تأليف : غسان كنفاني
الأشخاص حسب الظهور
قيل : رئيس وفد عاد إلى مكة
رعد : صديقه وعضو في الوفد
لقمان : كاهن وعضو في الوفد
عاد : ملك القبيلة
شداد:ابن عاد ووريث مملكته
الأم : أم شداد
مرثد: ولد شداد ووريثه
رسول:من البلاط
الرجل الأول :
الرجل الثاني :
هبا: اله من آلهة عاد الثلاثة : صدا – هبا – صمود
الفصل الاول
( خلاء صحراوي – في المدى خيمة أو خيمتان ، وفي المقدمة بدويان جالسان كأنهما في الانتظار ، الوقت عند الصباح الباكر …)
( الرجلان هما قيل – رئيس وفد عاد لاستسقاء ماء الحجاز ، والآخر صديقه رعد…)
قيل : لو لم تذكرنا الجرادتان مهمتنا لنسيناها..
رعد : كان غناؤهما مثل أناشيد الآلهة…ولو كان يعرف معاوية ابن بكر أنهما ستشغلاننا عن الاستسقاء أذن لما أكرمنا بهما..
قيل : أو تعتقد انه دفعهما لغناء تلك الأبيات التي أعادت إلينا صوابنا؟
رعد : إن لم يكن ذلك من ذكائه فانه من ذكائهما .. ومهما يكن ، فقد آن لنا أن نصحو .. لقد تركنا الأحقاف تحترق من الجفاف .. لا المطر هطل ولا الآبار أعطت منذ أقمار وأقمار ..
قيل : ( ينظر إلى السماء ) يبدو أن دعاءنا لم يستجب ، لا صدا ولا صمودا ولا هبا يسمعون تضرعنا .. وغدا إذا ما عدنا دون ماء فان غضب عاد سيحيق بنا ، وقد يقتلنا ..
رعد : تراه لو علم بأننا استسقينا صدا وصمودا وهبا بدل آلهة مكة التي التجأ إليها ، أكان يغفر لنا ذلك؟
قيل : ومن أين سيعلم؟
رعد : لست أدرى ! ولكنه أرسلنا نستسقي آلهة مكة الماء ، ولم يرسلنا نتوسل لآلهتنا …أنت أعلم مني عن مدى كرهه لها..أنت أعلم مني بكل أفكار عاد..لماذا،تراه،هجر المعبد ودعا الناس إلى هجر هبا؟
قيل : انه يعتقد بأن الإله يجب أن يسقي شبعه ، لقد قال لي بأن الخطيئة ، أية خطيئة ، يجب أن لا تدفع الإله – عفوا هبا!-إلى الانتقام بأن يقتل البنات والضروع ويزرع الجوع..
رعد : ولماذا لم يطلب غفران هبا ليعطيه الماء؟
قيل : أنت تعرف لماذا..انه يعتقد أن طلب الغفران ذل..
رعد : والماء ؟
قيل : يستسقيه من مكة دون غفران.
رعد : إن هذا لعجيب ! أسمعت عمرك عن رجل يتحدى هبا؟ ما الذي يريده من النزال ؟لقد كان انتقام هبا رهيباً،ورغم ذلك فعاد يصر على خوض النزال حتى آخره ..أتراه جن؟
قيل : لا ، لا .. إنما هي فكرة نبتت في رأسه قبل أعوام وظلت تنمو حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن …
رعد : أية فكره فكرة؟
قيل : أن جده نوح هو الوحيد الذي ارتضى أن يعيش بعد أن يفنى الناس جميعاً .. لقد توصل إلى الإيمان بأن نوحا قد باع الأرض مقابل نجاته، إذ لولا ذلك لما كان لهبا أن يدمر الأرض … لما استطاع أن يفعل ذلك … لقد كان يفتش عن إنسان واحد يبدأ معه من جديد، وقد وجد ذلك الإنسان في نوح!
رعد : وماذا في هذه الفكرة؟ أية علاقة بينها وبين أن يمتنع عن طلب الماء من هبا؟
قيل : انه يعتقد بأنه لو استطاع ، مره واحدة ، أن يحمل إلى الأحقاف الماء رغم انف هبا-أذن لقتله… لجعل الناس يفقدون إيمانهم به وارتباطهم بتمثاله الأبيض القائم بين بيوتهم .
رعد : ولذلك أرسلنا نستسقي ماء من آلهة مكة؟
قيل : أجل هذا هو السبب…
( يصمتان ، يفكران ثم يتابع )
قيل : إنني اعتقد أن هبا هو الذي جعلنا ننسى رسالتنا في غناء قينتي معاوية بن بكر ، الجرادتين.. أو تدري يا رعد ؟ إنني خائف ، أحس كأن هبا معلق بين كتفي يحسب علي حركاتي وسكناني .. ذلك هو الذي دفعني لاستسقائه،بدل اللجوء إلى آلهة مكة..
رعد : هذا هو السبب أذن ؟كنت أتساءل طوال يومي وليلتي عن نكثك بعهدك لعاد..
قيل : إنني أحس هبا بين كتفي يلهب رأسي بالخوف…
رعد : أسمعت أخباراً جديدة عن لقمان؟
قيل : منذ عاد إلى الأحقاف لم اسمع إي خبر عنه…
( يتذكر شيئاً فجاءة ، فيقف ، ويبدو خائفاً)
رعد : ماذا بك؟
قيل : لقمان ! لقد ذهب إلى عاد ليشي بنا .. ليقول له إننا نسيناه ونسينا الجفاف وارتضينا غناء الجرادتين ثمناً لهذا النسيان!
رعد : أتعتقد أن لقمان سيرضى أن يكون واشياً؟
قيل : انه يكره عاد .. ولكن الجفاف كاد يقتل مراعيه ومزارعه ومواشيه …انه يريد ماء ، هذا كل شيء …ماء من هبا ، أو من عاد ، أو من آلهة مكة … ولذلك سيلجأ ، مرة أخرى ، إلى عاد!
رعد : أتخاف من عاد وأنت محل ثقته؟
قيل : أخاف منه لأنني لم أكن ، هنا ، محلاً لثقته..
رعد : وماذا تعتقد بأنه سيفعل ؟
قيل : لست أدري ! لست أدري!
( يعود للجلوس مضطرباً – رعد يقف ويمد بصره إلى الأفق ، ثم ينتفض ).
رعد : انه موكب يبدو في الأفق … أخشى أن يكون موكب عاد وقد أتى يتعجلك ..
( قيل يقف ، وفي نفس اللحظة يدخل لقمان ، وهو رجل عجوز ).
قيل : ( دون أن يرى لقمان ) أتعتقد أن لقمان جاء به؟
لقمان : ( من الذي جئت به ! نعم ، أنا الذي جئت به ! لقد أقمتما شهوراً مرة دون أن تستسقيا الماء ، أهلكما يموتون عطشاً ورعباً وأنتما تلتهيان بغناء الجرادتين..
قيل : ( خائفاً) ولكننا استسقيناه…
لقمان : بعد ماذا ؟ بعد أن احترقت المزارع بالشمس وتهاوت الأشجار وتشققت البيوت ؟ بعد أن تساقطت المواشي وذاب الأطفال وجفت أثداء الأمهات؟
قيل : ولكننا استسقيناه ، ولم تجب الآلهة الدعاء…
لقمان : ( راجفاً) أية آلهة ؟ آلهة مكة؟ أم هبا الغاضب علينا ، والضامر لنا الأذى من فرط ما نسيناه؟
قيل : آلهة مكة!
لقمان : أيها المجنون … سيأتيك عاد الآن … ولتقتلا بعضكما كالحيوانات! ولسوف أرى إن كانت آلهة مكة قادرة على إنقاذك منه أو إنقاذه منك!ألم يكن بوسعك أن تستسقي هبا ؟ ألم يكن بوسعك أن تطالبه بالغفران بعد كل الآثام التي ارتكبها ملكك حياله ؟ لقد كنت بعيداً عن سطوته وكان لك الخيار في أن ترتد إلى الإيمان، ولكنك أردت أن تنقلب إلي الإثم مثلما انقلب!لنر الآن!لتحمك آلهة مكة!
( يرفع يديه ويتجه بالدعاء )
لبيك يا هبا لبيك .. أيها القادر على فت أعدائك انتقم لي!
لقد جرني عاد بعيداً عن معبدك .. أغلق أبوابه في وجهي بعد أن كنت خادمك وكاهنك … حرم علي التضرع لك والدعاء إليك وتلمس قدميك…وها أنت ذا ترد غضبك عليه وعلي. لقد احترقت مزارعي وجفت ضروع مواشي ومات أطفالي ، ولكنني لم افقد إيماني بك ..يا هبا ، انهم يستسقون آلهة مكة بدل أن يستسقوك !فانتقم منهم واعد مجدك في الأحقاف لأعود إلى خدمتك..ياهبا..ياهبا..لقد أرسلت لهما جرادتين لينسيا، أيها القادر الساحق الماحق .. والآن سوف يقتلهما … سوف يقتلهما ..سوف يقتلهما .. ياهبا ،أرسل له من يقتله…يا هبا .. يا هبا..اقتل كل أعدائك!
(أثناء اتجاهه بالدعاء تتقدم،في أعلى المسرح ثلاث غيوم، واحدة صفراء وواحدة حمراء وواحدة سوداء حتى تتوسط المسرح،فوق ، وفي اللحظة نفسها يدخل عاد بلباسه المميز ،وقبل أن يشاهد عشيرته يشاهد الغيوم الثلاث فيقف مشدوها .. لقمان يرى الغيوم فيسقط يديه ويقف مشدوها هو الأخر –قيل ورعد ينظران إليه مدهوشين .. وبعد هنيهة يخرج صوت عريض من الغيوم فيجفل الجميع)
الصوت : ( ببطيء شديد وبحدة ) " يا قيل ! يا قيل !اختر لنفسك وقومك من هذا السحاب".
قيل : (صائحاً) لقد استجيب الدعاء ..لقد استجيب الدعاء ..
رعد : ( بصوت عال ) لا تختر السوداء ... إنها الموت.
عاد : ( من مكانه) من هو الإله الذي استسقيته يا قيل؟
الصوت (يكرر) "يا قيل ..يا قيل .. اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب "
قيل : (ينظر فيرى عاد فيرتجف ) عاد! عاد هنا؟
عاد : إي اله استسقيت ؟ لا تكذبني!
قيل : استسقيت هبا..
عاد : ( صائحاً في وجهه الغيم ) وها أنت ذا تعود إلى يا هبا من جديد .. ولكنني سأنازلك ولست أريد ماءك ولا خيرك..حملت إلي غيومك .. الموت بالسواد ، والدم بالحمراء .. والطاعة بالصفراء …ولكنني لا أريد الطاعة ولا أريد الماء..
قيل : ( صائحاً بعاد) الماء … الماء الذي سيسقي مراعيك ويخصب أرضك..
عاد : مقابل ماذا ؟ مقابل ماذا ؟ ( يصيح ) الذل!الطاعة!الخوف لا ،لا أريد الماء بهذا الثمن..
لقمان : إن شعبك يموت ..
عاد : الموت أفضل من ذله .. يا قيل .. اختر السحابة السوداء .. دعنا ننازل هبا بسلاحه الأشد..هذه فرصتنا الوحيدة للخلاص منه..
قيل : ( خائفا ) الماء .. هل تدرك ذلك يا عاد؟
عاد : ( مقاطعاً) اختر السحابة السوداء . ( يستل سيفه)
قيل : السوداء .. السوداء ..
الصوت : لقد " اخترت رماداً رماداً لا تبقي من عاد أحداً..".
( دخان أسود يجتاح المسرح،شبح عاد وهو يقاتل يبقى بارزاً أكثر من سواه ..جلبة وضوضاء،يسقط عاد ،الهدوء يخيم ).
(ستار)
الفصل الثاني
( ينفتح الستار عن غرفة ذات طراز عتيق في البناء ولكنها مجهزة بأثاث متقن الصنع فني الأداء إلى حدود معجبة،يقع الباب في واجهة المسرح والى جانب الباب نافذة شرقية تطل على خلاء مترام في نهايته القاصية ترتفع أبراج لامعة لمدينة بعيدة طنافس مطرزة وسجادة غنية الألوان وسيوف ورماح وتروس معلقة على الجدران.
في زاوية الغرفة يقف شداد ، وهو رجل في أواسط عمره قوى البنية ذكى العينين ، حاد الملامح يلبس عباءة مذهبة الأطراف فوق رداءه من حلقات معدنية موشاة بالفضة ، ويضع على رأسه كوفية بيضاء معقودة بشكل أنيق وفخور.
يبدو شداد وهو يعقد حزامه العريض ويتقلد سيفه ، وفي المشهد يواصل إعداد عدته للخروج إلى ما يستطيع المتفرج أن يستنتج بأنه ساحة حرب أو مهمة عسكرية ، وبعد هنيهة تدخل الأم ، أم شداد وهي امرأة عجوز تضع على نفسها ملابس بيضاء وتلف رأسها بشال شفاف تتدلى تحته ، جديلتاها الشائبتان ،تنظر إلى شداد نظرات شاكة،تدور حوله وتهز رأسها ألماً ، ثم تمضي إلى ركن من أركان الغرفة وتتشاغل بشيء ما ..).
الأم : ما الذي حدث ؟ما الذي يجعلك تصحو باكراً اليوم ؟ منذ ولاك أبوك عاد ملكه بعد أن قضى لم أرك تصحو بمثل هذا التبكير؟
( شداد يواصل ارتداءه لملابسه وتهيئة نفسه دون أن يجيب ، الأم تدور حول نفسها وترفع صوتها كأنها تستحثه على الإجابة).
الأم: هذه أول مره أراك فيها مبكر الصحو منذ سنوات وسنوات، ولقد راقبتك منذ ساعة وأنت تضع على نفسك عدة الحرب والقتال .. أرسلت الخدم ليروا إلى المدى ، ولكن لا غبار ولا أرى … والآن ، ما الذي تريده ؟ أنت لا تريد شراً يقود علينا ما قاده لنا أبوك..
شداد : ( ماض في عمله) هذا هو أسوأ ما في الأمر!..أنت تتدخلين حتى في الأمور التي لا تعنيك قط..يا أمي العزيزة،اطمئني…لن أخرج إلى القنص الذي تخافين منه علي ..اطمئني..
الأم : ( تبتسم بحب وهي تفرش ذراعيها ) بودي لو تخرج إلى القنص ، عل القنص يجعلك تكف عن وحدتك وانغماسك في أفكارك التي لا أعرف شيئاً عنها … عل القنص يدفعك لتناول طعامك…
( تنتبه فجأة كأنها تذكرت شيئاً ).
ثم ، كيف تقول لأمك إن هذا الأمر لا يعنيها؟تلك جرأه لم أعتدها منك!
شداد : ( بهدوء ) لأنه لا يعنيها..لأنه لا يهمها.
الأم : ( تقترب منه ) ما الذي يشغل رأسك يا شداد ؟
شداد : ( يكف عن العمل ويقترب منها ) أتريدين حقاً أن تعرفي؟ سوف أقول لك لو سكت دقيقة واحدة..
الأم : أنا ساكتة…
شداد : إنني أريد أن أخرج …
الأم : ( فزعة ) إلى أين؟
شداد : إلى ارم ..
( ترتد الأم خطوة إلى الوراء فيلحق بها ويضع كفيه على كتفيها).
شداد : اسمعي إلى جيداً يا أمي ..استمعي إلي .. إنني لم ابن تلك المدينة لا تركها مأوى للطيور والضباع والخنافس ..هل فكرت يوماً بذلك .. هل تساءلت عن السبب الذي أحرقت به شبابي لأبني أرم؟
الأم : ( حزينة) نعم ، أعرف ذلك ..كنت تريد أن تبني جنة على الأرض…
شداد : ( يهز رأسه ) جنة على الأرض .هذا هو الأمر ، أتعتقدين انه هراء؟
الأم : ( خائفة) أنت تريد أن تثبت انك أقوي من هبا..
شداد : تماماً ، أقوى من إلهك.
الأم : ( تدير له ظهرها ) لا تتكلم عن هبا بهذه الصورة ، لا تتكلم عنه أبدا مادمت أنا أمامك ، هل تسمع ما أقول ؟
شداد : ( من مكانه ) اسمع جيداً ، ولكن الأوان قد آن لنضع كل شئ في نصابه ..لماذا لا تنظرين إلي وتستمعين إلي ما سأقوله؟
الأم : ( تلتفت لحظة ، ثم تقترب منه) لماذا لا تكف عن هذا السخف ؟لماذا لا تقذف بهذه الأفكار إلى السعير وتفكر بزواجك؟ لقد مضت الآن ست سنوات على وفاه زوجتك، ورغم ذلك فأنت لم تفكر بالزواج مرة أخرى ..حتى متى سوف تبقى ضائعاً.. حتى متى ؟( تضع يدها على كتفيه) لقد مات أبوك لأنه ركب رأسه، وحرمت أنا سعادة كل الصبا،أحرقته راضية من أجلك ومن اجل أخيك شديد ، وها قد مات أخوك في القنص .. ( تبدر منه حركة فتسكته بإشارة طفيفة من يدها) أنا لا أريد تعذيبك ، ولكنك تذكر الأيام القاسية التي مضت.. تذكر الدماء التي اهرقت لمجرد أن أباك لا يريد قبول هبا ، الإله العاطي ..( تشير من النافذة ) الواقف هناك بين بيوت الناس ، القابل الضحايا ، العاطي الخير ، الواهب النصر ، الناثر البركة .
شداد : ( يقاطعها بحدة ) أنت إنسانه طيبة يا أمي ! طيبة جداً،ولكنك لا تفهمين ، أنا آسف جداً ، ولكنك لا تفهمين!أنت ما زلت تحسبين إنني طفل .. تحسبين أن كل الذي أريده هو النصر والبركة .. يا أمي العزيزة ، ذلك زمن مضى وراح الآن !. أنت لا تصدقين ؟ إذن صدقي : سوف اركب إلى ارم..
( يعتدل في وقفته ، أمه تتراجع خطوة وتحدق إليه ، تبدو وكأنها مطمئنة إلى أنه غير جاد ولكنها ما تزال غير قادرة على إخفاء خوفها ، وتسأل بصوت خفيض).
الأم : لماذا؟
شداد : نعم ! هذا هو السؤال الجيد، وفيما عدا ذلك ليس إلا مضيعة للوقت .. لماذا؟ هذا هو السؤال الذي أردتك أن تسأليه حينما بحت لك بنيتي ..وأنا سعيد جداً لأنك سألت لماذا .. ولسوف أقول لك..
الأم : ( تكرار دون وعي ) لماذا؟
شداد : ( يتجه إلى ركن الغرفة ويجلس فوق إحدى الطنافس ويبدو وكأنه يحلم ) لقد علمتموني طاعة هبا منذ نعومة أظفاري .. وكمنتم تقولون لي إنني لو أطعته لأدخلني الجنة ، الجنة كانت كل شئ في هبا .. ولذلك وضعت في ذهني أن أبني جنتي فأتخلص من هبا ، وأجعل من نفسي هبا لا يريد أن يطاع ولا يريد أن يطيع…
( ينهض ويتجول في الغرفة متابعا بصوت حالم).
" لقد وجهت لعملائي في الأرض أن يجمعوا ما في البلاد من أموال وأحجار كريمة ،واخترت فضاء في فلاة من ارض اليمن وجعلت طول المدينة اثني عشر فرسخا وعرضها كذلك،أحطتها بسور عال مشرف ،وابتنيت فيها ثلاثمائة ألف قصر،جعلت لها غرفا فوقها غرف معمدة بأساطين الزبرجد والجزع والياقوت ،أجريت تحت المدينة واديا سيق إليها تحت الأرض أربعين فرسخا،وفي شوارعها المتضوعة بالمسك والزعفران سواق مطلية بالذهب ، حصاها أنواع الجواهر .. وهى تجري بالماء الصافي.."
الأم : ( هازئة ) ثم ماذا؟
شداد : ( مواصلاتً كلامه كأنه لم يسمع ) " وفي وسط المدينة قصري! قصر مشرف على كل القصور الضاربة في السماء ثلاثمائة ذراع .. وخارج المدينة وسورها الشاهق بنيت أكماً محدقة ينزل فيها الجنود ، جعلت فيها من كل فاكهة في الأرض بستاناً ومن كل جميل في الكون مكاناً ..رفعت فوقها ..".
الأم : ( تصبح من مكانها ) ثم ماذا ؟ هل صارت جنة؟.
شديد : (يلتفت إليها ) لو عرفت الجنة لقلت لك .. ولكن الأمر ليس هنا.
الأم : أبن هو الأمر إذن؟
شداد : الأمر إنها ، حتى هي ، لم تستطع ري عطشي و إعطائي الاكتفاء ! وحين نظرت إليها من أكمة في ظاهرها عرفت بأن الجنة لا تستحق الطاعة ، عرفت بأن هبا لا يستحق منك ومن شعبي كل تلك القرابين وكل ذلك المجد.. ورغم ذلك..
الأم : ( تنهض إليه وتهزه ) لا تكذب! لا تكذب على نفسك وعلي ..لماذا لم تحمل نفسك و عسكرك إلى ارم حين انتهيت من بنائها؟لماذا؟
شداد : ( ببرود ) أنت تحسبين أنني خائف ! تحسبين أن فتوى هبا التي استخرجها الكاهن من بين أسنانه الحجرية تخيفني..
شداد : ( مفكرا) ربما .. ربما ..إنني لا أستطيع أن اعرف شيئاً.. لا الجنة عادت تبعث في الحماسة ولا الكاهن عاد يبعث في التصديق .. ولذلك أريد أن اعرف الأمور بنفسي..
الأم : ( محذرة) الكاهن لم يكذب قط ! ألف مرة تنبأ و ألف مرة صدق، ولقد قال لك انك إذا خرجت لارم فستلاقي حتفك على الطريق،ستنبثق من السماء أصوات تفت عظام الجيوش الجرارة وتذروها في الرياح..إن هبا لن يغفر لك قط كفرك وإنكارك.
شداد : هل تعتقدين إنني أخاف من هبا؟
الأم : اعتقد انك تخشاه..
