هذه المسرحية مـُستـَنبطة من منهج تعليمي لمادة الفيزياء لمرحلة الخامس العلمي ، وقام المؤلف بمسرحة المنهج ، لتساعد الطالب على استلامه معلومات مادته عن طريق مسرحية تعرض أمامهم بواسطة تمثيل ألطلبه أنفسهم ، وتعد هذه الطريقة من طرائق التدريس المقام بها في بعض مدارس العراق.
تأليف : ذوالفقار خضر
شخصيات المسرحية :
الشمس
نجم 1
نجم 2
التوأم
الغول
الثريـّا
الدب
المنظر :
مكان واسع يرمز إلى الفضاء وفي منطقة وسط الوسط للمسرح يوجد كرسي عرش وهو مكان الشمس
*********************************************************
الشمس : يا أخوتي يامن أدهش الخلق بخلقنا ، إلى كل من لم ابخل عليه من ضياءي وأشعتي ونوري ، نحتفل اليوم باحتفال لم نشهد مثله منذ ملايين السنين بل منذ بلايين السنين ، وهو احتفال بمناسبة ولادة نجم جديد ينظم إلينا ليدور حولي ، وأرعاه من خلال أشعتي التي تصله مني ، وبالتالي يزيد سماء الليل جمالا ً وتلألؤا ً
نجم 1: وأخيرا ً انظم إلينا أخ جديد بعد كل هذه السنين .
نجم 2 : (مخاطبا ً الشمس ) ولكن يا صديقتي هذا الأخ الجديد هل هو أكثر منك كتلة أم لا ؟
الشمس : لا ، انه ليس أكثر مني كتلة ، ولكنه من نوع النجوم ذات الكتل الكبيرة .
نجم 2 : إذا ً ومع شديد الأسف انه يمتلك دورة حياة قصيرة .
نجم 1 : ولماذا يا أخي ؟ لا نريد أن نفقده بسرعة .
نجم 2 : لا لن نفقده بسرعة ، نحن النجوم عندما نولد نمر بمراحل زمنية عديدة تبدأ بالولادة ثم الاستقرار ثم مرحلة الشيخوخة وأخيرا ً مرحلة الاحتضار أي الانهيار ، وهذه المراحل تستغرق وقتا ً زمنيا ً قد يصل إلى مئات الملايين من السنين .
نجم 1 : ولكنك لم تقل لي لماذا يمتلك دورة حياة قصيرة ؟
نجم 2: حسنا ً ... سوف أخبرك بشيء ، إن النجوم ذات الكتل الكبيرة تمتلك دورة حياة اقصر من النجوم ذات الكتل الصغيرة ، والسبب في ذلك يعود إلى أن قوة التجاذب في النجم ذي الكتلة الكبيرة عالية مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارته بسرعة وبالتالي تكون عملية الاندماج النووي والتفاعل الداخلي أسرع مما هي عليه في النجم في النجم ذي الكتلة الصغيرة .
الشمس : لا تقلق يا عزيزي ، لا يمكن الاعتراض على قوانين الفيزياء والجاذبية .
نجم 1 : لم افهم قصدكما بعد .
الشمس : حسنا ً استمعا لي ، تبدأ دورة حياة النجوم من تجمع الكتل الغازية والأتربة الكونية والتي تدور في المجرة حول مركزها وبسبب عدم استقرار كثافتها العشوائية تتقلص وتنكمش نتيجة الجاذبية الذاتية فيها ، فتكـِّـــون عندها النجم الأولي وذلك يكون بشكل سحابة غازية ، وبازدياد كثافتها وتقلص حجمها تزداد طاقة الجاذبية نحو المركز مما يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة في مركز النجم الأولي من حوالي 300 إلى مليون درجة حرارية سيليزية عندئذ يبدأ التفاعل النووي الحراري في المركز مما يؤدي إلى انبعاث ضوء وهذا يعني انه أصبح نجما ً أنموذجيا ً يا أحبائي .
نجم 1: وبعدها نقوم بتزيين السماء من خلال التلألؤ المستمر لنا والذي يظهر مساءا ً ... حسنا ً والآن فهمت قصدك .
نجم 2 : وهل أنت مثلنا يا صديقتي الغالية الجميلة ؟
الشمس : أنا الشمس ، والشمس نجم جرم سماوي مضيء بذاته ، كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم (( هُو الذي جعلَ الشمسَ ضياءا ً والقمرَ نورا ً وقدرهُ منازلَ لِـتـَعلموا عددَ السنين والحسابَ ))
نجم 1 / نجم 2 : ( سوية) سبحان الله .!!
الشمس : إن مجموعتي معقدة وفي غاية الدقة من الناحية الفيزياوية والطبيعية ، فتعد مجموعتي نظاما ً كوكبيا ً لدوران الكواكب السيارة حولي وأنتم تعرفونها وهي عطارد ، الزهرة ، الأرض ، المريخ ، المشتري ، زحل ، أورانوس ، نبتون ، وبلوتو ، فتدور في مدارات اهليجية حولي وبنظام الجاذبية المشترك حيث يقول سبحانه (( إني رأيتُ أحدَ عشر َ كوكبا ً والشمسَ والقمرَ رايتهمُ لي ساجدين )) فهذا دليل ُ قاطع حول عدد الكواكب التي في مجموعتي .
نجم 1 : نعم صحيح ، حتى إن الفترة الزمنية لدوران الكواكب التي تدور تعد وحدة قياس للوقت .
الشمس : نعم وقد ذ ُكر ذلك في كتاب الله تعالى (( والشمسُ تجري ِ لِـمُستقر ٍ لها ذلك تقديرُ العزيز ِ العليم * والقمرَ قدرناهُ منازلَ حتى عاد كالعرجون ِ القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تـُدرِك القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهارِ وكلُ في فلكٍ يسبحون *))
نجم 2 : آه أنا متشوق للترحيب بضيوف حفل اليوم فهذا الاحتفال يجب أن يكون احتفالا ً كبيرا ً ، يجب أن يكون احتفالا ً لائقا ً لولادة نجم جديد استغرقت ولادته ملايين من السنين .
نجم 1 : آه يا لفرحتي لقد أتى أحدهم .. انه هناك .. ماذا أنهما اثنان ؟! .. ولكنهما متشابهان ويسيران سوية .
نجم 2 : هل هما توأمان ؟
الشمس : انه نوع من النجوم وهي أزواج من النجوم مرتبطة بعضها مع بعض فيزياويا ً ، وهذا الارتباط يتمثل بدوران النجمين في مدار حول مركز جاذبية ثقليهما ، إذ تتبع قوانين نيوتن في الجاذبية والحركة ، أي أنها تخضع لقوانين كبلر ، ويؤلفان معا ً منظوما ً ثنائيا ً واحد .
نجم : آه لقد وصلا .. أهلا ً بكما ... أهلا ً .
التوأم : مرحبا ً بكم ، لقد سمعت نداء صديقتي الشمس فجئت ملبيا ً دعوتها .. دعوني أعرفـَكم بنفسي ، نحن ثنائي المئزر ونجم السهى في كوكبة الدب الكبير ، ونحن يمكن للإنسان أن يرانا بعينه المجردة أو حتى بالتلسكوبات ، ونحن لا نستطيع أن يفارق احدنا الآخر لما يربطنا من جاذبية مشتركة ، ولسهولة رؤيتنا قد صنفنا العالـِم وليم هيرشل إلى مجموعة الثنائية المرئية .
نجم 2 : أهلا ً بكما بهذا الحفل .. تفضلا ..( يدخلان )
نجم1 : انظروا هناك ضيوف جدد ، أنهما اثنان .
نجم 2 : أين ؟
نجم 1 : هناك انظر .
نجم 2 : لا انه واحد .
نجم 1 : لا أنهما اثنان .
نجم 2 : لا أنهما واحد ولا تشاكسني .
نجم 1 : لا أنهما اثنان ولا تشاكسني أنت .
الشمس : (تضحك) كفاكما شجارا ً ، فليس من اللائق الشجار في احتفال ٍ كهذا .
نجم 2 : لا انهما واحد كما قلت انا.
نجم 1 : لا انهما اثنان كما قلت انا
الشمس : لا هذا ولا ذاك .. انه ثنائي جديد .
نجم 1 / نجم 2 : ( سوية ) ماذا ؟!!
الغول : مرحبا ً بكم يا أصدقائي ، مبارك عليكم هذه الولادة الميمونة ، عسى أن يزيد المولود الجديد سماءنا جمالا ً وتلألؤا ً .
نجم 1 : تفضلا أهلا ً وسهلا ً بكما .(يدخلان)
الشمس : انه ثنائي جديد ، وهما من ضمن الثنائيات الطيفية ولكن هذان الثنائيان يمتازان بان مستوى دوران الثنائي يكون بمستوى خط الإبصار نفسه مما يؤدي ذلك إلى حجب احدهما للضوء القادم مني إلى النجم الثاني عن الناظر وبصورة متعاقبة .
نجم 2 : (يضحك) ولهذا رأيتهما واحد وأخي راهما اثنان .
نجم 1 : في الكون عجائب (يضحكان )
الشمس : نعم وهذا التعاقب يؤدي إلى عملية الكسوف ونتيجة لذلك تتغير شدة الضوء الواصل مني وبصورة دورية ومن هذه الثنائيات نجم الغول الذي دخل لحفلنا توا ً.
نجم 1 : يبدو إن احتفال اليوم سيكون ساخنا ً .
الشمس : تهيؤا للضيوف الجدد ، فسيزورنا الملايين منهم .
نجم 2 : لحسن حظنا انه لا حدود للكون ، فالمكان فسيح لا لملايين النجمات بل لبلايين النجوم .
نجم 1 : أوه ! يا لهي ما هذا الكم الهائل من النجوم ، انظري هناك إنها مجموعة كبيرة من النجم ، آه مااجملها
الشمس : نعم صدقت هذه المرة ، أنها عناقيد داخل مجرتنا وان نجومها متباعدة نوعا ً ما ويتراوح عددها بين 10 إلى 1000 نجم في كل عنقود وتكون متمركزة في الأذرع الحلزونية للمجرة ، وتكون هذه النجوم لامعة ذات أعمار قصيرة ومن هذه العناقيد في مجرتنا عنقود الثريا في كوكبة الثور ، وهم ضيوفنا الآن فلنحسن ضيافتهم .
الثريا : السلام عليكم ، مبارك علينا جميعا ً هذه الولادة الجديدة .
