مسرحيه حلم ليلة منتصف الصيف


تأليف وليم شكسبير

خلق المجنون والعاشق والشاعر من الخيال جميعا:

فأحدهم يرى من الشياطين مالا تسعه الجحيم الشاسعة

ذاك هو المجنون. أما العاشق فهو لا يقل خبلا

إذ يرى جمال هيلين في جبهة غجرية!

وأما عين الشاعر التي تدور في حماس رهيف

فهي تهبط من السماء إلى الأرض ,

ثم تصعد من الأرض إلى السماء,

وبينما يجسد الخيال صور المجهول,

يشكلها قلم الشاعر, ويجعل لهباء العدم

مكانا في الوجود ويمنحه اسما محددا.

فالخيال القوي قادر على هذا الخداع

فإذا أحس ولو بفرح قليل,

تصور مصدرا ما لهذا الفرح ,

وإذا توهم بعض الخوف أثناء الليل

فما أيسر أن يتصور الشجرة دبا مفزعا!

شخصيات المسرحية


1- كلوديوس : ملك الدانمارك .

2- غرترود : ملكة الدانمارك ( أم هاملت ) .

3- بولونيوس : وزير الملك كلوديوس .

4- ليرتس : ابن بولونيوس .

5- أوفيليا : ابنة بولونيوس ( حبيبة هاملت ) .

6- هوراشيو : صديق هاملت .

7- حفّار القبور
المشهد الأول

موت هاملت

أريتم ماءً يقوى على ماءٍ ؟

يظهر المشهد الأول في بلاط الملك كلوديوس ، تجلسُ حوله أو معه حاشيته وقد خيم على المشهد الحزن تأثراً بموت الملك السابق ( .

صوتٌ ( من أعماق المشهد ) : آهٍ .. ليت هذا الجسد الصلد الشديد التجلد ، يبلى ويتحلل حتى يستحيل ندى .

يا إلهي .. لشد ما تبدو عادات هذا العالم باليةً عتيقةً ، لا تستساغ ولا تجدي نفعاً ألا.. تباً لهذه الدنيا .. تباً لها .

( موسيقى حزينة تمهد لبدء المشهد )

كلوديوس : هكذا إذن قضي الأمر ، نصفٌ من مشاعرنا يقطرُ حزناً ويرتدي سواداً على موت أخينا .. ونصفٌ يلتهبُ تطلعاً لما ستؤول إليه مصائر المملكة ومصائرنا .

ولو كان بالإمكانِ لأبكينا عيون الدهر كلها وأدمينا عيوننا على ما جرى .. ولكن لنا غير العيون قلوباً تخفقُ رغم الحزن وآذاناً لا تعرف كيف تتألم وأنوفاً وأرجلاً .. و والله لو أننا شعرنا ، ولو لبرهةٍ من الزمن ، أن انقطاع كل ذلك عن ما فيه سيعيدُ لنا أخانا لرمينا بأعضائنا في قبره فينهض هو ونذهب نحن فديةً له . ولكننا صبرنا ورأينا أن الصبر على هذا أجدى ، فتقدم قمرٌ وتقدمت شمسٌ ففتحنا ظلامنا بالنور ورأينا أن من الحياةِ ما يفيض على الموت ويضخّ به الخضرة فأدركنا أن لنا مملكةً لابد من تدبير أمورها وتمكين شعبها من عيشٍ رغيد .

بولونيوس : خليقٌ بمولانا الملك ، بعد أن أقام بواجبات الأخ والوريث لمليكنا السابق ، أن يرى المستقبل بأعين مفتوحةٍ وأن يُسعد شعبه ويضاعف ما تتمناه القلوب ويختزل ما تبغضه الحواس .

كلوديوس : سننصرف بكل ما نملك لخدمة المملكة .

بولونيوس : سيحصل هذا لو أن مولاي أمسك بزمام أمره بما يجعل الحياة هانئة فتطمئن النفوس وتستب المشاعر .

كلوديوس : فماذا نفعل يابولونيوس .

بولونيوس : إكمال نصف العرش والأخذ بيد مليكتنا إلى شرف مقامك ليزول عنها همّان : همّ فقدان القريب وهمّ الابتعاد عن قلب المُلكِ ومركزه .

كلوديوس : لقد عزمنا أن نتخذها زوجةً لنا فيما يشبه إجلال أخينا فرحاً وحزناً وازنين الغبطة والشجن في كفتين متساويتين ولكننا آثرنا أن لا نعلن ذلك للناس حتى يأتي ابن أخينا ووريثنا هاملت عائداً من ( وتنبرغ ) ليأخذ مكانه بيننا ويقوم بما عليه من واجبات في قيادة المملكة .

( يلتفت إلى ليرتس )

والآن .. أخبرني ياليرتس ما الذي جئت به إلينا التماساً .

ليرتس : إذا سمح لي مولاي فإني على وشك الرحيل بعد أن جئت من فرنسا وأكملتُ ما يليق بتابعٍ مثلي لمولاه الملك من مراسيم الولاء والتتويج ، إنني ألتمسُ الإذن لي بالعودة إلى فرنسا .

كلوديوس : هل استأذنت أباك ؟ ماذا يقول بولونيوس ؟

بولونيوس : تمنيتُ أن يبقى معنا لكنه لا يقوى على ذلك فقد اعتصر مني قبولاً في الرحيل فأرجو أن تأذن له يا مولاي .

كلوديوس : كما تشاء ياليرتس .. اذهب متى أحببت .

( يقوم بولونيوس فيستلم رسالة يأتي بها ويقدمها إلى الملك )

بولونيوس : رسالة عاجلة أرسلها لك قائد سواحل الدانمارك يا مولاي .

كلوديوس : ليكن خيراً ما بعثه لنا .

( يفتح الرسالة ويقرأ فيقوم من عرشه ويسقط من يده صولجانه ويبدو عليه الأسى والحزن الشديدين )

كلوديوس : يا للسماء .. هل تريد امتحاننا فتزيدنا أذىً فوق أذىً وتجزّ قلوبنا من عروقها فتفقدنا كلّ من نحب ، عسانا نقوى على حمل سيوفها على رقابنا .. ونسأل الله أن يمنحنا صبراً جميلاً نخيط به ما تمزق من شغاف القلوب .

أيها الحاضرون وأخصُّ ذكراً سيدتي الملكة .. لقد وصلني الآن خبر غرق السفينة التي كانت تقلّ هاملت من ( وتنبرغ ) إلى مملكتنا ليشاركنا مأساة أبيه وتتويجنا ، والعثور على جثته غريقاً بين الأموات .. فيا لفجيعتنا في الغصن الذي رعيناه من شجرتنا على أن يكون قوةً تلازمنا وشجرة ترثنا بعد موتنا ولكن الأقدار لها الحكمة فيما أرادت .. فصبراً جميلاً سيدتي .. ولينشر السواد ثانيةً .

( تتهالك الملكة على كرسيها بعد أن تعلو منها صرخة حادة عند سماع بداية الخبر وتبكي بشدة ) .

الملكة : أي هاملت حبيبي .. أي هاملت ولدي وضوء عيوني

كيف انزلقت من عليائك ولفّكَ قاع الماء ؟ ألأنك مطرٌ فلاقيت أخاك البحر ************************************************** ************************************************** ***************! ألأنك الغيمة المترفة الحنون وطابَ لكَ أن ترفَّ على أصلك .

أي هاملت حبيبي ..

كيف سقطت وأنت الغابةُ ! .. وكيف سقط منكَ كلّ هذا السوسن النعسان والورد المخضب ، ألأنَ فيك كل شلال الحزن هذا حتى ضربت الماء وتفتت فيه !!

أوَ هاملت يصارع الماءَ فيفنى .. أرأريتم ماءً يقوى على ماء !

أوَ هاملت رمادٌ ونحنُ خشب صلفٌ أجردٌ !

أوَ هاملت ترابٌ ونحنُ رخامٌ شديدٌ صارمٌ باردٌ !

كم ربط جنانه بقوة الثمرة وكم فاق الوردَ رقةً والنسيج دقةً !

أيها الحاضرون .. والله لنكوننّ عرضةً لرذاذ الموت يسقط علينا فلا نشعرُ به ويخطفنا فلا ندري وستحلُّ لعنةٌ أبدية على هذه المملكة حتى ترون بعيونكم أن صغيرنا ينزلق إلى الهاوية قبل كبيرنا .

سقط دمٌ من السماء فتلقفوه ، واهتزت المملكة ُ بحجرٍ ضربَ القلوبَ قبل البيوت وهزّ المرابع قبل المدافن .. فاستعدوا لرمادٍ يقفلُ عليكم الآفاق .. وترابٌ يملأ الصدور .