شداد : مهما يكن ، هذا المحك الأخير! ليس في الأمر ما يخيف ، لقد فكرت به شهورا طويلة مريرة، ولقد نمت الفكرة داخلي كما تنمو شجرة الزيتون ، أتعرفين كيف تنمو شجرة الزيتون؟ غصناً ضخماً في الهواء مقابل شرش ضخم في الأرض،عميقاً في الأرض، إن هبا نفسه لا يستطيع اقتلاع شجرة زيتون..
الأم : أية فكرة؟
شداد : (بشراسة) فكرة أن أموت! أن أقاتل هبا وأصواته في الصحراء،وحيداً إلا من سيفي وذراعي،أن أخطو إلى موتي خطوة باسلة وراء خطوه باسلة، أن لا ارتد حتى ازرع في الأرض جنتي أو اقتلع من السماء جنته أو أموت أو نموت معاً..
الأم : ( تبكي ) إن عذابي يستهويك .. ماذا فعلت لكم؟ ( شداد يضم أمه هنيهة ثم يبتعد عنها ويعطيها ظهره)
شداد : و الآن ، كفي عن البكاء ، أنت تعرفين إنني لا احب تعذيبك ( يستدير إليها) هذا سخف !الأمر كله لا يستحق بكاءك!
الأم : ( وهي تشرق دموعها ) هل تكره الحياة إلى هذا الحد لتحكي عن الموت طوال الوقت؟. لقد كنت أخشى ذلك كله وأنت غارق في أفكارك وأحزانك وحيداً لا تأكل ولا تخرج! لقد كنت أخشى أن تصل بك وحدتك إلى هذا القرار المجنون..
شداد : ( كمن يحب أن يحكى عن الموت فعلاً) اسمعي الآن ! بحق هباك الذي يبذر المشاكل والمشاغل كما يبذر القمح ، اسمعي .. لحظة واحدة فقط ، وسأحاول أن أشرح لك .. إن هذه اللعبة لا تعجبني ..
الأم : أية لعبة؟
شداد : الحياة ..( يصمت قليلاً) سوف أقول لك ما هو الفرق بيني وبينك،أنت حينما بدأت تحسين الحياة ، ولنقل أن ذلك حدث حين كان عمرك خمس عشرة سنة ، كنت تفكرين كل يوم بأنك ستتزوجين يوماً ما ، وهذا وحده كان سبباً يدفعك إلى الحياة، كنت تعتقدين أن الزواج شئ رائع ، وانه هو الغاية من كل الحياة،كنت تقولين – بينك وبين نفسك- انه من الممتع جداً أن تنامي كل ليلة في أحضان رجل !.. لقد كنت – حاولي أن تتذكري – تفكرين بالأمر ليل نهار ..
( الأم تستدير بنفاد صبر وغضب )
حسناً ..ثم تزوجت! اعتدت النوم مع رجلك كل ليلة حتى بدا الأمر ، بعد فترة ، سخيفاً ومملاً وربما قذراً … سألت السؤال من جديد ، وكالعادة كان لابد من جواب فقلت : كي انجب أطفالاً ، وذلك ، بلا شك ، أمر ممتع وهو رسالة كبيرة أيضاً.. حسناً ، ثم أنجبت أطفالاً ، وبعد فتره عاد السؤال : لماذا أعيش الآن؟ ووجدت الجواب : لأراهم يكبرون ويتزوجون وينجبون أطفالاً..
( يقترب منها يدورها ويهزها كمن يريد أن تستمع له)
هذا صحيح يا أمي هذا صحيح॥ لقد تعبت من السؤال، فيما بعد ، وقررت أن تعيشي بلا سؤال، تاركة كل شئ لحكمة هبا، أنت تعيشين بدافع العادة فقط،هل تتصورين ذلك؟ ( يتركها ويتكلم كالحالم) أنت ربما تفعلين ذلك من اجل أن تقولي ، بين الفينة والأخرى ، انك أحرقت كل صباك من أجل شداد وشديد!। من يدري ! ربما تطمعين بالجنة من وراء ذلك كله! فيربت هبا على ظهرك وتهتز لحيته الكبيرة البيضاء ويقول لك: ادخلي إلى الجنة! نامي على فراش وثير ! اقطفي ما شئت من التفاح والكرز.
( يقترب منها ويهزها بجنون )
…. واختاري من شئت من الرجال ! الست تعيشين من أجل ذلك؟
الام : ( تبدأ بالبكاء ) أنت ابن عاق!ابن عاق! عار ، عار ..
شداد : ( يقاطعها كما لو انه لم يسمعها ) أما أنا ، فالأمر معي يختلف تماماً .. منذ كان عمري ست عشرة سنة بدأت أضاجع النساء .. لحظة متعة وراء لحظة متعة أخري كومت أحمالاً من الاكتفاء الحيواني.. ضاجعت مختلف النساء ، كل النساء ، وبكافة الأساليب التي تخطر على بال الشيطان، لم اعد أطمح بالمزيد.. أتسمعين؟ لقد عرفت من النساء قدر ما عرفت من المأكولات،وذقت من النساء قدر ما ذقت أنت من الخبز، وضاجعت النساء بطرق مختلفة، وقدر ما تعرفين ، بل أكثر مما تعرفين من طرق لف الشال، لم اعد أجد في ذلك إي متعة.. ولو وجدت في الأمر كله متعة لحظة واحدة حقيرة فإنها لا تساوي قط مبرراً لحياتي..
الام : ( مقاطعة بحدة ) كف .. وأخرج من هنا!
شداد : ( متابعاً) ثم إنني لا أؤمن بهبا،ولذلك فأنا لا اطمع بجنته ولا أخاف من جهنمه،بل إنني ابتنيت جنتي التي أخاف أن ادخلها،والتي سئمتها ، والتي لم تعن شيئاً كثيراً ..( بصوت عال ) وأنا لا أريد أن أعيش بحكم العادة،لا أريد أن انجب أطفالاً فذلك ليس أمراً ضخما وهائلا: أن الفأرة تفعل ذلك بتواضع .. إذن لماذا يعيش الواحد منا ؟
الام : كي ينعم بالطاعة، طاعة هبا وخيره وبركته ورضاه، كي يرد الشكر لذلك الذي أوجده،الواقف بين بيوت الناس من حجر مقدس ابيض يشع الضوء ..ذلك الذي …
شداد : ( مستغرباً) تريدينني أن أعيش في جهنم قلقي وخوفي وتساؤلي؟ أليس كذلك؟تريدينني-وهبا يريد أيضاً – أن لا اصل إلى الجنة التي بنيتها بإرادتي ليعدني بجنة لا اعرفها..أليس كذلك؟لقد فهمت الآن!انه لا يريدني أن اصل إلى جنتي.. يهددني بأن يبعث علي من الغيم أصواتاً تفت عظامي كي لا أصل إلى جنتي.. رغم ذلك.. فإنني أريد أن أذهب ..أنا اعرف أن جنتي لا تعطيني الاكتفاء الذي أريده، ولكنها تبقى أفضل من جنة لم أبنها أنا..
( يدور حول نفسه ، ثم ينحني فيشد حذاءه الطويل بعنف)
إن هذا حري بأن يضاعف إصراري ..لسوف اذهب..
( تفتح ستارة الباب ويدخل فتى بلباس متواضع كأنه لباس النوم وهو يفرك عينيه ، يقف ، ينقل بصره بين شداد وأمه ثم يقترب من الأم ).
مرثد : ماذا يحدث هنا في أبكر الصبح؟لماذا كل هذا الصياح يا جدتي؟
الأم : ( بصوت هادئ) أبوك يا مرثد يريد الذهاب إلى ارم..
مرثد : يريد الذهاب إلى أين؟
شداد : ( يصيح من مكانه ) إلى ارم! إلى ارم! ولسوف تكون أنت الملك إذا ما فتت عظامي صوت هناك..
مرثد : ( يقترب من والده، انه شاب وسيم ذكي قوي البنية)
تريد أن تذهب إلى ارم رغم الموت الذي يربط لك الطريق؟ حسناً إننا لا نطالبك بأن تؤمن بهبا،ولكننا نطالبك بأن تؤمن بحياتك..أهي شيء بخس إلى هذا الحد؟
شداد : ( بعطف ) يا بني العزيز!يا مرثد!لقد سئمت!هذا كل ما في الأمر، غداً، حين تكبر، ستعرف ماذا تعني كلمة السأم هذه..
مرثد : ( بشجاعة وثقة ) أنت متشائم يا والدي .. متشائم، وهذا يعود إلى الأيام المضنية التي حبست فيها نفسك.
شداد : هذا الكلام قديم وقدم الكذب نفسه،ألست ترى أن التشاؤم هو الشجاعة؟ألست ترى أن التفاؤل هو كذب وهروب وجبن؟أنت تعرف أن الحياة قميئة وسيئة،فلماذا تواصل الأمل بها؟أنت تعرف أن الجنة التي يعدك بها هبا ليست جديرة بكل هذا العذاب ( يشير إلى النافذة) أنا أعطيك جنه تراها بعينك،فلماذا لا تعبدني؟ لأنك تعرفها وتعرفني ولذلك لا تريد ، تريد أن تعوض شقاءك بالبحث عن المجهول والكاذب.. أما أنا فالمجهول لم يعد يستثيرني..
مرثد : أنت كئيب اليوم يا والدي ..
شداد : ربما .. ولكن الفكرة لم تكن وليدة الكآبة ، لقد كانت الكآبة وليدة الفكرة..انه شيء في غاية القسوة أن يكتشف المرء فجأة كل هذه الفجيعة!
مرثد : ما الذي يدفعك إلى هذه الفكرة إذن؟
شداد : ( يفكر ) الشجاعة ، الشجاعة كما اعتقد!أنت ترى هذا: إن الفرق بيني وبينك وبين أمك هو أنكما تسمحان لكذبة حمقاء، مثل الفراش والحرب والحب ، أن تغطي الفجيعة، وأنا لا اسمح ،لم يعد بوسعي أن اسمح بعد أن رأيت جنتي بأم عيني ورأيت مبلغ تفاهتها، ثم ماذا؟حتى هذه الجنة التافهة يحول بيني وبينها صوت هباك..
( يتقدم فيمسك يد والدته ثم يد مرثد ويقودهما إلى الركن ).
شداد : كلنا أتينا إلى هذه الحياة رغم أنوفنا،ثم بدأنا نبحث عن المبرر..لقد اخترعنا هبا،ونصبنا حجراً ابيض مشعاً بين بيوت الناس،ثم اخترعنا هبا،ونصبنا حجراً ابيض مشعاً بين بيوت الناس ، ثم اخترعنا الإنسان ، ثم قلنا إن مبرر حياتنا هو أن لدينا فرصة الاختيار؟عشاءك! الأمرأة التي تريد مضاجعتها !ولكن هل تستطيع أن تختار ما هو أهم؟اعني هل تستطيع اختيار الوقت؟نعم، الوقت! فكر في ذلك جيداً : الوقت!هل تستطيع أن تختاره؟هل أنت اخترت الوقت الذي تريد به أن تكون سعيدا أو تعيسا؟ ماذا بقي لنا لنختار؟
مرثد : ( بهدوء ) الحياة ،إذا كان لابد لنا أن نضعها مقابل الموت..
شداد : كلا ! الموت! الموت! انه الاختيار الحقيقي الباقي لنا جميعاً،أنت لا تستطيع أن تختار الحياة لأنها معطاة لك أصلاً..والمعطى لا اختيار فيه ..اختيار الموت هو الاختيار الحقيقي، أن تختاره في الوقت المناسب قبل أن يفرض عليك في الوقت غير المناسب.. قبل أن تدفع إليه بسبب من الأسباب التي لا تستطيع أن تختارها كالمرض أو الهزيمة أو الخوف أو الفقر ، انه المكان الوحيد الباقي للحرية الوحيدة والأخيرة والحقيقية!
الأم : ( حزينة) وهبا؟ أين وضعته في كل هذا الكلام؟
شداد : ( يجيب بسرعة)في المؤخرة..
الأم : أيها الملحد!
شداد : (مبتسماً باسماً) ليس تماماً،ليس تماماً،ذلك أن عدم وجود هبا،نهائياً،مأساة فاجعة أخرى!ولذلك فإنني أريد ملاقاته!انه يتحداني بصوته دون إن يترك لي فرصة إسماعه صوتي..إنني أريد ملاقاته..
الأم : (بلاوعي) أين؟
شداد : سأذهب إليه بنفسي ،كما قلت لك..سأتحداه خطوة خطوة،وليفت صوته عظامي كما قال كاهنه…ليفت صوته عظامي عظامي،فثمة عظامي، فثمة نهاية لكل هذه الملحمة..
مرثد : ( هازئاً بلباقة ) ولماذا لا تنتظر قدومه هو ؟
شداد : ( بجدية ) لأنني أريد الذهاب إليه بملء إرادتي واختياري ، لحظة أريد أن اصل إليه أو إلى جنتي ، ولا مناص…لسوف يكون بوسعي أن أواصل رحلتي إليه خطوة خطوة،لا الخوف يردني عنه ،ولا اليأس يسد أمامي طريقي..
( يشد حزامه ويعيد ربط الكوفية، يتقدم إلى مرثد ويمد له يده،مرثد يقبلها،الام تبكي وتتعلق به، يزيحها عنه بهدوء ويسلمها إلى مرثد الذي يضمها إلى صدره،يلوح شداد بيده ويخرج بخطوات ثابتة)
الأم : (مذهولة) لقد راح!
مرثد : أنت تعرفينه يا جدتي،انه عنيد،دعينا نذهب إلى هبا فنذبح له ضحية ونرجوه أن لا يفت عظامه..
( الام تنظر إليه بذهول ، يبتسم بوجهها مشجعاً،تتجه إلى الباب وتمضي،مرثد يتجه إلى النافذة،يطل منها، ثم يهز رأسه أسفاً ويعود فيلحق بجدته).
(ستار)
الفصل الثالث
( نفس المنظر في الفصل الثاني – الأم جالسة في الركن وقد استبدلت ثوبها الأبيض بثوب أسود،تبدو محطمة تماماً،النافذة مازالت مفتوحة كما كانت في السابق ولكن الأفق،الذي كان مزداناً بأبراج ارم اللامعة،يبدو الآن متجهماً بحطام أسود لحجارة مهدمة محروقة..وفوق المدينة البعيدة تبدو سحابة سوداء ضخمة كأنها نتاج حريق ..)
( وتقوم الأم وتسير في أنحاء الغرفة محتارة، وبعد هنيهة يدخل مرثد وهو في كامل لباس السلطة ويقترب منها بعدما تستدعيه بنظراتها).
الأم ( بلهفة ) هل من أخبار جديدة؟
مرثد : لا جديد إلا أقاويل الرعاة التي لا تصدق ..( يتمهل قليلاً ثم يقترب منها) حتى متى ستفكرين في الأمر؟لقد مضت ثلاث أيام على ذهابه يا جدتي ،ولقد رأيت بأم عينيك ( يشير إلى النافذة)كيف تهدمت ارم كما لو أحرقتها الصاعقة ..لو كأن ثمة خبر واحد عنه لوصل ،لقد أرسلت مئات من الناس يستطلعون،وما من أحد عاد،ولم يعد بوسعي إرسال المزيد..
الأم : ( تنظر إلى ملابسه،وتقيسها مدهوشة من فوق لتحت)ولذلك لبست ملابسه .. أليس كذلك؟كل الذي يهمك هو أن ترث المملكة..
مرثد : ( بثبات) الناس يريدون ملكاً حياً وليس ملكاً ميتاً..منذ يومين وهم يطوفون حول هبا مذعورين خائفين متوسلين،وليس من الحكمة أن اتركهم ضائعين..أن اتركهم يعيدون قصة شداد الملحد الذي ذهب يقاتل هبا فقتله ،لربما تمتد النقمة ، بعد ذلك،إلى عشيرته كلها..
الأم : ( محتدة ) ورغم ذلك ، انه أبوك..
مرثد :..وإنها مملكة زوجك،جدي،ثم عمي،ثم أنا..أتذكرين يوم مات عمي شديد كيف سارع أبي إلى تتويج نفسه قبل أن يدفن الجثة؟إنها الحياة يا جدتي!
الام : كلكم تقولون ذلك ، ولكنكم أبداً لا تذكرون موتاكم بالخير..أنت لم تفتش عن جسد والدك حتى تدفنه..
مرثد : من الأفضل لوالدي أن يبقى في الصحراء حتى يذوب بدل أن يحمل إلى مذبح هبا فيحرق تكفيراً عن خطاياه..لا أحب لوالدي أن يخسر المعركة ميتاً بعد أن ربحها حياً..
الأم : ( باكية ) أو تعتقد انه ربحها؟
مرثد : لقد نفذ إرادته ،قاتل هبا ودمر جنته.
الأم : ولكنه مات..ألا يعني هذا شيئاً ؟
مرثد : كانت هذه إرادته..
الأم : لو آمن بهبا.
مرثد : (مقاطعاً) هذا ليس الموضوع الآن،انه حر في أن يؤمن أو لا يؤمن،لقد كان حكيماً وشجاعاً،فلنكن حكماء وشجعان مثله.
الأم : لا أفهمك..
مرثد : لا أريد للرعاع أن يحملوه كالجيفة ، يطوحوا به فوق المذبح ويحرقوه شامتين،خائفين من هبا،ناسين كل ما فعله من أجلهم،نضاله من اجل سعادتهم وخيرهم.انهم ينسون كل شيء في سبيل هبا،في سبيل خوفهم منه.أريد للجسد البطل أن لا يدنس بأيدي الرعاع.
الأم : (وقد فوجئت )ولكن الموضوع لا علاقة له بالرعاع ، انه من أجل الغفران..
مرثد : ليس بوسع أحد منا أن يعطى الغفران لوالدي،لقد فات الأوان الآن ، مل الذي بقى هو أن يستمر شداد كما أراد.
الأم : يخيل ألي انك أنت الآخر لا تؤمن بهبا..
مرثد : لو تركه يصل ارم لآمنت به ، ولكن حين قتله فقدت إيماني السابق ، لماذا قتله يا ترى؟
الأم : لأنه تحداه!
مرثد : وما الفرق إذن بين هبا وبين أي رجل؟
الام : ( عائدة إلى البكاء ) القصة تعاد مرة أخرى..أرجوك يا مرثد ،أرجوك،اصمت..اصمت..
مرثد : لسوف اصمت طبعاً..القضية الآن هي المملكة..هذا كل شيء..أريد أن أعوضهم خوفهم وكراهيتهم فاقدم نفسي ،بالسرعة القصوى،ملكاً جديداً ينسيهم شداد..فيتخلص من حقدهم.
الأم : وهبا؟
مرثد : ( بثبات )سوف يبقى بين الناس،يرضيهم ويخيفهم،ويهبهم الخبز حين يأكل الجفاف الحقول ،يعطيهم النصر حين تنزرع الهزيمة..ولكنه يجب أن يبقى بعيداً عن شداد، ولقد دخلا معركة متكافئة،وانتهت القصة..
( يدخل رجل في لباس أقل أناقة ويقف بالباب باحترام)
مرثد : ( يلتفت إليه ويسأله بجفاف) أي جديد؟
الرجل : أخبار جديدة حملها رسول عاد من وراء أسوار ارم..
مرثد : ماذا يقول؟
الأم : (بلهفة ) نعم،ماذا يقول؟
الرجل : كان شداد في منتصف الطريق حين هب صوت كالريح أجفل حصانه فرماه،قال الرسول إن شداداً وقف وواصل مسيره في غيوم الصوت السوداء،كان صوتاً رهيباً شقق الأرض فغاصت ارم فيها ثم انطلقت من الشقوق ألسنة نيران أحرقت الأخضر واليابس .. يقول الرسول إن شداداً ضاع في عاصفة الصوت،ذابت عظامه ولم يبق إلا سيفه ملقى على الرمل وقد صار في لون وشكل الحجر …أما الحصان فقد مضى في الصحراء على غير هدى!
( تنكفئ الأم فتبكي)
مرثد : والرسل الذين لحقوا به؟
الرجل : ذوبتهم ذيول العاصفة وهم أجساد محروقة في الرمال…
( يزداد بكاء الأم)
مرثد : ( مخاطباً جدته ) ولماذا البكاء يا جدتي؟أنت تعرفين مصير أولئك الذين يتعالون على هبا..لقد كنا نعرف ذلك منذ أن ركب رأسه ومضى يتحداه! كل الذي ضيعناه هو جسده الذي كان حرياً به أن يحرق على قدمي هبا طلبا للغفران.. ( يلتفت إلى الرجل ) اذهب وبلغ الناس الأمر ، وليعلن الكاهن ملككم الجديد..
( الرجل يمضي ، مرثد يتجه إلى جدته)
مرثد : ( يحتضنها بحنان )اشكري القدر يا جدتي ،اشكري القدر..لقد وفر على نفسه ذل الموت الذي أمضى حياته يهرب منه،قريباً سوف ينساه الناس،لا قبر ولانصب ولا رماد،فماذا بقى منه غير الأسطورة؟
الأم : ( باكية)كل الذي تريد هو أن ترثه..
مرثد : من الذي يريد إذن أن يرثه غيري ؟من هو الجدير بهذا الإرث سواي؟
الأم : أنني لا أفكر بالمملكة.أفكر براحة نفسه..
مرثد : أما أنا فأفكر بالمملكة..أريد أن أجعل منها جنة..
الأم : ( مرعوبة ) جنة؟جنة؟وأنت تعرف القصة،تعرف أن الخطيئة لم تجف بعد؟
مرثد : نعم ، اعرف ،اعرف …ورغم ذلك فإنني أريد أن اصنع جنتي..
الأم : ( تقف وتتجه إليه بتوسل)ولكن لماذا يا بني؟ لماذا هذا السعي إلى الدمار؟لماذا هذا السعي إلى الموت؟
مرثد : حين كان أبي هنا يحكى لنا عن جنته كنت أقول لنفسي إن جنة هبا لابد أن تكون أروع ،وإذا كانت أروع ،فمن الطبيعي أن يتركه يكتشف ذلك بنفسه، يتركه يرى كم هي سخيفة الجنة التي يبنيها الإنسان أمام الجنة التي بناها هبا..ولكنه لم يتركه يكتشف ذلك..لم يتركه..لماذا؟
الأم : ( دون وعي ) لماذا؟
مرثد : لأنه لا توجد ثمة جنه..وإذا كانت هناك واحدة فهي لن تعطي التعويض الجدير بعذاب الحياة..لقد خاف هبا أن يكتشف شداد ذلك!
