحية وشخصيات تعيش بيننا فهذا ليس ذلك بمحض الصدفة .
المؤلف : معطي بن سالم بن سعيد المعطي


الشخصيات:
الزوج
الزوجة

النص

الزوج : أو هل بقي أحدٌ غيرنا؟
الزوجة : أو تظن أن هنالك من يستطيع الصمود في وجهه؟!!
الزوج: كيف يصمدون وهم كمن يرمي بنفسه في ظلمات البحار.
الزوجة : وما الفرق بيننا و بينهم؟!
الزوج : أنا من رميت كل الذين يعيشون حولي.. و قمت بطرد الهموم ولا أشتكي.. لا أعتقد بوجود أحد يستطيع الوقوف في وجهه..
الزوجة : ونحن؟!
الزوج: نحن!
الزوجة : نعم نحن؟ ألن نستطيع الصمود في وجهه ؟ أم سنندثر تحت التراب الدافئ ؟
الزوج: لن نموت بل سنعيش طويلا, نحن لحن ترفع عن حدود التفكير البشري قصتنا أعف من ذلك دعائمها صبّت بخلطة سحرية لن تُفك رموزها بمشاهدة العرض أو الخروج قبل انتهاء المسرحية. قد نعترض ولا نوافق على العديد من المشاهد ولكننا مجبرون على ذلك فهذا هو واقعنا الأليم.
الزوجة: أشعر بأنها هلوسة ما قبل حلول الظلام.
الزوج: لم لا ؟ فجميعنا يهلوس ، لكن بأسلوب عبقري فلا تتمكن من الحكم عليه لأنه أكبر منك مقاما .
الزوجة: من يسمعك يقول بأنك تعي ما يحدث حولك ، ولا يدرون بأنك... (تفجر كيس مملؤ بالهواء) .
الزوج: إن مفهومية البقاء تكمن في رؤية الحمام الأبيض وتمييزه عن الغربان السوداء .
الزوجة: ومن لا يستطيع تمييز الأبيض من الأسود؟!
الزوج: أولئك الذين ينخدعون بالألوان حولهم ، تغريهم الألوان فلا تتمكن أعينهم من رؤية الداخل فيغريهم اللون الأبيض من الخارج و سرعان ما يكتشفون السواد الحالك من الداخل . كالوباء الذي يحيط بنا ، نحاول إيجاد الدواء له ، ولكننا لا نعرف حقيقته .
الزوجة : إذا كنا نراه فنحن نستطيع التنبؤ به ومعالجته.
الزوج : إلى حين لمح بدايات القدوم المغرم ، والبحث عن علاجه تكون الغربان قد حلقت فوقنا و طار كل غرابٍ برزقه .
الزوجة : وهل الموت دليله تحليق الغربان؟!! هذا دليلٌ واضح على بداية مراحل...
الزوج : (مقاطعا) كفاك تهجما علي . لم تقطعين حبال الأمل ؟ لم تجهضين الطفل الصغير في خيالي؟ أنتِ دائما هكذا تحبطين كل أفكاري وعبقريتي ، إن القوانين العظيمة كالإنسان كانت جنينا ثم كبرت و كبرت و كبرت و أصبحت على ما هي عليه الآن .
الزوجة : هههه .... طفلك الصغير لم يولد بعد . طفلك الصغير لن تراه. طفلك الصغير تبخر, تتكلم عنه وكأنه موجود وكأنك تستطيع فعل ما تقول .
الزوج : أنانية أنت.
الزوجة : بل قل واقعية وأنت من يعيش في أحلامه الخيالية ، ثم دعني أخبرك سرا لن تستطيع إدراكه وحدك . إن تلك الغربان التي تحيط بالأموات تحوم فوق رؤوسنا وتحيط بنا ، لكنك لا تستطيع تمييزها!
الزوج: كيف لا أميزها؟! وهي غربان أزعجت الناس بصوتها وضاقت الناس رؤيتها؟!
الزوجة: الغربان أصبحت بيضاء جميلة و صوتها المزعج أصبح نغمة رنانة يشدو بها الناس معظم أوقاتهم ، أفق من العالم الذي أنت فيه فالغربان ربما تكون حولك!
الزوج: ومن أين لكِ كل هذا؟
الزوجة : هذا أنتم دائما تشككون في قدرة النساء .
الزوج: ليس للأمر علاقة بالتشكيك في قدرتك.
الزوجة : أعرف .. إن الألم الذي أحس به يقتلني تفكيرا قبل أن يقتلني ألما. كل يومٍ يشتد الألم و تتسارع دقات قلبي و كأنها تعزف أنغاما ترحيبية لست أدري لمن تكون ، وأنت تعتلي منبر هذا البيت و تصدح بصوتك الرنان في الداخل والموت ينتظرنا في الخارج .
الزوج: إن كان الموت قادما فالجدير به أن يأخذني أنا أولا.
الزوجة : ههههه.. مشاعر الحب تعمي عينيك دائما ، أنت تتكلم وكأنه بيننا وبين الموت حاجز وأمد بعيد ، متناسيا حجم المأساة ، وكيف تكون الحياة من بعدك ، أنت لا تعلم كيف هو الشعور عند التفكير في عدم رؤيتك كل صباح وابتسامتك التي تهدأ ثورة غضبي . تحسبون الأمور بكل بساطة دون التفكير في مشاعر الآخرين .
الزوج: الصبر يا امرأة فما بعد الليل إلا إشراق الصبح و انقشاع الظلام
الزوجة: جميعها حكمٌ وأمثال نقولها وليس هناك من حقيقة نستطيع فعلها غير أن نبقى مكبلين بأصفاد الذل و المهانة .
الزوج: لا توجد أصفاد ولا مهانة. إنها مجرد هستيريا و أنا متأكد أنه لا صحة لكلامك هذا . هوني عن نفسك شيئا ف شيئا ثم يذهب الألم هذا و يذهب معه هذا الكابوس المزعج . فأنا متأكد بأنه سيأتي لا أنكر ذلك كما أنني متأكد أيضا بأنه سيصطحب معه أحدا غيرنا و نكمل حياتنا. إنها مجرد كوابيس لا أساس لها من الصحة .