أفهاملت ولدي يتساقطُ بين أيدينا كأوراق شجر الخريف ونحنُ شجر الخريف لا نهتز أو نلتفت .

أفهاملت يتشظى ونحنُ نتماسك صلفاً وغروراً وحباً للجاه .

أيتها الأرض اهتزي بما عليك .. أو سأهزكِ .. سأهزكِ وأهزأُ منكِ .

( تبكي .. )

* http://im1.gulfup.com/2010-11/12887106101.gif

المشهد الثاني


حيرة أوفيليا

لقد احدودبنا لفرط ما انحنينا


( في منزل بولونيوس حيث يكتمل شمل عائلته هو وليرتس وأوفيليا ) .

بولونيوس : لقد قضت الأقدار أن نعيش هكذا وسط محاجن الموت تسوقنا أقدامنا نحو مصائر تائهةٍ .. ولم يخطر في بالنا أننا نجتاز غابةً من السهامِ قد ينطلقُ علينا واحدٌ منها في أيةٍ لحظةٍ ويقتلنا .. فمن كان يتصور أن يموت هاملت الأب حتى يتبعه هاملت الابن فيما يشبه السقوط بعد عثرةٍ إلى الهاوية .

ليرتس : من كان يصدق أن هذه السلالة الكريمة من الناس تنفرط دون أن يخلفها أثر كريم يمدّ الصلةَ بالصلةِ ويزيد غدق مطرها علينا .

بولونيوس : من قال أنها سلالة كريمة ياليرتس ، أظنك مازلتَ بعيداً عن فحص هذه الأمور وتحديد مرهفها والتثبت من صحة أهوالها ، غراً مازلت على أن تطلق أحكاماً وتحدد جهات قصد صحيحة .. وأظنك لذلك لا تستطيع حمل الثقيل من الأسرار والمشي بها إلى أهدافها .

ليرتس : فلماذا كل هذا يا أبي ؛.. هل تخفي أمراً عني يذهب بك إلى هذه الأقوال .. أفصح .. إن كان ما تخفيه حريّاً بأن يحملني شرف القيام بفعل نبيل .

بولونيوس : لا أظن أن الوقت قد حان .. ولكني سأتقدمُ إليك برجاءٍ أرجو أن تثبت لي بأنك بتنفيذه ستكون أهلاً لما سنحتمل وزره في الأيام القادمةِ يا ولدي .

ليرتس : خادمك أبد الدهر يا أبي .

بولونيوس : أما وقد مات هاملت الذي كان صديقاً لك عن بُعدٍ تختلف عنه في رقة الطبع ومكنونات الداخل وجلد القلب ، وقد انبسطت أمامنا ساحة صراعٍ جديدة لم أكُ أحسب لها حساباً ولم تكُ لتنفرج بهذه السعة ، فأرى يا ولدي أن وجودك إلى جانبي بات ضرورياً أستعين به على بعض الملمات .

ليرتس : لقد فكرتُ بالأمر قبلك يا مولاي ورأيتُ أن ملازمتي لكَ في هذه الظروف أهم من طلبي المزيد من العلم .

بولونيوس : نِعمَ الرأي يا ولدي ، وسيكون هذا توطئةً لسرٍ عميق أحملهُ في أغواري أبثهُ إليكَ عن حبٍّ بعد وقت وعندما أرى ذلك مناسباً .

ليرتس : لتكن يدي سنداً ليدك يا أبي وليكن وجودي ساراً لمولانا الملك ومقبولاً عنده .

بولونيوس : أترك الأمر لي .. سأخبره بذلك .

( تدخل أوفيليا صامتةً مطرقةً حزينةً )

أما أنت يا أوفيليا فأنا أقدّرُ ما كنتِ تحملينه لهاملت من لطفٍ ومودّةٍ وأرى أنكِ جديرةً بالمواساة ولكن ليس إلى الحد الذي يجعل منكِ بمثابةِ الأم أو الأخت أو الزوجة بل هو مقام استلطاف كما أسلفت .

ليرتس : لا تحسبها أكثر من ذلك .. مجاملةٌ ونزوةٌ في الدم .. بنفسجةٌ في ريعانها تُقبلُ ولا تدوم ذكية غير باقية . شذىً وطراوة هنيهةٌ لا أكثر .

أوفيليا : أذاكَ ولا أكثر !!

ليرتس : كان يحبكِ .. مَنْ قال أن هذا الهوى هو الذي أصاب الحقيقة ، ومن قال أنه لو استمر لم يكن ليلطخ ثوبك ببعض أشواكه ، هوىً .. لم يكن أفصح من هذه الغيوم ولم يكن أشد وعداً بالمطر من هذه النسمات ، ولم نكن نعرف ما غايتهُ سوى ما تبثه أشواق الريح على مكاتيب طائرة من هناك إلى هنا هوىً لم يكن أفصح من خطوط الكف هذه يفسرها كل واحدٍ كما يريد ..

افصلي عواطفكِ عن عقلكِ واجعليه يراها من علٍّ ويسوسها، زني الناس بما يضعوه في ميزان عقلكِ واجعلي قلبك خارج الميزان ولا تخشي التراجع هنا أو هناك إذا كان في ذلك ما ينفعكِ .

أوفيليا : سأضعُ نصحك هذا يا أخي في مكان أمين لا تصل إليه الأيدي ولا تناله العيون ، ولكن ضع يدك مكانها وعينيك في المحاجر ، أما أنا فسأحنو على جروحي وأرعاها .

بولونيوس : ارفعي من قدر نفسكِ وأعلمي إنكِ من أرومةٍ عظيمةٍ وخليقٌ بأعظم من له شأن في هذه المملكة الركوع بين قدميكِ.

أوفيليا : قوتي ليست في نسبي بل بما أحملهُ من نفسٍ مطمئنةٍ مؤمنةٍ وأنا مرتفعة الشأن بجوهري الذي أشارك فيه بنات حواء بل أعتقد إني أسرفتُ في تغذيتهِ وصقلهِ .

بولونيوس : لا أشك في ذلك يا ابنتي .. فأنتِ على قدرٍ عظيمٍ من التعلم والتهذيب .

أوفيليا : وقوة الروح يا أبي .

بولونيوس : وقوة الروح يا ابنتي .

أوفيليا : لا تلوماني إذن في بعضِ عاطفةٍ حملتها لهاملت حين كان هنا أو في ورقٍ كان يبعثه لي من ( وتنبرغ ) .. لقد كنتُ أعوّل على ما تفرد به هاملت عن شباب الدانمارك من حساسيةٍ مرهفةٍ وتوتر في الخاطر يناسب طبعي .

ليرتس : أما وقد ذهب هاملت فعليك أن توفري ذلك لمصلحةِ عائلتكِ .

أوفيليا : لكما حقل تخوضان فيه غير الحقل الذي أخوض فيه .. فأسعداني في تركي أنسج وشاحي لأتغطى به من شرور العالم وخرابه .

( يخرج ليرتس و بولونيوس وتبقى أوفيليا لوحدها )

أوفيليا : لماذا تركتني يا هاملت وحدي أغرق في أنصاب الفتن وأخوضُ في برك النزوات التي تصورها لنا نفوسنا على أنها فتوحات آفاقٍ وكسر سواتر وخلق مصائر .. لقد دخلت بطوننا لُعقُ الحرام وتشبعت نفوسنا بأرجاسٍ وأرجاسٍ وتزينت بالتالف من شدة الشرّ الذي هو آخذ بها إلى الهاوية .

لقد احدودبنا لفرط ما انحنينا وصارت شمائلنا عبّارة نارٍ ، أو خادنة شهوةٍ أو غراب .

لماذا تركتني يا هاملت .. أما كان يمكن أن تبقى معي لحينٍ أو تترك معي شيئاً منك أستعينُ به على ظلماتي ولكنك هبطت في الماءِ كأنك سفينة النور كلها ،فأظلمت حولي وأرعدت وأبرقت فضربَ الدم الأرجاء وأقفرت المملكة من كل حبٍ ورجاء حتى ثار حولي أخي وأبي ولمحتُ فتنةً طالعةً ستنصب رحاها ..

لماذا تركتني وحدي .. وماذا سأفعلُ بديكةٍ يطلع عليها الصباح فلا تصيح . هاملت وريث النجوم الذي اندثر في التراب .. فراشة هذه المملكة وزهرتها .. لقد سقطت حولك الأغصانُ خاشعةً وانهمر نورٌ شاحب على محياك .