الأم : انك تتجه في نفس الطريق .. تبدأ من بدايته التي شادها أبوك ،كلا ..البداية التي شادها جدك نفسه.
( يهز مرثد رأسه بأسى وكأن قراره أقوى منه.ويتحول في الغرفة كالمحبوس،الأم تنظر إليه مشفقة ،يقف وينظر إليها).
مرثد : يا جدتي! إنني أود أن أكون مثلك..أود أن أكون باطمئنانك وقناعتك ..ولكن البذرة التي زرعها والدي قبل مصرعه آخذة في النمو مثل شجرة الزيتون..
الام : إنها الخطيئة..
مرثد : إنها القدر..
الأم : و الآن
مرثد : أود لو أستطيع أن أراه ، الآن ، لأرى أي اطمئنان وصل إليه أم أي خوف؟انه في مكان ما،ولكن لاشك انه وصل إليه باختياره ..ولذلك فقد نال الاكتفاء.
الأم : (بأسى)انه جسد محروق بلا غفران..
مرثد : الغفران هو آخر ما يريده والدي..لقد كان يبحث عن الاكتفاء.
( يدخل نفس الرجل الذي دخل قبل قليل ، نفس الوقفة ونفس اللهجة الجامدة)
الرجل : الكاهن على استعداد،والناس يلتفون بالانتظار..
مرثد : والخطاب؟
الرجل : يقول الكاهن أنك ستلقيه أنت،ويجب أن يكون حول تمجيد هبا،وجبروتها وصرعها والدك بسبب من خطاياه وتعاليه.
( الأم تنظر إلى مرثد ، مرثد يهز رأسه مطمئناً ثم يلتفت إلى الرجل)
مرثد : طبعاً يجب أن يكون الخطاب كذلك!يجب أن يعرف الناس منقلب الخطاة ومصائدهم ،قومي يا جدتي ..يجب أن تكوني هناك ، تشهدي تتويج حفيدك..
( الأم تنهض بهدوء وتستبدل شالها الأسود بشال أبيض،والرجل يتقدم ويلبس مرثد معطفاً أحمر موشى بالذهب.
يتقدم مرثد ويسلم ذراعيه للرجل الذي يقوم بإلباسه فيما تواصل الام النظر ، الرجل يخرج ،أصوات موسيقى في الخارج – مرثد يقف قليلاً وينظر إلى الجدة بأسى ،الجدة تتقدم نحو الباب، تصل إليه فتقف وتلتفت).
الأم : إنني اشهد البداية دائماً،وأعيش لأشهد النهاية..ودائماً ينتصر هبا،ودائماً تنهزمون ..ولكنني بدأت أفكر الآن بشكل جديد ، انه من العار أن يبدأ المرء بالتفكير بعد السبعين من عمره..
مرثد : بماذا تفكرين يا جدتي..؟
الأم : ( تهز رأسها قليلاً ،وتنظر إليه صامتة)إنكم تخسرون دائماً لأنكم تبدأون ،دائماً،من البداية.. إنكم تعطون هبا بملء إرادتكم – حياته وقوته وسلطانه،وتحسبون أن ذلك جدير بإعطائكم فرصة بناء جناتكم على الأرض .. دون أن تعرفوا بأنكم إنما تحكمون على هذه الجنات بالدمار ،منذ البدء ..وها أنت تبدأ من حيث بدأ شداد تماماً …بل انك تبدأ بنفس الكذبة التي بدأ بها ..ولقد بدأ هو الأخر من حيث بدأ عاد..وبنفس الكذبة أيضاً : من المعبد الذي يتربع هبا فوقه!
( تخرج ، ينظر إليها مفكراً لحظة ،ثم يسوي معطفه الأحمر ويلحق بها بخطى واثقة بينما تعلو أصوات الموسيقى..)
) ستار)
الفصل الرابع
( غرفة مختلفة تماماً عن الغرفة التي سبق بناؤها في الفصلين الأولين، ويجب أن تعطي المتفرج انطباعاً أولياً بأنه قد ترك عالماً قائماً بذاته لينتقل إلى عالم آخر – إنها مؤثثة بشكل فني غريب، فني إلى حد الطرافة-الغرفة مضاءة بشكل متوهج إلا أن مراكز الإضاءة غير ظاهرة، في أحد المقاعد يجلس رجل يلبس ما يشبه العباءة، ذات لون أبيض ناصع له لحية كثة وكتفاه عاريتان، العباءة تبدأ من تحت أبطيه، وهو ماض في خياطة ثوب من لون أحمر فاقع، مقابله يجلس رجل آخر يراقبه بإمعان كأنه يعد الغرز التي يخيطها زميله-في الكرسي الثالث –المتصدر-يجلس شداد بنفس الملابس التي شوهد بها في الفصل الأول، إلا إنها تبدو عتيقة ومتعبة، كما انه لا يحمل سيفه، يجلس بتراخ دليلاً على التعب والإرهاق، الرجلان غير مهتمين به.
في صدر الغرفة يوجد باب مغلق، شكله يدل على مدى ثقله ومتانته-وفيما عدا هذا الباب لا يوجد ما ينبئ عن تعمد وثقل في الغرفة..).
الرجل الأول: ( دون أن يلتفت إلى شداد ) هل كان الأمر متعباً؟
شداد: إي أمر ؟
الرجل الأول: الموت ، موتك ..هل كان متعباً؟
شداد : الرحلة إلى هنا كانت متعبة..أما الموت!(هز رأسه مشوشاً) لقد كان موتي خاصاً وغريبا وأخشى أن لا تفهماه..
( يتبادل الرجلان نظرة سريعة، الأول يكف عن الخياطة، الثاني يكف فوراً عن مراقبته، الرجلان معاً ينظران إلى شداد).
الرجل الأول: ماذا تعنى بقولك خاص وغريب ؟أيها الفتى!الموت هو الموت، وليس ثمة موت خاص وموت غير خاص، ليس ثمة موت غريب وموت غير غريب..إذا أتى الموت، فهو يأتي- دائماً – بشكل واحد..
شداد: ( بتراخ) هذا هو الفرق!الموت لم يأتيني، أنا الذي جئت به..
الرجل الأول: انتحرت!
شداد:ربما، لست ادري لقد صارعته.
الرجل: كل شيء في هذا المضمار واحد، ولقد فقدت الحياة هذا هو كل شيء، أما كيف فهذا سؤال يطرح قبل الموت ثم بعده..
( الرجل الثاني – الصامت – يهز رأسه موافقاً)
شداد:هل مت منذ زمن بعيد؟
الرجل بسخرية ) زمن؟أوه!أنت تحمل معك مشاكل الأرض إلى هنا..الزمن شيء تتذكره هنا بشيء كثير من الحسرة..(ينظر إلى الرجل الآخر)أتذكر؟شمس تشرق وشمس تغرب..الصباح، الظهيرة، العصر، المساء..أتذكر؟الليل والنهار!يا للماضي السحيق..ثمة شمس وقمر يقولان: هاهو ذا يوم يبدأ، وهاهو ذا ليل ينتهي!(يلتفت إلى شداد)ليس ثمة وقت هنا، افهم هذا منذ البدء وأقبله، سوف تبقى الدنيا،لك،كما تركتها..أما هنا، فليس ثمة وقت..
شداد: (يقف ويتجه إلى الرجلين)تقول هنا؟أين هنا؟هل تعرف؟ أهذه هي الجنة أم النار؟
الرجل: بين بين..
شداد: وماذا تفعلان هنا في هذه البين بين؟
الرجل: إنها قصة طويلة سوف تستوعبها بعد طول إقامة..لقد حكيناها لبعضنا مئات المرات، ولا يضيرنا أن نحكيها مرة أخرى!
(يضع قطعة القماش الحمراء على الأرض، ويتجه إلى الرجل الآخر..)
انه دورك الآن..لماذا لا تحكيها ؟
الرجل الثاني: ( يبدأ بسرعة كأنه كان ينتظر الإيعاز) أنا وهذا ( يشير إلى صديقة ) أحببنا فتاه واحده..ثم فاز هو بها، أما أنا فبقيت العاشق الذي لا تطفئ نار جواه..ثم بدأت أزورها كل مساء،وكان زوجها غائبا في الحرب يكتب لها رسائل رائعة تقرئها لي ونضحك..ثم عاد الزوج، ذات ليله ليجدني عندها، كان يحمل سيفه فذبحني به وأنا في حضنها.. ثم أتيت إلى هنا، لقد استغرقت رحلتي أيام ثلاث، كم استغرقت رحلتك أنت ؟
شداد:ثلاثة أيام، كما اعتقد..
الرجل الثاني: لم انتظر طويلاً – أم تراني انتظرت طويلاً-حين وصل هو (يشير إلى صديقه)وبعد فترة زارنا هبا..
شداد: إذن سوف يأتي فيزورنا؟
الرجل الأول: طبعاً، انه يأتي دائماً..
الرجل الثاني: (متابعاً بحماس) قال لنا انه ليس من منا يحب الفتاه أكثر، وقال انه لا يهتم بما نسميه في الأرض خيانة زوجية، الحب، الحب فقط هو الذي يهمه..
( يتمشى الرجل في الغرفة ثم يعطي ظهره إلى واجه المسرح ويكمل)
الرجل الثاني: لقد قال لنا أن هنالك طريقة واحدة ليس غير.أعطاه هذا القماش وقال له أن يقوم بخياطة ثوب الفتاة التي يحبها، فإذا كان يحبها فعلاً فهذا يعني انه يجب أن يكون على تصور كاف لكافة مقاييس جسدها، فإذا أراد أن يفوز بالفتاة فيجب أن يكون الرداء مناسباً لها تماماً، ولديه فقط فرصة واحدة لإثبات ذلك..
شداد: ( ساخراً) وأنت؟
الرجل الثاني: انه يبذل جهداً متواصلاً ليفوز بالفتاة، ليس لأنه يحبها فعلا، ولكن لأن بالموضوع كله موضوع انتصار أو هزيمة..أما أنا فإنني على المحك، معه، هل كنت أحبها فعلا؟هذا السؤال الذي يهم هبا، إذا كنت أحبها فيجب أن أبذل جهداً لأفوز بها.
شداد: كيف؟
الرجل الثاني: يجب أن اعرف عدد الغرز التي استعملت لخياطه الثوب.
( يقترب من شداد ويشرح له مستعيناً بيديه )
إنها نوع من المبارزة الشريفة، إذا أراد أن يربح الفتاه فعلية أن يبذل كل جهده لأخسرها أنا، مثل كل الأمور في الدنيا..
شداد: وهل يحبها حقاً؟
الرجل الثاني:اسأله..
الرجل الأول: إنني لا أحبها الآن، طبعا لقد سئمت كل هذه الألاعيب..كل ما في الأمر إنها موجودة في الغرفة الأخرى ( يشير برأسه إلى الجدار )جالسه بين عشره رجال، وعليها أن تقاوم كل حيويتهم وجاذبيتهم لتثبت هي الأخرى بأنها تحب واحداً منا فقط، وإنها ليست مصابه بحب رجل يعطيها اكتفاءها.
شداد: إذا كنت لا تحبها، فلماذا تهتم بها؟
الرجل الأول:إن ذلك يعطيني شعورا بالأهمية، ليس أكثر..
شداد:ولماذا استغرقت خياطة الثوب كل هذا الوقت؟
الرجل الأول: لأنني أعود، كل ليه، فاسحب الحيطان من جديد.
شداد: ولماذا ؟
الرجل الأول: لأنني لا أريد أن انتهي، لا أريد أن أموت مره أخرى..هل تتصور أنت معنى أن ينتهي عمل ما؟
شداد: إنها لعبة حقيرة!أسوأ مما في الأرض، تحت.
الرجل الأول: كلا..انك هنا تعرف كيف تجرى الأمور، ولماذا..وبالتالي تعرف هاهي الغاية، ويكون بوسعك إن تختارها..
شداد: ( كأنه تذكر شيئاً )ولكنكما صديقان!
الرجل الأول: طبعاً، ولقد اخترنا أن نكون كذلك، فهذا أفضل، إننا نرد على هبا..
شداد: تتحدثان عن هبا كما لو انه لا يسمع ولا يرى ولا يعرف..أنت تحكي عنه كما لو انك تريد خداعه..ماذا؟ألا يسمعك..
الرجل الأول: كلا!انه لا يسمعنا، وهو الذي قال لنا ذلك بنفسه..أتعرف الفرق بينك وبينه؟انه يدخل إلى الغرفة،إلى أية غرفة،دون أن يقرع الباب ، تجده في غرفتك دون أن تحس ،هذا هو كل شيء..فإذا رأيته باستطاعتك أن تكف عن الكلام، ولكنه، على إي حال، سيسمع آخر كلمتين أو ثلاث من الحديث، ومن هذه الكلمات يستطيع أن يعرف كل الذي في رأسك، انه ذكي جداً.
شداد: ذكي؟
الرجل الأول:طبعاً..ذلك انه عاش طويلاً..
شداد:هل يناقشكم؟
الرجل الأول: طبعاً، انه إنما يأتي كي يناقش، انه يحب ذلك..ماذا، أتريد أن تناقشه؟
شداد: ( مبتسماً ) أنما أتيت من اجل هذا فقط..لدي،في رأسي،ألف سؤال أود لو أستطيع تذكرها كلها..
الرجل الأول : ( يفرك يديه) إذن سوف نرى شيئاً طريفاً جداً..بودي لو يحضر..
الرجل الثاني: ( سعيداً) سوف يحضر.. سوف يحضر
( شداد يدور في الغرفة ثم يعود فيجلس مكانه وينظر اليهما وهما يتابعان عملهما بهدوء وبعد هنيهة يقول كأنه يكمل حديثاً..)
شداد: لو أفترضنا انك فزت بالمرأة، فإلى أين ستذهب؟إلى الجنة أم الجحيم؟
الرجل الأول: سأذهب معها!سأذهب معها ولا يهمني أين، بل لأنني اعتقد انه لا يوجد إي أين هنا..
شداد: كما على الأرض..
الرجل الأول:ليس تماماً.. الغاية هي التي تشغلك على الأرض، أما هنا فمجرد الرفيق.
شداد: (بسخرية) تحكى عن الغاية وأنت هنا لا تعرف إلى أين ستذهب...
الرجل الأول: لذلك قلت لك إن هذا لا يهمني.. أنت ما زلت تفكر بالتفاصيل، أما هنا فنحكي عن الكليات دفعة واحده..
شداد: مثل ماذا؟
الرجل: مثل.. مثل إن وجودك هو شيء مستمر ولا نهاية له، وبالتالي فأنت المسئول الأوحد عنه..
شداد: كيف؟لقد فقدت عقلك أيها الرجل، فقدت عقلك!أريد أن أعرف:هل هو الذي أثر عليك إلى هذا الحد؟أعني هبا، هل هو الذي أقنعك بكل هذا الغباء؟أنت تعيش هنا كالبقرة، تعيش كحيوان لا أكثر..تعيش كما لو انك..
الرجل الثاني: ( يقاطعه وينقر على كتف زميله، الأخر يهز رأسه ويبتسم)هل سمعنه؟انه يقول أنت تعيش!مازال يفكر برأس من تراب..
( ينظر إليه بشفقة مفتعلة )هل نسيت أيها الفتى إننا أموات؟
شداد: ( برعب) صحيح ، نحن أموات!
الرجل الثاني: يلزمك وقت طويل لتكف عن ترديد كلام الأحياء..
شداد: الأحياء! الأحياء يدفعون ثمن موتهم سلفاً ليأتوا إلى هنا ويعملوا كالنساء في خياطة الأثواب.. قل لي..ألم تكن تطمع بالجنة وأنت هناك..تحت؟
الرجل الثاني:لقد ضحكوا علينا.
شداد: والآن ؟ بماذا تطمع؟
الرجل الثاني: لاشيء على التحديد..الأموات لا يطمعون بشيء.. ربما الرفيق فقط، نعم، هذا صحيح، الرفيق فقط..وأنت ترى(يشير إلى صاحبه)إننا، معاً، لا نطمع بأيما شيء،إننا نشعر بأهميتنا البالغة بسببها(يشير إلى الجدار )وفيما عدا ذلك ليس ثمة ما هو مهم..
(ينظر إلى زميلة مشفقاً ثم يقول بصوت خفيض)
الرجل الثاني:انه وجهي الأخر الذي لا أستطيع أن أرمية، إننا نجلس معاًُ إلى حد يضطر فيه واحدنا أن يحمل قدر الأخر وان يفكر بمصيره إلى حد تتضاءل فكرة النصر وفكرة الهزيمة..
( يجلس شداد في كرسيه، ويغرق في أفكاره، ثم ينهض وقد استبدت به الحماسة)
شداد: لقد بنيت جنه على الأرض ودمرها أمام عيني وأنا مصلوب على عمدان من قار مغلي، وكنت أرى جواهرها تذوب كما يذوب الرصاص وتسيل في القنوات كالماء اللامع لتغوص في قاع الأرض..لماذا فعل ذلك كله بي؟.
( الرجلان ينظران إليه مشفقين، فيما يمضى بصوت أعلى)
لقد عذبت أمي في سبيل أن اعتقها من صنمه الأبيض المنصوب بين بيوت الناس! بعت مملكتي بومضه من ومضات الحقيقة التي لا يراها المرء الا كما يرى البرق..أردت أن أفك النير عن رقاب الناس الذاهبين إليه الآيبين من عنده التاركين تحت قدميه كل كبريائهم وشجاعتهم..
( يلتفت إليهم ويبدأ بالصياح)
ثم ماذا حدث ؟ لقد نازلته في معركة صب فيها علي لهب الجحيم، جردني من سيفي ورماه أمام عيني، فإذا به صوان لا يقطع الهواء..وماذا وراء لك كله؟ رجلان يخيطان ثوباً لامرأة موجودة في غرفة أخرى، لا يريدانها ولا تريدهما..عقاب سخيف أسوأ ما فيه انه مهين ومذل..لقد وعدنا هناك بالجنة، وها هو الآن يتركنا فريسة السخف والغباء.
( احد الرجلين يشير إلى الأخر ثم يتجه برأسه إلى الباب، الرجل الثاني يحاول لفت نظر شداد الماضي في صراخه، الباب السميك ينفتح ببطء ويدخل شاب جذاب قوى الملامح طويل القامة غزير الشعر،الباب ينغلق من تلقاء نفسه،الشاب يتكئ على صفحته ويراقب شداد الماضي في صراخه..)
شداد: أخافنا وعذبنا وسحق كرامتنا، وضيع شجاعتنا، ومسخ طموحنا، وسلب وقتنا وحين حاولنا التمرد عليه حاربنا، ولما اطعناه أذلنا..وها نحن نموت فإذا بالكذبة الحمقاء لئيمة حتى العظم..
الشاب بهدوء مقاطعاً) أنت غاضب علي..
شداد: ( يلتفت إليه فجأة، يفاجأ، ويعود إلى الوراء) من أنت؟
الشاب: هبا..
شداد: صورتك في حينا ليست كذلك..
الشاب:انتم نحتم الصورة..
شداد: ولكنك شاب..
هبا: هل تعتقد انه من الضروري أن تنبت للحمه لحية بيضاء طويلة؟ لو كانت لك القدرة لتختار وقتاً تعيش فيه كل عمرك، أي وقت تختار؟
شداد شارداً) الشباب..
هبا: حسناً، لقد اخترته أنا..
شداد: أنت لا تخيفني..
هبا: لقد أخفتك طويلاً، أما هنا فلا مبرر للخوف..
شداد: ( يقترب منه غير مصدق) أنت إذن هبا..
هبا: أنا هو، محط غضبك وحقدك..
شداد: سيصاب الناس بالجنون لو علموا.
هبا : القصة عندكم في الأرض تكبر في ثلاثة أيام ..فكيف تريدها أن تصير إذا عمرت أجيالا؟.
شداد: ولكن..لماذا أنت هبا..لماذا ليس أنا؟
هبا: لأنني أتيت أولاً، هذا كل شيء ، لو أتيت أنت قبلي إذن لكنت أنت..
شداد: أتيت؟من أين أتيت؟
هبا: لن تستطيع أن تفهم الأمر، أنت ترى، لقد حدثت القصة منذ وقت لا تستطيع أن تلاحقه بعقلك॥
شداد: ( بلؤم ) لنحاول.
هبا: ثمة شيء يبقى بعد أن يموت الجسد، هذا الشيء، الذي تسمونه ضميراً، لا يموت مع موت الجسد، بل يطير ويلتصق بقبة السماء..إن لهذا الشيء خاصة جاذبة بحيث يجذب كل ما يشبهه ،لان ذلك بدأ منذ أول إنسان ولد،فقد تكاثر وتضاخم..( يشير إلى نفسه ) ها هوذا..
شداد: الم يختلف عليك الأمر؟
هبا:بلى، اختلف كثيراً..حين أكون في الجسد الحي أكون إرادته واختياره، لو تستطيع أن تعرف!أكون في الداخل، هل تفهم؟لم أكن شيئا يأتي من الخارج،كنت انبت في داخله،ولذلك لم أكن مرعباً..لأنه كان-قل ذلك إن شئت- يعرفني تماماً..(يهز رأسه) مهما كنت طيباً ، فان قدومك من الخارج لا يرحب به كثيراً..
شداد: إذن أنت هبا؟
هبا: كف عن التساؤل الذي لا مبرر له..هل انتحرت؟
شداد: ( بدهشة ) كيف عرفت؟
هبا: هذه لهجة لا يتكلم بها إلا إنسان انتحر، وهو يأتي لمقابلتي دون خوف، قل، لو شئت، بلا خوف كثير.. ذلك انه يكون قد تعرض لخوف اكبر، الخوف من إرادة الموت..
شداد: من الموت؟
هبا: كلا، من إرادة الموت..إن الموت نفسه لا يخيفكم، لأنكم لا تصدقونه ولا تعتقدون قط انه سيأتي لكم، الآن، أو بعد.أما إرادة الموت فإنها شجاعة مواجهته وتصديقه..
شداد: ولكنني لم أرد الموت تماماً..صحيح إنني كنت أجد في طلبه، ولكن على أمل أن أنازله.
هبا: تنازل من ؟
شداد: أنازلك..
هبا: ومن الذي انتصر؟
شداد: كأنك لا تعرف!لقد سلطت علي كل قواك، انفردت بي بكل الأسلحة التي لم نسمع عنها فجعلتني رماداً دون أن تعطيني فرصه مواجهة عدو أشاهده بأم عيني..