الزوجة: ستكتشف الصحيح من الصواب عندما تواري جثتي التراب الذي أتيت منه بالأمس. هذا إن اكتشفت ذلك أصلا.
الزوج: لا تغمضي عينيك الجميلتين فيغمض المكان و يقف الزمان .. لا تدعي الغربان تنفث سواد قلبها في رئتيك.. خذي من هذا الهواء و من هذا الهواء.. و دعي الحياة تدب بين جنبات بيتنا الحنون .
الزوجة : ما يهمني ليس الحياة ولكن وجودك من بعدي في هذه الحياة العقيمة .

(يصدر صوت الغربان)
.. لا... لا تحطي هنا.. حلقي بعيدا عنا.. لا يوجد شيءٌ للأكل هنا. لا تقتربي منه . سأدافع عنه و أقتلك قبل قتله.
الزوج: ما بك.. لم تفعلين بي هكذا ؟! لما هذا الجنون؟! إنها مجرد كوابيس وأفكارٍ خيالية لا تدعيها تتغلب علينا .
الزوجة: إنها.. إنها الغربان أتت ولكنني استطعت أن أرهبها بصوتي لا تخف فلن تعود أبدا .
الزوج: ولكنني لم أر شيئا!
الزوجة: ليس كل من لديه عينان يستطيع الرؤية ، هنالك من يقدر على التمييز بين الغراب والحمام و يقول إن الغراب مجرد حمامة خرجت في الشمس مدة طويلة مما أدى إلى اسوداد لونها .
الزوج: قد لا نستطيع تمييز لونها و هيئتها و لكن من الصعب عليها أن تخدعنا بصوتها .
الزوجة: هههههههه. - خبرك عتيق- إننا في زمنٍ نستطيع فعل كل شيء حتى تغيير أشكالنا و أصواتنا ، وفي مقولةٍ أخرى قلوبنا .
الصدى: (شخص واحد,, بقي شخص واحد في هذا المنزل,و شخص واحد يموت)