لقد أخذك البحرُ الذي هو أوسع وأرقى من هذه المملكة .. سقطت راية المعرفة والهوس والجنون والجمال من يدك في البحر .. كانت المملكة تطردك وكانت تدفع إليك بأمواجٍ مهلكة .. مملكةٌ لا تحب طرازَك .. عارفٌ .. لمّاحٌ .. قلقٌ .. جميلٌ .. مملكةٌ تحب القبحَ والثباتَ والجهل .
المشهد الثالث

هرب هوراشيو

دعيني لذاتي أنغلق عليها و تنغلق عليّ

أنا مثل السلحفاة في دفاعي عن نفسي


( يدخل هوراشيو فيجد أوفيليا .. )

هوراشيو : رفقاً بشذى مولاتي الذي حجبته أقدارٌ مدبرةٌ عجيبةٌ .

أوفيليا : كيف تلقّى الأصدقاءُ خبرَ موت هاملت .

هوراشيو : بالكثير من الأسى والقليل من الصبر .. يحدوهم أملٌ أن يأخذ العدل مجراه وأن تستتب الأمور في نصابها .

أوفيليا : أيّ نصابٍ والأقدار لا تتركُ لنا فرصة معرفة الخطوات القادمة فالليل يزداد حلكةً والنفوسُ اليومَ ، بوفاة هاملت ، أشد اضطراباً منها عند موت أبيه ، لقد كان الملك والأمير مثل نورٍ في غابة الدانمارك هذه .

هوراشيو : لكن قيمهما باقية ويمكننا التمسك بها للنهاية .

أوفيليا : فرقٌ كبير يا هوراشيو أن تجد تلك القيم في شخص فنراها في منازعاتها لأضدادها وأن نجدها مجردة في كلمةٍ أو كتابٍ أو ذكرى .

هوراشيو : الأفراد ينفذون إراداتٍ مطلقةً ويذهبون ، وما هاملت أو أبوه إلاّ محطات صغيرة في أقدار كبرى ترسمها الطبيعة لنا .

أوفيليا : فإذا فوّضك القدر ياهوراشيو أن تكون بديلاً عن هاملت في تنفيذ إرادة الطبيعة وحكمها فهل تقبل .

هوراشيو : لا .. لا أستطيع ذلك ولا أريد أن أكون بيدقاً مزيفاً إن لي دوراً ترسمه طباعي وحواسي وعلاقاتي وقد لا أكون عظيماً ولكنه على أية حالٍ يقع في الصلب مما أنا فيه .

أوفيليا : لقد أتت بي وحشة الليل هنا ، وقد أقلّني قلقي وحيرتي على أن أسمع ما يبلسم جرحي وما يخفف النار في نفسي وقلتُ أرى هوراشيو أكثر الناس صلةً بحبيبي وأدقهم تصويباً بعقله ورجاحة انتباهه .. و ها أنا أرى عوداً وجلاً مرتجفاً من معاول القدر .

هوراشيو : مولاتي !

أوفيليا : بماذا إذن كنت أنت وأصحابك تتحدثون .

هوراشيو : لا حديث للمملكة غير الأسى والنفاق .. الأسى على فقدان الهاملتين الأب والابن ، والنفاق على تكريس الملكين الأخ والزوجة . فأين ترى مولاتي نفسها .

أوفيليا : في أقرب ما كان عليه الهاملتين ، وفي أبعد ما صار عليه الملكان ، ولقد دفعت بنفسي بين ما زهد عنه هذان وما طمح إليه اللاحقان .

وأنت ياهوراشيو ألا ترمي بأثقالك فترقى وترتفع من هاويتك فتكون .

هوراشيو : أحاول أن أكون جديراً بما يريده الوقت مني .

أوفيليا : ألا ترقى ؟

هوراشيو : أليس في ذلك رقيٌّ وعلّو .

أوفيليا : بل فيه اندماجٌ وانحطاط وانجرارٌ إلى هذه الضفة أو تلك أعني ألم يكن بإمكانك الترفع واختطاف الأعالي .

هوراشيو: لا أعرف ما تعنيه مولاتي .

أوفيليا : لماذا لا تجسّ كلامي ؟ لماذا لا تجسَّ المعنى ، جسّهُ كما تجسُّ عيونُكَ غيمةً حبلت بالمطر أم لم تحبل ، وافتح القاموس ببصيرتك .

لقد آن الأوان أن تصبّ نبيذاً حاراً في هذه الكؤوس الباردة وتجعل الجميع يشربون منها .. حتى أنت .. إشرب أيها الغافي .

هوراشيو : مولاتي !

أوفيليا : لقد تدافعت خطواتي كالسيل إليك .. ورسمتُ الأرضَ على كفي وقلتُ قبضتُ عليها .. و ها أنت بلا عناء أو فرح أو حزن فطبْ نفساً أيها الرخيم واهنأْ أن لك جسداً لدناً لا يُخدش وأن لك فراشاً لا تندعكُ شراشفهُ .

هوراشيو : إن لي إحساساً غامضاً مريباً ومخيفاً بما سيحصل في هذه المملكة ، وإني لا أود أن أكون هنا حتى لا أشترك في أية مهزلة من المهازل وإني لأشم رائحة الدم تطغى وتعلو ويرفّ سلطان الموت أشهى وأمرَّ من رغيف الخبز ، فدعيني سيدتي لذاتي أنغلقُ عليها وتنغلقُ عليّ مثل صَدَفةٍ ، أنا مثل السلحفاة في دفاعي عن نفسي تحت درعي المتقرن ، مبطئٌ مثلها إلى أهدافي وتوابٌ رحوم مع الطريق الذي أسدلُ عليه أقدامي .. فاسمعي رمادي أوفيليا اسمعي موسيقى الذهب التي أعزفها بعيداً عن الدم الذي يعزم عليه الجميع .

أوفيليا : وما الذي ستؤدي إليه موسيقاك هذه .

هوراشيو : إلى الحركة الأخيرة .. وطي النوتةِ وإخفاض عود الإشارة ، والرحيل بعيداً عن هذه المملكة .

أوفيليا : تريد أن تهرب أذن ؟

هوراشيو : تُسمينَ المعرفة العميقة هرباً !

أوفيليا : ولا شئ سوى الهرب .

هوراشيو : أنتِ ، لا أنا ، منذورة لخيط من خيوط الفاجعة فتمتعي مع القدر الذي يدسه في النسيج .

أوفيليا : أنتَ ، لا أنا ، الذي عظمت بعينه حياة الهامش والخلاص بسلامة الجسد .

هوراشيو : لقد افترقنا إذن .

أوفيليا : و هاملت الذي مزقه الماء !.

هوراشيو : فأين هو هاملت حتى أعرف ما أريد وما لا أريد ، ولماذا أوضع ، دون الآخرين ، نِدّاً لحشود مجهولةٍ غامضة ستظهر بعد حين .

أوفيليا : لقد تراجعت كثيراً .

هوراشيو : أرحلُ يا أوفيليا خارج الدانمارك .. و عساني أعودُ ذات يومٍ عندما يهدأ كلُّ شيء ، فأنا لا أريد أن ألطّخ يدي حقاً كان السبب أم باطلاً .

لن أغلي بعد الآن كما تغلي الأنهار .. وسأطوي فمي في جيوبي وأضع سيفي في حقائبي .. هكذا وضعتني الأقدار أشمّ رائحة الأقدار القادمة .. فلماذا لا أذهبُ .. أنا الذي لا أملك من هذه الدنيا سوى جلدي هذا أرتقُ به جسداً ذاوياً وأدرأُ به روحي من أمطار الشر والرذيلة .

لا صلة لي بالقبح .. لا صلة لي بالخطيئة .. لا صلة لي بالعقاب.

أوفيليا : هوراشيو

هوراشيو : وداعاً ( يخرج ) .

أوفيليا : اختفى كوكبٌ يشبهُ قلبي .. نبضَ .. ونبضَ حتى أكله الظلام .. أليست هذه هي النهاية .. نعم .. لا جدوى لا جدوى أبداً .

أعلّمُ مَنْ .. وأقولُ لمن و أشكي لمن

ولماذا .. لماذا نفعل الذي نفعلهُ ، أليسَ بوسعنا أن نسأل أنفسنا ونسأل الآخرين : لماذا كل هذا ؟

هاهو القدر يتشقق أمامي ويصيح بي : دعيهم .. دعيهم حطباً لي أو فلينحدروا بعيداً عن مرماي ..

حتى هوراشيو هرب .. هذا الذي كان أقوى من تحركهُ مخاوف السطح فأقفل عليها ورحل ..

موتٌ يجرنا في السطح .. موتٌ يجرنا في الأعماق وفي الحالين نترك خلفنا الأخطاء ولا يبقى إلاّ نشيد الكلمات الخافق الزائل المبدد الملتبس .ا
المشهد الرابع


الملكة و أوفيليا

المرأة و المرآة
لقد حصل كلّ هذا بسبب نزوة امرأة
( في بلاط القصر .. أوفيليا مع الملكة ..)