الشمس : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، مرحبا ً بكم جميعا ً تفضلوا إلى الداخل .
نجم1: أهلا ً وسهلا ً بكم جميعا ً ، الكون كونكم ، لا تتقيدوا ولاتخجلوا منا أرجوكم ، تفضلوا ، أهلا ً بكم جميعا ً ( تدخل الثريا ).
نجم 2 : ما ذاك النجم ؟ انظروا معي انه قادم من بعيد ، انه يمتلك ضياء خافت ، ياله من مسكين .
نجم1 : (معاتبا ً) آه يا شمس الم تقولين لنا منذ بداية الأمر بأنك لم تبخلي علينا من ضيائك ونورك وأشعتك ؟ وذاك المسكين القادم من له الآن ؟
الشمس : انه ليس ذنبي ، لا تسيء الظن بي أرجوك .
نجم 2: مابك يا صديقي ماذا دهاك ؟ لا تتسرع في إصدار حكمك ، سيأتي ذلك النجم وسيخبرنا بقصته .
الشمس : انا سأخبركم بقصة ذاك النجم المسكين ، إن سبب عتمة ضياءه تكمن في وجود المادة المحيطة حوله ، أي التي ما بيني ومابين أشعتي التي تصله مني ، فتلك المادة تجعله أكثر خفوتا ً مما هو عليه في الواقع.
نجم 1 : وممَ تتكون تلك المادة ؟
الشمس : تتكون من كميات من الغازات والأتربة الكونية ، فتشكل الأتربة نسبة 1% من المادة الموجودة مابين النجوم ، أما ألـ 99% المتبقية فهي من الغازات المنتشرة مابين النجوم .
نجم2: اغلقوا الموضوع انه وصل .
نجم 1 : مرحبا ً بك ، مالي أراك حزينا ً مهموما ً هكذا ؟
الدب : الم تـَر حالتي ؟ الم تر هذه السحب المحيطة بي من كل جانب ؟
نجم 1 : آه نعم لقد لاحظنا ذلك وقد حدثتنا الشمس عن هذه الظاهرة .
الشمس : لا تقلق يا نجم الدب ستستغرق فترة من الزمن حتى تتخلص منها ، فستذهب عنك هذا الغمامة بعد مرور الوقت الكافي لذلك .
الدب : نعم ولكن حظي العاثر جلب لي هذه الغمامة ومع وقت حفلكم بالذات ، فكنت أتمنى لو اني كنت أكثر ضياءا ً مما كنت عليه سابقا ً حتى أكون براقا ً في حفلكم هذا .
الشمس : كفاك حزنا ً . . . أرجوك نحن في حفلة .
الدب : حسنا ً . . سأدخل مع المحتفلين .
( يزداد ضجيج الضيوف بأصوات التهاني فيبدأ الحفل في الكون ، ومن ثم تعتلي الشمس مكانها وتكلم الضيوف)
الشمس : أيها الضيوف الكرام ، باسمكم جميعا ً نبتديء بهذا الحفل الذي لم نشهد مثله منذ ملايين السنين ، وهو حفل ولادة نجمة صغيرة جديدة ، تزيد بضيائها السماء جمالا ً ، وسبحان الخالق الذي خلق الكون من غير عمد ، حيث قال تعالى : ((رَفـَعَ السماواتِ بغير ِ عَمَدٍ ترونها ثم استوى على العرش وسَخَرَ الشمسَ والقمرَ كـُلُ يجري لأجل ٍ مسمّى يُدَبِرَ الأمرَ يُفـَصِلُ الآيات لعلكم ُ بلقاء ربكم توقنون ))
((تتصاعد أصوات كلمات التهاني بمناسبة المولود الجديد مع تصاعد موسيقى الاحتفال ))
*** سِتار***
تمت في/ كانون الثاني/2006
ذوالفقار خضر
********************************
مسرحية (( الصوت الأصفر))
تأليف : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخصيات المسرحية : الشاب / وتغلب علية علامات اليأس والإنهاك لما يعانيه من حالة نفسية سيئة.
: المتشرد/ كبير السن ، متطفل ، ممسوخ من شدة عذابه وعدم حُسن تصرفه في
علاقة اجتماعية ـ عاطفية .
منظر المسرحية : فضاء هيولي اسود ، تحوم في سمائه كتل ضبابية ، وفي الوسط كرسيان خشبيان
يمتلكان ارتفاع شاهق في قوائمهما ، وتلك القوائم عبارة عن أغصان شجر متشعب ومتعرج
ومتيبس ويستقر في قمة القوائم التي تزيد طولها طول الشخصيات بضعفٍ مقعد الكرسي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشهد 1
( الشاب جالس على الأرض بشكل مقلوب وفوقه كرسي، أي إن الكرسي جالس على الشاب ، ولكن أثناء بداية المسرحية وسماع صوت الموسيقى ينهض الشاب تدريجيا ً ويستمر في معاناته ويجسدها من خلال الرقص التعبيري أو الـdrama dance , ثم يدخل المتشرد) .
المتشرد : مالك تعاني كعادتك ؟ يمكنني مساعدتك ، يمكنني تخليصك من هذه الحالة المزرية التي انت فيها دائما ً
الشاب : أرجوك دعني وشأني لا ترغمني على تذكر الماضي مرة أخرى .
المتشرد : اعلم يا فتى أن الماضي يفيدك في تجاربك التي في الحاضر .
الشاب : لا حاضر لي ، فأيامي كلها ذكريات كلها ماضي .
المتشرد : لكني أحب مساعدتك .
الشاب : لا يمكنك ذلك ، لا اعتقد انك مررت بما مررت به , ولا اعتقد أن هناك شخصا ً مر بما مررت ُ أنا به.
المتشرد : اعلم بما مر بك ، فانا أراقبك منذ زمن ٍ طويل , والى هذا اليوم أنا أراقبك .
الشاب : كيف تراقبني وأنت طـَوال وقتك متشردا ً متسولا ً مابين الطرقات .؟
المتشرد : لا .. فأنا أراقبك .. وأراقب حتى أمثالك .. وأراقب حتى هي ..
الشاب : أرجوك .. لا تذكرها أمامي ,,
المتشرد : لماذا ؟
الشاب : عندما أذكرها تجعلني .... تجعلني اندم .
المتشرد : وعلام الندم ؟
الشاب : ( صمت)
المتشرد : عليك أم عليها الندم ..؟ اجبني .
الشاب : علينا سوية .
المتشرد : اقلق على نفسك .
الشاب : لا يـُهـِــم .
المتشرد : بل يهم بأن تقلق على نفسك .. فلا تنفــعـُك شيئا ً .
الشاب : من لا تنفعني بشيء ؟
المتشرد :هي .
الشاب : لا ... إنها تنفعني .
المتشرد : بماذا تنفعـُك أيها الغبي ؟
الشاب : ((مترددا ً)) تنفعـُــني ... يكفي بأنها تنفعني ..
المتشرد : نعم صدقت .. تنفــعـُــك بشيءٍ واحدٍ .
الشاب : ماهو ! ؟
المتشرد : تنفعك بضررها لك .
الشاب : ماذا تعني .
المتشرد : إنها تضرك .. وأنا معتاد ٌ من يضرني بشيء استغني عنه .
الشاب : وما علاقتك بي حتى تقارن نفسك بي .. . ؟ أرجوك بلا ثرثرة . دعني وشأني . واذهب من هنا .
المتشرد : لا .. لا. أنا لا أحب أن أرى رجلا ً طموحا ً مثـلـُـك لا يحب الحياة من اجل ِ واحدةٍ قد سلبت قلبك ببرود.
الشاب : لا تقل هذا فهي تحبني .
المتشرد : ( يضحك) تحبه ... عندما كنت بمثل عمرك عرفت ما هو معنى الحب . ، الحب خدعة ، الحب أكذوبة ، الحب هو الذي أوصلني إلى هذه الهيئة .
الشاب : هذا لديك .
المتشرد : إذا ً لديك أنت أيضا ً ..
الشاب : كيف ؟
المتشرد : بما أنك إنسان وأنا . . . . . ، فلكلانا نفس المصير .
الشاب : لا تصدع رأسي بفلسفاتك يا متشرد .
المتشرد : انك لا تستطيع مواجهة الواقع ، فالذي يمر بمثل هذه الحالة يكون خاويا ً لا يستطيع مواجهة حتى ذاته
الشاب : لا ..لا أظن هكذا .
المتشرد : بل هكذا لا تكذب على نفسك .
الشاب : لا أدري .. لا أدري . فأنا ضائع .. ضائع ، لا أجد في نفسي أيُ قرار والمشكلة أنها تعلم بأني أحبها ، ولا أستطيع حتى الكلام ، فعندما تمر من أمامي ..
المتشرد : (يقاطعه باستهزاء ) نعم أكمل يا روميو .
الشاب : أرجوك لا تستهزئ بي ، فعندما تمر من أمامي لا اعرف لماذا أتوقف عن عملي .. فان كل جسمي يتوقف عن الحراك ، وحتى لساني لايمكن أن ينطق بكلمة واحدة وحتى ولو لحرفٍ واحد.
المتشرد : وهي تمر من أمامك دون أي ارتباك .
الشاب : نعم .
المتشرد : هذه هي أنانية المرأة.
الشاب : لا اعرف بماذا توصف .
المتشرد : إذا ً هل تعرف مصيريكما ؟ كيف نهايتكما ؟
الشاب : لا اعرف .
المتشرد : بل تعرفه .
الشاب : كيف ؟
المتشرد : أنت مجرد عاملٍ بأجرك اليومي ، وهي بنتُ أعظم أثرياء المدينة.
الشاب : وما يعني هذا شيء ، فالحب .. الحب وحده يكفي (يقولها دون قناعة ) .
المتشرد : هذه خرافات وأساطير ، أي حب ٍ أيها المسكين ؟ إذا ً أنت تحبها لمالها .
الشاب : لا .. لا انك واهم .
المتشرد : إذا ً هل فكرت بأن تكلمها وجعل نفسك كذاك الذي قال :
وما حب ُ الديار ِ قد شـَغـَفَ قلبي
ولكن حـُبَّ من سكن الديارا
الشاب : أرجوك ، كفاك تسلية ً بعذابي .
المتشرد : انتبه لما سأقوله لك .. هل تريد أن تتخلص مما أنت عليه ؟
الشاب : طبعا ً ..كيف ؟
المتشرد : انساها فلا يمكن جمعكما معا ً .. فمن أنت ومن هي ؟
الشاب : لا أستطيع .