هبا: ولكنك واصلت التقدم، أنت الذي اقتحمت عاصفة الصوت..
شداد: كنت أبحث عنك..
هبا: ألم تكن تريد النصر؟
شداد: في صلب المعركة لم أفكر بالنصر أو الهزيمة..لقد فكرت بك.. بك أنت فقط، تراك حقيقة أم أكذوبة؟هذا الذي شغلني وحسب..وأنت؟ ما الذي كان يشغلك؟
هبا: أن تعود أو لا تعود..
شداد: أنت لم ترد أن اصل إلى ارم؟
هبا: كلا! كانت ارم هبا جديداً منافساً..لقد كان النزال، إذن بيني وبين ارم..
شداد: وماذا كان دوري أنا؟
هبا: لقد كنت أنت وارم شيئاً واحداً لا ينفصل، ولذلك حين قتلتك عاصفة الصوت اندلعت النار بنفس اللحظة، في ارم..أنت ترى الآن..أنا والعالم شيء واحد أيضا..إذا ما دمر العالم قضيت أنا.
شداد : لقد دمرت ارم إذن؟كيف استطاعت نارك أن تلتهم كل ذلك الجمال والعطاء والنبل؟ كيف استطاعت قواك أن تأكل ذلك الجهد الذي لم يحدث أن شاهدت الأرض نظيره؟
هبا: ارم لم تكن موجودة إلا في راسك؟وحين ذاب رأسك ذابت..
شداد: لقد أقمتها من الجوهر والضوء، وسقت إليها الماء من تحتها ليبعث الحياة في زجاجها وشجرها وريحها وأناسها..لقد كانت من مادة صافية صفاء الجليد..
هبا: كلا، لم تكن إلا فكرة، وهمك جعلها تبدو لك من حجر وجوهر وضوء..
شداد: (يفكر قليلاً وهو يتجول في الغرفة، ثم ينفجر به)أية سلطة تجعلك تريد الكلمة النهائية؟من أنت لتحكم علي بالكذب..؟
هبا: أنتم أعطيتموني السلطة لأحكم عليكم بالكذب، ولتكون لي، كل الكلمات النهائية..ورغم ذلك فإنني سأقول لك شيئاً هاماً.. ليس ثمة سلطة في الأمر، وليس ثمة كلمه نهائية، إذا كنت أنت لا تريد أن تعطيني تلك السلطة وتلك الكلمة النهائية!
شداد غاضباً) هراء!(يشير إلى الرجلين المنهمكين في عملهما) انظر ماذا فعلت بهذين المسكينين، وانظر بماذا حكمت عليهما ..ألم تكن تلك هي كلمتك النهائية؟ألم يكن حكمك؟
هبا: ورغم ذلك، فأنا لا احكم قط، أنا اقترح فقط، وذلك ليس إلا بحكم الخبرة الأطول!
شداد: من الذي يحكم إذن؟
هبا: ( يدور إصبعه بهدوء مشيراً إلى الجدران )أولئك الموجودين في الغرف الأخرى، إنهم يحكمون عليك أو لك..
شداد: كيف يحكمون علي دون أن يعرفوني؟
هبا: إنهم يحكمون عليك لأنهم لا يعرفونك..
شداد: وهل من الضروري أن يحدث هذا لي؟
هبا: يحدث لك؟كلا!انه يحدث لهم..الحكم على الآخرين قضية لاتهم المحكوم عليهم، تهم الحاكم..
شداد: وأنت الذي تتيح كل ذلك؟
هبا: أنا لا أتيح شيئاً..ولكن حتى لو اتحت ،فأي ضير في الأمر؟الست ترى إلى نفسك: إيه متعه تجدها في الحديث عنهم وأنت لا تعرفهم؟انه من الصعب جداً بل من المستحيل أن تحكم على المرء، أو له، إذا عرفته..
شداد: أنت تتسلى؟وهذا شيء مضحك!ربما صار عالمك-من فرط ما عشت-سلسلة من التسليات الغريبة والمؤلمة معاً..أنت هنا، كما أنت في الأرض ،تتسلى..
هبا: أوه!سوف تكرر الآن على مسمعي كل الكلام الذي سمعته طوال أجيال وأجيال! سوف تعدد لي المآسي التي شهدتها.
سوف تحكيها وأنت موشك على البكاء كما فعل الجميع، سوف تحكى لي-أنا أعرف-عن أطفال قضوا دون ذنب ارتكبوه، وآخرين عاشوا وتعذبوا دون مبرر..هذه قصص قديمة..قديمة قدمي.
شداد: ورغم ذلك فإنها ما تزال تجري كل يوم..خذ أمي مثلاً..
هبا: تحدثني عن أمك!تلخص الكون كله في أمك!كيف يخطر على بالك، ولو للحظة واحدة، إنني احسب حساب الأفراد بهذا الشكل المضحك؟هل تعتقد انك لو حكمت ارم لأسعدت كل الناس ولفكرت بكل الأفراد؟لقد شهدت أنا من موت الناس ما اعجز عن عده أو عن تذكره أو حتى تذكر متى بدأ..ورغم ذلك ، ماذا تحسب أنت؟ أنا هنا أفكر في العالم كله، جيلاً بعد جيلا دفعة واحدة..حين ابتنيت ارم هل فكرت بكل العمال الذين قضوا تحت سياط الشمس أو تحت انهيار جبال الرخام؟. لقد كنت تريد أن تبني جنتك، وكان ذلك كل شيء بالنسبة لك، أما أنا، فأنتم أنفسكم الذين تقولون أنني أبني الحياة، فلماذا لا تعطيني نفس الفرصة؟
شداد: ولكنك تطالبنا بالركوع على أقدام تمثالك الحجري، بإعطائك أبنائنا وأكبادنا ودماء مواشينا، تذلنا لنشكرك وإذا شكرناك استعبدتنا..
هبا: أنا لم أطالبكم بذلك، بل إن تمثالي الحجري الذي تحكي عنه لا اعرفه، وأنت بنفسك قلت انه لا يشبهني..لقد قلت لك..حينما عرفني الناس كشيء خارج عنهم فكروا في أن يحسنوا ضيافتي إذا ما أتيت، أو أن أحسن ضيافتهم إذا ما أتوا..
( يتقدم إليه بخطى ثابتة ويضع يده على كتفه بعنف)
قل لي..لماذا بنيت ارم؟
لأن العالم الذي وهبتنا إياه مقابل وعد مجهول كان عالماً قميئاً وسخيفاً..عالماً لا جدوى منه ولا غاية، لأن المرء يعيش فيه، يتعذب، يذوب..لماذا؟لأنه على موعد مع كلمة اسمها الجنة..وما هو الثمن؟أن تموت أخيرا مخلفاً كل شيء، على حين فجأة..
هبا: مخلفاً كل شيء لمن؟
شداد: (مرتبكاً) للآخرين!
هبا:أنت تعتقد إن ذلك خسارة أليس كذلك؟إذن دعني أقول لك انه يخلف كل شيء للعدم..حين يموت المرء، فبالنسبة له تموت حتى الأشياء..أتحسب إنك أنت الذي مت فقط؟ كلا! لقد ماتت ارم معك..مات كل شيء له علاقة بك..ابنك مرثد، بالنسبة لك مات، أيضا، رغم انه سيتوج نفسه اليوم ليكررك غداً..
شداد: وما الفائدة إذن من كل هذا الهزء؟
هبا: أي هزء؟
شداد: الوعد الذي يذل الناس..
هبا: أنت تريد أن تحكى عن المقابل الآن!من هو الذي رتب لكم عالمكم على أساس أن السعادة تقف مقابل الشقاء وأن الجزاء يقف مقابل العمل؟من هو هذا؟إن كل شيء في العالم يقف في صف واحد، لاشيء مطلقاً يقف مقابل الشيء الآخر..هل تفهم؟إن يومك ، بكل ما فيه ، هو التعويض الوحيد لذاته..
( يحاول شداد أن يتكلم فيشير له أن يصمت، ويمضي متابعاً بحدة)
ثم إنني تعبت من هذه القصة..قصه الموت!أنت تعرف أن الموت يحدث، بل إن الحياة لا تعني ما هي، لا تعني ما تعرفه عنها وما تحسه معها، إلا إذا وضعتها جنباً إلى جنب مع الموت..فكيف تريد أن تفسر الموت دون أن تكلف نفسك عناء تفسير الحياة دونه؟إنهم يموتون منذ تكورت الأرض، وحتى الآن تنظرون إلى الموت على انه شيء غامض وعجيب..
شداد: ( بحده) أنت تحكى عن الموت والحياة بهذه الصور ه لأن الحياة والموت لم يكونا يعنيان بالنسبة لك شيئاً..أنت لا تموت ولهذا فمن الصعب أن تقول انك تعيش..
هبا: هذا صحيح، أنا لا أموت ولذلك فمن الصعب أن يقال بأنني أعيش، ولكن وبنفس البساطة دعني أقول:أنت تعيش، ومن السهولة أن يقال انك تموت، أيضا.
شداد: أنت العكس إذن؟
هبا: أنتم تبدأ حياتكم بالولادة وتنتهي بالموت..أما أنا فتبدأ حياتي بالموت، وتنتهي بالولادة.
شداد: لقد خلقك الموت.
هبا: لقد خلقت نفسي قدراً حين كان الناس عاجزين عن صنع أقدارهم..
شداد: ولكنني حاولت أن اصنع قدري بنفسي..فلماذا لم تتركني؟
هبا: كيف صنعت قدرك؟ بأن حققت للناس الأسطورة التي تلهب حياتهم بالأمل والجدوى؟ إنهم يفضلون الاتكاء علي فذلك ادعى إلى راحتهم..
( ينظر شداد إليه بهدوء لحظات..ثم ينهض ويقترب منه)
شداد: الآن، وقد جرتني من قدري وحياتي..هل ستعاقبني ( يشير إلى الرجلين ) بإعطائي قطعه قماش حمراء أصنع منها قدراً تافهاً؟
هبا: فكرة المقابل هي فكرتك الرهيبة! كل شيء تقوم به تريد أن تحصل على تعويضه، إنني سأقترح أن تعطى كرة كبيرة من المطاط تواظب على قذفها إلى الحائط كي ترتد إليك..ولسوف تبقى تقوم بهذا العمل حتى تقتنع نهائياً بأن أسخف شيء في الوجود هو أن ترتد إليك أعمالك بالمقابل..
( تسقط كرة المطاط من السقف، وتنط على الأرض عدة نطات) لقد أعطيت الكرة بلا مقابل، هل لاحظت ذلك.؟
شداد: ( ببرود ) أنا لا أريد هذه الكرة أصلاً..وسوف لن أقوم بهذا العمل السخيف..
هبا: أنت حر..أنا اقترحت اقتراحاً..لكنك ستجد انه إذا ما وقعت كرة مطاط بين يديك فليس بوسعك أن تمنع نفسك من ضربها إلى الحائط والإمساك بها من جديد..
شداد: ( غاضباً) ولكن لماذا؟ لماذا يتعين علي القيام بهذا العمل السخيف؟
هبا: لأنك أنت نفسك الذي أردت من العالم أن يكون كذلك..ألم تقل قبل هنيهة إن الحياة بلا مقابل سخيفة وقميئة؟
شداد: ولكن الحياة ليست كرة مطاط..
هبا: هذا هو رأيي منذ البداية..
( يتجه إلى الباب – شداد ممسك بالكرة شارداً – الباب ينفتح بهدوء، هبا يخرج، الباب ينغلق من تلقائه)
( ستار )
الفصل الخامس
( قبل أن يرتفع الستار تسمع أصوات نقاش عالية، كما لو أن الكلام هو تتمة لحوار طويل.
نفس الغرفة المشاهدة في الفصل الرابع.شداد والرجلان)
شداد: ( يسمع صوته فقط فيما يرتفع الستار بهدوء)
كلا!لن أكون غبياً!لن أكون مثلكما..كلا..ليأخذني إلى جهنم، ليتركني طعاماً هنياً للضجر والتردد، ولكنني سوف أعصى أمره..
الرجل الأول: لا طائل من وراء ذلك.
شداد: ( يلتفت اليهما – الستارة ترتفع نهائياً الآن ) ألا تريان انه يخدعنا؟انه يعطينا فرصه واحدة لاختيار واحد ويغلق أمام وجوهنا كل الأبواب؟إننا ضحية هذه الخدعة القذرة !يضعنا في اغرفه مع المستحيل ويقول لنا اختاروا!وهو يعلم تماماً إننا أمام الضجر والعبث لن يكون بوسعنا إلا اختيار العبث..ثم ماذا؟(يقترب منهما ويمسك بالقماش بعنف) تشتغلان في الخياطة بلا كرامة ولا هدف سوى الهروب من الضجر ( يقذف بالقماشة بعيداً،احد الرجلين يقوم ويلحق بها) أرأيتما أسخف من هذا؟لماذا لا تفكران بأمر آخر؟.
الرجل الأول: نفكر بماذا؟
شداد: بأي شيء غير الطاعة! لقد حاربته على الأرض وسأحاربه هنا..
الرجل الأول: ولماذا تحاربه؟
شداد:أريد أن اهزمه..تلك رسالتي،هناك وهنا..
الرجل الأول: انه لا يهزم إلا إذا مات..
شداد: ليمت إذن!
الرجل الأول:تفكير صبيان!هل سمعت عن إنسان يقتل هبا؟
شداد: كلا..ولهذا السبب يستمر في الوجود..
الرجل الثاني: ولكن كيف؟
شداد: ( يتجول في أنحاء الغرفة مفكراً ثم يبدأ الحديث كأنه يحلم) آه لو كانت لي قدراته، آه لو استطعت أن أصب عليه عواصف الصوت واللهب فأذيبه كما أذابني وأحطم عالمه كما حطم عالمي وانهي القصة القذرة كلها..(يفكر قليلاً) لو نازلني حياً لكان القتل أسهل، ولكنه ينازلني فكرة..رأساً مقابل رأس..
الرجل الأول: ( يقف ويتجه إلى شداد) هذا صحيح..لقد توصلت إلى أول الخيط..لقد قال ذلك بنفسه..الم تسمعه؟
شداد: ( مترقباً) ماذا قال؟
الرجل الأول: قال انه والعالم شيء واحد، كما كنت أنت وارم..أنت الوحيد القادر على أن يكون بديله لو استطعت أن تدمره، وتحتفظ بفكره عالمه..
شداد: حسناً ..ماذا يعني كل هذا؟
الرجل الأول: انه الشوط الأكبر في الأمر كله..لقد دمرك من أجل أن يدمر ارم، هذا يعني انك وارم منافسان له ولعالمه..وبوسعك أن تنازلهما مرة أخرى..
شداد: ( حانقاً ) ولكن كيف أنازله؟ هذا هو أهم ما في الأمر، كيف؟
الرجل الأول: لقد قال أيضا انه يموت بالولادة..
الرجل الثاني: نعم..اعتقد إن السر هنا..
شداد: لنفكر بالأمر إذن، بدءاً من هنا.انه يولد بالموت..( يفكر)هذا يعني انه يولد هنا..ولو قدر لإنسان ما أن يعود من هنا لحدثت الولادة..
الرجل الأول: صحيح!صحيح!لقد توصلنا إلى الأمر كله..
شداد: ولكن كيف بوسع المرء أن يعود؟
( يقف – يتمشى في الغرفة-ثم يأخذ في الصياح كما لو أصيب بمس).
آه لو يستطيع الواحد منا أن يعود ليقول لهم انه لا يستطيع شيئاً!آه لو أستطيع أن أعود وأقول لأمي: يا أماه! لا تقدمي القرابين لتمثاله القائم بين الناس كالوتد..لا تخافي..انه لا يستطيع أن يفعل شيئاً..انه يخيفك عبر عالمنا، هنا، عالم الموت..ولكنه إذا ما سقط من الفضاء إليكم لمات في الطريق مثلما يموت المهزوم قهراً.
( يتجه إلى الباب، يحاول أن يلتمس أطرافه وحين يفشل يأخذ بهزه بعنف دون جدوى).
الرجل الأول: لا تحاول !انه قاس وبارد مثل البلاط..لن تستطيع أن تخرج من هنا..
شداد: انه يعيش بالموت!يعيش بالموت..لولا ذلك ما استطاع أن يستمر ولذلك يغلق هذا الباب بيننا وبين العودة ويتركنا هنا..ألم تفهما بعد؟نحن سره الوحيد!نحن!أنا وأنت وهو!نحن سره! انه يعيش على ظهورنا، يسوقنا كالبقر..
الرجل الأول: إن الخروج من هنا مستحيل! ألم أقل لك منذ البدء انه لا يهتم بكل إلي نقوله وبكل الذي نفعله؟ ألم اقل لك –(يلتفت إلى الرجل الأخر) ألم اقل لك انه يقتلنا، ومن جديد ومرة أخرى، لأننا الآن أكثر أهميه بالنسبة له عما كنا في الحياة؟
( ينهض، يهز شداد بعنف وهو يشير إلى الباب ).
أترى هذا الباب! انظر إليه جيداً لقد تآكلت أظافري وأنا اخشمه كالقط المجنون، لقد ذابت عظامي من فرض ما انهمرت فوقه..لقد حطمت جمجمتي كي أشق ثغرة تتسع لطيران كلمة حقيقية واحدة..ثم ماذا؟كنت أتهاوى كالقطن ،هنا ،نعم! حيث تقف أنت مغروراً كالطاووس ..أتحسب انك الوحيد الذي عرفت السر؟كلنا عرفناه..كلنا..بعد يوم بعد ساعة بعد سنة بعد جيل، المهم عرفناه..تراه يستحق أن يقتل الإنسان نفسه من اجله؟.(يبتعد عنه ويشير بإصبعه صاعداً نازلاً كأنه يقيس قامته) أنظر ماذا فعلت بنفسك أيها المجنون!.ها أنت هنا! اذهب،ذهب ،حطم الباب،حطم نفسك!لن تستطيع الفكاك من الشرك الذي رميت بنفسك إليه!
شداد: ( بهدوء وكأنه أولم) ورغم ذلك، فأنا لن استسلم قط..لقد حاربته هناك وسأحاربه هنا..إنني اعرف أن البذرة التي زرعتها، هناك، في ارم، لابد أن تنمو يوماً،لا بد أن تشرق من بين الحطام الذي احرقه وذرا رماده في الهواء..(يتجه إلى الرجل بعنف)ألا تفهم أنت أيها الرجل الذي خان صديقه في زوجته؟ أنا لم أمت، مثلك، كي أنسى..لقد مت في سبيل جنة أردت أن ابنيها تحت جنه هبا، أحسن من جنته واصدق لمسا وبصرا..لقد اقتحمت عليه غيوم أصواته الراعبه من أجل هذا الشيء الذي جعلني أفهم ثمن الموت..ولقد ارتضيته لأنه قدري الذي صنعته بنفسي..
الرجل الأول: ولكنك مت!مت!خسرت كل شيء يملكه البشر..الحياة..
شداد: لم أخسرها..لقد ربحتها..أنت الذي خسرتها!
الرجل الأول: إنهم يشتمونك..يقولون انك مغرور كافر..ابنك نفسه، في حفلة تتويجه، سوف يصب عليك نار حقده، ويكفرك أمام الناس والكهنة والتمثال الكبير الذي لم يشبعه الدم..
شداد: ورغم ذلك فأنا الذي صنعت ابني، وأنا الذي جعل ملكاً بملء إرادتي..ولسوف يذهب، يوماً إلى ارم.. وهناك سيجد الفكرة المحروقة وهي تنمو من جديد، وسيتغير..سيتغير..
الرجل الأول: وأنت؟أي مصير تنتظره؟
شداد: ( يشير إلى الباب ) لسوف أنهد على الباب حيى أحطمه أو يحطمني..ولسوف ينهدون هم عليه من الخارج..هم، الأحياء،مرثد وابن مرثد وحفيد مرثد ،ولسوف نجعله يشف بين أكتافنا حتى يذوب..هل فهمت؟ حتى يذوب! ولو كلف ذلك أن أبقى واقفاً تحت مصراعه كل ما تبقى من الدهر..
( فيما هو يشير إلى الباب ينفتح بهدوء..ويدخل هبا مرة أخرى، كما دخل في المرة الأولى – ويسند الباب المغلق بظهره)
شداد: ( بعنف ودون أن يفاجأ) وما الذي تريده الآن؟
هبا: جئت أقول لك أنك قد اكتشفت كل شيء..وأنني حقاً فخور بك..أنا، في الحقيقة، لا اقدر على حكم الأرض، بل أنا لا أقدر على حكمكم هنا..أنت، خارج هذا الباب تمتلك كل حريتك، بمعنى من المعاني، وهنا تمتلك حرية أقل من تلك التي كنت تمتلكها..
شداد: عن أية حرية تحكي؟ لقد نازلتني وفتكت بي ثم تقول إنني كنت امتلك كل حريتي..
هبا: أنا لم أنازلك..الصدفة هي التي قتلتك.. يبدو ذلك فاجعاً ومضحكاً، ولكن ألا تعلم أن الصدفة هي جيشي الذي يفتك بأعدائي ويذلهم ويحمل للناس الأيمان بي؟
شداد: تحكي عن الصدفة وأنت تحكي عن الحرية..لاشك إنها حرية مضحكة تلك التي يقترن الحديث عنها بالصدفة!
هبا: أنا احكي عن الحرية التي لا مقابل لها..الحرية التي هي نفسها المقابل..
شداد: وإيه حرية هذه التي أعطيتنيها في غرفة مغلقة بالصفيح والبلاط؟
هبا: يجب أن لا تنسى انك ميت الآن.. حسناً..يجب أن تقتنع بالحرية التي تعطى عادة للموتى..حرية الضجر والعبودية، ليس غير.
( يفتح الباب، وقبل أن يخرج يلقي بصره بهدوء على الرجال الثلاثة المشدودين ويشير إلى الباب وهو يقول ببطء، شاداً على كلماته)
هبا: هذه مملكتي! هذا الباب فقط: مملكة صغيرة ولكنها منيعة، العرش المجهول هو سر منعتها، والصولجان غير المرئي هو حارسها الأبدي..