أوفيليا : لاشك سيدتي أن الشجرةَ عندما تفقدُ ثمارَها وأوراقَها تغدو عليلةً كابيةً تطمح إلى الأرض ولا تجد ما تشهق به إلى أعلى .. وأنتِ العزيزةُ الحانيةُ الرؤومُ .. هبطت عليك قسوة الأقدار كالمطر .. هوّني عليك سيدتي وتضرعي بالصبر .

الملكة : أرأيتِ يا أوفيليا كيف إننا فجعنا بالحدث الأول حتى انهالت علينا سيوف الثاني فنجونا مرهقين مثقلين بالموتِ في أعماقنا . إني لأود اللحاق بهما على البقاء تحت ما يمطرانه عليّ من الأسى والألم .

أوفيليا : لقد كان هاملت وشاحَ هذه المملكة الرقيق ونبضَ وجدانها فما من زهرةٍ في برِّ الدانمارك إلاّ وانتظرته وما من سحابة إلاّ وجمّعت الأمطار له .. لقد كان هاملت مثل قبسٍ مُدلى من السماء .

الملكة : خبريني يا أوفيليا .. لقد لمست من بعيدٍ ما كانت تفوح به مشاعركِ من ودٍّ لهاملت وإني لأودُّ سماعَ ذلك منكِ .

أوفيليا : نعم سيدتي .. كنتُ سأقول لكِ بأن الذي بيني وبين هاملت كان كبيراً وقد كنت أبادله حباً أحسدُ نفسي عليه .

الملكة : وهل تحدث لك هاملت بشيءٍ من هذا ؟

أوفيليا : نعم سيدتي .

الملكة : ما الذي قاله ؟

أوفيليا : لا أتذكر كلامَهُ بالتفصيل .

الملكة : أرجوكِ .

أوفيليا : حسناً سأقرأ لكِ بعض ما ورد في آخر رسائله لي .

( تخرج رسالة مخبأة وتقرأ )

( هل للكواكب نارٌ في العُلى ؟.. تساءَلي

هل دارت الشمسُ يوماً في الفضاءِ ؟.. تساءَلي

أيكذب من قال الحقيقة ؟.. تساءَلي

ولكن عن هواي ، حبيبتي ، لا تسألي ) ]

الملكة : أواه .. ولدي حبيبي .

أرأيتِ كم هو عذبٌ رقيقٌ هاملت !.. هل لامسكِ أعني هل اقتربَ منك ؟

أوفيليا : إنهُ أرقُّ مما يمكن لامرأةٍ أن تتصوره ، فقد وهبتهُ الأعالي لمسة أصابع ساحرةٍ وفماً مرتجفاً ووجهاً ساحراً كأنه وجه قدّيسٍ أو شاعرٍ متعبد للجمال . لقد كان سيدتي معتاداً على تقبيل يديّ وحضنهما تحت فكيه .. وكان أحياناً يداعب شعري بأصابعه .

الملكة : فيكِ إذن رائحةٌ منه .. دعيني أيتها الفاتنة أضمّ كفيكِ تحت فكي وأداعب شعركِ .

دعيني يا أوفيليا أحضنكِ وأتلمسُ جسدكِ علّني أحقق رغبة لم يصل إليها هاملت فأوصلها له فأشعر بذلك أنه مازال حياً يتدفقُ فيّ وفيكِ .

( تحتضن الملكة أوفيليا وتفزع مندهشةً )

ما هذا يا أوفيليا .. رائحة الماء في ثيابكِ .. أهي رائحةُ هاملت أم مصيُركِ .. إني أشمُّ الماء الآن يسري في طياتِ ثوبِكِ وكأن ذلك آتٍ من زمنٍ آخر أو مكانٍ آخر . ]

أوفيليا : سيدتي .. لقد ذهبتِ بعيداً وأرجوكِ أن تحترسي من نفسكِ ومن الهاوية التي يقبل عليها جسدُكِ أو عقلُكِ ، لقد رحل هاملت ولكنه يتردد علينا في الأعماق ، نحنُ أقرب الناس إليه .

الملكة : ولكني أشعر لو أني بكيت الدهر كله لما أوفيته حقه .

أوفيليا : لأنكِ أمه .

الملكة : بل لأني سببُ موتِه .

أوفيليا : ولكنه غرقَ بعيداً عنا يا مولاتي .. لاشك أنك متعبةٌ ولا تعرفين ما الذي تريدينه .

الملكة : بل أعرف كلَّ شيء .. نعم أعرفُ كلّ شيء

لقد مات هاملت غرقاً .. وكأنه افتداكِ أو افتداني يا أوفيليا .

أوفيليا : وهل كنتُ سأموتُ غرقاً لو أنه بقي حيّاً .

الملكة : نعم تموتين غرقاً .. وأموتُ أنا غرقاً بدمي أو بسمي ، نعم يا أوفيليا ، إنني أرى كلّ شيء الآن .. ولقد حصل كل هذا بسبب نزوة امرأةٍ .

أوفيليا : من هي يا مولاتي ؟

الملكة : أية امرأة .. ربما كان ذلك بسبب حواء .

أوفيليا : لأنها ناولت آدم التفاحة .

الملكة : بل لأنها ناولت الملك التاج .

أوفيليا : سيّان إذن ، التفاحة والتاج ، الخطيئة مازالت تسري بنا وما زلنا نقفز من واحدة لأخرى ولكن الثوب هو الذي تغير .

الملكة : نعم الثوب .. ثوبكِ الذي ينتشر على الماءِ وهناك صفصافة مالت بفرعها فوق غدير يعكس أوراقها البيض .

أوفيليا : مولاتي .. عماذا تتحدثين !

الملكة : هكذا غرق هاملت فانتشرت ثيابه على الماء وحمله البحرُ برهةً من الزمن جعلته يغني مقاطع من ألحانٍ قديمة .. كان لا يعي محنتَهُ أو كان من أهل الماء وقد عُوِّد عليه .

لا فرق بينكِ وبين هاملت جسداً ومصيراً . بل لا فرق بيني وبينكما والملك .. كلنا ذات واحدة تتعـدد جهات النظـر إليها فتبدو هنا غرترود وهناك كلوديوس وهنا أوفيليا وهناك هاملت .. أننا نتعدد في مرايا الكون .. أما أمام بعضنا فكل واحد منا مستقل بذاتهِ .

( تخرج أوفيليا )
المشهد الخامس

مصرع غرترود

ألا ترى بأني تحولت إلى عنزة تخلط التراب بالعشب و تحنو بطول الطاعة لراعيها


( يدخل الملك بعد خروج أوفيليا فيتجه صوب الملكة )

الملك : هوِّني عليكِ يا سيدتي فلقد فقدنا معاً أعزّ ما يمكن أن نملك.

الملكة : أوَ تحسب أن هناك من يتنصت علينا حتى تتكلم بهذه الطريقة .

الملك : كلا .. ولكننا لم نرسم نهايةً كهذه .

الملكة : بل رسمت البدايةَ فسارت إلى نهايةٍ كهذه ومازالت تسير .

الملك ( بصوت منخفض ) : لم نكن سبباً في موته .

الملكة : بل كنّا .. إذ لولا ما فعلناه لما قطع هاملت دراسته وقدِمَ إلى هنا فغرقت سفينته في عرض البحر .

الملك : أقدارٌ مكتوبة ولا فرار منها .

الملكة : بل أسرارٌ مكتومةٌ تحت السطح تفعل كلَّ هذا الذي يبدو ظاهراً للآخرين .

الملك : لقد أصبح كلُّ شيءٍ بين يديكِ .

الملكة : وبين يديكَ أيضاً ، أما أنا فجثتان لزوجي وولدي بين يدي.

الملك : ومملكة الدانمارك .

الملكة : كانت بين يديّ أيضاً .

الملك : فقد أنكرتِ حبَنا إذن .

الملكة : أين هو حتى أنكره ؟

الملك : في الصميم من أعماقنا وفي الأسرار التي تركناها وراءَنا تشكلُ نكران ذاتٍ منكِ وتضحيةً مني .

الملكة : بل خيانةً مني وغدراً منك .

الملك : لا يمكن لكِ يا غرترود أن تفكري بهذه الطريقة ولن أسمح لكِ أن تعفِّري القمةَ بترابِ الحضيض .

الملكة : لقد قلّبنا أعمق الآبارِ بذيلي أفعى كان يظهر أحدهما من قلبي والآخر من يدك حتى بدا الحرامُ حلالاً وحتى حزّت سيوفنا عنقَ الطبيعة السويّ فتهدل رأسها على صدورنا وبئنا بحملٍ ثقيل لن يهدأ قرعهُ في نفوسنا حتى نُطربَ دمنا برنين السماء وحتى يتقاتل فينا العضوُ مع جاره ونمتلئُ عقاباً .