المتشرد : تبا ً لجوليت وسحقا ً لعبلة والويل لبثينة والهلاك لعزة والموت لليلى .
الشاب : ولماذا لا تقول تبا ً لروميو وسحقا ً لعنتر والويل لجميل والهلاك لكثير والموت ..الموت لقيس.
المتشرد : لا ..المرأة فداءٌ للرجل .
الشاب : لا .. الرجل فداءٌ للمرأة .
المتشرد : لا تشاكسني هكذا , فبماذا أفادك اولآئك المجانين المهوسين بالحب ؟ الم تقل لنفسك إنهم مجرد بقايا من ماض ٍ مزيف ٍ لعاطفةٍ مزيفة ؟ هل سألت نفسك ذات مرة لِمَ أنا هكذا ؟ أسألت نفسك هل هي مجنونة بي كما أنا مجنون بها كما تدّعي أنت ؟
الشاب : نعم ولكن لم أجد جوابا ً لأسئلتي .
المتشرد : أنا سأجد جواباً لكل أسئلتك ، فانا اكبر منك بأكثر من نصف قرن ، فأنا مررت بالكثير من التجارب منها العاطفية ُ بالأخص وبالدرجة الأهم ، ولهذا وضعت هذه القوانين التي ستكون قانونا ً لكل الرجال ، قانونا ً لكل من يعاني من شيء اسمه امرأة ، قانوناً لكل رجل يريد التعامل مع النساء بالصورة التي تجعلها مستقيمة ً معه .
الشاب : وهل هذه وسيلتـُك الوحيدة ؟
المتشرد : غايتي تبرر وسيلتي ، والغاية ُ تبررُ الوسيلة .
الشاب : وماذا في كتابك ؟
المتشرد : نصائح ، انتبه البند الأول يقول : (( إذا أردت أن تخدعها فخاطب عواطفها ولا تخاطب عقلها )) ، البند الثاني : (( اجعلها تعتقد أنها تفهمـُـك بطريقة واحدة وهي أن لا تفهمـُـها شيئا ً )) ، البند الثالث : (( ملابسك أهم من أفكارك وصديقتك أهم من أرسطو )) .
الشاب : أرسطو ؟ ! ، وهذا بماذا ينفعني ؟
المتشرد :ينفعك الكثير .
الشاب : ولكن لا ينفعها .
المتشرد : قلت لك أنها لا تنفعك شيء ، ولا يمكن جمعكما معا ً .
الشاب : ولكن كيف تجنبني من هذا العذاب ؟
المتشرد : موجودة ُ الطريقة ُ في هذا الكتاب ( يشير إلى عقله) ، استمع لهذا البند : (( إن امنع حصن يحتمي فيه الحبيب من حبيبته هو النسيان . . فإذا كان النسيان يكرهه . . فان جميع الحصون في هذا العالم لن تحميه .))
الشاب : ولكن كل وسائلك هذه ظالمة .
المتشرد : ظالمة لك أم لها ؟
الشاب : لها طبعا ً .
المتشرد : قلت لك منذ البداية المهم أنت لا هي ، والمهم الغاية كيف تكون .
الشاب : يبدو انك على حق ، فلا يمكن جمعنا معا ً ، هناك فارق ُ كبير فأنا مجرد ُ عامل ٍ في اجري اليومي وهي بنت أعظم الأثرياء .
المتشرد : إذا ً انساها .. انساها .. واتركها حتى لو كانت تحبك .. اتركها اتركها .
الشاب : اتركني أرجوك .. غادرني .. لا تزيد ألآمي ألما ً ..
تتصاعد الموسيقى بينما المتشرد ينسحب برقصة كيروكرافية خبيثة .. والشاب يعاني مرة أخرى كعادته .. ويرسم معاناته من خلال رقصاته الطقوسية
مشهد 2
الشاب يتعب من شدة معاناته السابقة فيستكين ويتكور حول جسده ..تخفت أصوات الموسيقى .. يدخل المتشرد أثناء معاناة الشاب .. ويراقبه للحظات .
المتشرد : ماذا بك ؟ هل عملت على نصيحتي .؟
الشاب : لقد وجدت النسيان يكرهني ولا يطاوعـُني .
المتشرد : أوهم نفسـَـك بان النسيان حليفك .
الشاب : لا أستطيع ، فعندما أريد أن انساها أتذكرها .
المتشرد : انساها .. انساها .. أنساها.
الشاب : صوت هذه الكلمة كاد يقتلني .
المتشرد : إذن أصبح النسيان حليفها هي .
الشاب : لا أدري . . . لا أدري الآن كيف أتصرف .
المتشرد : أصبح لك الآن عدوان .. النسيان وهي ..وهذا مضرٌ بك .
الشاب : كيف ؟
المتشرد : كنت لا تقوى على مقاومتها لوحدك ، فكان من الممكن أن تقاومها لأنك كنت مسلحا ً بالنسيان .
الشاب : وإذا كان النسيان حليفها .؟
المتشرد : اقتلها .
الشاب : (ينتفض) ماذا تقول أيها المجنون .؟
المتشرد : مابك هكذا انتفضت هلعا ً غاضبا ً ؟ اقصد اقتل النسيان .
الشاب : اقتل النسيان ؟
المتشرد : بخلاصك منها إلى الأبد .
الشاب : اذهب من هنا أيها المتشرد المجنون.
المتشرد :أنا ذاهبٌ ، ولكن تذكر ما قلته لك ... إذا لم تتخلص منها فسوف تتخلص هي منك .( يغادره)
الشاب : اذهب دعني وشأني .. أرجوك .. ياله من مجنون يريد مني أن اقتلها لكي انساها.. ولكن هذا قدري .. أن أتعذب من اجل امرأة .. متى انساها ؟ .. متى انساها ؟.... هل هو على حق .. أم .. أم هو على حق نعم . ماذا ؟!! لا .. لا انه مجنون يريد مني أن أكون قاتلا ً ... كيف انساها ..كيف ؟
صوت للمتشرد ولكن بصورة قبيحة: الوسيلة الوحيدة هي تلك الوسيلة ، وغايتك هي نسيانها .
الشاب : ولكن ليس بالقتل الوسيلة الصائبة .
المتشرد : ( يظهر على المسرح ) الغاية ُ يجب أن تصلها بشتى الوسائل ..النسيان يجب أن تصله حتى لو بقتلها .
الشاب :لكن لماذا بقتلها ؟ أيوجد شيء آخر غير القتل .؟
المتشرد : لا يوجد شي ٌ آخر فلا يمكن أن تنساها وهي على قيد الحياة .. فلا بد انك في احد الأيام ستراها ثم يهيج قلبك بعد بروده الصعب فتكون يائسا ً بائسا ً طوال عمرك ياغبي.
الشاب : الم اقل لك بأنك مجنون ؟
المتشرد : أنت المجنون لأنك لا تعرف معنى الجنون الحقيقي .
الشاب : وما معنى الجنون الحقيقي ؟
المتشرد : الجنون هو أن تترك نفسك في الهلاك , فكان بمقدورك تخليص نفسك من عذابك .
الشاب : كيف ؟
المتشرد : حسنا ً .. سأتركك هنا حتى تعي ما سأفعله .
الشاب : ماذا ستفعل ؟
المتشرد : سأتركك .. أتركك فقط .
الشاب : آآه يا الهي ,, لماذا أنا هكذا ؟ ما الذنب الذي جنيته ؟
المتشرد : ذنبك الوحيد هو انك أحببت .... أحببت دون تفكير .
الشاب :ولكن كان ذلك خارج نطاق إرادتي .
المتشرد : دعنى من هذه الثرثرة .. فانا أتكفل في إنقاذك .
الشاب : إنقاذي ؟ !
المتشرد : نعم دع الأيام بيني وبين النسيان .( يغادره)
الشاب : ( مهلوسا ً يتمتم) أنا لا أحب .. الحب خدعة .. الحب أكذوبة .. كما وصفها متشرد .. ( يضحك ) ماذا دهاني ..؟ ( يتحول الضحك إلى نـَحيب) ماذا دهاني ؟ أأكذب على نفس ؟ أأكذب حتى على نفسي ؟ (تتصاعد موسيقى صاخبة) أين أنا من هذا العالم أيـــــن ؟
مشهد 3
المتشرد صامتا ً ... بينما الشاب منتظرا ً منه أن يكلمه
الشاب : ماذا بك ؟ إنها ليس من عادتك أن تكون صامتا ً ... إنها ليس من عادتك أن لا تـُـثــَرثر.
المتشرد : لاشيء أنت الآن حــُر..
الشاب : مالك تتكلم ببرود ؟ ماذا تعني .؟
المتشرد : أنت حر .. وهذا يكفي .
الشاب : ماذا تعني ؟
المتشرد : اعني ما اعنيه .
الشاب : قف .. وما هذه قطرات الدم التي على ثيابك ؟
المتشرد : إنها دماء النسيان .
الشاب : ماذا تقول ؟ دماء النسيان ؟! هل أنت تهذي ؟ .. هل أنت مجنون ؟ وضِح بسرعة قل لي من قتلت أيها المجنون ؟
المتشرد : أنا قاتل . . نعم . . وهذه هي وسيلتي .. وغايتي هي .. إن بقتلي هذا ساهمت وشجعت للحصول على الطمأنينة والنسيان للطرف المقابل .
الشاب : وضح ماذا تقول .؟
المتشرد : وهل أوضح أكثر مما واضح ٌ لان .؟
الشاب : بدأت ترعبني .
المتشرد : حسنا ً .. قتلت النسيان وحليفته .
الشاب : ( بذهول ) مـــــــــن !؟
المتشرد : لأجلك لكي تعيش حياتك حرا ً.
الشاب : ( ينتفض لكي يضرب المتشرد ) الويل لك هل قتلت من أُحب ؟
المتشرد : ( يضحك ) لأجلك لكي تنساها فلن تكن موجودة ً بعد الآن .
الشاب : وهذه الجريمة كيف انساها ياغبي ؟ ( يضرب المتشرد )
المتشرد : يبدو انه لا فائدة معك .
الشاب : تباً لكتابك .. تبا ً لدستورك .. تبا ً لقوانينك التي نظمتها لي .
المتشرد : ( ينزعج) لا تقل هذا فسوف تثيرني غضبا ً .