( يخرج، الباب يغلق بهدوء، الرجلان يعودان إلى الخياطة، شداد يتجول في الغرفة، يتعثر بالكرة، يرفسها بعنف، ويرفع رأسه يحدق إلى الباب فيما ينزل:
( ستار النهاية
الأشخاص حسب الظهور
قيل : رئيس وفد عاد إلى مكة
رعد : صديقه وعضو في الوفد
لقمان : كاهن وعضو في الوفد
عاد : ملك القبيلة
شداد:ابن عاد ووريث مملكته
الأم : أم شداد
مرثد: ولد شداد ووريثه
رسول:من البلاط
الرجل الأول :
الرجل الثاني :
هبا: اله من آلهة عاد الثلاثة : صدا – هبا – صمود
الفصل الاول
( خلاء صحراوي – في المدى خيمة أو خيمتان ، وفي المقدمة بدويان جالسان كأنهما في الانتظار ، الوقت عند الصباح الباكر …)
( الرجلان هما قيل – رئيس وفد عاد لاستسقاء ماء الحجاز ، والآخر صديقه رعد…)
قيل : لو لم تذكرنا الجرادتان مهمتنا لنسيناها..
رعد : كان غناؤهما مثل أناشيد الآلهة…ولو كان يعرف معاوية ابن بكر أنهما ستشغلاننا عن الاستسقاء أذن لما أكرمنا بهما..
قيل : أو تعتقد انه دفعهما لغناء تلك الأبيات التي أعادت إلينا صوابنا؟
رعد : إن لم يكن ذلك من ذكائه فانه من ذكائهما .. ومهما يكن ، فقد آن لنا أن نصحو .. لقد تركنا الأحقاف تحترق من الجفاف .. لا المطر هطل ولا الآبار أعطت منذ أقمار وأقمار ..
قيل : ( ينظر إلى السماء ) يبدو أن دعاءنا لم يستجب ، لا صدا ولا صمودا ولا هبا يسمعون تضرعنا .. وغدا إذا ما عدنا دون ماء فان غضب عاد سيحيق بنا ، وقد يقتلنا ..
رعد : تراه لو علم بأننا استسقينا صدا وصمودا وهبا بدل آلهة مكة التي التجأ إليها ، أكان يغفر لنا ذلك؟
قيل : ومن أين سيعلم؟
رعد : لست أدرى ! ولكنه أرسلنا نستسقي آلهة مكة الماء ، ولم يرسلنا نتوسل لآلهتنا …أنت أعلم مني عن مدى كرهه لها..أنت أعلم مني بكل أفكار عاد..لماذا،تراه،هجر المعبد ودعا الناس إلى هجر هبا؟
قيل : انه يعتقد بأن الإله يجب أن يسقي شبعه ، لقد قال لي بأن الخطيئة ، أية خطيئة ، يجب أن لا تدفع الإله – عفوا هبا!-إلى الانتقام بأن يقتل البنات والضروع ويزرع الجوع..
رعد : ولماذا لم يطلب غفران هبا ليعطيه الماء؟
قيل : أنت تعرف لماذا..انه يعتقد أن طلب الغفران ذل..
رعد : والماء ؟
قيل : يستسقيه من مكة دون غفران.
رعد : إن هذا لعجيب ! أسمعت عمرك عن رجل يتحدى هبا؟ ما الذي يريده من النزال ؟لقد كان انتقام هبا رهيباً،ورغم ذلك فعاد يصر على خوض النزال حتى آخره ..أتراه جن؟
قيل : لا ، لا .. إنما هي فكرة نبتت في رأسه قبل أعوام وظلت تنمو حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن …
رعد : أية فكره فكرة؟
قيل : أن جده نوح هو الوحيد الذي ارتضى أن يعيش بعد أن يفنى الناس جميعاً .. لقد توصل إلى الإيمان بأن نوحا قد باع الأرض مقابل نجاته، إذ لولا ذلك لما كان لهبا أن يدمر الأرض … لما استطاع أن يفعل ذلك … لقد كان يفتش عن إنسان واحد يبدأ معه من جديد، وقد وجد ذلك الإنسان في نوح!
رعد : وماذا في هذه الفكرة؟ أية علاقة بينها وبين أن يمتنع عن طلب الماء من هبا؟
قيل : انه يعتقد بأنه لو استطاع ، مره واحدة ، أن يحمل إلى الأحقاف الماء رغم انف هبا-أذن لقتله… لجعل الناس يفقدون إيمانهم به وارتباطهم بتمثاله الأبيض القائم بين بيوتهم .
رعد : ولذلك أرسلنا نستسقي ماء من آلهة مكة؟
قيل : أجل هذا هو السبب…
( يصمتان ، يفكران ثم يتابع )
قيل : إنني اعتقد أن هبا هو الذي جعلنا ننسى رسالتنا في غناء قينتي معاوية بن بكر ، الجرادتين.. أو تدري يا رعد ؟ إنني خائف ، أحس كأن هبا معلق بين كتفي يحسب علي حركاتي وسكناني .. ذلك هو الذي دفعني لاستسقائه،بدل اللجوء إلى آلهة مكة..
رعد : هذا هو السبب أذن ؟كنت أتساءل طوال يومي وليلتي عن نكثك بعهدك لعاد..
قيل : إنني أحس هبا بين كتفي يلهب رأسي بالخوف…
رعد : أسمعت أخباراً جديدة عن لقمان؟
قيل : منذ عاد إلى الأحقاف لم اسمع إي خبر عنه…
( يتذكر شيئاً فجاءة ، فيقف ، ويبدو خائفاً)
رعد : ماذا بك؟
قيل : لقمان ! لقد ذهب إلى عاد ليشي بنا .. ليقول له إننا نسيناه ونسينا الجفاف وارتضينا غناء الجرادتين ثمناً لهذا النسيان!
رعد : أتعتقد أن لقمان سيرضى أن يكون واشياً؟
قيل : انه يكره عاد .. ولكن الجفاف كاد يقتل مراعيه ومزارعه ومواشيه …انه يريد ماء ، هذا كل شيء …ماء من هبا ، أو من عاد ، أو من آلهة مكة … ولذلك سيلجأ ، مرة أخرى ، إلى عاد!
رعد : أتخاف من عاد وأنت محل ثقته؟
قيل : أخاف منه لأنني لم أكن ، هنا ، محلاً لثقته..
رعد : وماذا تعتقد بأنه سيفعل ؟
قيل : لست أدري ! لست أدري!
( يعود للجلوس مضطرباً – رعد يقف ويمد بصره إلى الأفق ، ثم ينتفض ).
رعد : انه موكب يبدو في الأفق … أخشى أن يكون موكب عاد وقد أتى يتعجلك ..
( قيل يقف ، وفي نفس اللحظة يدخل لقمان ، وهو رجل عجوز ).
قيل : ( دون أن يرى لقمان ) أتعتقد أن لقمان جاء به؟
لقمان : ( من الذي جئت به ! نعم ، أنا الذي جئت به ! لقد أقمتما شهوراً مرة دون أن تستسقيا الماء ، أهلكما يموتون عطشاً ورعباً وأنتما تلتهيان بغناء الجرادتين..
قيل : ( خائفاً) ولكننا استسقيناه…
لقمان : بعد ماذا ؟ بعد أن احترقت المزارع بالشمس وتهاوت الأشجار وتشققت البيوت ؟ بعد أن تساقطت المواشي وذاب الأطفال وجفت أثداء الأمهات؟
قيل : ولكننا استسقيناه ، ولم تجب الآلهة الدعاء…
لقمان : ( راجفاً) أية آلهة ؟ آلهة مكة؟ أم هبا الغاضب علينا ، والضامر لنا الأذى من فرط ما نسيناه؟
قيل : آلهة مكة!
لقمان : أيها المجنون … سيأتيك عاد الآن … ولتقتلا بعضكما كالحيوانات! ولسوف أرى إن كانت آلهة مكة قادرة على إنقاذك منه أو إنقاذه منك!ألم يكن بوسعك أن تستسقي هبا ؟ ألم يكن بوسعك أن تطالبه بالغفران بعد كل الآثام التي ارتكبها ملكك حياله ؟ لقد كنت بعيداً عن سطوته وكان لك الخيار في أن ترتد إلى الإيمان، ولكنك أردت أن تنقلب إلي الإثم مثلما انقلب!لنر الآن!لتحمك آلهة مكة!
( يرفع يديه ويتجه بالدعاء )
لبيك يا هبا لبيك .. أيها القادر على فت أعدائك انتقم لي!
لقد جرني عاد بعيداً عن معبدك .. أغلق أبوابه في وجهي بعد أن كنت خادمك وكاهنك … حرم علي التضرع لك والدعاء إليك وتلمس قدميك…وها أنت ذا ترد غضبك عليه وعلي. لقد احترقت مزارعي وجفت ضروع مواشي ومات أطفالي ، ولكنني لم افقد إيماني بك ..يا هبا ، انهم يستسقون آلهة مكة بدل أن يستسقوك !فانتقم منهم واعد مجدك في الأحقاف لأعود إلى خدمتك..ياهبا..ياهبا..لقد أرسلت لهما جرادتين لينسيا، أيها القادر الساحق الماحق .. والآن سوف يقتلهما … سوف يقتلهما ..سوف يقتلهما .. ياهبا ،أرسل له من يقتله…يا هبا .. يا هبا..اقتل كل أعدائك!
(أثناء اتجاهه بالدعاء تتقدم،في أعلى المسرح ثلاث غيوم، واحدة صفراء وواحدة حمراء وواحدة سوداء حتى تتوسط المسرح،فوق ، وفي اللحظة نفسها يدخل عاد بلباسه المميز ،وقبل أن يشاهد عشيرته يشاهد الغيوم الثلاث فيقف مشدوها .. لقمان يرى الغيوم فيسقط يديه ويقف مشدوها هو الأخر –قيل ورعد ينظران إليه مدهوشين .. وبعد هنيهة يخرج صوت عريض من الغيوم فيجفل الجميع)
الصوت : ( ببطيء شديد وبحدة ) " يا قيل ! يا قيل !اختر لنفسك وقومك من هذا السحاب".
قيل : (صائحاً) لقد استجيب الدعاء ..لقد استجيب الدعاء ..
رعد : ( بصوت عال ) لا تختر السوداء ... إنها الموت.
عاد : ( من مكانه) من هو الإله الذي استسقيته يا قيل؟
الصوت (يكرر) "يا قيل ..يا قيل .. اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب "
قيل : (ينظر فيرى عاد فيرتجف ) عاد! عاد هنا؟
عاد : إي اله استسقيت ؟ لا تكذبني!
قيل : استسقيت هبا..
عاد : ( صائحاً في وجهه الغيم ) وها أنت ذا تعود إلى يا هبا من جديد .. ولكنني سأنازلك ولست أريد ماءك ولا خيرك..حملت إلي غيومك .. الموت بالسواد ، والدم بالحمراء .. والطاعة بالصفراء …ولكنني لا أريد الطاعة ولا أريد الماء..
قيل : ( صائحاً بعاد) الماء … الماء الذي سيسقي مراعيك ويخصب أرضك..
عاد : مقابل ماذا ؟ مقابل ماذا ؟ ( يصيح ) الذل!الطاعة!الخوف لا ،لا أريد الماء بهذا الثمن..
لقمان : إن شعبك يموت ..
عاد : الموت أفضل من ذله .. يا قيل .. اختر السحابة السوداء .. دعنا ننازل هبا بسلاحه الأشد..هذه فرصتنا الوحيدة للخلاص منه..
قيل : ( خائفا ) الماء .. هل تدرك ذلك يا عاد؟
عاد : ( مقاطعاً) اختر السحابة السوداء . ( يستل سيفه)
قيل : السوداء .. السوداء ..
الصوت : لقد " اخترت رماداً رماداً لا تبقي من عاد أحداً..".
( دخان أسود يجتاح المسرح،شبح عاد وهو يقاتل يبقى بارزاً أكثر من سواه ..جلبة وضوضاء،يسقط عاد ،الهدوء يخيم ).
(ستار)
الفصل الثاني
( ينفتح الستار عن غرفة ذات طراز عتيق في البناء ولكنها مجهزة بأثاث متقن الصنع فني الأداء إلى حدود معجبة،يقع الباب في واجهة المسرح والى جانب الباب نافذة شرقية تطل على خلاء مترام في نهايته القاصية ترتفع أبراج لامعة لمدينة بعيدة طنافس مطرزة وسجادة غنية الألوان وسيوف ورماح وتروس معلقة على الجدران.
في زاوية الغرفة يقف شداد ، وهو رجل في أواسط عمره قوى البنية ذكى العينين ، حاد الملامح يلبس عباءة مذهبة الأطراف فوق رداءه من حلقات معدنية موشاة بالفضة ، ويضع على رأسه كوفية بيضاء معقودة بشكل أنيق وفخور.
يبدو شداد وهو يعقد حزامه العريض ويتقلد سيفه ، وفي المشهد يواصل إعداد عدته للخروج إلى ما يستطيع المتفرج أن يستنتج بأنه ساحة حرب أو مهمة عسكرية ، وبعد هنيهة تدخل الأم ، أم شداد وهي امرأة عجوز تضع على نفسها ملابس بيضاء وتلف رأسها بشال شفاف تتدلى تحته ، جديلتاها الشائبتان ،تنظر إلى شداد نظرات شاكة،تدور حوله وتهز رأسها ألماً ، ثم تمضي إلى ركن من أركان الغرفة وتتشاغل بشيء ما ..).
الأم : ما الذي حدث ؟ما الذي يجعلك تصحو باكراً اليوم ؟ منذ ولاك أبوك عاد ملكه بعد أن قضى لم أرك تصحو بمثل هذا التبكير؟
( شداد يواصل ارتداءه لملابسه وتهيئة نفسه دون أن يجيب ، الأم تدور حول نفسها وترفع صوتها كأنها تستحثه على الإجابة).
الأم: هذه أول مره أراك فيها مبكر الصحو منذ سنوات وسنوات، ولقد راقبتك منذ ساعة وأنت تضع على نفسك عدة الحرب والقتال .. أرسلت الخدم ليروا إلى المدى ، ولكن لا غبار ولا أرى … والآن ، ما الذي تريده ؟ أنت لا تريد شراً يقود علينا ما قاده لنا أبوك..
شداد : ( ماض في عمله) هذا هو أسوأ ما في الأمر!..أنت تتدخلين حتى في الأمور التي لا تعنيك قط..يا أمي العزيزة،اطمئني…لن أخرج إلى القنص الذي تخافين منه علي ..اطمئني..
الأم : ( تبتسم بحب وهي تفرش ذراعيها ) بودي لو تخرج إلى القنص ، عل القنص يجعلك تكف عن وحدتك وانغماسك في أفكارك التي لا أعرف شيئاً عنها … عل القنص يدفعك لتناول طعامك…
( تنتبه فجأة كأنها تذكرت شيئاً ).
ثم ، كيف تقول لأمك إن هذا الأمر لا يعنيها؟تلك جرأه لم أعتدها منك!
شداد : ( بهدوء ) لأنه لا يعنيها..لأنه لا يهمها.
الأم : ( تقترب منه ) ما الذي يشغل رأسك يا شداد ؟
شداد : ( يكف عن العمل ويقترب منها ) أتريدين حقاً أن تعرفي؟ سوف أقول لك لو سكت دقيقة واحدة..
الأم : أنا ساكتة…
شداد : إنني أريد أن أخرج …
الأم : ( فزعة ) إلى أين؟
شداد : إلى ارم ..
( ترتد الأم خطوة إلى الوراء فيلحق بها ويضع كفيه على كتفيها).
شداد : اسمعي إلى جيداً يا أمي ..استمعي إلي .. إنني لم ابن تلك المدينة لا تركها مأوى للطيور والضباع والخنافس ..هل فكرت يوماً بذلك .. هل تساءلت عن السبب الذي أحرقت به شبابي لأبني أرم؟
الأم : ( حزينة) نعم ، أعرف ذلك ..كنت تريد أن تبني جنة على الأرض…
شداد : ( يهز رأسه ) جنة على الأرض .هذا هو الأمر ، أتعتقدين انه هراء؟
الأم : ( خائفة) أنت تريد أن تثبت انك أقوي من هبا..
شداد : تماماً ، أقوى من إلهك.
الأم : ( تدير له ظهرها ) لا تتكلم عن هبا بهذه الصورة ، لا تتكلم عنه أبدا مادمت أنا أمامك ، هل تسمع ما أقول ؟
شداد : ( من مكانه ) اسمع جيداً ، ولكن الأوان قد آن لنضع كل شئ في نصابه ..لماذا لا تنظرين إلي وتستمعين إلي ما سأقوله؟
الأم : ( تلتفت لحظة ، ثم تقترب منه) لماذا لا تكف عن هذا السخف ؟لماذا لا تقذف بهذه الأفكار إلى السعير وتفكر بزواجك؟ لقد مضت الآن ست سنوات على وفاه زوجتك، ورغم ذلك فأنت لم تفكر بالزواج مرة أخرى ..حتى متى سوف تبقى ضائعاً.. حتى متى ؟( تضع يدها على كتفيه) لقد مات أبوك لأنه ركب رأسه، وحرمت أنا سعادة كل الصبا،أحرقته راضية من أجلك ومن اجل أخيك شديد ، وها قد مات أخوك في القنص .. ( تبدر منه حركة فتسكته بإشارة طفيفة من يدها) أنا لا أريد تعذيبك ، ولكنك تذكر الأيام القاسية التي مضت.. تذكر الدماء التي اهرقت لمجرد أن أباك لا يريد قبول هبا ، الإله العاطي ..( تشير من النافذة ) الواقف هناك بين بيوت الناس ، القابل الضحايا ، العاطي الخير ، الواهب النصر ، الناثر البركة .
شداد : ( يقاطعها بحدة ) أنت إنسانه طيبة يا أمي ! طيبة جداً،ولكنك لا تفهمين ، أنا آسف جداً ، ولكنك لا تفهمين!أنت ما زلت تحسبين إنني طفل .. تحسبين أن كل الذي أريده هو النصر والبركة .. يا أمي العزيزة ، ذلك زمن مضى وراح الآن !. أنت لا تصدقين ؟ إذن صدقي : سوف اركب إلى ارم..
( يعتدل في وقفته ، أمه تتراجع خطوة وتحدق إليه ، تبدو وكأنها مطمئنة إلى أنه غير جاد ولكنها ما تزال غير قادرة على إخفاء خوفها ، وتسأل بصوت خفيض).
الأم : لماذا؟
شداد : نعم ! هذا هو السؤال الجيد، وفيما عدا ذلك ليس إلا مضيعة للوقت .. لماذا؟ هذا هو السؤال الذي أردتك أن تسأليه حينما بحت لك بنيتي ..وأنا سعيد جداً لأنك سألت لماذا .. ولسوف أقول لك..
الأم : ( تكرار دون وعي ) لماذا؟
شداد : ( يتجه إلى ركن الغرفة ويجلس فوق إحدى الطنافس ويبدو وكأنه يحلم ) لقد علمتموني طاعة هبا منذ نعومة أظفاري .. وكمنتم تقولون لي إنني لو أطعته لأدخلني الجنة ، الجنة كانت كل شئ في هبا .. ولذلك وضعت في ذهني أن أبني جنتي فأتخلص من هبا ، وأجعل من نفسي هبا لا يريد أن يطاع ولا يريد أن يطيع…
( ينهض ويتجول في الغرفة متابعا بصوت حالم).
" لقد وجهت لعملائي في الأرض أن يجمعوا ما في البلاد من أموال وأحجار كريمة ،واخترت فضاء في فلاة من ارض اليمن وجعلت طول المدينة اثني عشر فرسخا وعرضها كذلك،أحطتها بسور عال مشرف ،وابتنيت فيها ثلاثمائة ألف قصر،جعلت لها غرفا فوقها غرف معمدة بأساطين الزبرجد والجزع والياقوت ،أجريت تحت المدينة واديا سيق إليها تحت الأرض أربعين فرسخا،وفي شوارعها المتضوعة بالمسك والزعفران سواق مطلية بالذهب ، حصاها أنواع الجواهر .. وهى تجري بالماء الصافي.."
الأم : ( هازئة ) ثم ماذا؟
شداد : ( مواصلاتً كلامه كأنه لم يسمع ) " وفي وسط المدينة قصري! قصر مشرف على كل القصور الضاربة في السماء ثلاثمائة ذراع .. وخارج المدينة وسورها الشاهق بنيت أكماً محدقة ينزل فيها الجنود ، جعلت فيها من كل فاكهة في الأرض بستاناً ومن كل جميل في الكون مكاناً ..رفعت فوقها ..".
الأم : ( تصبح من مكانها ) ثم ماذا ؟ هل صارت جنة؟.
شديد : (يلتفت إليها ) لو عرفت الجنة لقلت لك .. ولكن الأمر ليس هنا.
الأم : أبن هو الأمر إذن؟
شداد : الأمر إنها ، حتى هي ، لم تستطع ري عطشي و إعطائي الاكتفاء ! وحين نظرت إليها من أكمة في ظاهرها عرفت بأن الجنة لا تستحق الطاعة ، عرفت بأن هبا لا يستحق منك ومن شعبي كل تلك القرابين وكل ذلك المجد.. ورغم ذلك..
الأم : ( تنهض إليه وتهزه ) لا تكذب! لا تكذب على نفسك وعلي ..لماذا لم تحمل نفسك و عسكرك إلى ارم حين انتهيت من بنائها؟لماذا؟
شداد : ( ببرود ) أنت تحسبين أنني خائف ! تحسبين أن فتوى هبا التي استخرجها الكاهن من بين أسنانه الحجرية تخيفني..
شداد : ( مفكرا) ربما .. ربما ..إنني لا أستطيع أن اعرف شيئاً.. لا الجنة عادت تبعث في الحماسة ولا الكاهن عاد يبعث في التصديق .. ولذلك أريد أن اعرف الأمور بنفسي..
الأم : ( محذرة) الكاهن لم يكذب قط ! ألف مرة تنبأ و ألف مرة صدق، ولقد قال لك انك إذا خرجت لارم فستلاقي حتفك على الطريق،ستنبثق من السماء أصوات تفت عظام الجيوش الجرارة وتذروها في الرياح..إن هبا لن يغفر لك قط كفرك وإنكارك.
شداد : هل تعتقدين إنني أخاف من هبا؟
الأم : اعتقد انك تخشاه..
شداد : مهما يكن ، هذا المحك الأخير! ليس في الأمر ما يخيف ، لقد فكرت به شهورا طويلة مريرة، ولقد نمت الفكرة داخلي كما تنمو شجرة الزيتون ، أتعرفين كيف تنمو شجرة الزيتون؟ غصناً ضخماً في الهواء مقابل شرش ضخم في الأرض،عميقاً في الأرض، إن هبا نفسه لا يستطيع اقتلاع شجرة زيتون..