الملك : لم نقتل هاملت بل مات غرقاً .

الملكة : ومن قال لكَ أن المسألة ستتوقف عند هذا الحدِّ ، أتعرف ما يمكن أن يجرّه موتُ رجلٍ واحدٍ شريفٍ قُتل ظُلماً على مملكة بكاملها . لقد قتلنا أنفسنا يا كلوديوس .

الملك : أنتِ مرهقة يا سيدتي ولابد أن تنالي قسطاً من الراحة .

الملكة : ما الذي يمكن أن يكفّرَ الآن عن ما فعلنا ؟ هل مناصٌ أعمى أم خلاصٌ مدمّى أم معاذ هزيل أم ملاذٌ فوق الهاوية .

إمهلينا أيتها الملائكة واضربي بالقيدِ القيدَ وانشري بالصبر الأملَ وترفّقي أيتها الأقدارُ بامرأةٍ تِلْعابَةٍ مثلي .. وتعالي يا أهوال برفقٍ إليّ تعالي .. يا أهوال .

الملك : سيدتي .. كلُّ وردٍ خاشعٌ لكِ .. وكلُّ قمرٍ عليلٌ بعلّتكِ لم تتركي العرشَ حتى اصفرَّ وذبُلَ ولم تهِني حتى انكسرت الأيام حولكِ تبكي ..

الملكة : سننتظرُ عقاباً أقسى وأمر .

الملك : ولِمَ !؟

الملكة : لقد إستبحتَ المحرماتِ وزيّنتها لي فقامت خُطاي إليك فانزلقتِ العفةُ والطيبةُ في الوحول .

الملك : أنتِ معي اخترتِ هذا الطريق .

الملكة : لقد قتلت زوجي وسحب إثم رضوخي لك هاملت فصرعه ولابد أن أتطهر من آثامكَ .. سأظلّ أعترفُ أمامك وأمام نفسي حتى أشعر بأني تخلصتُ من هذا الشوكِ الرابضِ في صدري .

( تمسك صورة صغيرة معلقة في قلادتها للملك هاملت وتريها له )

أنظر إلى هذه الصورة .. ألا ترى قديساً وسمتهُ السماء بكل معاني الجلال والجمال و بدا أنه مزيجٌ من الملائكة والبشر .. أنظر إلى النور الذي يتلألأ في جبينه كيف يملأ الصدور .

( تمسكُ مرآة يدٍ بقربها وتقربها من الملك )

والآن أنظر إلى وجهك .. ألا ترى وحشاً من وحوش البرية ، ألا ترى شوكاً وحسكاً وقد تهدل على جبينك كلُّ رذيلٍ وزينت تاجَكَ الأفاعي .

الملك : لقد تماديتِ يا غرترود وأنتِ تعرفين بأن الملك حيلةٌ لا منظر وأنا أكثر حيلةً من أخي ، أما بقية ما ذكرتِ فدعي الوقت يمرُّ حتى أريكِ منها فنوناً وستندهشين .

الملكة : لن تستطيع سوى دفعي إلى مزيدٍ من الاعتراف .

أيُّ شيطانٍ غرر بي ، أي رجلٍ له بصرٌ ولا بصيرة ، وأي أُذنانٍ سمعتا عزف الخراب ، رباه ماذا دهاني ، ذهب زوجي و قلت لا صلة لي به سوى الوعد .. ولكنّ لحمي و دمي في هاملت، حين غرق أحسستُ بالاختناق وأحسستُ سكاكين الماء تطعن كلَّ ما فيّ .

رباه .. دعني أعترف أمام قاتلي و قاتل زوجي و ولدي .

رباه .. هيء لي قوةً في الأعماق لكي أصل إليكَ مثلما سلبني الشيطان قوةَ الفضيلةِ فركعتْ .

الملك : لقد أصبحتِ لا تطاقين يا غرترود .

الملكة : لا شك بأني سأحتاج إلى كاهنٍ لأكمل اعترافي أمام الله .

الملك : أنتِ تذهبين بعيداً وتريدين لسرِّنا أن ينتشرَ في المملكة .

الملكة : لابد أن أفعل ذلك .

الملك ) ينتزعُ حبلاً من السرير أو من الملابس و يحاول أن يلفهُ على رقبتها ( : بل لابد أن تموتي .

الملكة : كان يجب أن أعرف أن الذي يخون أخاه لا يأبه لامرأةٍ ساقطةٍ مثلي .. إنني أتلقى حسابي و ثمن فعلتي النكراء وإني لراضيةٌ بها ، لو إنك استطعت قتلي ألف مرةٍ لكنتُ مستحقةً لذلك . لقد زينتَ حياتي بالرماد والتمع سمُّكَ في هضابي وألقت السحابات السوداء بُروقها في دمي .. ألا ترى بأني تحولتُ إلى عنـزةٍ تخلط التراب بالعشب و تحنو بطول الطاعة لراعيها حتى وصلتُ إلى هذه الهاويةِ .. فتعساً لما فعلت و ذلاً لأثري معك .

الملك : ( يخنقها بالحبل .. ويطرحها أرضاً )

الثمارُ لي والجذور والسيقان والأحجار لغيري .. هذه الآفاق تشمُّ رائحتي فتتفتحُ ألفُ صنوبرةٍ ناعمةٍ ، ليس أمامي سوى التقدمِ و فتح العيون إليّ و لثم الكحل الذي به يتكحلون وشتم الفجر الذي يمسح غفوتهم .. سـأريقُ الخمرةَ والنور من الآفاق و سأسكبُ في كلّ كأسٍ سُمَّي الذي سقيته لأشجاري الوارفـة .. سأدعهم يتجولـون في حديقة الموت التي أعددتها و سأدع كلَّ طامحٍ يتدثر فيها وينام . اهبطي أيتها الستائر على مملكـةٍ باليـةٍ كانت ترفلُ بالنعمى و دعي مملكةً أقوى و أحرَّ و أغلى تثقب التاريخ ، امرحي أيتها الآفاق و تدفقي معي ..

( يدفع السرير الذي تنطرح عليه الملكة ميتة ويصل به مباشرة على طرف خشبة المسرح أمام الجمهور وجهاً لوجه ) .

نجمةٌ كانت معلقةً في البعيد .. سحبتها بحبلٍ إلى يدي و هاهي الآن في قبضتي ، نجمةُ النار هذه تبعثُ اللذةَ في العظام .. نجمةٌ في البعيد أصبحت تحت أصابعي .

كان قوسي مخضباً بالأوهام .. أما اليوم فمحشّدٌ بالسهام التي ستنطلقُ في كل عينٍ و يدٍ و فمٍ .. وستنطلقُ معها قواي فأحبسُ من كلِّ جسدٍ يداً و من كلِّ يدٍ إصبعاً و من كلِّ إصبعٍ اظفراً .. سيكون لي في كلِّ مهبٍ ريحٌ وفي كل وقفةٍ شاخصٌ .. كلهم لي وأنا لنفسي .

المشهد السادس

شهوات ليرتس

ما تنفست الجبال أو تهدهدت الوديان إلا لكي يندفع المرء في اتجاه الـمُلك


( بولونيوس مع ليرتس في القصر .. )

ليرتس : ما الذي يحصل يا أبي ؟

لقد بدأ سلطان الموت يرفّ على المملكة و على ذوي الشأن منها بالذات فقد مات الملك ثم هاملت ثم الملكة .

بولونيوس : وكيف ترى الأمر يا ليرتس .

ليرتس : وهل ترك هذا الموت المتصل لنا فرصة التفكير أو الرؤية الواضحة ، لا شك أن المملكة اقترفت ذنباً كبيراً فتساقط ملوكُها بهذا الشكل المريع .

بولونيوس : هذا أكيد ..

ليرتس : ما الذي تظنه يا أبي ؟

بولونيوس : اسمع يا ولدي .. أنا اليوم أبوك و غداً مفارقك فإن بقيت فأنا وليّ دمي و إن سقطتُ فالفناء ميعادي و إن تقلبتُ بين هذا و ذاك فهذه سُنّة الخلق أدفع بها الموت و أثبّت بها الحياة إلا أن لي في الحياة ، قبل أن أموت ،طيّات كثيرة دفنتُ فيها أسراراً فأينعت في نفسي حدائقٌ سُترتُ مباهجُها بالملق والتقرب زُلفى و انحناء القامةِ .. وقد آن لي يا ولدي أن أقف و أكشفَ ما طويته من الأسرار .

ليرتس : أراك قفزت بالحديث إلى بعيدٍ يا أبي ..