الشاب : هل هذه الغاية التي أوصلتني لها أيها القاتل التافه ؟( يواصل في ضرباته المتقطعة)
المتشرد : ستجبرني على أن أكون عدائيا ً .
الشاب : وهل فيك عدائية أكثر من هذه ؟
يضربه فيتصارعان .. ثم يخرج المتشرد الآلة التي قتل فيها المرأة فيطعن بها الشاب في قلبه فيسقط الشاب صريعا ً ... ويواصل الطعن في قلبه بحالة هستيرية ،، فيستمر بالطعن للشاب الطريح أرضا ً
المتشرد : تبا ً لهذا القلب الخارج عن سيطرة عقل صاحبه .. ( يواصل الطعن ) هذه الطعنة ُ لك وهذه لها .. وهذه الطعنة لقلب روميو .. وهذه الطعنة لقلب عنتر .. وهذه لقلب قيس .. وهذه لقلب جميل ....وهذه قلب كثير ..كلكم أكذوبة .. كلكم ضحايا الوهم ...ضحايا .. ضحايا ..ضحايـــــــــــــا ....
((ويـــــــــــــــواصــــل الطــــــعـــــــن ))
********************** تمت في / مارس / 2005
********************************
مسرحية ( و . هـ . م )
سيناريو لمسرحية تعبيرية راقصة (كيروكرافية)
سيناريو وتأليف : ذوالفقار خضر
هذه المسرحية عرضت في مهرجان بابل الاول للفنون في 11ـ14/12/2006 وحازت على جائزة أفضل إخراج وكانت من كيروكراف / إخراج : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مبرهنة ( 0 ) :
مُتنا البارحة . . . نموت اليوم . . . سنموت غدا ً . . . نتيجة أكل بعضنا للآخر .
حتى لو لم نمت سيقتلنا الأمل الكاذب الذي جاءنا به المترفون .
المعطيات :
كرسي الحكم ، حياة ٌ مُترفة ، رواتب ضخمة من الدولارات ، حياة المواطن ، قتل ، تفجير .
المطلوب إثباته :
لن يدعونا نعش بسلام
البرهان :
بما ان الكرسي + حفنة من الدولارات = حياة مترفة
بما ان حياة المواطن توازي التفجيرات + القتل
إذن الحياة المترفة تتقاطع مع حياة المواطن
إذن التصقوا بالكرسي فتركوا المواطن يُدَبـِرُ حاله
إذن تعددت الاحزاب ... والكرسي واحدُ
( و . هـ . م )
* الإثبات الذي أراد أن يثبته المؤلف *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سيناريو مسرحية ( و . هـ . م )
عِدة أشخاص يتسللون إلى المسرح كتسلل القطط إلى المطابخ .. تقود حركاتهم إيقاعات الموسيقى التي بدورها تقود حركة أجسادهم وأقدامهم ..
شخص يدخل من يسار المسرح ويخرج من يمينه ..
وشخص يدخل من يمين المسرح ويخرج من يساره ..
وشخص يدخل من عمق المسرح ويذهب إلى مقدِمته ... يرى الجمهور فيتفاجأ ثم يركض إلى مكانه و يخرج من عمق المسرح ...
يكون مسيرهم بشكل خطوط مستقيمة عشوائية الاتجاه متقاطعة وتستمر حركة الدخول والخروج إلى دقيقتين تقريبا ً ...
ثم يخلو المسرح بعدها لترك فترة الصمت تأخذ لغتها ومكانها لفترة قصيرة ...
يدخل شخصٌ مسرعا ً من جهة يسار المسرح ينادي إيمائيا ً لأصحابه ثم يدخلون متسارعين احدهم مرتطما ً بالآخر...
يقفون أمامه لكي يجسد ما رآه ويمثله أمام أعينهم فيقوم بتمثيل دور التمثال الذي وضع في ساحة ما وسط العاصمة ...
وهذا التمثال رافعا ً يده اليمنى لكي يُحيي كل من يسير تحته وكذلك رافعا ً انفه لإظهار نرجسية صاحب ذلك التمثال ...
يقف ذلك الشخص جامدا ً في مكانه ويصاحب وقوف (الشخص) موسيقى للنشيد الوطني العراقي السابق لفترة ما بعد 9\4\2003 ...
بعد فترة يسقط الشخص (التمثال) تدريجيا ً مع محافظته على هيئته المتحجرة كأن شيء قوي يسحبه من اتجاه واحد ...
يندهش اشد الاندهاش أصحابه الذين يروي لهم أحداث قصة ما رآه ... أثناء سقوط التمثال تـُمسَخ وتتشوه إيقاعات ذلك النشيد الوطني ...
يزداد الاستغراب وعدم التصديق الناتج من أصحابه لأنهم لا يصدقون ما تراه أعينهم ...
يسقط الشخص ( التمثال) كليا ً على ارض خشبة المسرح ... فتهفت موسيقى النشيد الوطني
... لحظة صمت ...
يبتهج الأشخاص الواقفون ... يقفزون ويرقصون فرحين ... بينما الشخص ( التمثال ) باقيا ً على نفس حالته المتحجرة ، طريحا ً على ارض المسرح ... ثم يحمل الأشخاص الشخص المتحجر الطريح ( التمثال ) ليخرجوه من جهة يسار المسرح
... لحظة صمت ...
يدخل الأشخاص من كل جهةٍ من جهات المسرح وكل منهم يحمل لافِتة خشبية مثبتة بساق ٍ خشبيةٍ طويلة مقاربة لطول الشخص الذي يحملها .. مصاحبة لهم موسيقى حماسية وأصوات واقعية لأصوات مظاهرة لعددٍ كثير من البشر ..
تلك اللافتات الخشبية تحمل ألواحها كلمة واحدة .. فواحدة مكتوب عليها نَستـَنكر .. وأخرى مكتوب عليها نـَشجُب... وأخرى مكتوب عليها نؤيد .. وأخرى نـُعَزّي ... وأخرى نـُطالب .. وأخرى نـُهَنيء ..
يتظاهرون بحركة راقصة تعبيرية ( كيروغرافية ) وهم حاملون للافتاتهم التي من خلالها يوضحون ما بداخل أنفسهم .. يزداد الضجيج على خشبة المسرح ... وخلال ذلك الضجيج ينزل كرسي من سقف المسرح ( يكون ذلك مرتباً بحيلةٍ مسرحية) .
يكون نزول ذلك الكرسي بهدوء ... فينتبه إليه المتظاهرون بعدما يتوسط الكرسي فضاء المسرح .. فتهدئ تظاهرة المتظاهرون ...
المتظاهرون يكفون عن الحراك بينما تبقى لافتاتهم شامخة ... ثم يستمر الكرسي بالنزول حتى يستقر على ارض خشبة المسرح
... فترة صمت ... تـُـنـَكـَسُ لافته تلو الأخرى... وينظر كل واحد من المتظاهرين في وجه الأخر ...
يتقدمون جميعا ً نحو الكرسي ... يسيل لـُعاب المتظاهرين
... لحظة صمت ...
تـُسمع ضربة موسيقية إيقاعية عالية ... يتقدمون نحو الكرسي بخطوة كبيرة لكي يتهيئون للهجوم عليه ولإمساكه ولحضنه ... يقتربون من الكرسي أكثر ... ينظر كل واحد منهم في وجه ألآخر محاولين معرفة من الذي سيحصل على الكرسي أولا ً ...
يتفقون على أن يعقدوا صـَفقة ما ... وذلك الاتفاق يتم من خلال تكوينهم لحلقة مغلقة فيما بينهم ... بعدها ينتشرون ليشكلون حلقة كبيرة مغلقة حول الكرسي ... فيتمركزهم الكرسي و يكون وسطهم ... بعد فترة صمت وجيزة تسمع ضربة موسيقية عالية أخرى تشبه تلك التي سبقتها ... يبدأ عندها الأشخاص بالركض حول الكرسي للحظات ... فيلعبون لعبة الدوران حول الكرسي ومع صمت الإيقاع يتسابقون على من يحصل على شرف الجلوس على ذلك الكرسي المَـقيت ... يلعبون تلك اللعبة التي يلعبها الأطفال ... فكلما يفوز شخص منهم في الجلوس على الكرسي ينزعج ويغضب الآخرون ... و يقومون بقلع ذلك الجالس على الكرسي رغما ً عنه ... ثم يعود الجالس إلى السباق مرة أخرى لأنه لا يملك أي خيار آخر ...
فيرجع الأشخاص مكونين لتلك الحلقة حول الكرسي لاستعدادهم لجولة أخرى في اللعبة ...
يبدأ الإيقاع فيركض الكل بنفس الاتجاه حول الكرسي ومع صمت الإيقاع يجلس شخص آخر ...يغضب الأشخاص الآخرون لجلوسه فيقتلعونه من الكرسي رغما ً عنه هو الآخر ... فيرجعون مكونين لتلك الحلقة ثم يبدأون في الركض حول الكرسي وللمرة الثالثة ومع صمت الإيقاع يتراكمون جميعهم فوق الكرسي
... فيغضب الجميع ...
لأنهم لن يفوزوا وحدهم ... أي أن الشخص الفائز لم يفوز بمفرده ... فهناك شخصا ً آخر شاركه بذلك الفوز ... يتركون الكرسي لينشغلون بالشِجار فيما بينهم ...
يتصارعون برقصة تعبيرية (كيروغرافية) ...
أثناء ذلك الصراع ينسحب الكرسي نحو جهة يسار المسرح – ويكون انسحابه بحيلةٍ مسرحيةٍ ما - ... فينتبه المتظاهرون المتشاجرون فيما بينهم إلى الكرسي ،
يقف الكرسي ... يركضون إليه فيشكلون بأجسادهم شكل يوحي ويرمز إلى شكل دراجة هوائية ... تسير تلك الدراجة الهوائية المتكونة من أجساد المتظاهرون ... يزيدون من سرعة حركتها الثابتة ... تتفكك وتنفجر الأجزاء ألمكونه لتلك الدراجة الهوائية ...
ثم يزحف احد الأشخاص ليستولي على الكرسي المزعوم ... ولكن الكرسي يفلت من يده ... فالكرسي عاد معلقا ً في الفضاء كما كان في حال نزوله ...
يصمت الجميع من شدة دهشتهم ... خوفا ً من ضياع الكرسي منهم ... يستقر الكرسي في تعليقه في فضاء المسرح فلا يمكن حينها بأن يمسكه احدهم أو حتى ليلمسه ...