إظلام



المشهد الثاني
الزوج: كل يوم أستمع فيه لصوت الموت يتردد صداه لعدة أيام في أذني .
الزوجة : لا عليك منه. فإنه يريد إحباطنا و قتلنا بهمنا و خوفنا. فمن أساليب الحروب أنك تقتل مخيلة عدوك قبل قتل قلبه وهش عظامه. إنه أسلوب احترافي لذلك فهو يحاول و يحاول و يحاول أن يقتل أحدنا بخوفه ولا يعلم بأن هذه القرية يمر بها العديد من الناس و لربما كان أحدهم هو من سيموت و تحلق الغربان به.
الزوج: أخاف أن ما أسمعه صحيح و أفكر في هوية هذا الشخص الذي ستأخذه الغربان محلقة بعيدا.
الزوجة : لا تخف فلعله أحد المارين بالقرية كالذي أتى قبل سنين و نهشت لحمه الغربان. سوف تنقضي الأيام و يختفي صوت الجدار و تختفي هذه المعاناة و تتبخر مع تبخر الغربان البغيضة .
الزوج: ربما .
الزوجة: ربما .
الزوج: ربما أنه حلم يراودنا, و كابوس خوفنا هو الذي يعذبنا.
(صوت الغربان)
الزوجة: (تتألم) أكاد لا أفهم كلامك من شدة الألم ..
الزوج: ماذا؟! دعي عنك هذا الهراء. لابد وأنه الخيال حلق بك عاليا كالذي حل بي.
الزوجة: (تسقط من الألم)
الزوج: (يحاول سحبها) لا.. لا ترخي العنان لمخيلتك الصغيرة.
الزوجة: أحس بأنني لا أستطيع الوقوف. وكأن سكينا.
الزوج: هذا الدور لا يليق بك فأنا أعرفك جيدا تريدين التلاعب بي كعادتك.
الزوجة: أي تلاعب هذا وأنا أرى الموت بعيني؟!
الزوج: الموت؟! أنتِ تمزحين أليس كذلك؟! للموت مقدمات كثيرة لم تمري بها انهضي سريعا فلازال لدينا الكثير من العمل و يجب عليك أن تساعديني في إنهاء المسرحية.
الزوجة: وهل ما تراه أمامك مزاحا؟
الزوج: نعم. لأنكِ قلتِ لي أن لا أغتر بالمظهر حولي وعلي أن أتأكد من كل شئ قبل اتخاذ القرار .
الزوجة: و هل ستطيل الانتظار قبل اتخاذ القرار؟!!
الزوج: في أي جهة من بطنكِ الألم؟
الزوجة: في الجزء الأيسر من بطني أحس بأن أحدا ينهش لحمي ، و في الجزء الآخر أحس و كأن سكينا غُرست في أحشائي.
الزوج: هل من الممكن أن يكون طفلا ؟!!
الزوجة: لا تضحكني فالألم يزداد وما عدت أستطيع الحراك.
الزوج: هل من الممكن؟! لا لا يمكن. إنه الوهم بدأ يشتد علينا. (يخاطبها) هل تعلمين ما علينا فعله؟!
الزوجة: ماذا؟!!
الزوج: لكي نتأكد بأن الذي تعانين منه هو مجرد ألم أو طفلٌ بدأ يقلب بيته الجديد علينا إخراجه من مكانه!!
الزوجة: إخراجه؟! و لنقل بأنه طفل. هل تظن بأنني سوف أسمح لجنونك وغبائك بقتل طفلي؟! إن لك عقلا لست أدري كيف تتمكن من حمله على رأسك.
الزوج: نحن لن نقوم بقتله. فقط سوف نقوم بالتخلص منه ، حينها ترتاحين من ألم البطن هذا ، و نلبي نداء الموت. أ نسيتي بأنه بقي في هذه المدينة شخص واحد؟! وقضاؤنا على الطفل يعني القضاء على الشخص المطلوب للموت .
الزوجة: سوف أقتل نفسي لكي ألبي النداء ولن أسمح لك بقتل طفلي . كيف يمكنك التفكير بهذه الطريقة ؟!
الزوج:. ليس سوى طفل سيموت ويمنحنا الحياة. وبعدها سنقوم بملء بيتنا بالأطفال. نحقق أمنية النداء ، و نضحي بالطفل الذي يمنحنا الحياة، و نعيش ونكمل حياتنا. أفضل لنا من أن يموت أحدنا و تنتهي الرحلة، ثم إنه طفلنا و أنا أكن له ما تملكين من مشاعر و أحاسيس.
الزوجة: لا تقل طفلنا .
الزوج: نعم إنه الفدائي الذي سينقذنا. ولا تحزني فليس هو بأول طفل يموت من أجل البقاء البشري.
الزوجة: لا..لا أستطيع البقاء أكثر.
الزوج: أنتن النساء لا تملكن قلوبا تخولكن تحمل الصعاب لكن سرعان ما تتماشين مع المجريات لذلك أنا من سيوافق بدلا منك. وأوقع معاهدة إنقاذنا من أجل إرضاء النداء .
الزوجة: أنت الذي يجب أن يموت وليس طفلي .
الزوج: ها أنتِ قد بدأت النواح من الآن. لكنك سرعان ما سيعجبك. وما هي إلا أيامٌ معدودات و نأتي بطفلٍ هو أجمل و ألطف و بعقل أكثر صفاء بعيدا عن الضوضاء.
(الصوت: بقي شخص واحد..واحد..شخص واحد يموت في هذه المدينة)
الزوج: لقد عرف بوجود الطفل لا بد لنا من إعطائه الطفل قبل أن يفتك بنا.
الزوجة: لن أسمح لك بذلك .
الزوج: ومن يقول بأنكِ من سيحددُ ذلك؟!