بولونيوس : إنك لذهّابٌ في التيه ، روّاغٌ عن القصد ، إن لم تسمع أباك و تمسك مبتغاه فاخفض له جناحَك و ألِن لكلامي جانبَك و آسِ بيني و بينك في الظاهر و المستور و تعفّف عن أن تَشفّ في أخذ كلامي حجةً لتهورك بل صَهْ .. و غُرْ معي .

ليرتس : أنت تريد أن تقول شيئاً خطيراً .

بولونيوس : نعم و الله يا ولدي فقد دقت أجراسُ خطيئةٍ قديمةٍ كان يمكن أن تموت إلى الأبد و لكن الأقدارَ نهضت بي لأبوحَ لك بشيءٍ عظيمٍ .. فقد ورثتُ عن أبي الذي هو جدُك .

ليرتس ( بذهول ) : أبوك الذي هو جدي !

بولونيوس : و عن جدي الذي هو أبو جدك .

ليرتس ( بذهول ) : جدك الذي هو أبو جدي ‍‍!

بولونيوس : ورثتُ سراً عظيماً لابد لي أن أبوح لك به و أحمّلك مسعى إرادته .. لو أنك عُدتَ إلى تاريخ الدانمارك .. فسوف تجد أن سلالة الملك السابق وآل هاملت تنتهي عند جده ، ولو أنك بحثت عمّا قبل هذه السلالة لوجدت أن الملك الذي كان يحكم الدانمارك أسمه ليرتس ، لكن أحد أجداد الملك السابق ثار على الملك ليرتس وقتله ونصَّب نفسه ملكاً للعرش فنشبت حربٌ أهليةٌ طاحنةٌ انتهت بجعل أبن الملك ليرتس رئيساً لوزراء الملك المغتصب للعرش حقناً للدماء و حفاظاً على نسل العائلتين من الفناء ..

فهل تعرف من يكون ليرتس هذا ؟

ليرتس ( بذهول ) : من يكون ؟

بولونيوس : جدي و ابنهُ جدك الذي هو أبي .

ليرتس : جدك و ابنهُ الذي هو أبوك !

بولونيوس : و لكن هذا التقسيم المهين استمر لما بعد ذلك الملك فورث ابنه المُلكَ و ورثتُ أنا الوزارة التي قد أورثها لك . ونسي الناس الخلاف الأول و انطوى حتى لم يعد أحدٌ يتكلم به بعد أن حُضر على الجميع الحديث به و أصبحت سلالة هاملت هي المؤهلة لتقادم العرش مع الزمن .

أما الآن يا ولدي وقد سقط الملك السابق ميتاً و سقط ابنهُ وسقطت زوجته و استلم العرش أخٌ فاسدٌ رذيلٌ أحمقٌ لا يليق بالعرش .. فقد آن الأوان يا ليرتس لاسترداد العرش لنا و لتعد سلالة ليرتس الملك فينا إلى حكم الدانمارك فتستتب الأمور وتعود شرعية العرش إلى مكانها .

ليرتس : أنت تتكلم كلاماً خطيراً يا أبي .. ولكن كيف سننتزع العرش .

بولونيوس : بقتل الملك كلوديوس .. و أنت الأقدر على هذه المهمة ، إذ ستخوض فيها بيدك اليمنى وستضع التاج باليسرى على رأسي .

( يخرج ليرتس .. يدخل الملك )

الملك : خبرني يا بولونيوس .. ما الذي آلت إليه أمور مملكتنا وكيف صارت أحوال الناس بعد هذه الأحداث المتلاحقة .

بولونيوس : مولاي أقدر على شدّ الرعيةِ و طرد الآلام التي عصفت بمملكتنا .

الملك : أنت شديد اللياقة يا بولونيوس مهذب السلوك .. هل أورثت ولدك ليرتس شيئاً مما فيك .

أرى أن فيه برغم أدبه الجم قسوةً في الطبع لا تملكها أنت .

بولونيوس : هو من رعيتك و خادمك الأمين .

الملك : لقد قلت بأنه يود الحضور بين أيدينا لأمرٍ طارئٍ جديد فأين هو .

بولونيوس : في الباب ينتظر .

الملك : دعه يدخل .

( بولونيوس يدعو ليرتس فيدخل ليرتس )

ليرتس : مولاي .. لقد عزمت الأمر على الرحيل إلى باريس لإكمال دراستي و جئت أستأذنك بالرحيل بعد أن أديت ما عليَّ من دين لك وللملك السابق في العزاء ، و إنه لمما يحزّ في نفسي أنني جئتُ لأشهد جنازةَ مليكنا السابق فمشيت في ثلاثِ جنائـز كان فيها نعش صديقي هاملت فتجهمت خواطـري و قررت الرحيل .

الملك : أنت حرٌّ فيما تفعله يا ليرتس فالمملكةُ مفتوحة أمامك تعين فيها أباك أو تنضمّ إلى خدمتنا أو انك ترى أن في الإستزادةِ من العلم خيرٌ ، فهذا ما تُراك عازمٌ عليه فتوكل .

ليرتس : سيكون من دواعي فرحي لو أني قدّمت ما أستطيع لكم، و لكن عمركم الطويل يؤمِّلُني في أن أقدّم ذلك بعد سنوات حين أتمُّ ما يجب إتمامه من دراستي .

الملك : سنكون أكثر بهجة لو فعلت هذا و كنت أكثر اكتمالاً .

ليرتس ( يقترب من الملك و يشهر سيفه و يطعن الملك )

اكتمالي في موتك يا مولاي .

بولونيوس : ميزان العدالة هذا أمامكم .. أنا في كفةٍ و ولدي في كفةٍ و هاهو يترجحُ مستقيماً .. مرةً لي ومرةً لولدي ، أيها الحرس كونوا في مواقعكم و أني لأعدكم خيراً .

( يبدأ ليرتس بسحب جثة الملك خارج المسرح وأثناء ذلك يخرج بولونيوس و تدخل أوفيليا فزعةً )

ليرتس : و الآن يا أوفيليا .. هل عرفتِ كيفَ أن لأجدادي حقاً مؤكداً في عرش الدانمارك .

حقٌ موروثٌ محفوظٌ في زجاجةٍ مغلقةٍ و ملقىً في بطون الأيام لابد أن يظهر .

أوفيليا : بل حقٌ في النفس صورته الوساوسُ والأطماع .. لقد كنتَ مستعداً للانقضاضِ على الفريسةِ .

ليرتس : بل تطابقُ ما في النفسِ مع ما في التاريخ .

أوفيليا : معتركُ ظنونٍ و مهابطُ يقينٍ و فعل فتبريرٌ فشقٌ وقصُّ هذا على ذاك .

سرابٌ لا ينقطع و زينةٌ تُظهرها الأوهامُ فتظهر معها مجزرةٌ لا تنقطع .

ليرتس : لقد انتهى كلُّ شيءٍ بموت كلوديوس فقد انتهى معه اغتصاب العرش .

أوفيليا : و بدأ اغتصابٌ جديد .

ليرتس : ليس هناك من عائلة هاملت من ينادي بعودة العرش .

أوفيليا : و لكن هناك من ينادي بإزالة المغتصبِ الجديد .

ليرتس : مَنْ .. مَنْ .. مَنْ ؟

أوفيليا : عرقُ الدمِ الذي انفتحَ و لن يقف .

ليرتس : أنتِ كامرأةٍ لا تعرفين كيفية التصرف أمام حقٍّ مسلوبٍ أو عرشٍ متلأليءٍ .

أوفيليا : يتلألأُ لك بالدم و القتل .. و الله وحده أعلم من سيكون الضحيةُ القادمةُ ليستتب المُلكُ لكَ و ليستقر العرشُ كما يجب .

ليرتس : السيفُ وحدُهُ هو الذي ينقشُ في جثةِ التاريخِ قصةَ الإنسانِ ، وما تنفست الجبالُ أو تهدهدت الوديانُ إلاّ لكي يندفع المرءُ في اتجاه المُلك فنثارٌ عليهِ من الذهب و الدم .

لقد ملكنا الذهب قروناً و كنا بحاجةٍ لأن نملُكَ الدمَ حتى يصيرَ الذهبُ كرسياً لا أساور في يديكِ أو قلائد في عنقكِ .

انظري إليّ يا أوفيليا .. كم أجد نفسي غائصاً في الوحل و في التبن لو أني جردتُ سيفي على أوهامٍ متصلةٍ مثل الخير و الشر و الفضيلة و الجمال .. و كم سأنبثق لو أني جردته أمام شيءٍ ملموس اسمه العرش .