يبدأون بالتجمع تحته والحَوم تحته ... فيتحاشرون ويتراصـّون فيما بينهم آملين بأن ينزل إليهم الكرسي في أي لحظة .
.. يرفعون أيديهم تضرعا ً ... متأملين من الكرسي مطالبين منه بأن ينزل لهم ... ومن شدة يأسهم يبدأون في القفز اللاإرادي من تحت الكرسي لبلوغ ذلك الكرسي المتعلق فوقهم ... ولكن لا يستطيعون رغم قفزاتهم العالية ...
ثم تتحول قفزاتهم باتجاه الكرسي إلى طائر عملاق ضخم يطير إلى الأعلى باتجاه الكرسي ... فيتجسد ذلك الطائر بواسطة أجسادهم وبواسطة قطع القماش الملونة الكبيرة الموجودة من ضمن سينوغرافيا العرض المسرحي ...
يبدأ ذلك الطائر الكبير الشبيه بالعنقاء بالطيران نحو الكرسي ...
فيكون طيرانه في مكان ثابت رغم حركة جناحيه العملاقين ...
يتسارع تخفيق الجناحين مع تصاعد أصوات الموسيقى ... يبدأ ذلك الطائر العملاق بالتعب من كثرة لحاقة وراء الكرسي العائِم في الفضاء ... يتفكك وينتشر الأشخاص المكونين لذلك الطائر ... ثم ينتشرون على المسرح وسرعان ما يتجمعون ليرقصون رقصة طقوسية تحت الكرسي عسى أن تـُقنِع الكرسي للنزول ... كإقناع الغيوم لإدرارها المطر ... يتعَبدون تحت الكرسي برقصات طقوسية شيطانية .. ((إظلام المسرح))
تتغير الموسيقى من موسيقى إيقاعية طقوسية إلى أصوات واقعية لسوق شعبي لبيع الخضروات والفواكه .. فالبقالون والمتجولون في السوق الشعبي هم أشخاص يرتدون وشاحات بيضاء تغطي ملامح وجوههم ... البقالون يزاولون عملهم بصورة حركية بطيئة ورتيبة الإيقاع مصاحبة لتلك الحركات أصوات واقعية لسوق شعبي ... منها أصوات العربات وأصوات ضجيج الناس وأصوات وقع خطى المتسوقون ، وأصوات البقالين الذين يعلنون بفواكههم وخضرواتهم فهناك صوت يصيح : هذا البيذنجان ... اسود وگلب ابيض . بينما الآخر يصيح : هذا الخِيِار اخضر وريّان يخيار .. وصوت لبقال ٍ يبيع الرقي :هذا الركي ... عالسچين يركي .. احمر مجَرِش يركي ... وآخر يبيع الطماطم : حمرة وقوية طماطة الولاية ....فتتعالى تلك الأصوات الناطقة بترغيب المُشتري لشراء البضاعة وتستمر تلك الأصوات لمدة تصل إلى خمسة دقائق تقريبا ً ... ثم لحظه يقطع صوت البقالين صوت لانفجار ٍ مُدَوّي ...
فيملى فضاء المسرح بالدخان الكثيف فينتشر الأشخاص الذين كانوا موجودين في السوق متناثرين مكونين تشكيلات جسمانية توحي لِتيبس الأجساد من شدة مساسها للنار ...
هناك جثة مرمية على يمين المسرح .. وهناك على يساره ... وهناك على وسطه ، وهكذا .... فلا يوجد ركن على خشبة المسرح إلا وعليه جثة أو جريح يئن من شدة تهشيمه ،... تتهافت الموسيقى الحزينة ... ثم إظلام للمسرح .
((انتقالة إلى الأشخاص الموجودين تحت الكرسي ))
الأشخاص المتواجدون تحت الكرسي المرتفع في فضاء المسرح يواصلون تذرعهم وتعبدهم للكرسي ....
احدهم يسمع صوت الانفجار فيشرح لهم ما سمعت أذنه ... يكف الجميع عن مناداة الكرسي لفترة قصيرة ثم يلتفت احدهم إلى وجه الآخر فينظرون بحركات إيمائية تشير إلى اللامبالاة لما حصل في الخارج ... فيستمرون بحركاتهم الطقوسية والتعبُدية للكرسي ...
يبدأ الكرسي بالنزول .. يجلس عليه احدهم وبصورة سريعة ... يقتلعه الآخرون بقوة ... يتفق الأشخاص فيما بينهم ... فينفرد بهم شخص ويصعد على منبر لكي يلقي بخطبته على مسامع السامعين من حوله والمنافسين له في الحصول على لحظات من الجلوس على ذلك الكرسي المشؤوم ... فالمنبر الذي صعد عليه الخطيب يُجَسَد من خلال شخص آخر ..
يصعد الخطيب على الجسد الذي يأخذ بوضعية جسمانية توحي إلى انه منصة أو منبر ما ... ينتهي الخطيب من خطابه وينزل من المنبر ويصفق له الآخرون ... ولكن ببلاهة وغباء وعدم فهم مما قاله ... فيأخذ مكانه خطيب آخر وأثناء أداءه لأول حركة إيمائية تشير إلى انه سيبدأ بقراءة ألخطابه يقوم المتظاهرون بالتصفيق له بحرارة وغباء وعدم إدراك ... فيضطر إلى النزول ويأخذ مكانه خطيب آخر .... وهكذا ..
ثم الكل يتجه وينتقل إلى منصة الخطيب أو المنبر فيلقون بخطبة جماعية ..
بينما لا يسمعهم احد ..!
لان الكل قد صعد على منصة أو منبر الخطيب . .
بعد إكمال الخطابة الإيمائية يركضون مسرعين إلى مكان الجمهور لكي يصفقون بحرارة وغباء لما قالوه على أنفسهم من خطابة فارغة ....
وفي هذه الأثناء وهم منشغلون بإلقاء خطبهم على بعضهم البعض ينفرد أحدهم فيتجه إلى الكرسي خِلسة ً ... فيخرج من جيبه علبة ( صمغ ) ويبدأ بسكب مادة الصمغ على مقعد الكرسي حتى دهن سطح المقعد بالكامل ... ثم يجلس عليه مرتاحا ً وغير مصدقا ً ... لأنه قد التصق بكرسي الحكم ! ... ظنا ً منه بأن لا أحد يمكنه إزاحته عن الكرسي أبَدَ الدهر ...
ينتبه له الجميع فيستغربون لجلوسه المفاجيء .... فيأتيه أحدهم .... مطالبا ً منه أن يتنحى عن مكانه .... فيرفض الجالس على القيام ... يكرر طلبه مرات عديدة لأنه لا يعلم بأنه يكلم شخصا ً ملتصق بالكرسي وبمادة صمغية ....
يرفض الجالس على الكرسي بالقيام منه ...
يطلب الشخص الواقف المساعدة من أصدقاءه لكي يقتلعون الجالس عن كرسيه ... فقاموا جميعا ً لمساعدة بعضهم البعض لقلع ذلك الجالس على الكرسي ...
تنقسم المجموعة إلى مجموعتين , مجموعة ماسكة للكرسي والمجموعة الثانية ماسكة بالشخص الجالس على الكرسي ...
فينسحب الكرسي عن الجالس عليه ولكن بقوة ... ولكن من غير فائدة ...
فمن شدة السحب يرتفع الكرسي والشخص الجالس عليه في الهواء .... مما يرمز إلى القوة الساحبة والى قوة المادة الصمغية الملتصقة بالكرسي وبالرجل الجالس عليه ...
وبعد معاناة السحب التي استغرقت عدة دقائق ... ينفصل الشخص عن الكرسي ...
ترتمي المجموعة الموجودة على جهة يسار المسرح على ارض المسرح وفوقها الكرسي ..
أما المجموعة الموجودة يمين المسرح فترتمي أرضا ً وفوقها الشخص الذي كان ملتصقا ً مع الكرسي
... فترة صمت ...
ينهض الجميع ...
الشخص الذي كان ملتصقا ً بالكرسي يتحسس مؤخرته من شدة الألم ... فعندها تكون مؤخرته أمام الجمهور ( المتلقي ) يتفاجأ بلمس قطعة ملابسه الداخلية ... فيذهب إلى الكرسي مسرعا ً فيرى قطعة من بنطلونه ملتصقة لحد الآن على مقعد الكرسي ...
فهذه القطعة تمزقت وانفصلت عن بنطلونه من شدة التصاقها بالكرسي ... والملابس الداخلية تلك تحمل ألوان برّاقة تثير الضحك ....
الشخص الذي ظهرت ملابسه الداخلية أمام (المتلقي) يخرج من المسرح راكضا ً من شدة خجله ... بينما يستمر الآخرون في الشجار فيما بينهم ...
يتصاعد الصراع مرة أخرى ويرجع الأشخاص ليحملوا لافتاتهم الخشبية مع عباراتها التي لا تفي بشيء ...
يصطفون متظاهرين مرة أخرى حول الكرسي فيجسدون ذلك من خلال رقصاتهم التعبيرية ... يستمر الشجار لعدة دقائق ...
تبدأ الموسيقى بالتهافت شيئا ً فشيء ...
يدخل طفل معوق مع عكازه ... مبتور الساق ..
إحدى يديه مضمدة بقطعة من القماش الطبي الأبيض ...
رأسه ملفوفة بقطعة قماش مشابهه... يحمل لافته غير مكشوفة عبارتها للمتلقي ... ينتبه الطفل المعوق لشجار المتظاهرين الذين أصبحوا هم المسئولين ...
بعد فترة وجيزة من تأمل الطفل في وجوه المتظاهرين الجشعين ... المتظاهرون يصمتون .... يتقدم الطفل المعوق أمام الجمهور فيركل بعكازه ذلك الكرسي المَقيت ...
يرميه خارج خشبه المسرح قريبا ً من الجمهور...
ثم يشهر لافتته ويكشفها أمام الجمهور ....
فإذا مكتوب عليها عبارة (( دعونا نـَعِش بسلام ))
... ينهار المتظاهرون ...
فيتساقطون تباعا ً على خشبة المسرح ...
تهفت الموسيقى ...
الطفل المعوق شاهرا ً للافتته ...
بقعة ضوء على الطفل المعوق ...
بعد لحظات ...
... ظلام تام للمسرح ...
** تمت في 24 / 7 / 2006 **
ذوالفقار خضر
********************************
((الموناليزا ... ليست جميلة في كل العيون ))
ـــ سيناريو لمسرحية صامتة / بانتومايم ــــ
سيناريو وتأليف : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
الشخصية : امرأة في نهاية العقد الرابع من عمرها ... ترتدي ثوبا ً اسود ... في تخوف ٍ دائم من تقدمها في السن ... تريد أن تبقى شابة طوال عمرها بشتى السُبــُل.