الأم : أية فكرة؟
شداد : (بشراسة) فكرة أن أموت! أن أقاتل هبا وأصواته في الصحراء،وحيداً إلا من سيفي وذراعي،أن أخطو إلى موتي خطوة باسلة وراء خطوه باسلة، أن لا ارتد حتى ازرع في الأرض جنتي أو اقتلع من السماء جنته أو أموت أو نموت معاً..
الأم : ( تبكي ) إن عذابي يستهويك .. ماذا فعلت لكم؟ ( شداد يضم أمه هنيهة ثم يبتعد عنها ويعطيها ظهره)
شداد : و الآن ، كفي عن البكاء ، أنت تعرفين إنني لا احب تعذيبك ( يستدير إليها) هذا سخف !الأمر كله لا يستحق بكاءك!
الأم : ( وهي تشرق دموعها ) هل تكره الحياة إلى هذا الحد لتحكي عن الموت طوال الوقت؟. لقد كنت أخشى ذلك كله وأنت غارق في أفكارك وأحزانك وحيداً لا تأكل ولا تخرج! لقد كنت أخشى أن تصل بك وحدتك إلى هذا القرار المجنون..
شداد : ( كمن يحب أن يحكى عن الموت فعلاً) اسمعي الآن ! بحق هباك الذي يبذر المشاكل والمشاغل كما يبذر القمح ، اسمعي .. لحظة واحدة فقط ، وسأحاول أن أشرح لك .. إن هذه اللعبة لا تعجبني ..
الأم : أية لعبة؟
شداد : الحياة ..( يصمت قليلاً) سوف أقول لك ما هو الفرق بيني وبينك،أنت حينما بدأت تحسين الحياة ، ولنقل أن ذلك حدث حين كان عمرك خمس عشرة سنة ، كنت تفكرين كل يوم بأنك ستتزوجين يوماً ما ، وهذا وحده كان سبباً يدفعك إلى الحياة، كنت تعتقدين أن الزواج شئ رائع ، وانه هو الغاية من كل الحياة،كنت تقولين – بينك وبين نفسك- انه من الممتع جداً أن تنامي كل ليلة في أحضان رجل !.. لقد كنت – حاولي أن تتذكري – تفكرين بالأمر ليل نهار ..
( الأم تستدير بنفاد صبر وغضب )
حسناً ..ثم تزوجت! اعتدت النوم مع رجلك كل ليلة حتى بدا الأمر ، بعد فترة ، سخيفاً ومملاً وربما قذراً … سألت السؤال من جديد ، وكالعادة كان لابد من جواب فقلت : كي انجب أطفالاً ، وذلك ، بلا شك ، أمر ممتع وهو رسالة كبيرة أيضاً.. حسناً ، ثم أنجبت أطفالاً ، وبعد فتره عاد السؤال : لماذا أعيش الآن؟ ووجدت الجواب : لأراهم يكبرون ويتزوجون وينجبون أطفالاً..
( يقترب منها يدورها ويهزها كمن يريد أن تستمع له)
هذا صحيح يا أمي هذا صحيح॥ لقد تعبت من السؤال، فيما بعد ، وقررت أن تعيشي بلا سؤال، تاركة كل شئ لحكمة هبا، أنت تعيشين بدافع العادة فقط،هل تتصورين ذلك؟ ( يتركها ويتكلم كالحالم) أنت ربما تفعلين ذلك من اجل أن تقولي ، بين الفينة والأخرى ، انك أحرقت كل صباك من أجل شداد وشديد!। من يدري ! ربما تطمعين بالجنة من وراء ذلك كله! فيربت هبا على ظهرك وتهتز لحيته الكبيرة البيضاء ويقول لك: ادخلي إلى الجنة! نامي على فراش وثير ! اقطفي ما شئت من التفاح والكرز.
( يقترب منها ويهزها بجنون )
…. واختاري من شئت من الرجال ! الست تعيشين من أجل ذلك؟
الام : ( تبدأ بالبكاء ) أنت ابن عاق!ابن عاق! عار ، عار ..
شداد : ( يقاطعها كما لو انه لم يسمعها ) أما أنا ، فالأمر معي يختلف تماماً .. منذ كان عمري ست عشرة سنة بدأت أضاجع النساء .. لحظة متعة وراء لحظة متعة أخري كومت أحمالاً من الاكتفاء الحيواني.. ضاجعت مختلف النساء ، كل النساء ، وبكافة الأساليب التي تخطر على بال الشيطان، لم اعد أطمح بالمزيد.. أتسمعين؟ لقد عرفت من النساء قدر ما عرفت من المأكولات،وذقت من النساء قدر ما ذقت أنت من الخبز، وضاجعت النساء بطرق مختلفة، وقدر ما تعرفين ، بل أكثر مما تعرفين من طرق لف الشال، لم اعد أجد في ذلك إي متعة.. ولو وجدت في الأمر كله متعة لحظة واحدة حقيرة فإنها لا تساوي قط مبرراً لحياتي..
الام : ( مقاطعة بحدة ) كف .. وأخرج من هنا!
شداد : ( متابعاً) ثم إنني لا أؤمن بهبا،ولذلك فأنا لا اطمع بجنته ولا أخاف من جهنمه،بل إنني ابتنيت جنتي التي أخاف أن ادخلها،والتي سئمتها ، والتي لم تعن شيئاً كثيراً ..( بصوت عال ) وأنا لا أريد أن أعيش بحكم العادة،لا أريد أن انجب أطفالاً فذلك ليس أمراً ضخما وهائلا: أن الفأرة تفعل ذلك بتواضع .. إذن لماذا يعيش الواحد منا ؟
الام : كي ينعم بالطاعة، طاعة هبا وخيره وبركته ورضاه، كي يرد الشكر لذلك الذي أوجده،الواقف بين بيوت الناس من حجر مقدس ابيض يشع الضوء ..ذلك الذي …
شداد : ( مستغرباً) تريدينني أن أعيش في جهنم قلقي وخوفي وتساؤلي؟ أليس كذلك؟تريدينني-وهبا يريد أيضاً – أن لا اصل إلى الجنة التي بنيتها بإرادتي ليعدني بجنة لا اعرفها..أليس كذلك؟لقد فهمت الآن!انه لا يريدني أن اصل إلى جنتي.. يهددني بأن يبعث علي من الغيم أصواتاً تفت عظامي كي لا أصل إلى جنتي.. رغم ذلك.. فإنني أريد أن أذهب ..أنا اعرف أن جنتي لا تعطيني الاكتفاء الذي أريده، ولكنها تبقى أفضل من جنة لم أبنها أنا..
( يدور حول نفسه ، ثم ينحني فيشد حذاءه الطويل بعنف)
إن هذا حري بأن يضاعف إصراري ..لسوف اذهب..
( تفتح ستارة الباب ويدخل فتى بلباس متواضع كأنه لباس النوم وهو يفرك عينيه ، يقف ، ينقل بصره بين شداد وأمه ثم يقترب من الأم ).
مرثد : ماذا يحدث هنا في أبكر الصبح؟لماذا كل هذا الصياح يا جدتي؟
الأم : ( بصوت هادئ) أبوك يا مرثد يريد الذهاب إلى ارم..
مرثد : يريد الذهاب إلى أين؟
شداد : ( يصيح من مكانه ) إلى ارم! إلى ارم! ولسوف تكون أنت الملك إذا ما فتت عظامي صوت هناك..
مرثد : ( يقترب من والده، انه شاب وسيم ذكي قوي البنية)
تريد أن تذهب إلى ارم رغم الموت الذي يربط لك الطريق؟ حسناً إننا لا نطالبك بأن تؤمن بهبا،ولكننا نطالبك بأن تؤمن بحياتك..أهي شيء بخس إلى هذا الحد؟
شداد : ( بعطف ) يا بني العزيز!يا مرثد!لقد سئمت!هذا كل ما في الأمر، غداً، حين تكبر، ستعرف ماذا تعني كلمة السأم هذه..
مرثد : ( بشجاعة وثقة ) أنت متشائم يا والدي .. متشائم، وهذا يعود إلى الأيام المضنية التي حبست فيها نفسك.
شداد : هذا الكلام قديم وقدم الكذب نفسه،ألست ترى أن التشاؤم هو الشجاعة؟ألست ترى أن التفاؤل هو كذب وهروب وجبن؟أنت تعرف أن الحياة قميئة وسيئة،فلماذا تواصل الأمل بها؟أنت تعرف أن الجنة التي يعدك بها هبا ليست جديرة بكل هذا العذاب ( يشير إلى النافذة) أنا أعطيك جنه تراها بعينك،فلماذا لا تعبدني؟ لأنك تعرفها وتعرفني ولذلك لا تريد ، تريد أن تعوض شقاءك بالبحث عن المجهول والكاذب.. أما أنا فالمجهول لم يعد يستثيرني..
مرثد : أنت كئيب اليوم يا والدي ..
شداد : ربما .. ولكن الفكرة لم تكن وليدة الكآبة ، لقد كانت الكآبة وليدة الفكرة..انه شيء في غاية القسوة أن يكتشف المرء فجأة كل هذه الفجيعة!
مرثد : ما الذي يدفعك إلى هذه الفكرة إذن؟
شداد : ( يفكر ) الشجاعة ، الشجاعة كما اعتقد!أنت ترى هذا: إن الفرق بيني وبينك وبين أمك هو أنكما تسمحان لكذبة حمقاء، مثل الفراش والحرب والحب ، أن تغطي الفجيعة، وأنا لا اسمح ،لم يعد بوسعي أن اسمح بعد أن رأيت جنتي بأم عيني ورأيت مبلغ تفاهتها، ثم ماذا؟حتى هذه الجنة التافهة يحول بيني وبينها صوت هباك..
( يتقدم فيمسك يد والدته ثم يد مرثد ويقودهما إلى الركن ).
شداد : كلنا أتينا إلى هذه الحياة رغم أنوفنا،ثم بدأنا نبحث عن المبرر..لقد اخترعنا هبا،ونصبنا حجراً ابيض مشعاً بين بيوت الناس،ثم اخترعنا هبا،ونصبنا حجراً ابيض مشعاً بين بيوت الناس ، ثم اخترعنا الإنسان ، ثم قلنا إن مبرر حياتنا هو أن لدينا فرصة الاختيار؟عشاءك! الأمرأة التي تريد مضاجعتها !ولكن هل تستطيع أن تختار ما هو أهم؟اعني هل تستطيع اختيار الوقت؟نعم، الوقت! فكر في ذلك جيداً : الوقت!هل تستطيع أن تختاره؟هل أنت اخترت الوقت الذي تريد به أن تكون سعيدا أو تعيسا؟ ماذا بقي لنا لنختار؟
مرثد : ( بهدوء ) الحياة ،إذا كان لابد لنا أن نضعها مقابل الموت..
شداد : كلا ! الموت! الموت! انه الاختيار الحقيقي الباقي لنا جميعاً،أنت لا تستطيع أن تختار الحياة لأنها معطاة لك أصلاً..والمعطى لا اختيار فيه ..اختيار الموت هو الاختيار الحقيقي، أن تختاره في الوقت المناسب قبل أن يفرض عليك في الوقت غير المناسب.. قبل أن تدفع إليه بسبب من الأسباب التي لا تستطيع أن تختارها كالمرض أو الهزيمة أو الخوف أو الفقر ، انه المكان الوحيد الباقي للحرية الوحيدة والأخيرة والحقيقية!
الأم : ( حزينة) وهبا؟ أين وضعته في كل هذا الكلام؟
شداد : ( يجيب بسرعة)في المؤخرة..
الأم : أيها الملحد!
شداد : (مبتسماً باسماً) ليس تماماً،ليس تماماً،ذلك أن عدم وجود هبا،نهائياً،مأساة فاجعة أخرى!ولذلك فإنني أريد ملاقاته!انه يتحداني بصوته دون إن يترك لي فرصة إسماعه صوتي..إنني أريد ملاقاته..
الأم : (بلاوعي) أين؟
شداد : سأذهب إليه بنفسي ،كما قلت لك..سأتحداه خطوة خطوة،وليفت صوته عظامي كما قال كاهنه…ليفت صوته عظامي عظامي،فثمة عظامي، فثمة نهاية لكل هذه الملحمة..
مرثد : ( هازئاً بلباقة ) ولماذا لا تنتظر قدومه هو ؟
شداد : ( بجدية ) لأنني أريد الذهاب إليه بملء إرادتي واختياري ، لحظة أريد أن اصل إليه أو إلى جنتي ، ولا مناص…لسوف يكون بوسعي أن أواصل رحلتي إليه خطوة خطوة،لا الخوف يردني عنه ،ولا اليأس يسد أمامي طريقي..
( يشد حزامه ويعيد ربط الكوفية، يتقدم إلى مرثد ويمد له يده،مرثد يقبلها،الام تبكي وتتعلق به، يزيحها عنه بهدوء ويسلمها إلى مرثد الذي يضمها إلى صدره،يلوح شداد بيده ويخرج بخطوات ثابتة)
الأم : (مذهولة) لقد راح!
مرثد : أنت تعرفينه يا جدتي،انه عنيد،دعينا نذهب إلى هبا فنذبح له ضحية ونرجوه أن لا يفت عظامه..
( الام تنظر إليه بذهول ، يبتسم بوجهها مشجعاً،تتجه إلى الباب وتمضي،مرثد يتجه إلى النافذة،يطل منها، ثم يهز رأسه أسفاً ويعود فيلحق بجدته).
(ستار)
الفصل الثالث
( نفس المنظر في الفصل الثاني – الأم جالسة في الركن وقد استبدلت ثوبها الأبيض بثوب أسود،تبدو محطمة تماماً،النافذة مازالت مفتوحة كما كانت في السابق ولكن الأفق،الذي كان مزداناً بأبراج ارم اللامعة،يبدو الآن متجهماً بحطام أسود لحجارة مهدمة محروقة..وفوق المدينة البعيدة تبدو سحابة سوداء ضخمة كأنها نتاج حريق ..)
( وتقوم الأم وتسير في أنحاء الغرفة محتارة، وبعد هنيهة يدخل مرثد وهو في كامل لباس السلطة ويقترب منها بعدما تستدعيه بنظراتها).
الأم ( بلهفة ) هل من أخبار جديدة؟
مرثد : لا جديد إلا أقاويل الرعاة التي لا تصدق ..( يتمهل قليلاً ثم يقترب منها) حتى متى ستفكرين في الأمر؟لقد مضت ثلاث أيام على ذهابه يا جدتي ،ولقد رأيت بأم عينيك ( يشير إلى النافذة)كيف تهدمت ارم كما لو أحرقتها الصاعقة ..لو كأن ثمة خبر واحد عنه لوصل ،لقد أرسلت مئات من الناس يستطلعون،وما من أحد عاد،ولم يعد بوسعي إرسال المزيد..
الأم : ( تنظر إلى ملابسه،وتقيسها مدهوشة من فوق لتحت)ولذلك لبست ملابسه .. أليس كذلك؟كل الذي يهمك هو أن ترث المملكة..
مرثد : ( بثبات) الناس يريدون ملكاً حياً وليس ملكاً ميتاً..منذ يومين وهم يطوفون حول هبا مذعورين خائفين متوسلين،وليس من الحكمة أن اتركهم ضائعين..أن اتركهم يعيدون قصة شداد الملحد الذي ذهب يقاتل هبا فقتله ،لربما تمتد النقمة ، بعد ذلك،إلى عشيرته كلها..
الأم : ( محتدة ) ورغم ذلك ، انه أبوك..
مرثد :..وإنها مملكة زوجك،جدي،ثم عمي،ثم أنا..أتذكرين يوم مات عمي شديد كيف سارع أبي إلى تتويج نفسه قبل أن يدفن الجثة؟إنها الحياة يا جدتي!
الام : كلكم تقولون ذلك ، ولكنكم أبداً لا تذكرون موتاكم بالخير..أنت لم تفتش عن جسد والدك حتى تدفنه..
مرثد : من الأفضل لوالدي أن يبقى في الصحراء حتى يذوب بدل أن يحمل إلى مذبح هبا فيحرق تكفيراً عن خطاياه..لا أحب لوالدي أن يخسر المعركة ميتاً بعد أن ربحها حياً..
الأم : ( باكية ) أو تعتقد انه ربحها؟
مرثد : لقد نفذ إرادته ،قاتل هبا ودمر جنته.
الأم : ولكنه مات..ألا يعني هذا شيئاً ؟
مرثد : كانت هذه إرادته..
الأم : لو آمن بهبا.
مرثد : (مقاطعاً) هذا ليس الموضوع الآن،انه حر في أن يؤمن أو لا يؤمن،لقد كان حكيماً وشجاعاً،فلنكن حكماء وشجعان مثله.
الأم : لا أفهمك..
مرثد : لا أريد للرعاع أن يحملوه كالجيفة ، يطوحوا به فوق المذبح ويحرقوه شامتين،خائفين من هبا،ناسين كل ما فعله من أجلهم،نضاله من اجل سعادتهم وخيرهم.انهم ينسون كل شيء في سبيل هبا،في سبيل خوفهم منه.أريد للجسد البطل أن لا يدنس بأيدي الرعاع.
الأم : (وقد فوجئت )ولكن الموضوع لا علاقة له بالرعاع ، انه من أجل الغفران..
مرثد : ليس بوسع أحد منا أن يعطى الغفران لوالدي،لقد فات الأوان الآن ، مل الذي بقى هو أن يستمر شداد كما أراد.
الأم : يخيل ألي انك أنت الآخر لا تؤمن بهبا..
مرثد : لو تركه يصل ارم لآمنت به ، ولكن حين قتله فقدت إيماني السابق ، لماذا قتله يا ترى؟
الأم : لأنه تحداه!
مرثد : وما الفرق إذن بين هبا وبين أي رجل؟
الام : ( عائدة إلى البكاء ) القصة تعاد مرة أخرى..أرجوك يا مرثد ،أرجوك،اصمت..اصمت..
مرثد : لسوف اصمت طبعاً..القضية الآن هي المملكة..هذا كل شيء..أريد أن أعوضهم خوفهم وكراهيتهم فاقدم نفسي ،بالسرعة القصوى،ملكاً جديداً ينسيهم شداد..فيتخلص من حقدهم.
الأم : وهبا؟
مرثد : ( بثبات )سوف يبقى بين الناس،يرضيهم ويخيفهم،ويهبهم الخبز حين يأكل الجفاف الحقول ،يعطيهم النصر حين تنزرع الهزيمة..ولكنه يجب أن يبقى بعيداً عن شداد، ولقد دخلا معركة متكافئة،وانتهت القصة..
( يدخل رجل في لباس أقل أناقة ويقف بالباب باحترام)
مرثد : ( يلتفت إليه ويسأله بجفاف) أي جديد؟
الرجل : أخبار جديدة حملها رسول عاد من وراء أسوار ارم..
مرثد : ماذا يقول؟
الأم : (بلهفة ) نعم،ماذا يقول؟
الرجل : كان شداد في منتصف الطريق حين هب صوت كالريح أجفل حصانه فرماه،قال الرسول إن شداداً وقف وواصل مسيره في غيوم الصوت السوداء،كان صوتاً رهيباً شقق الأرض فغاصت ارم فيها ثم انطلقت من الشقوق ألسنة نيران أحرقت الأخضر واليابس .. يقول الرسول إن شداداً ضاع في عاصفة الصوت،ذابت عظامه ولم يبق إلا سيفه ملقى على الرمل وقد صار في لون وشكل الحجر …أما الحصان فقد مضى في الصحراء على غير هدى!
( تنكفئ الأم فتبكي)
مرثد : والرسل الذين لحقوا به؟
الرجل : ذوبتهم ذيول العاصفة وهم أجساد محروقة في الرمال…
( يزداد بكاء الأم)
مرثد : ( مخاطباً جدته ) ولماذا البكاء يا جدتي؟أنت تعرفين مصير أولئك الذين يتعالون على هبا..لقد كنا نعرف ذلك منذ أن ركب رأسه ومضى يتحداه! كل الذي ضيعناه هو جسده الذي كان حرياً به أن يحرق على قدمي هبا طلبا للغفران.. ( يلتفت إلى الرجل ) اذهب وبلغ الناس الأمر ، وليعلن الكاهن ملككم الجديد..
( الرجل يمضي ، مرثد يتجه إلى جدته)
مرثد : ( يحتضنها بحنان )اشكري القدر يا جدتي ،اشكري القدر..لقد وفر على نفسه ذل الموت الذي أمضى حياته يهرب منه،قريباً سوف ينساه الناس،لا قبر ولانصب ولا رماد،فماذا بقى منه غير الأسطورة؟
الأم : ( باكية)كل الذي تريد هو أن ترثه..
مرثد : من الذي يريد إذن أن يرثه غيري ؟من هو الجدير بهذا الإرث سواي؟
الأم : أنني لا أفكر بالمملكة.أفكر براحة نفسه..
مرثد : أما أنا فأفكر بالمملكة..أريد أن أجعل منها جنة..
الأم : ( مرعوبة ) جنة؟جنة؟وأنت تعرف القصة،تعرف أن الخطيئة لم تجف بعد؟
مرثد : نعم ، اعرف ،اعرف …ورغم ذلك فإنني أريد أن اصنع جنتي..
الأم : ( تقف وتتجه إليه بتوسل)ولكن لماذا يا بني؟ لماذا هذا السعي إلى الدمار؟لماذا هذا السعي إلى الموت؟
مرثد : حين كان أبي هنا يحكى لنا عن جنته كنت أقول لنفسي إن جنة هبا لابد أن تكون أروع ،وإذا كانت أروع ،فمن الطبيعي أن يتركه يكتشف ذلك بنفسه، يتركه يرى كم هي سخيفة الجنة التي يبنيها الإنسان أمام الجنة التي بناها هبا..ولكنه لم يتركه يكتشف ذلك..لم يتركه..لماذا؟
الأم : ( دون وعي ) لماذا؟
مرثد : لأنه لا توجد ثمة جنه..وإذا كانت هناك واحدة فهي لن تعطي التعويض الجدير بعذاب الحياة..لقد خاف هبا أن يكتشف شداد ذلك!
الأم : انك تتجه في نفس الطريق .. تبدأ من بدايته التي شادها أبوك ،كلا ..البداية التي شادها جدك نفسه.