انظري إليّ يا أوفيليا .. كم حملتُ قلباً طيباً و شكّلتُ عليه عوداً نحيلاً مثل قامتي ، أمرقُ كلَّ عامٍ بين باريس و الدانمارك لا ظلَ لي و لا شأن .. أما الآن فأنا على حافة العرشِ مضاءٌ مثلُهُ .

أوفيليا : أنتَ أيضاً يا ليرتس تحملُ بذرة عصفك و موتك ، و لولا هذا لما انحدرت من الهاوية إلى هذا الكلام الذي هو قاعُ الجحيمِ بحق .. انظر إلى نفسك في المرآة في ظرفِ يومٍ واحدٍ فقط منذ أن صرعتَ الملكَ كيف تبدّل وجهُك ويدُك و قامتُك .. كلّ شيءٍ أصبح ملطّخاً .

ليرتس : بالذهب .

أوفيليا : بل بالدم الذي هو ذهبٌ آخرٌ يسيل في أجسادنا لا أمام عيوننا حتى يظهر منقبون من أمثالك فيخرجوه من مناجمه ليصبحَ لونَ الموتِ .. أنت ترحل في جحيمٍ لا ينتهي يا ليرتس .

ليرتس : ستجلسين على هذا العرش معنا .

أوفيليا : لن أجلس و لن أضع دهاناً على وجهي أو ورداً على ثوبي أو رأسي بل سأبقى بغصنِ الشوكِ الملفوفِ على رأسي أرعى أوهامي و أطيافي الشاردةَ ، فالجثثُ مازالت نديةً و الدمُ لم يبرد بعد في عروقِها .

( يسمع ليرتس حركةً خلف الستارة فيتجه نحوها بقلقٍوريبةٍ و يشهر سيفه ويطعن بولونيوس الذي كان خلفها )

ليرتس : كم يمتلئُ هذا البلاط بالجواسيس و المتنصتين و هذا واحدٌ من فئران كلوديوس أو الطامحين للعرش ..

أوفيليا : ماذا فعلت ؟.. أتقتلُ الناسَ بهذه البساطة ؟

( تزيح أوفيليا الستارة فتجد أباها مرتدياً حلة التتويج كاملة وهو ميت فتصرخ )

أبي .. أبي ، لقد قتلت أبي يا ليرتس ، رباه ماذا فعلنا حتى ترسل بجحيمِك إلينا قبل أن نذهبُ نحنُ إليه .

( تخرج باكية و يبقى ليرتس لوحده في حالةٍ تشبه الذهول و الجنون و النشوة و الاستغراب )

ليرتس : في المكانِ الذي خاضَ النملُ آخر معركةٍ له .. في مكان السيوف .. في مكان الضحايا .. الشفقةُ في الأسفل .. والرؤوسُ في الأعالي تتطايرُ .. عينٌ كبيرةٌ مفتوحةٌ على الصولجانِ .. عينٌ واحدةٌ عندي .. أيتها الطبيعةُ خذي قلبي ، خذيـه .. لقد قام بواجبه طيلةَ الفترةِ السابقةِ .. أما الآن فخذيـه .. هو لكِ لا أحتاج إليه ، دمي يدور بالتاجِ لا بالقلبِ ، بل لعلّ قلبي ، إن بقي معي ، سيكون نقطـةَ ضعفٍ و عند ذاك سأجزّهُ .. فخذيه الآن .. الآن لكي لا يقف عقبةً أمامي ..

قلبي سيتلفُ الزرعَ

قلبي سيقلبُ المائدةَ

قلبي سيرفُّ في الهواء

قلبي الطيرُ الذي لا أُحبهُ .. لابد أن يطير

كنا اثنين ، أنا وأبي ، نرحلُ في نارِ الرغباتِ الكبرى .. النار المطوية في ثنيةٍ من ثنياتِ عيونِنا فلا نشعر بها نحنُ أو غيرُنا ... و لكن كيف لي أن أصبرَ ، حتى يموت أبي ، لكي أصير ملكاً بعده ، هبْ أنه ازداد عمراً ، هبْ أنه ساعةَ وضعِ التاجِ على رأسه زال شيبُه و تحسن جسدُه و قويَ عودُه .. هبْ أنه دفع الموتَ عقوداً عنه ، أفأنتظرْ ؟ و كم من الوقت سأنتظر كمْ ؟ يومٌ .. عشرةٌ .. ألفٌ .. مليون ... لا أصدق أن الوقتَ يمضي و أنا على بعد شبرٍ من التاج .

ثم أيهما أفضل .. المُلك أم الأمان ! ليست العبرةُ في أن تكون آمناً بل العبرةُ في تكون ملكاً .. ملكاً .. ملكاً و حسب .

لقد أغويتُ أبي المسكين و قلت له الجواسيسُ يملأونَ القصرَ أعوان كلوديوس الرذيل فقال لي بكلِّ طيبةٍ و تدبُّر : فماذا نفعل يا ولدي .. قلت نصبح عليهم جواسيساً فراقب أنت مرةً يا أبي ما يدور في البلاطِ و أنا أراقب بعدَكَ ، و هكذا نتناوبُ حتى نرصد العيونَ التي يلتمعُ فيها الخبثُ و الدهاءُ .

و لأن أبي عاش كلَّ عمره يمارسُ هذا الدورَ في البلاط السابق ، يتلصَّصُ .. يتنصَّتُ.. يراقبُ.. يشمُّ .. يتحسَّسُ .. يتجسَّسُ ، فقد قبل الدورَ تماماً و أطاعني هذه المرةَ فجعلتهُ يراقبُ من خلفِ الستائرِ ، دورٌ لا يليق به و لكنه قبلَه ، طورٌ دونيٌّ مازال فيه ، هل يمكن لمثل هذا أن يصير ملكاً !! يجب أن يكون خادماً ، و هذه المرةُ لم يجد مَنْ يخدمُه فخدمَ ابنه ، يستحق ما ذهب إليه ، يستحقُ منذ زمنٍ بعيدٍ مصيرَه هذا .

لقد أيقظ بي غابةً من الحيواناتِ الراكضةِ الطامحةِ .. لقد فتح بابَ الغابةِ و قال اخرجي أيتها الحيوانات .. و ها هي تخرجُ فتسحقهُ في طريقها و هو يتوارى .

مَنْ بقي من الأصابعِ يصلحُ أن يكون ملكاً !.. لا أحد .

مَنْ بقي من الأعضاءِ يصلحُ .. لا أحد .

مَنْ بقي من الأعداءِ يصلحُ .. لا أحد .

أنا لوحدي .. لوحدي

( يذهب باتجاه العرش مرهقاً )

أيها العرشُ يا صغيري

لو أنني تزوجتُ .. لما أنجبتُ صغيراً مثلك ، أي صغيري أيها العرش .. أين أمُكَ ؟ لا .. أنت لا أم لك ، بل لك أبٌ واحدٌ دائماً تحني له ظهرَك فيتسلقُك .

و الآن لو إنني جلستُ عليك فسأطلب أيّ شيء .. أيّ شيء .

( يجلس على العرش بهدوء )

و الآن .. أريدُ .. أريدُ المطر .. آه .. ها هو المطـر يغسلني .. آه .. أريدُ .. أريـدُ الشمس .. آه .. ها هي الشمس تجففني و تملؤني حياة .

أريد .. أريد البحرَ .. أين هو البحر .. أين البحر ؟

أريدُ .. أريدُ النومَ .. أريد أن أنام .. أنام .

المشهد السابع

زهور الموت



نموت أو لا نموت

تلك هي العلّة يا نفسي
( المقبـرةُ و خلفها يتداخل القصر و العرش بدرج عريض و يظهر لنا حفار القبور )

الحفّار : جثثٌ مهربةٌ من فجرٍ بعيدٍ ، جثثٌ تغسلُ الترابَ و المعاني تتدحرج بينها .. فتحتُ عيوني على هذه الحشودِ فلم أنم منذ زمنٍ بعيد

شهوات .. شهوات تتطايرُ في الآفاق حتى يسقطَ هذا النهارُ المعلَّقُ في الروح ، شهواتٌ تسلبُ الطينَ من أجسادِنا و تدعنا بماءٍ فقط ، ماءٍ يتدفقُ بين عينين و قدمين .

القبرُ أبقى من البيوت .. في القبر شيءٌ من الخلود جثةٌ و مصيرٌ و زمنٌ .

( تدخل أوفيليا بملابس بيضاء و هي تضع إكليلاً من الشوك على رأسها و في يدها سلة زهور و تبدأ بنثر الزهور على القبور و الأعمدة التي في المقبرة ) .