المنظر : قطعٌ من المرايا منتشرة على جدران المسرح ... وسط بانوراما المسرح ساعة جدارية ضخمة الحجم طويلة العقارب ... تلك الساعة تغطي معظم مساحة البانوراما .
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
المرأة نائمة وسط المسرح ... صوت لعقارب الساعة ... تستيقظ مفزوعة من مكانها...
تتحسس وجهها ... تبدأ بعد تجعدات وجهها ...تصابُ بالإحباطِ ...
تذهب ُ راكضةٌ باتجاهِ إحدى المرآيا ... تخرجُ علبة الماكياج وتبدأ بوضعهِ على وجهها ...
تذهب إلى المرآةِ الأخرى فتتفاجأ لأن صورتها تختلف عن صورة تلك المرآة ، ففي تلك المرآة تكون صورتها لامرأة شابة ، وفي هذه المرآة تكون صورتها لامرأة متقدمة في السن كثيرة التجاعيد ...
تتفاجأ ....
تذهب إلى المرآة الثانية ... تجد نفسها متجعدة الوجه أيضا ً ... بعد فترة من التأمل في وجهها في المرآة ... تدرك بان الماكياج زال أثناء انتقالها مابين المرآتين ، لأنه لايمكنه مقاومة تلك التجاعيد ....
تصاب في الإحباط مرة أخرى ...تذهب يائسة لمرآةٍ أخرى ...
تقف أمامها تتحسس وجهها وجسدها ... تجد نفسها هزيلة الجسد ...
تذهب غاضبة إلى الساعة المثبت على بانوراما المسرح ... تتعامل مع عقاربها الضخمة التي يصل طول احدها مقارب لطول المرأة ...
تحاول إيقاف حركة تلك العقارب ... تكف عقارب الساعة عن الحركة ...
تغادر المرأة الساعة .... ترجع عقارب الساعة لحركتها السابقة والطبيعية ...
ترجع المرأة مقاومة ً لحركة العقارب مرة أخرى ... لكن بدون فائدة , فالزمن يتقدم ...
ترجع متحسِسَة لوجهها و وذبول جسدها ....
تذهب إلى خزانة الملابس .... تقلب في فساتينها ... تغير فستانها الأسود الذي ترتديه ...
تبدأ بتغيير فساتينها ... تحتار في اختيار اللون والفستان المناسب ...
تستعرض أمام المرآة ... فتكثر في تغيير الفساتين ...
ترتدي الفستان الواحد عدة مرات لان الأمر اختلط عليها ...
تتحول عملية تبديل الفساتين إلى نوبة هستيرية ... تتعب من كثرة تغييرها الفساتين ...
تجلس على الأرض لكي ترتاح قليلا ً ...
... لحظـــــــــــــــات ...
... تتفاجأ بأنها باقية على نفس فستانها الأسود ....
تصلب بحالة يأس ... تختلي بنفسها ... تستذكر أيام ماضيها ... تستعرض صور ذكرياتها ...
ترقص مع شخص ما وسط المسرح ... الرقصة مصاحبة لإيقاعات عقارب الساعة التي تغلب عليها رتابة الإيقاع ....
شيئا ً فشيئا ً تتعثر المرأة أثناء الرقص ...
يتحول جسدها إلى جسد امرأة عجوز ، حدباء الظهر ، شعرها أشعـَــث ...
تتوقف عن الرقص ...
تنتبه إلى الساعة ... تذهب إليها محاولة إيقاف عقاربها التي لاتكف عن الحراك ...
تستمر المقاومة لكن لافائدة من ذلك ....
تبحث عن شيء لتربط به عقارب الساعة لكي تمنعها من الحركة ...
تلتجئ إلى شعرها الطويل ... تقص منه خصلة ... تربط بها عقارب الساعة العملاقة ...
الخصلة لا تفي بالغرض ... تقطع المزيد من خصال شعرها ...
يستمر القص للشعر مع ربط عقارب الساعة بصوره همجية ...
تتحول هذه العملية إلى حالة هستيرية ....
بعد عناء طويل تتمكن من إيقاف حركة عقارب الساعة المقيتة ....
ولكن أصبح شكلها مشوّه نتيجة شعرها الذي بات مقصوصا ً بشكل غير نظامي ...
... لحظات ....
عقارب الساعة تقطع خصال الشعر المثبتة بها ..... تنهار المرأة ...
تحاول تثبيت العقارب ...
تتحسس وجهها وتجاعيد ه ... تتحسس ملابسها وفستانها الأسود .... تتحسس شعرها المقصوص ...
تركض إلى إحدى المرايا ... تدرك أنها خسرت كل شيء .... ليس باستطاعتها أن توقف تجاعيد وجهها من النمو والانتشار ....
.... لحظة صمت ....
تخرج لوحة الموناليزا ... تعلقها وسط المسرح .... تخلع اللوحة عن إطارها .... تحدق في وجه شخصية الموناليزا في اللوحة ... تغضب من شدة غيرتها منها .... تمزقها ....
تثبت الإطار الفارغ جيدا ً .... تقف وراءه مقلدة لحركة وابتسامة شخصية المرأة في لوحة الموناليزا .... تقف جامدة ... ولكن شكلها مضحك لأنها لاتشبه الموناليزا .. فأنها مقصوصة الشعر وشاحبة الوجه ومرتدية ً لفستانٍ أسود ....
تقف خلف الإطار كأنها لوحة الموناليزا .... فترة وجيزة ....
.........إظـــــــــــــلام ........
.................................................................................................
انتهت
ذوالفقار خضر
2007 / 9 / 29
********************************
( ما قبل الحرف ... ما بعد النقطة )
سيناريو لمسرحية راقصة ( Drama Dance )
سيناريو : ذوالفقار خضر
توليف : زهير الجبوري
عن نصوص الشاعر العراقي : أديب كمال الدين
في مجموعته الشعرية ( ما قبل الحرف .. ما بعد النقطة )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخصيات المسرحية :
الحرف
النقطة
سينوغرافيا العرض المسرحي :
الحرف .. يكون مخططاً بخطوط عمودية
النقطة .. مخططة بخطوط أفقية
بانوراما المسرح مقسومة إلى قسمين .. جزء مخطط بخطوط عمودية والجزء الآخر مخطط بخطوط أفقية .
ويتوسّط المسرح مكعبان متوسِطا الحجم .
سيناريو العرض :
إضاءة تدريجية ... الحرف في عمق المسرح ... النقطة تنسلخ من الحرف كأنما الحرف قد أولدها .
بعد مخاض ٍ عسير النقطة تخرج من جسد الحرف ....
النقطة تتسلّق الحرف ، النقطة تقوم بأداء حركات خبيثة وهي واقفة على جسد الحرف الواقف .
ـ بعد لحظة ـ النقطة تنزل عن جسد الحرف ... تنسحب و تقف على أحد المكعبين .
الحرف ينسحب أيضاً و يقف على المكعب الثاني .
يبدأ تساؤل ... الحرف يسأل نفسه ... النقطة تسأل نفسها ... وكل واحد منهما واقف على مكعبه ...ِ يقومان بأداء الحركة الراقصة نفسها ، لأنّ سؤال كل واحد منهما هو ( مَن أنا )
بعد تساؤل مرير ( ضربة موسيقية ) ينتبه أحدهما إلى الآخر .
و يكّشرعن أنيابه إلى الآخر .
( ضربة موسيقية ) يظهر شريطان من القماش ... فينزلان من مكعبيهما .
يتبارز ويتشاجر أحدهما مع الأخر بواسطة التلاعب بالأشرطة .
بعد محاولة للهمينة ... النقطة تسيطر على الحرف .
الحرف يسترد قوته بعد سيطرة النقطة عليه .
النقطة تفرض سيطرتها على الحرف فتوقفه عند حده .
النقطة تلفّ القماش على الحرف .. تقيّده .. الحرف يندهش بعد هزيمته
النقطة تشعر بنشوة الانتصار و السيطرة .
الحرف يظهر هامداً في مكانه .. تأتي النقطة إلى الحرف ..( موسيقى هادئة ورومانسية ) .
تتلاعب النقطة بجسد الحرف ... تغيّره كيفما تشاء .. تتحسس وجهه بملامسته .
الحرف يبدو متعباً من شدة صراعه السابق ...
النقطة تغري الحرف بمفاتن حركاتها ... تحاول أن تمارس الطقوس الجنسية مع الحرف ..
الحرف متراخياً ومستسلماً لرغبات النقطة ...يشارك الحرف في هذه الممارسة ... فهي التي تغريه .. تتعهّر النقطة أمام الحرف من شدة لذتها ونشوتها .
( ضربة موسيقية ) ... الحرف يسقط أرضاً ... النقطة تسقط أرضاً ...
الحرف يقف تدريجياً ... النقطة تصحو من نشوتها ... مستغربة ... كئيبة .
يتحول انتصار النقطة إلى انهيار ذاتي مؤقت ، لتستسلم ثانية...
فالحرف هنا الآن يتحكم بإرادة النقطة ... لأنه فـَـضَّ بكارتها ...
النقطة منطوية ... بينما الحرف يظهر فحولته أمام النقطة مستغلاً ضعفها المؤقت ...
يخرج الحرف من التقولب الذي وضعته النقطة فيه ... يتبختر الحرف أمام النقطة ... يبرز رجولته أمامها بأداء راقص ..
( تتغير الموسيقى إلى موسيقى إيقاعية .. طبول ، صنوج، ما شابه ذلك )
الحرف يسيطر على الوضع ...
يجلس على المكعب مجسّداً شخصية ـ أحد الملوك ـ ....
يرغم النقطة على الرقص .. كما ترغمها الموسيقى على ذلك ..
ترقص النقطة أمام الحرف ولكن دون إرادتها ..
الحرف جالسٌ على مكعبه ـ العرش ـ
بينما النقطة أمامه ترقص كأنها ـ جارية ـ
تستمر النقطة في الرقص ... مع تذبذب مهارة الرقص لديها.
ينزعج الحرف ـ الملك ـ لأنّ النقطة لم تمتعه برقصاتها ...
ينهض الحرف وينتفض مسرعاً إلى النقطة ...