( يهز مرثد رأسه بأسى وكأن قراره أقوى منه.ويتحول في الغرفة كالمحبوس،الأم تنظر إليه مشفقة ،يقف وينظر إليها).
مرثد : يا جدتي! إنني أود أن أكون مثلك..أود أن أكون باطمئنانك وقناعتك ..ولكن البذرة التي زرعها والدي قبل مصرعه آخذة في النمو مثل شجرة الزيتون..
الام : إنها الخطيئة..
مرثد : إنها القدر..
الأم : و الآن
مرثد : أود لو أستطيع أن أراه ، الآن ، لأرى أي اطمئنان وصل إليه أم أي خوف؟انه في مكان ما،ولكن لاشك انه وصل إليه باختياره ..ولذلك فقد نال الاكتفاء.
الأم : (بأسى)انه جسد محروق بلا غفران..
مرثد : الغفران هو آخر ما يريده والدي..لقد كان يبحث عن الاكتفاء.
( يدخل نفس الرجل الذي دخل قبل قليل ، نفس الوقفة ونفس اللهجة الجامدة)
الرجل : الكاهن على استعداد،والناس يلتفون بالانتظار..
مرثد : والخطاب؟
الرجل : يقول الكاهن أنك ستلقيه أنت،ويجب أن يكون حول تمجيد هبا،وجبروتها وصرعها والدك بسبب من خطاياه وتعاليه.
( الأم تنظر إلى مرثد ، مرثد يهز رأسه مطمئناً ثم يلتفت إلى الرجل)
مرثد : طبعاً يجب أن يكون الخطاب كذلك!يجب أن يعرف الناس منقلب الخطاة ومصائدهم ،قومي يا جدتي ..يجب أن تكوني هناك ، تشهدي تتويج حفيدك..
( الأم تنهض بهدوء وتستبدل شالها الأسود بشال أبيض،والرجل يتقدم ويلبس مرثد معطفاً أحمر موشى بالذهب.
يتقدم مرثد ويسلم ذراعيه للرجل الذي يقوم بإلباسه فيما تواصل الام النظر ، الرجل يخرج ،أصوات موسيقى في الخارج – مرثد يقف قليلاً وينظر إلى الجدة بأسى ،الجدة تتقدم نحو الباب، تصل إليه فتقف وتلتفت).
الأم : إنني اشهد البداية دائماً،وأعيش لأشهد النهاية..ودائماً ينتصر هبا،ودائماً تنهزمون ..ولكنني بدأت أفكر الآن بشكل جديد ، انه من العار أن يبدأ المرء بالتفكير بعد السبعين من عمره..
مرثد : بماذا تفكرين يا جدتي..؟
الأم : ( تهز رأسها قليلاً ،وتنظر إليه صامتة)إنكم تخسرون دائماً لأنكم تبدأون ،دائماً،من البداية.. إنكم تعطون هبا بملء إرادتكم – حياته وقوته وسلطانه،وتحسبون أن ذلك جدير بإعطائكم فرصة بناء جناتكم على الأرض .. دون أن تعرفوا بأنكم إنما تحكمون على هذه الجنات بالدمار ،منذ البدء ..وها أنت تبدأ من حيث بدأ شداد تماماً …بل انك تبدأ بنفس الكذبة التي بدأ بها ..ولقد بدأ هو الأخر من حيث بدأ عاد..وبنفس الكذبة أيضاً : من المعبد الذي يتربع هبا فوقه!
( تخرج ، ينظر إليها مفكراً لحظة ،ثم يسوي معطفه الأحمر ويلحق بها بخطى واثقة بينما تعلو أصوات الموسيقى..)
) ستار)
الفصل الرابع
( غرفة مختلفة تماماً عن الغرفة التي سبق بناؤها في الفصلين الأولين، ويجب أن تعطي المتفرج انطباعاً أولياً بأنه قد ترك عالماً قائماً بذاته لينتقل إلى عالم آخر – إنها مؤثثة بشكل فني غريب، فني إلى حد الطرافة-الغرفة مضاءة بشكل متوهج إلا أن مراكز الإضاءة غير ظاهرة، في أحد المقاعد يجلس رجل يلبس ما يشبه العباءة، ذات لون أبيض ناصع له لحية كثة وكتفاه عاريتان، العباءة تبدأ من تحت أبطيه، وهو ماض في خياطة ثوب من لون أحمر فاقع، مقابله يجلس رجل آخر يراقبه بإمعان كأنه يعد الغرز التي يخيطها زميله-في الكرسي الثالث –المتصدر-يجلس شداد بنفس الملابس التي شوهد بها في الفصل الأول، إلا إنها تبدو عتيقة ومتعبة، كما انه لا يحمل سيفه، يجلس بتراخ دليلاً على التعب والإرهاق، الرجلان غير مهتمين به.
في صدر الغرفة يوجد باب مغلق، شكله يدل على مدى ثقله ومتانته-وفيما عدا هذا الباب لا يوجد ما ينبئ عن تعمد وثقل في الغرفة..).
الرجل الأول: ( دون أن يلتفت إلى شداد ) هل كان الأمر متعباً؟
شداد: إي أمر ؟
الرجل الأول: الموت ، موتك ..هل كان متعباً؟
شداد : الرحلة إلى هنا كانت متعبة..أما الموت!(هز رأسه مشوشاً) لقد كان موتي خاصاً وغريبا وأخشى أن لا تفهماه..
( يتبادل الرجلان نظرة سريعة، الأول يكف عن الخياطة، الثاني يكف فوراً عن مراقبته، الرجلان معاً ينظران إلى شداد).
الرجل الأول: ماذا تعنى بقولك خاص وغريب ؟أيها الفتى!الموت هو الموت، وليس ثمة موت خاص وموت غير خاص، ليس ثمة موت غريب وموت غير غريب..إذا أتى الموت، فهو يأتي- دائماً – بشكل واحد..
شداد: ( بتراخ) هذا هو الفرق!الموت لم يأتيني، أنا الذي جئت به..
الرجل الأول: انتحرت!
شداد:ربما، لست ادري لقد صارعته.
الرجل: كل شيء في هذا المضمار واحد، ولقد فقدت الحياة هذا هو كل شيء، أما كيف فهذا سؤال يطرح قبل الموت ثم بعده..
( الرجل الثاني – الصامت – يهز رأسه موافقاً)
شداد:هل مت منذ زمن بعيد؟
الرجل بسخرية ) زمن؟أوه!أنت تحمل معك مشاكل الأرض إلى هنا..الزمن شيء تتذكره هنا بشيء كثير من الحسرة..(ينظر إلى الرجل الآخر)أتذكر؟شمس تشرق وشمس تغرب..الصباح، الظهيرة، العصر، المساء..أتذكر؟الليل والنهار!يا للماضي السحيق..ثمة شمس وقمر يقولان: هاهو ذا يوم يبدأ، وهاهو ذا ليل ينتهي!(يلتفت إلى شداد)ليس ثمة وقت هنا، افهم هذا منذ البدء وأقبله، سوف تبقى الدنيا،لك،كما تركتها..أما هنا، فليس ثمة وقت..
شداد: (يقف ويتجه إلى الرجلين)تقول هنا؟أين هنا؟هل تعرف؟ أهذه هي الجنة أم النار؟
الرجل: بين بين..
شداد: وماذا تفعلان هنا في هذه البين بين؟
الرجل: إنها قصة طويلة سوف تستوعبها بعد طول إقامة..لقد حكيناها لبعضنا مئات المرات، ولا يضيرنا أن نحكيها مرة أخرى!
(يضع قطعة القماش الحمراء على الأرض، ويتجه إلى الرجل الآخر..)
انه دورك الآن..لماذا لا تحكيها ؟
الرجل الثاني: ( يبدأ بسرعة كأنه كان ينتظر الإيعاز) أنا وهذا ( يشير إلى صديقة ) أحببنا فتاه واحده..ثم فاز هو بها، أما أنا فبقيت العاشق الذي لا تطفئ نار جواه..ثم بدأت أزورها كل مساء،وكان زوجها غائبا في الحرب يكتب لها رسائل رائعة تقرئها لي ونضحك..ثم عاد الزوج، ذات ليله ليجدني عندها، كان يحمل سيفه فذبحني به وأنا في حضنها.. ثم أتيت إلى هنا، لقد استغرقت رحلتي أيام ثلاث، كم استغرقت رحلتك أنت ؟
شداد:ثلاثة أيام، كما اعتقد..
الرجل الثاني: لم انتظر طويلاً – أم تراني انتظرت طويلاً-حين وصل هو (يشير إلى صديقه)وبعد فترة زارنا هبا..
شداد: إذن سوف يأتي فيزورنا؟
الرجل الأول: طبعاً، انه يأتي دائماً..
الرجل الثاني: (متابعاً بحماس) قال لنا انه ليس من منا يحب الفتاه أكثر، وقال انه لا يهتم بما نسميه في الأرض خيانة زوجية، الحب، الحب فقط هو الذي يهمه..
( يتمشى الرجل في الغرفة ثم يعطي ظهره إلى واجه المسرح ويكمل)
الرجل الثاني: لقد قال لنا أن هنالك طريقة واحدة ليس غير.أعطاه هذا القماش وقال له أن يقوم بخياطة ثوب الفتاة التي يحبها، فإذا كان يحبها فعلاً فهذا يعني انه يجب أن يكون على تصور كاف لكافة مقاييس جسدها، فإذا أراد أن يفوز بالفتاة فيجب أن يكون الرداء مناسباً لها تماماً، ولديه فقط فرصة واحدة لإثبات ذلك..
شداد: ( ساخراً) وأنت؟
الرجل الثاني: انه يبذل جهداً متواصلاً ليفوز بالفتاة، ليس لأنه يحبها فعلا، ولكن لأن بالموضوع كله موضوع انتصار أو هزيمة..أما أنا فإنني على المحك، معه، هل كنت أحبها فعلا؟هذا السؤال الذي يهم هبا، إذا كنت أحبها فيجب أن أبذل جهداً لأفوز بها.
شداد: كيف؟
الرجل الثاني: يجب أن اعرف عدد الغرز التي استعملت لخياطه الثوب.
( يقترب من شداد ويشرح له مستعيناً بيديه )
إنها نوع من المبارزة الشريفة، إذا أراد أن يربح الفتاه فعلية أن يبذل كل جهده لأخسرها أنا، مثل كل الأمور في الدنيا..
شداد: وهل يحبها حقاً؟
الرجل الثاني:اسأله..
الرجل الأول: إنني لا أحبها الآن، طبعا لقد سئمت كل هذه الألاعيب..كل ما في الأمر إنها موجودة في الغرفة الأخرى ( يشير برأسه إلى الجدار )جالسه بين عشره رجال، وعليها أن تقاوم كل حيويتهم وجاذبيتهم لتثبت هي الأخرى بأنها تحب واحداً منا فقط، وإنها ليست مصابه بحب رجل يعطيها اكتفاءها.
شداد: إذا كنت لا تحبها، فلماذا تهتم بها؟
الرجل الأول:إن ذلك يعطيني شعورا بالأهمية، ليس أكثر..
شداد:ولماذا استغرقت خياطة الثوب كل هذا الوقت؟
الرجل الأول: لأنني أعود، كل ليه، فاسحب الحيطان من جديد.
شداد: ولماذا ؟
الرجل الأول: لأنني لا أريد أن انتهي، لا أريد أن أموت مره أخرى..هل تتصور أنت معنى أن ينتهي عمل ما؟
شداد: إنها لعبة حقيرة!أسوأ مما في الأرض، تحت.
الرجل الأول: كلا..انك هنا تعرف كيف تجرى الأمور، ولماذا..وبالتالي تعرف هاهي الغاية، ويكون بوسعك إن تختارها..
شداد: ( كأنه تذكر شيئاً )ولكنكما صديقان!
الرجل الأول: طبعاً، ولقد اخترنا أن نكون كذلك، فهذا أفضل، إننا نرد على هبا..
شداد: تتحدثان عن هبا كما لو انه لا يسمع ولا يرى ولا يعرف..أنت تحكي عنه كما لو انك تريد خداعه..ماذا؟ألا يسمعك..
الرجل الأول: كلا!انه لا يسمعنا، وهو الذي قال لنا ذلك بنفسه..أتعرف الفرق بينك وبينه؟انه يدخل إلى الغرفة،إلى أية غرفة،دون أن يقرع الباب ، تجده في غرفتك دون أن تحس ،هذا هو كل شيء..فإذا رأيته باستطاعتك أن تكف عن الكلام، ولكنه، على إي حال، سيسمع آخر كلمتين أو ثلاث من الحديث، ومن هذه الكلمات يستطيع أن يعرف كل الذي في رأسك، انه ذكي جداً.
شداد: ذكي؟
الرجل الأول:طبعاً..ذلك انه عاش طويلاً..
شداد:هل يناقشكم؟
الرجل الأول: طبعاً، انه إنما يأتي كي يناقش، انه يحب ذلك..ماذا، أتريد أن تناقشه؟
شداد: ( مبتسماً ) أنما أتيت من اجل هذا فقط..لدي،في رأسي،ألف سؤال أود لو أستطيع تذكرها كلها..
الرجل الأول : ( يفرك يديه) إذن سوف نرى شيئاً طريفاً جداً..بودي لو يحضر..
الرجل الثاني: ( سعيداً) سوف يحضر.. سوف يحضر
( شداد يدور في الغرفة ثم يعود فيجلس مكانه وينظر اليهما وهما يتابعان عملهما بهدوء وبعد هنيهة يقول كأنه يكمل حديثاً..)
شداد: لو أفترضنا انك فزت بالمرأة، فإلى أين ستذهب؟إلى الجنة أم الجحيم؟
الرجل الأول: سأذهب معها!سأذهب معها ولا يهمني أين، بل لأنني اعتقد انه لا يوجد إي أين هنا..
شداد: كما على الأرض..
الرجل الأول:ليس تماماً.. الغاية هي التي تشغلك على الأرض، أما هنا فمجرد الرفيق.
شداد: (بسخرية) تحكى عن الغاية وأنت هنا لا تعرف إلى أين ستذهب...
الرجل الأول: لذلك قلت لك إن هذا لا يهمني.. أنت ما زلت تفكر بالتفاصيل، أما هنا فنحكي عن الكليات دفعة واحده..
شداد: مثل ماذا؟
الرجل: مثل.. مثل إن وجودك هو شيء مستمر ولا نهاية له، وبالتالي فأنت المسئول الأوحد عنه..
شداد: كيف؟لقد فقدت عقلك أيها الرجل، فقدت عقلك!أريد أن أعرف:هل هو الذي أثر عليك إلى هذا الحد؟أعني هبا، هل هو الذي أقنعك بكل هذا الغباء؟أنت تعيش هنا كالبقرة، تعيش كحيوان لا أكثر..تعيش كما لو انك..
الرجل الثاني: ( يقاطعه وينقر على كتف زميله، الأخر يهز رأسه ويبتسم)هل سمعنه؟انه يقول أنت تعيش!مازال يفكر برأس من تراب..
( ينظر إليه بشفقة مفتعلة )هل نسيت أيها الفتى إننا أموات؟
شداد: ( برعب) صحيح ، نحن أموات!
الرجل الثاني: يلزمك وقت طويل لتكف عن ترديد كلام الأحياء..
شداد: الأحياء! الأحياء يدفعون ثمن موتهم سلفاً ليأتوا إلى هنا ويعملوا كالنساء في خياطة الأثواب.. قل لي..ألم تكن تطمع بالجنة وأنت هناك..تحت؟
الرجل الثاني:لقد ضحكوا علينا.
شداد: والآن ؟ بماذا تطمع؟
الرجل الثاني: لاشيء على التحديد..الأموات لا يطمعون بشيء.. ربما الرفيق فقط، نعم، هذا صحيح، الرفيق فقط..وأنت ترى(يشير إلى صاحبه)إننا، معاً، لا نطمع بأيما شيء،إننا نشعر بأهميتنا البالغة بسببها(يشير إلى الجدار )وفيما عدا ذلك ليس ثمة ما هو مهم..
(ينظر إلى زميلة مشفقاً ثم يقول بصوت خفيض)
الرجل الثاني:انه وجهي الأخر الذي لا أستطيع أن أرمية، إننا نجلس معاًُ إلى حد يضطر فيه واحدنا أن يحمل قدر الأخر وان يفكر بمصيره إلى حد تتضاءل فكرة النصر وفكرة الهزيمة..
( يجلس شداد في كرسيه، ويغرق في أفكاره، ثم ينهض وقد استبدت به الحماسة)
شداد: لقد بنيت جنه على الأرض ودمرها أمام عيني وأنا مصلوب على عمدان من قار مغلي، وكنت أرى جواهرها تذوب كما يذوب الرصاص وتسيل في القنوات كالماء اللامع لتغوص في قاع الأرض..لماذا فعل ذلك كله بي؟.
( الرجلان ينظران إليه مشفقين، فيما يمضى بصوت أعلى)
لقد عذبت أمي في سبيل أن اعتقها من صنمه الأبيض المنصوب بين بيوت الناس! بعت مملكتي بومضه من ومضات الحقيقة التي لا يراها المرء الا كما يرى البرق..أردت أن أفك النير عن رقاب الناس الذاهبين إليه الآيبين من عنده التاركين تحت قدميه كل كبريائهم وشجاعتهم..
( يلتفت إليهم ويبدأ بالصياح)
ثم ماذا حدث ؟ لقد نازلته في معركة صب فيها علي لهب الجحيم، جردني من سيفي ورماه أمام عيني، فإذا به صوان لا يقطع الهواء..وماذا وراء لك كله؟ رجلان يخيطان ثوباً لامرأة موجودة في غرفة أخرى، لا يريدانها ولا تريدهما..عقاب سخيف أسوأ ما فيه انه مهين ومذل..لقد وعدنا هناك بالجنة، وها هو الآن يتركنا فريسة السخف والغباء.
( احد الرجلين يشير إلى الأخر ثم يتجه برأسه إلى الباب، الرجل الثاني يحاول لفت نظر شداد الماضي في صراخه، الباب السميك ينفتح ببطء ويدخل شاب جذاب قوى الملامح طويل القامة غزير الشعر،الباب ينغلق من تلقاء نفسه،الشاب يتكئ على صفحته ويراقب شداد الماضي في صراخه..)
شداد: أخافنا وعذبنا وسحق كرامتنا، وضيع شجاعتنا، ومسخ طموحنا، وسلب وقتنا وحين حاولنا التمرد عليه حاربنا، ولما اطعناه أذلنا..وها نحن نموت فإذا بالكذبة الحمقاء لئيمة حتى العظم..
الشاب بهدوء مقاطعاً) أنت غاضب علي..
شداد: ( يلتفت إليه فجأة، يفاجأ، ويعود إلى الوراء) من أنت؟
الشاب: هبا..
شداد: صورتك في حينا ليست كذلك..
الشاب:انتم نحتم الصورة..
شداد: ولكنك شاب..
هبا: هل تعتقد انه من الضروري أن تنبت للحمه لحية بيضاء طويلة؟ لو كانت لك القدرة لتختار وقتاً تعيش فيه كل عمرك، أي وقت تختار؟
شداد شارداً) الشباب..
هبا: حسناً، لقد اخترته أنا..
شداد: أنت لا تخيفني..
هبا: لقد أخفتك طويلاً، أما هنا فلا مبرر للخوف..
شداد: ( يقترب منه غير مصدق) أنت إذن هبا..
هبا: أنا هو، محط غضبك وحقدك..
شداد: سيصاب الناس بالجنون لو علموا.
هبا : القصة عندكم في الأرض تكبر في ثلاثة أيام ..فكيف تريدها أن تصير إذا عمرت أجيالا؟.
شداد: ولكن..لماذا أنت هبا..لماذا ليس أنا؟
هبا: لأنني أتيت أولاً، هذا كل شيء ، لو أتيت أنت قبلي إذن لكنت أنت..
شداد: أتيت؟من أين أتيت؟
هبا: لن تستطيع أن تفهم الأمر، أنت ترى، لقد حدثت القصة منذ وقت لا تستطيع أن تلاحقه بعقلك॥
شداد: ( بلؤم ) لنحاول.
هبا: ثمة شيء يبقى بعد أن يموت الجسد، هذا الشيء، الذي تسمونه ضميراً، لا يموت مع موت الجسد، بل يطير ويلتصق بقبة السماء..إن لهذا الشيء خاصة جاذبة بحيث يجذب كل ما يشبهه ،لان ذلك بدأ منذ أول إنسان ولد،فقد تكاثر وتضاخم..( يشير إلى نفسه ) ها هوذا..
شداد: الم يختلف عليك الأمر؟
هبا:بلى، اختلف كثيراً..حين أكون في الجسد الحي أكون إرادته واختياره، لو تستطيع أن تعرف!أكون في الداخل، هل تفهم؟لم أكن شيئا يأتي من الخارج،كنت انبت في داخله،ولذلك لم أكن مرعباً..لأنه كان-قل ذلك إن شئت- يعرفني تماماً..(يهز رأسه) مهما كنت طيباً ، فان قدومك من الخارج لا يرحب به كثيراً..
شداد: إذن أنت هبا؟
هبا: كف عن التساؤل الذي لا مبرر له..هل انتحرت؟
شداد: ( بدهشة ) كيف عرفت؟
هبا: هذه لهجة لا يتكلم بها إلا إنسان انتحر، وهو يأتي لمقابلتي دون خوف، قل، لو شئت، بلا خوف كثير.. ذلك انه يكون قد تعرض لخوف اكبر، الخوف من إرادة الموت..
شداد: من الموت؟
هبا: كلا، من إرادة الموت..إن الموت نفسه لا يخيفكم، لأنكم لا تصدقونه ولا تعتقدون قط انه سيأتي لكم، الآن، أو بعد.أما إرادة الموت فإنها شجاعة مواجهته وتصديقه..
شداد: ولكنني لم أرد الموت تماماً..صحيح إنني كنت أجد في طلبه، ولكن على أمل أن أنازله.
هبا: تنازل من ؟
شداد: أنازلك..
هبا: ومن الذي انتصر؟
شداد: كأنك لا تعرف!لقد سلطت علي كل قواك، انفردت بي بكل الأسلحة التي لم نسمع عنها فجعلتني رماداً دون أن تعطيني فرصه مواجهة عدو أشاهده بأم عيني..