أوفيليا : نموت أو لا نموت .. تلك هي العلّةُ يا نفسي

الموتُ يحيط بنا من كلّ الجهات .. الحياةُ في المركز .. الموتُ في جهاتها الألف ، ما من نقطةٍ حيةٍ إلاّ و تحاول الانفلاتَ نحو الموتِ بقوةٍ .. و ما هي إلاّ أوقاتٌ حتى يحتضنَها إلى الأبد ..

الموتُ شهوةُ الحياةِ الأخيرةِ و قسوتُها .

انظروا إلى الحياة يقفزُ في شعابها الموتُ لا يبالي .. انظروا إلى الحياة مرتجفةً خاويةً أمام الموت .

كلّ مَلكٍ و كلّ عبدٍ يذهبُ إليه عن طوعٍ .. الملك ينـزع التاجَ العبدُ ينـزع النعالَ و يذهبان إليه عن رضى .

الجمالُ الحزينُ الآفلُ من هذا العالمِ يلفُّ ذيلَه و ينهزمُ

نخوضُ في الدم حدّ ركبِنا لكي نمسكَ الذهب

نخوض في الوحل لكي نمسكَ الرخام

نخوض في المزبلة لكي نمسك مزبلةً أكبر

نموت .. أو لا نموت

الهزائمُ و الانتصاراتُ يتلقفها الموتُ ببرودٍ ويشدُها إلى صدرِهِ .. الذاهبـون إلى الحرب .. القادمون منها .. فيهم شيءٌ من الموت .. الباحثون عن الخلودِ .. الخالدون في الكلمةِ .. كلُّهم يتنفسون الموتَ ويحلمونَ به .

كانت الشمسُ تصعدُ إلى المذبحِ و كانت تفرش شالَها على نبعِ الدمِ و كنتُ أصعدُ بالجثث إلى السطح و العنّابُ يزمجر في فمي و على كتفي تغني الغصون ،

مِنْ أينَ سأبدأُ بالهديل .. من القبِر أم من العرشِ ، لقد ولّى السفلةُ المارقون كلٌّ إلى حتفهِ و مثواه و انشطرت الأيام عن فجرٍ يقطرُ دماً و لكنه أكيدٌ .. نستقبلُ صباحاً غافياً .. لقد قتلَ الليل نفسه في مبارزةٍ طويلةٍ قاسيةٍ و قد أبرقَ الحمامُ لي سرَّ هذه المهزلة .

نموت .. أو لا نموت

اتكأتُ على مسلتي و راقبتُ الأرضَ فرأيت النارَ تتصاعدُ والنورَ ينكمشُ لكن قلبي أخبرني أن النهارَ يرفرفُ فوق أجنحةِ الليلِ وأن العذابَ صلاةُ الجميع .

أنا الشاهدةُ الوحيدةُ على مصبغ الدم و الجمال هذا .. لقد سقطت باقةُ الورد و تعددت القبورُ لكن الفجرَ هطل حزيناً .. أيامٌ تحيكُ أياماً و يدٌ تبتعدُ عن يدٍ .

لم يمسَّني أحدُ هذه السيوفِ المدلاةِ فتزحزحَ عقلي من مكانِه وذوى شمعداني و ذويتُ و ها أنا اليوم أعوم بين الجثثِ الخاطئةِ التي قاتلت الطبيعةَ .

اليوم يترنمُ في فمي نشيدٌ عميقٌ يرثي أولُنا فيه آخرَنا .. و نحنُ نتوغل وسط الخرائبِ و الأجنحةِ المكسّرةِ و الأسئلة .

نموت .. أو لا نموت .

( قبل الجملة الأخيرة تدخل أوفيليا وسط أحد الأعمدة التي تمثل أعمدة القصر و تقف ساكنة ، يدخل ليرتس في هذه الأثناء مذهولاً أمام حفّار القبور )

ليرتس : مَنْ صاغَ كلّ هذه الأضرحة .. من جعلها تبدو على هذه الهيئة .

الحفّار ( بلا مبالاة ) : أنا .. و أنت ، أنا بيدي و أنت بجسدك.

ليرتس : سادنُ هذه القبور و صديقُها أنت .

الحفّار : الأقدارُ تقذف بهم إلى هنا أمواتاً .. فمن قذف بك حياً إلى هنا .

ليرتس : أنت حكيمٌ أيضاً !!

الحفّار : و حفّار .

ليرتس : قبور .

الحفّار : و نفوس .

ليرتس : سلامٌ إذن لمن استقام و حادَ عن حفرتِك .

الحفّار : و سعيكَ إليَّ في هذه الساعة كيف تفسره .

ليرتس : لقد جذبني ضوء فانوسِك هذا في آخر الليل .

الحفّار : و ما الذي جعلك تتنكرُ بهذا الزيّ الملوكيّ .. أغرّك أن المملكةَ خلت من ملكٍ هذا اليوم !

ليرتس : بل أنا الملك الذي لا ملك بعدي .

الحفّار ( يضحك ): اسمع .. هذا القصر كله ملوك و مهما دفنتُ منهم فسيظهر دائماً ملكٌ آخرٌ جديدٌ فلا حاجة لملكٍ مثلِكَ حتى تتبرعَ لهم بهذا الدور .

ليرتس : بل أنا الملك .. انظر إلى ملابسي وانظر إلى ملابسِك .

الحفّار : أنت مهرِّجٌ لأنك تلبس هذه الملابس .. سأدعك تحلّ محل صديقي المهرج رغم أنه أطيب قلباً منك .

ليرتس : غداً سأتوَّجُ ملكاً أمام الناظرين و سأُنزِلُ عقاباً ماحقاً بكَ.

الحفّار : إذا كنت حقاً الملك فعليك أن تكرّمني لأنني عبّدتُ لك الطريق فقد بنيت قبورَ خمسِ ملوكٍ قبلَك و دفنتُهم حتى تظهر أنت .. فما كان لك كلّ هذا إلاّ لأنك قفزتَ على خمسةِ قبورٍ.

ليرتس : نعم لقد أزاحتهم الأقدارُ من أمامي و قفزتُ على قبورِهم.

الحفّار : بل أنا الذي أزحتُهم .. و أنت لم تقفز على قبرِ أحدٍ .. ولو أنك فعلتَ ذلك الآن لتحقق حلمُك غداً تماماً .

ليرتس : و ماذا أفعل ؟

الحفّار : اسمع .. لماذا لا أباركك الآن و آخذ بيدِك فتقفز على القبورِ الخمسةِ حتى يكون تتويجُك حقاً شعائرياً في الليل فيصير حقاً مطلقاً في النهار .

ليرتس : هيا نفعل ذلك .

( يأخذ الحفّار بيد ليرتس المليئة بالخواتم و يضع كفه تحت كف ليرتس و يتقـدم نحـو القبـر الأول و الثاني و هكذا و الحفّار يردد أغنية سريعة )

الحفّار : مات الأولُ مغدوراً

مات الثاني تحت الماءِ

مات الثالث مخنوقاً

مات الرابع مطعوناً

مات الخامس كالفئران

يا إله الحُفر ارحمنا .

ليرتس : حسناً أيها الحفّار هل أصبحتُ ملكاً .

الحفّار : اشرب من هذا الخمر ( يعطيه قنينة خمر ) لكي تكتملَ الطقوسُ و يُبارَك التتويج .

ليرتس : ولكن قل لي .. لمن هذه الحفرةُ الجديدةُ .

الحفّار : للملك السادس .

ليرتس ( يحسب بأصابعه ) : أنا الملك السادس .

الحفّار : فهي لك يا مولاي ( ينحني ) فتفضل و كن فيها .

( يقفز ليرتس إلى الحفرة )

ليرتس : إنها ليست عميقة جداً .

الحفّار : و لكنها مناسبة من ناحية الطول .

ليرتس : دعني أرى ذلك .

الحفّار : لا يعوزها أيّ شيء .

ليرتس : و الآن اكتمل كلّ شيء أيها الحفّار فماذا نفعل ؟

الحفّار : نهيلُ الترابَ يا مولاي .

( يبدأ الحفّار بإهالة التراب عليه دون أن يسمع مقاومةً أو صوتاً من ليرتس حتى يدفنه تماماً .. ويصاحب ذلك موسيقى هادئة ثم يظهر صوتٌ مسجلٌ على الشريط يقول : )

لابد من قبرٍ جديدٍ دائماً ليتّزنَ هذا العالم و يهدأْ

دُلني على مكانٍ غير القبِر يقضي فيه الإنسانُ وقتاً أطولَ من عمرهِ .

شهوات .. شهوات تتطايرُ في الآفاقِ حتى يسقطَ هذا الوردُ المعلقُ في الروح .

يبحثون عن الخلود .. يبحثون .. الكلُّ يحاولُ ذلك ثم يسقطُ في القبر ، هل الموت هو الخلود ؟



0 التعليقات:

إرسال تعليق