بمجرد النظر في عينيها.... ( ضربة موسيقية )
يسترخي الحرف ويهدأ .... وفحولته تخمد ...
إذ النقطة لها مفعول سحري على الحرف ...
استمر الحرف محدقاً في وجه النقطة ...
النقطة تشير بيدها إلى الحرف ... الحرف يتراجع إلى الخلف كأنّ شيئاً ما قد سحبه من الخلف ...
النقطة تشير إلى الحرف بالجلوس ... الحرف يجلس على الأرض بحركة لا إرادية ...
النقط ترفع يدها ... يقف الحرف مسرعاً دون إرادة ...
الحرف مع النقطة يقومان بأداء راقص يظهر تبعية الحرف للنقطة .
( ضربة موسيقية )
الحرف يحاول استرداد قيمته ...
النقطة تنتبه لذلك .. تشفق عليه ... تحاول المصالحة معه لأنها شعرت قد تمرّدت عليه قليلاً ...
الحرف يجلس على المكعب وهو في وضع حائر..
النقطة تجلس على المكعب الآخر مقلدة ً حيرة الحرف ..
الحرف يضع يده على جبينه منكساً رأسه ..
النقطة تضع يدها على جبينها منكسة ً رأسها ...
ينتبه الحرف لما تقوم النقطة من تقليد ٍ له ولحركاته ..
الحرف يغير طريقة جلوسه مختبراً النقطة ..
النقطة تغير طريقة جلوسها تماماً مثل حركة جلوس الحرف ...
الحرف يرفع إحدى يديه ...
النقطة تقلّد حركاته ...
الحرف يتذمر ... ( يصمت فترة .... مفكراً بحيلةٍ ما )
الحرف يؤدي حركة معينة صعبة التشكيل ...
النقطة تؤدي الحركة نفسها.... ولكنها لا تقدر فتسقط أرضاً .
ينفجر الحرف ضاحكاً مستهزئاً بها ....
تقف النقطة لتوازن نفسها ... تنتبه إلى الحرف الضاحك ...
تضحك معه .. تضحك من حالها ....
( موسيقى هادئة ) تــُخلَق حالة ـ ودّية ـ مابين الحرف والنقطة ...
ينتبه الحرف والنقطة لنفسيهما ... يحاولان الخروج من حالة الود التي انتابتهما .
الحرف يشير إلى ما خلف النقطة كاسراً الجو الذي وُضِعا فيه ..
النقطة تشير الى ما خلف الحرف .
يسيران للحاق بذلك الشيء .
يتقدم أحدهما نحو الأخر مسرعين للخروج من الحالة العاطفية بحجة اللحاق وراء المجهول .
يرتطم أحدهما بالأخر ، فخط سيرهما متقاطع .. يسقطان أرضاً .. النقطة تتذمر من تبعيتها وارتباطها الأزلي بالحرف ..
ترفض النقطة منتفضة ٌ راثية ٌ نفسها ...
الحرف يركض الى عمق المسرح باحثاً عما سُلِب منه .
النقطة تركض خلفه .
الحرف يذهب الى عمق يمين المسرح .... النقطة تلحق به ...
الحرف يذهب راكضاً الى عمق يسار المسرح .... والنقطة تلحق به ...
يرجع الحرف خاسراً .. فيقف وسط المسرح ...
النقطة تحوم حوله ، مؤنبة ً إياه ... لأنه أضاع نفسه وبالتالي أضاع النقطة معه ...
يلتجئ الحرف الى مكعبهِ ...
النقطة تذهب الى مكعبها ...
يتلاعبان معاً بالمكعبين ... يكون هذا التلاعب أشبه بمبارزة راقصة ..
تستمر هذه المبارزة بالنقر على المكعبات التي تصدر إيقاعات متناغمة ...
( ضربة موسيقية ) يتكئ الحرف على مكعبه وكذلك النقطة تتكئ على مكعبها من شده التعب جرّاء المبارزة التي لا جدوى منها .
( موسيقى هادئة ) الحرف والنقطة يدركان بأن لا أحد ينتصر على الآخر .
فمهما اختلفا وَجَبَ عليهما الارتباط .
يدركان أنهما وُجِدا بالفطرة ... وجِدا اعتباطاً ...
يقترب أحدهما من الآخر .
يرجع الحرف الى عمق المسرح ...
( تبدأ الإضاءة بالخفوت ) الحرف واقف في عمق المسرح ... وظهره الى الجمهور ...
النقطة تذهب خلفه ....
تقوم النقطة باداء راقص كأنها دخلت في جسد الحرف ...
تدخل النقطة في جسد الحرف ...
(الموسيقى الهادئة تتحول الى صاخبة )
( إظلام تام )
****************انتهت*********************
ذوالفقار خضر- العراق - بابل
2 / 1 / 2007
********************************
مسرحية : حائط
تاليف : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنظر : حائط قديم ضخم ، يقطع عمق المسرح .. لا يُعْـــرَف لونه من كثرة ما ملصوق عليه من لوحات اعلانية ومن كثرة قدمه ومن كثرة ما يحتويه من شقوق وتصدعات واخاديد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخوص المسرحية :
السكران : فقير الحال رَث الملابس
الصوت : جهوري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(( موسيقى .... الفضاء المسرحي يوحي الى ليل دامس ... أصوات حشرات الليل تتصاعد ... يدخل السكران وبيمينه قنينة ذبيذ ... يدخل مترنحاً يدندن باغنية لا تفهم عباراتها من شدة نشوته وسكرته ...
يبحث في المكان ليجد مكان ينام عليه .. فيجد الرصيف الذي قرب الحائط ... يقف امام الحائط ...
يتبول ...
اثناء التبول يسمع السكران صوت جهوري يدل على استيقاض صاحب الصوت من نومه العميق ..
السكران يلتفت يميناً وشمالاً .. لا يأبه لذلك .
يواصل التبول .... ))
الصوت : ألم يكفيك استيقاضي من منامي
السكران : (( هرعاً خائفاً رامياً قنينة نبيذه من شدة مفاجأته )) من الطارق .... ؟؟ عفواً من اين ها الصوت ؟؟!! ...
(( يبحث السكران عن مصدر الصوت .. لم يعي بان الصوت هو صوت الحائط ... يأخذ قنينة نبيذه من الارض مرة اخرى ... يتكيء على الحائط حائراً ..... ))
الصوت : أأفــفــــف ... كم رائحتك نتنة ... أف ....
السكران : آه ... من انت .؟؟؟
(( يقوم السكران بالبحث مرة اخرى ... يشرب قليلاً من النبيذ ))
السكران : يبدو اني قد اسرفت في الشرب كثيراً هذه الليلة ..
(( يجلس على الرصيف .. ينتزع حذاءه ليضعه تحت رأسه كوسادة ... ينام .. يغط في نومه حتى يقوم بالشخير ...))
الصوت : هَيْ ..... انت ... يا نتن .
(( السكران ينهض مرعوباً ))
السكران : من ؟ .. من ؟؟... أغلقوا الابواب ... أقلقوا الشبابيك (( يذهب الى الحائط لكي يغلق النوافذ )) آووووه ... لا نوافذ على هذا الحائط .. لقد نسيت ...
(( لحظات من المراقبة ))
السكران : لكن من اين هذا الصوت (( يكلم قنينة النبيذ )) هل من المعقول يا صديقي الحميم بانك انت الذي جعلني اتخيل كلك هذا الهراء ؟ ..
الصوت : اذا قررت النوم بقربي فقرر اولاً بان لا تشخر .
السكران : (( خائفاً ولكن بشيْ من التملق والقلق )) أأأووه ... كــ .. كفى ... قل لي من .. أ .. أأنت
(( السكران يهرب الى وسط المسرح خائفاً من المجهول ))
الصوت : أنا خلفك
السكران : ليس لدي صديق بهذا الاسم ..
(( الصوت ضاحكاً ))
السكران : وعلام الضحك يا خلفك .... اظهر لي وسألقنك درساً قاسياً وسأبارزك بسيفي المهندِ
(( يشهر قنينة نبيذه .. يتبارز في الهواء بواسطة قنينة النبيذ .. يضرب بها هنا وهناك دون ادراك .. يتصاعد الصوت بالضحك .. السكران يقع من كثرة ضرباته الخاطفة في الهواء ... يقع ارضاً ))
السكران : اووووه كفى ... لو كنت رجلاً لواجهتني .
الصوت : انا لا اخشى مواجهتك
السكران: اذن لم لا تأتي وتقاتلني .. ؟
الصوت : لا استطيع الحراك أبداً
السكران : ماذا ؟؟ لا تخشى مواجهتي ؟؟ ويحك .. دلني على مكانك وسآتي اليك حالاًَ ..
الصوت : وما أنت حتى اخشاك واخشى مواجهتك ؟؟ انظر لى ملياً .. انظر ماذا حل بي فقد تغير لوني .. تغير شكلي منكم .. رائحتي اختلفت .. حتى العصافير لم تعد لتحط عليّ هاربتة مني لما فعلتموه بي . اصبح شكلي يفزعها ..
السكران : الى ماذا انظر ؟؟؟ هي ياهذا .. دلني على مكانك ان لم تستطع الحراك كما تدعي انت .
الصوت : حسنا ً .....أ نا خلفك مباشرة..
(( السكران ينتبه الى ماهو خلفه فلا يجد شيئاً سوى الحائط ... لكنه لم يدرك بان المتحث هو الحائط نفسه ... يفكر ملياً .. يردد عبارة الصوت الاخيرة ـ انا خلفك مباشرة ـ ....... يتسائل مع نفسه ))
السكران : من الذي خلفي ..؟؟؟ من ؟؟ من ؟! آآه وجدتك .. ياملعون ... حسناً سأربيك جيداً .. آه منك .. أتهزء بي ..؟؟
(( يذهب الى الرصيف ليأخذ حذاءه الذي انتزعه ))
السكران : حسناً سألقنك درساً لن تنساه أبداً .... اتريد ان تقود انقلاباً عليَّ .. ويحك .. ساقتلعك من جذورك ... ساكبت ثورتك ضدي ... إذن خذ يامتمرد .. خذ ياعميل ... خذ ياجاسوس .. خذ يا متخاذل .. خذ
(( يضرب مؤخرته بحذائه وبقوة ... يستمر الضرب ))
الصوت : (( ضاحكاً )) كم انت مجنون .
السكران : (( يتوقف عن ضرب مؤخرته .. يدعكها )) يالهي .. من أنت ؟
الصوت : انا الحائط الذي خلفك وليس مؤخرتك .