إظلام

المشهد الثالث
الزوج: أ رأيتِ لقد غادرنا بعد أن أعطيناه ما كان يريده ؟ أ لست سعيدة ! أخيرا سوف نعيش سوية بأمان ولا نخاف من الغربان السود ، ما بك ! انظري إلى روعة المكان بعد زواله. ثم إن موت الطفل كان مجرد هدية لنا من السماء استجابة لصلواتنا.
الزوجة: بل كل ما فعلته كان من أجل نفسك. من أجل أن تحيا أنت!
الزوج: نعم لكي أعيش أنا و أنتِ، ولكي أبعد هذا الكابوس.
الزوجة: سبق وأن عشت بدون أهلك. ضحيت بهم واحدا تلو الآخر لم تكترث حينها !
الزوج : ولكنني كنت مجبرا لفعل ذلك . كان الموقف يحتم علي أن أتخذ قرارا حاسما وسريعا لا رجعة فيه ! ثم إن الفرق كبيرٌ بين من ضحيت بهم ، وبيننا.
الزوجة: هيا قم بالكذب مرةً أخرى و قل بأنك ضحيت بهم من أجلي .
(الصوت: بقي شخص واحد..واحد..شخص واحد يموت في هذه المدينة)
الزوجة: تكذب... تكذب... تكذب... لقد سئمت كذبك اليومي . كل يوم و أنت تأتي بكذبة جديدة تضيء بها نور ليلتي ، و في الصباح يكسو هذا البيت رائحة كذبك في أمسه .. ها أنت قلي ماذا فعلت ؟! قتلت الطفل ، وادعيت بأنه سوف يمنحنا الحياة ، وها هي الغربان سوف تعود قريبا . عندها فأنا لا أود الموت. بل أود رأيتها تحملك بعيدا عني .
الزوج: أ أصابك مس من الجنون ؟
الزوجة: نعم جنون كالجنون الذي أصابك بالأمس. (ههههه) لم يبق سوانا أيها البطل . خذ سلاحك هذا.. اقتلني... نعم اقتلني.... وارمني لكلاب هذه المقبرة.. دعها تنهش منه.. فما عدت أرغب في طاعتك..لا أريد أن أراك بعد اليوم.
الزوج: كل فرد في هذه الدنيا يصنع أسلحة لا بنية القتل وإنما لمنع الآخرين من قتله. و إن كنتِ ترين غير ذلك فأنا من يجب أن يموت.
الزوجة : لا أريد منك شيئا بعد اليوم فقط دعني وشأني.
الزوج: أجد بأن حياتي كانت أقرب إلى السعادة منها إلى التعاسة ، أشكر الله على هذا. لا أعلم كيف لي بتهنئة نفسي على جميع تلك الترتيبات المتوافقة.
الزوج: يجب أن أتضاهر بالموت حتى أخدعه ويتركني أنا وزوجتي ، سوف أحاول أن أكسبها بعد ذهابه ، سوف أرقد بجانب طفلي الصغير حتى يذهب.
الصدى : ماذا حدث ، هل مات ؟
الزوجة : أخيرا .
الصدى : ماذا حدث ؟
الزوجة : قتلته بهمه وعجزه وحزنه وها هو أمامك جثه هامدة بدون أن تنهشه الغربان التي خلقتها في مخيلته ، وعششت فيه.
الصدى: أخيرا سوف نحيا بأمان .


تمت.

0 التعليقات:

إرسال تعليق