هبا: ولكنك واصلت التقدم، أنت الذي اقتحمت عاصفة الصوت..
شداد: كنت أبحث عنك..
هبا: ألم تكن تريد النصر؟
شداد: في صلب المعركة لم أفكر بالنصر أو الهزيمة..لقد فكرت بك.. بك أنت فقط، تراك حقيقة أم أكذوبة؟هذا الذي شغلني وحسب..وأنت؟ ما الذي كان يشغلك؟
هبا: أن تعود أو لا تعود..
شداد: أنت لم ترد أن اصل إلى ارم؟
هبا: كلا! كانت ارم هبا جديداً منافساً..لقد كان النزال، إذن بيني وبين ارم..
شداد: وماذا كان دوري أنا؟
هبا: لقد كنت أنت وارم شيئاً واحداً لا ينفصل، ولذلك حين قتلتك عاصفة الصوت اندلعت النار بنفس اللحظة، في ارم..أنت ترى الآن..أنا والعالم شيء واحد أيضا..إذا ما دمر العالم قضيت أنا.
شداد : لقد دمرت ارم إذن؟كيف استطاعت نارك أن تلتهم كل ذلك الجمال والعطاء والنبل؟ كيف استطاعت قواك أن تأكل ذلك الجهد الذي لم يحدث أن شاهدت الأرض نظيره؟
هبا: ارم لم تكن موجودة إلا في راسك؟وحين ذاب رأسك ذابت..
شداد: لقد أقمتها من الجوهر والضوء، وسقت إليها الماء من تحتها ليبعث الحياة في زجاجها وشجرها وريحها وأناسها..لقد كانت من مادة صافية صفاء الجليد..
هبا: كلا، لم تكن إلا فكرة، وهمك جعلها تبدو لك من حجر وجوهر وضوء..
شداد: (يفكر قليلاً وهو يتجول في الغرفة، ثم ينفجر به)أية سلطة تجعلك تريد الكلمة النهائية؟من أنت لتحكم علي بالكذب..؟
هبا: أنتم أعطيتموني السلطة لأحكم عليكم بالكذب، ولتكون لي، كل الكلمات النهائية..ورغم ذلك فإنني سأقول لك شيئاً هاماً.. ليس ثمة سلطة في الأمر، وليس ثمة كلمه نهائية، إذا كنت أنت لا تريد أن تعطيني تلك السلطة وتلك الكلمة النهائية!
شداد غاضباً) هراء!(يشير إلى الرجلين المنهمكين في عملهما) انظر ماذا فعلت بهذين المسكينين، وانظر بماذا حكمت عليهما ..ألم تكن تلك هي كلمتك النهائية؟ألم يكن حكمك؟
هبا: ورغم ذلك، فأنا لا احكم قط، أنا اقترح فقط، وذلك ليس إلا بحكم الخبرة الأطول!
شداد: من الذي يحكم إذن؟
هبا: ( يدور إصبعه بهدوء مشيراً إلى الجدران )أولئك الموجودين في الغرف الأخرى، إنهم يحكمون عليك أو لك..
شداد: كيف يحكمون علي دون أن يعرفوني؟
هبا: إنهم يحكمون عليك لأنهم لا يعرفونك..
شداد: وهل من الضروري أن يحدث هذا لي؟
هبا: يحدث لك؟كلا!انه يحدث لهم..الحكم على الآخرين قضية لاتهم المحكوم عليهم، تهم الحاكم..
شداد: وأنت الذي تتيح كل ذلك؟
هبا: أنا لا أتيح شيئاً..ولكن حتى لو اتحت ،فأي ضير في الأمر؟الست ترى إلى نفسك: إيه متعه تجدها في الحديث عنهم وأنت لا تعرفهم؟انه من الصعب جداً بل من المستحيل أن تحكم على المرء، أو له، إذا عرفته..
شداد: أنت تتسلى؟وهذا شيء مضحك!ربما صار عالمك-من فرط ما عشت-سلسلة من التسليات الغريبة والمؤلمة معاً..أنت هنا، كما أنت في الأرض ،تتسلى..
هبا: أوه!سوف تكرر الآن على مسمعي كل الكلام الذي سمعته طوال أجيال وأجيال! سوف تعدد لي المآسي التي شهدتها.
سوف تحكيها وأنت موشك على البكاء كما فعل الجميع، سوف تحكى لي-أنا أعرف-عن أطفال قضوا دون ذنب ارتكبوه، وآخرين عاشوا وتعذبوا دون مبرر..هذه قصص قديمة..قديمة قدمي.
شداد: ورغم ذلك فإنها ما تزال تجري كل يوم..خذ أمي مثلاً..
هبا: تحدثني عن أمك!تلخص الكون كله في أمك!كيف يخطر على بالك، ولو للحظة واحدة، إنني احسب حساب الأفراد بهذا الشكل المضحك؟هل تعتقد انك لو حكمت ارم لأسعدت كل الناس ولفكرت بكل الأفراد؟لقد شهدت أنا من موت الناس ما اعجز عن عده أو عن تذكره أو حتى تذكر متى بدأ..ورغم ذلك ، ماذا تحسب أنت؟ أنا هنا أفكر في العالم كله، جيلاً بعد جيلا دفعة واحدة..حين ابتنيت ارم هل فكرت بكل العمال الذين قضوا تحت سياط الشمس أو تحت انهيار جبال الرخام؟. لقد كنت تريد أن تبني جنتك، وكان ذلك كل شيء بالنسبة لك، أما أنا، فأنتم أنفسكم الذين تقولون أنني أبني الحياة، فلماذا لا تعطيني نفس الفرصة؟
شداد: ولكنك تطالبنا بالركوع على أقدام تمثالك الحجري، بإعطائك أبنائنا وأكبادنا ودماء مواشينا، تذلنا لنشكرك وإذا شكرناك استعبدتنا..
هبا: أنا لم أطالبكم بذلك، بل إن تمثالي الحجري الذي تحكي عنه لا اعرفه، وأنت بنفسك قلت انه لا يشبهني..لقد قلت لك..حينما عرفني الناس كشيء خارج عنهم فكروا في أن يحسنوا ضيافتي إذا ما أتيت، أو أن أحسن ضيافتهم إذا ما أتوا..
( يتقدم إليه بخطى ثابتة ويضع يده على كتفه بعنف)
قل لي..لماذا بنيت ارم؟
لأن العالم الذي وهبتنا إياه مقابل وعد مجهول كان عالماً قميئاً وسخيفاً..عالماً لا جدوى منه ولا غاية، لأن المرء يعيش فيه، يتعذب، يذوب..لماذا؟لأنه على موعد مع كلمة اسمها الجنة..وما هو الثمن؟أن تموت أخيرا مخلفاً كل شيء، على حين فجأة..
هبا: مخلفاً كل شيء لمن؟
شداد: (مرتبكاً) للآخرين!
هبا:أنت تعتقد إن ذلك خسارة أليس كذلك؟إذن دعني أقول لك انه يخلف كل شيء للعدم..حين يموت المرء، فبالنسبة له تموت حتى الأشياء..أتحسب إنك أنت الذي مت فقط؟ كلا! لقد ماتت ارم معك..مات كل شيء له علاقة بك..ابنك مرثد، بالنسبة لك مات، أيضا، رغم انه سيتوج نفسه اليوم ليكررك غداً..
شداد: وما الفائدة إذن من كل هذا الهزء؟
هبا: أي هزء؟
شداد: الوعد الذي يذل الناس..
هبا: أنت تريد أن تحكى عن المقابل الآن!من هو الذي رتب لكم عالمكم على أساس أن السعادة تقف مقابل الشقاء وأن الجزاء يقف مقابل العمل؟من هو هذا؟إن كل شيء في العالم يقف في صف واحد، لاشيء مطلقاً يقف مقابل الشيء الآخر..هل تفهم؟إن يومك ، بكل ما فيه ، هو التعويض الوحيد لذاته..
( يحاول شداد أن يتكلم فيشير له أن يصمت، ويمضي متابعاً بحدة)
ثم إنني تعبت من هذه القصة..قصه الموت!أنت تعرف أن الموت يحدث، بل إن الحياة لا تعني ما هي، لا تعني ما تعرفه عنها وما تحسه معها، إلا إذا وضعتها جنباً إلى جنب مع الموت..فكيف تريد أن تفسر الموت دون أن تكلف نفسك عناء تفسير الحياة دونه؟إنهم يموتون منذ تكورت الأرض، وحتى الآن تنظرون إلى الموت على انه شيء غامض وعجيب..
شداد: ( بحده) أنت تحكى عن الموت والحياة بهذه الصور ه لأن الحياة والموت لم يكونا يعنيان بالنسبة لك شيئاً..أنت لا تموت ولهذا فمن الصعب أن تقول انك تعيش..
هبا: هذا صحيح، أنا لا أموت ولذلك فمن الصعب أن يقال بأنني أعيش، ولكن وبنفس البساطة دعني أقول:أنت تعيش، ومن السهولة أن يقال انك تموت، أيضا.
شداد: أنت العكس إذن؟
هبا: أنتم تبدأ حياتكم بالولادة وتنتهي بالموت..أما أنا فتبدأ حياتي بالموت، وتنتهي بالولادة.
شداد: لقد خلقك الموت.
هبا: لقد خلقت نفسي قدراً حين كان الناس عاجزين عن صنع أقدارهم..
شداد: ولكنني حاولت أن اصنع قدري بنفسي..فلماذا لم تتركني؟
هبا: كيف صنعت قدرك؟ بأن حققت للناس الأسطورة التي تلهب حياتهم بالأمل والجدوى؟ إنهم يفضلون الاتكاء علي فذلك ادعى إلى راحتهم..
( ينظر شداد إليه بهدوء لحظات..ثم ينهض ويقترب منه)
شداد: الآن، وقد جرتني من قدري وحياتي..هل ستعاقبني ( يشير إلى الرجلين ) بإعطائي قطعه قماش حمراء أصنع منها قدراً تافهاً؟
هبا: فكرة المقابل هي فكرتك الرهيبة! كل شيء تقوم به تريد أن تحصل على تعويضه، إنني سأقترح أن تعطى كرة كبيرة من المطاط تواظب على قذفها إلى الحائط كي ترتد إليك..ولسوف تبقى تقوم بهذا العمل حتى تقتنع نهائياً بأن أسخف شيء في الوجود هو أن ترتد إليك أعمالك بالمقابل..
( تسقط كرة المطاط من السقف، وتنط على الأرض عدة نطات) لقد أعطيت الكرة بلا مقابل، هل لاحظت ذلك.؟
شداد: ( ببرود ) أنا لا أريد هذه الكرة أصلاً..وسوف لن أقوم بهذا العمل السخيف..
هبا: أنت حر..أنا اقترحت اقتراحاً..لكنك ستجد انه إذا ما وقعت كرة مطاط بين يديك فليس بوسعك أن تمنع نفسك من ضربها إلى الحائط والإمساك بها من جديد..
شداد: ( غاضباً) ولكن لماذا؟ لماذا يتعين علي القيام بهذا العمل السخيف؟
هبا: لأنك أنت نفسك الذي أردت من العالم أن يكون كذلك..ألم تقل قبل هنيهة إن الحياة بلا مقابل سخيفة وقميئة؟
شداد: ولكن الحياة ليست كرة مطاط..
هبا: هذا هو رأيي منذ البداية..
( يتجه إلى الباب – شداد ممسك بالكرة شارداً – الباب ينفتح بهدوء، هبا يخرج، الباب ينغلق من تلقائه)
( ستار )
الفصل الخامس
( قبل أن يرتفع الستار تسمع أصوات نقاش عالية، كما لو أن الكلام هو تتمة لحوار طويل.
نفس الغرفة المشاهدة في الفصل الرابع.شداد والرجلان)
شداد: ( يسمع صوته فقط فيما يرتفع الستار بهدوء)
كلا!لن أكون غبياً!لن أكون مثلكما..كلا..ليأخذني إلى جهنم، ليتركني طعاماً هنياً للضجر والتردد، ولكنني سوف أعصى أمره..
الرجل الأول: لا طائل من وراء ذلك.
شداد: ( يلتفت اليهما – الستارة ترتفع نهائياً الآن ) ألا تريان انه يخدعنا؟انه يعطينا فرصه واحدة لاختيار واحد ويغلق أمام وجوهنا كل الأبواب؟إننا ضحية هذه الخدعة القذرة !يضعنا في اغرفه مع المستحيل ويقول لنا اختاروا!وهو يعلم تماماً إننا أمام الضجر والعبث لن يكون بوسعنا إلا اختيار العبث..ثم ماذا؟(يقترب منهما ويمسك بالقماش بعنف) تشتغلان في الخياطة بلا كرامة ولا هدف سوى الهروب من الضجر ( يقذف بالقماشة بعيداً،احد الرجلين يقوم ويلحق بها) أرأيتما أسخف من هذا؟لماذا لا تفكران بأمر آخر؟.
الرجل الأول: نفكر بماذا؟
شداد: بأي شيء غير الطاعة! لقد حاربته على الأرض وسأحاربه هنا..
الرجل الأول: ولماذا تحاربه؟
شداد:أريد أن اهزمه..تلك رسالتي،هناك وهنا..
الرجل الأول: انه لا يهزم إلا إذا مات..
شداد: ليمت إذن!
الرجل الأول:تفكير صبيان!هل سمعت عن إنسان يقتل هبا؟
شداد: كلا..ولهذا السبب يستمر في الوجود..
الرجل الثاني: ولكن كيف؟
شداد: ( يتجول في أنحاء الغرفة مفكراً ثم يبدأ الحديث كأنه يحلم) آه لو كانت لي قدراته، آه لو استطعت أن أصب عليه عواصف الصوت واللهب فأذيبه كما أذابني وأحطم عالمه كما حطم عالمي وانهي القصة القذرة كلها..(يفكر قليلاً) لو نازلني حياً لكان القتل أسهل، ولكنه ينازلني فكرة..رأساً مقابل رأس..
الرجل الأول: ( يقف ويتجه إلى شداد) هذا صحيح..لقد توصلت إلى أول الخيط..لقد قال ذلك بنفسه..الم تسمعه؟
شداد: ( مترقباً) ماذا قال؟
الرجل الأول: قال انه والعالم شيء واحد، كما كنت أنت وارم..أنت الوحيد القادر على أن يكون بديله لو استطعت أن تدمره، وتحتفظ بفكره عالمه..
شداد: حسناً ..ماذا يعني كل هذا؟
الرجل الأول: انه الشوط الأكبر في الأمر كله..لقد دمرك من أجل أن يدمر ارم، هذا يعني انك وارم منافسان له ولعالمه..وبوسعك أن تنازلهما مرة أخرى..
شداد: ( حانقاً ) ولكن كيف أنازله؟ هذا هو أهم ما في الأمر، كيف؟
الرجل الأول: لقد قال أيضا انه يموت بالولادة..
الرجل الثاني: نعم..اعتقد إن السر هنا..
شداد: لنفكر بالأمر إذن، بدءاً من هنا.انه يولد بالموت..( يفكر)هذا يعني انه يولد هنا..ولو قدر لإنسان ما أن يعود من هنا لحدثت الولادة..
الرجل الأول: صحيح!صحيح!لقد توصلنا إلى الأمر كله..
شداد: ولكن كيف بوسع المرء أن يعود؟
( يقف – يتمشى في الغرفة-ثم يأخذ في الصياح كما لو أصيب بمس).
آه لو يستطيع الواحد منا أن يعود ليقول لهم انه لا يستطيع شيئاً!آه لو أستطيع أن أعود وأقول لأمي: يا أماه! لا تقدمي القرابين لتمثاله القائم بين الناس كالوتد..لا تخافي..انه لا يستطيع أن يفعل شيئاً..انه يخيفك عبر عالمنا، هنا، عالم الموت..ولكنه إذا ما سقط من الفضاء إليكم لمات في الطريق مثلما يموت المهزوم قهراً.
( يتجه إلى الباب، يحاول أن يلتمس أطرافه وحين يفشل يأخذ بهزه بعنف دون جدوى).
الرجل الأول: لا تحاول !انه قاس وبارد مثل البلاط..لن تستطيع أن تخرج من هنا..
شداد: انه يعيش بالموت!يعيش بالموت..لولا ذلك ما استطاع أن يستمر ولذلك يغلق هذا الباب بيننا وبين العودة ويتركنا هنا..ألم تفهما بعد؟نحن سره الوحيد!نحن!أنا وأنت وهو!نحن سره! انه يعيش على ظهورنا، يسوقنا كالبقر..
الرجل الأول: إن الخروج من هنا مستحيل! ألم أقل لك منذ البدء انه لا يهتم بكل إلي نقوله وبكل الذي نفعله؟ ألم اقل لك –(يلتفت إلى الرجل الأخر) ألم اقل لك انه يقتلنا، ومن جديد ومرة أخرى، لأننا الآن أكثر أهميه بالنسبة له عما كنا في الحياة؟
( ينهض، يهز شداد بعنف وهو يشير إلى الباب ).
أترى هذا الباب! انظر إليه جيداً لقد تآكلت أظافري وأنا اخشمه كالقط المجنون، لقد ذابت عظامي من فرض ما انهمرت فوقه..لقد حطمت جمجمتي كي أشق ثغرة تتسع لطيران كلمة حقيقية واحدة..ثم ماذا؟كنت أتهاوى كالقطن ،هنا ،نعم! حيث تقف أنت مغروراً كالطاووس ..أتحسب انك الوحيد الذي عرفت السر؟كلنا عرفناه..كلنا..بعد يوم بعد ساعة بعد سنة بعد جيل، المهم عرفناه..تراه يستحق أن يقتل الإنسان نفسه من اجله؟.(يبتعد عنه ويشير بإصبعه صاعداً نازلاً كأنه يقيس قامته) أنظر ماذا فعلت بنفسك أيها المجنون!.ها أنت هنا! اذهب،ذهب ،حطم الباب،حطم نفسك!لن تستطيع الفكاك من الشرك الذي رميت بنفسك إليه!
شداد: ( بهدوء وكأنه أولم) ورغم ذلك، فأنا لن استسلم قط..لقد حاربته هناك وسأحاربه هنا..إنني اعرف أن البذرة التي زرعتها، هناك، في ارم، لابد أن تنمو يوماً،لا بد أن تشرق من بين الحطام الذي احرقه وذرا رماده في الهواء..(يتجه إلى الرجل بعنف)ألا تفهم أنت أيها الرجل الذي خان صديقه في زوجته؟ أنا لم أمت، مثلك، كي أنسى..لقد مت في سبيل جنة أردت أن ابنيها تحت جنه هبا، أحسن من جنته واصدق لمسا وبصرا..لقد اقتحمت عليه غيوم أصواته الراعبه من أجل هذا الشيء الذي جعلني أفهم ثمن الموت..ولقد ارتضيته لأنه قدري الذي صنعته بنفسي..
الرجل الأول: ولكنك مت!مت!خسرت كل شيء يملكه البشر..الحياة..
شداد: لم أخسرها..لقد ربحتها..أنت الذي خسرتها!
الرجل الأول: إنهم يشتمونك..يقولون انك مغرور كافر..ابنك نفسه، في حفلة تتويجه، سوف يصب عليك نار حقده، ويكفرك أمام الناس والكهنة والتمثال الكبير الذي لم يشبعه الدم..
شداد: ورغم ذلك فأنا الذي صنعت ابني، وأنا الذي جعل ملكاً بملء إرادتي..ولسوف يذهب، يوماً إلى ارم.. وهناك سيجد الفكرة المحروقة وهي تنمو من جديد، وسيتغير..سيتغير..
الرجل الأول: وأنت؟أي مصير تنتظره؟
شداد: ( يشير إلى الباب ) لسوف أنهد على الباب حيى أحطمه أو يحطمني..ولسوف ينهدون هم عليه من الخارج..هم، الأحياء،مرثد وابن مرثد وحفيد مرثد ،ولسوف نجعله يشف بين أكتافنا حتى يذوب..هل فهمت؟ حتى يذوب! ولو كلف ذلك أن أبقى واقفاً تحت مصراعه كل ما تبقى من الدهر..
( فيما هو يشير إلى الباب ينفتح بهدوء..ويدخل هبا مرة أخرى، كما دخل في المرة الأولى – ويسند الباب المغلق بظهره)
شداد: ( بعنف ودون أن يفاجأ) وما الذي تريده الآن؟
هبا: جئت أقول لك أنك قد اكتشفت كل شيء..وأنني حقاً فخور بك..أنا، في الحقيقة، لا اقدر على حكم الأرض، بل أنا لا أقدر على حكمكم هنا..أنت، خارج هذا الباب تمتلك كل حريتك، بمعنى من المعاني، وهنا تمتلك حرية أقل من تلك التي كنت تمتلكها..
شداد: عن أية حرية تحكي؟ لقد نازلتني وفتكت بي ثم تقول إنني كنت امتلك كل حريتي..
هبا: أنا لم أنازلك..الصدفة هي التي قتلتك.. يبدو ذلك فاجعاً ومضحكاً، ولكن ألا تعلم أن الصدفة هي جيشي الذي يفتك بأعدائي ويذلهم ويحمل للناس الأيمان بي؟
شداد: تحكي عن الصدفة وأنت تحكي عن الحرية..لاشك إنها حرية مضحكة تلك التي يقترن الحديث عنها بالصدفة!
هبا: أنا احكي عن الحرية التي لا مقابل لها..الحرية التي هي نفسها المقابل..
شداد: وإيه حرية هذه التي أعطيتنيها في غرفة مغلقة بالصفيح والبلاط؟
هبا: يجب أن لا تنسى انك ميت الآن.. حسناً..يجب أن تقتنع بالحرية التي تعطى عادة للموتى..حرية الضجر والعبودية، ليس غير.
( يفتح الباب، وقبل أن يخرج يلقي بصره بهدوء على الرجال الثلاثة المشدودين ويشير إلى الباب وهو يقول ببطء، شاداً على كلماته)
هبا: هذه مملكتي! هذا الباب فقط: مملكة صغيرة ولكنها منيعة، العرش المجهول هو سر منعتها، والصولجان غير المرئي هو حارسها الأبدي..
( يخرج، الباب يغلق بهدوء، الرجلان يعودان إلى الخياطة، شداد يتجول في الغرفة، يتعثر بالكرة، يرفسها بعنف، ويرفع رأسه يحدق إلى الباب فيما ينزل:
( ستار النهاية

0 التعليقات:
إرسال تعليق