(( السكران يضحك عالياً ... ينفجر من الضحك ... يتحول ضحكه الى شيء من الهستيريا والممزوجة بالخوف ))
الصوت : صدقني
السكران : (( بخوف )) حائط يتكلم ؟؟؟؟
الصوت : وما الغرابة في ذلك ؟
السكران : اذن عليَ ان اعتذر .
الصوت : مني ؟
السكران : لا .. من مؤخرتي .. لاني تهمتها باطلاً . (( السكران يلتفت الى مؤخرته )) انا آسف يا عزيزتي .. آسف .. لن اكن دبلوماسياً معك .. آسف ... (( يلتفت الى الحائط مؤنباً اياه )) .. كله بسببك .. انت كله بسببك جعلتني اضربها .
الصوت : كفاك تفاهة .. كان واجباً منك ان تعتذر مني أولاً
السكران : وعلام اعتذاري منك؟
الصوت : لانك تبولت علي حتى ايقضتني من منامي العميق أولاً .. وثانياً إتكأت عليَ بغير استأذان مسبق مني . وثالثاً نمت بقربي شاخراً.
السكران : عفواً .. ولكن منذ متى وانت لك رأي ؟؟؟
الصوت : (( بحزن )) مـــاذا؟
السكران : الم تحاسب من قام بلصق هذه الاعلانات على وجهك ..؟ الم تحاسب من ثقب جسدك ...؟ الم تحاسب من هَرَّءَ بدنك ؟ الم ....(( قاطعه))
الصوت : اتريد مني ان احاسب الاحزاب التي تلصق عليّ ماتريد ان تكذب به على الناس ..؟ اتريدني ان احاسب الشضايا التي اخترقت أجساد البشر في هذه البلاد ؟ أولائك البشر الذين هم لا يقوون على محاسبة تلك الشضايا . فكيف لحائطً عجوز يستطيع ان يحاسب .. الـ ...
السكران : (( يقاطعه )) كفى .. أرجوك ..
الصوت : (( بشيء من الاقناع )) نعم .. كفى.
السكران : نعم كفى .
الصوت : سمعتك ياحمار .
السكران : (( متفاجئاً )) انا حمار ... أنا ؟!!!
الصوت : نعم ألم تقرأ ما مكتوب على بدني اثناء تبولك علي ... كان مكتوباً البول للحمير هنا .. وانت احد المتبولين .. إذن انت حمــــار .
السكران : (( بشيء من الفرح )) حقاً ..! ؟ واخيراً وجدت تسمية لي ... واخيراً قدري ربطني بعنوان .. الحمار ... الحمار .. اسم رائع ..بالنسبة لي .
الصوت : ماذا ؟
السكران : نعم انا لا شيء .. انا مثلك .. انا اعاني مما تعانيه انت ايضاً .. اعاني من الاهمال .. اعاني من آثار الكدمات والتعرية التي نحتها قدري على وجهي .. انا اعاني من اللوحة الاعلانية الملصوقة على وجهي رغماً عني .. تلك اللوحة التي كتب عليها .. ـ أنا اضحك إذن انا موجود ـ ولكن علامَ ضحكي ؟؟ لا اعرف لمَ ان ضاحكاً رغم الالم الذي احمله .. (( يواجه الحائط )) انظر الى وجهي .. انظر .. هذه الكدمة رسمتها الحرب الاولى .. وهذه الكدمة نحتتها شضية الحرب الثانية .. وهذه الكدمة خلقتها عقوبة تلقيتها في الحرب الثالثة . . وهذه الكدمة نحتتها .. نحتتها زوجتي .. انظر .. انظر هذه الكدمة الرابعة .. وهذه الخامسة .. والسادسه هنا والسابعه هناك .. هناك . ..
الصوت : ((يقاطعه )) كفى هراءاً .. اتخلق بيني وبينك مقارنة ..
اسكران : ماذا ؟؟! (( يجثو على ركبتيه ))
الصوت : ارجو ان لا تشبهني بكيانك .. فأنا على الاقل لم أكلَّ من دغدغة المسامير التي تخترق بدني .. فما زلت شامخاً لحد هذه اللحظة .. فأنا كالشجرة .. لو مُت اموت واقفاً ..
السكران : ماذا تعني ؟
الصوت : اعني ان المواقف التي شاهدتها وشاهدت لحظة وقوعها لم يشهدها شيء اخر ،، فأنا كالتاريخ .. جسدي مؤرِخ صادق .. إقرأ ما مكتوب عليّ .. شاهد ما هو ملصوق بي .. قم .. اطلع .. حتى تعي ما انت ومن انا .
(( السكران يقف .. لحظات من الصمت .. موسيقى .. يذهب الى الحائط .. يتلمسه .. يتأمله ملياً ))
السكران : آه .. ان وجهك كوجه رجل عجوز .. قد طوى الزمن جلده طيات عديدة . (( يواصل التأمل )) آه .. ما هذه الصورة .. ؟؟
الصوت : من صورة صاحب الحاجبين الغليضين ؟
السكران : نعم ... لم يبقى من صورته شيء سوى عيناه القادحتان بالمكر .. أما الباقي فلا .
الصوت : انه صعلوك .
السكران : كيف يكون صعلوكاً ؟؟ يبدو لصورته بانها موضوعة هنا لغاية اعلامية .. يبدو انه مرشح سياسي لانتخابات ما .
الصوت : وهذه الايمنع بان يكون صعلوكاً .. فأنا اعرفه منذ كان صغيرا ماسحاً للاحذية . كان يعمل بقربي .. كان يجلس على هذا الرصيف ليزاول صبغ احذية المارة ..
السكران : ماسح احذية صغيراً .. وعندما كبر اصبح مهما حتى وضعوا صورته هنا عليك ..؟ كيف ..؟!!
الصوت : لانه اتقن اللعبة .. فكان بتمرن عليها يومياً بعد انتهاءه من عمله .
السكران : اية لعبة .. لقد شوقتني لسماع المزيد .. اخبرني ارجوك .
الصوت : حسناًَ ... سأروي لك قصة هذا الطفل الرجل .. اجلس
(( السكران يجلس على الرصيف منصتاً ))
الصوت : حينما كان طفلاً وبعد انتهاءه من عمله وفي وقت استراحته يجمع حوله اصدقاءه المتسكعين مثله .. كانوا اربعة .. هو صباغ الاحذية والثاني ماسح زجاج السيارات .. والثالث المتسول والرابع بائع الخضار .. كانوا يجتمعون ليلعبوا لعبة الدوران حول الكرسي .
السكران : والكرسي كان لمن ؟
الصوت : الكرسي كان ملك لماسح الاحذية .. فكان يجلس عليه اثناء صبغه لاخذية المارة .
السكران : وما هي لعبة الدوران حول الكرسي .؟
الصوت : هذه لعبة مشهورة في هذه البلاد كثيراً .. كيف لا تعرفها ؟؟
(( السكران يدعك فروة رأسه ... يومئ بالنفي .. يشرب قليلاً من النبيذ ))
الصوت : حسناً .. لا احب ان اطيل عليك بحديثي .. كانوا اولائك الصبية الاربعة مجتمعون ليكونوا حلقة مغلقة فيتمركزهم الكرسي .. ثم يبدأون بالركض حول الكرسي ومع صمت الايقاع يتسابقون في ما بينهم بسرعة الجلوس على الكرسي ،، فمن يكون الاسرع يكون هو الجالس .. ومن يكون هو الجالس يكون هو الفائز .. فكانوا يتبارزون فيما بينهم بهذه الطريقة . كان صباغ الاحذية هو الفائز دوماً .. لانه كان يعرف كيف يقتنص اللحظة المناسبة حتى يسبقهم في الجلوس على الكرسي ليشعر بنشوة الانتصار.. فاستمروا الصبية الاربعة على هذه الشاكلة لعدة سنين حتى ضجر الصبية الخاسرين فتركوا اللعبة ولم يزاولوها مع الصبي ماسح الاحذية بتاتاً . فاذا للسنين قد دارت بها الأيام وبعد عقدين من الزمن تفاجأت بلصق احدهم لصورته علي . مكتوبٌ عليها .. انتخبوا مرشحكم ابن بلدكم البار .. فتيقنت حينها بانه كان يتمرن منذ كان صغيراً للحصول على كرسي آخر وهو كرسي الحكم . فكان هذا مراده .. فلا فرق بين كرسي صباغ الاحذية وبين كرسي الحكم .. ولا فرق بين الصراع في الحصول عليهما .
السكران : معك حق .. انها قصة غريبة لصورة متهرءة ملتصقة على جدارٍ عقيم مثلك ..
الصوت : أنا عقيم ؟
السكران : نعم انت عقيم .. ولا احد يستطيع قول غير ذلك .. فلا اعتقد بان هناك جدار في هذا العالم يشبهك (( لحظات )) ارجوك .. اخبرني المزيد عنك ..
(( بينما الصوت صامتاً .. يقوم السكران بتحسس الجدار بملمسه .. يتفاجأ بوجود اخدود ضيق منحوت في الحائط ... يمد يده في ذلك الاخدود فيجد عدة قطع معدنية من النقود .. ))
السكران : ما هذا ؟؟ نقود ؟؟!
الصوت : انا ليست ملك لك .. دعها .
السكران : لمن ؟... لا تقل لي هذا جيبك .
الصوت : لا هذا ليس بجيبي .. هذا جيب الفتاة العجوز ..
السكران (( مستغرباً )) الفتاة العجوز ؟؟ ! من هي الفتاة العجوز ؟ارجوك اخبرني بقصتها .. قصصك مشوِّقة جداً
الصوت : انها لا تزيد دهاءاً عن دهاء الصبي الغليض الحاجبين .
السكران : ماسح الاحذية ؟؟
الصوت : نعم .
السكران : ومن هي ؟
الصوت : انها متسولة تستعطي من المارّةِ.
السكران : وماذا بعد؟
الصوت : كنت اشاهدها مرتين في اليوم .. مرة ذاهبة في الصباح الباكر عندما تبدأ عملها في التسول , ومرة عائدة عند مغيب الشمس حينما تكتفي بما جنته من تسولها .
السكران : وكيف اطلقت عليها اسم الفتاة العجوز ؟؟ هناك غرابة في الامر .
الصوت : لانها خدعتني كما خدعت من استعطت منهم .. كانت هيئتها هيئة امرأة عجوز ، بتحدب ظهرها وبتثاقل خطواتها وبارتجاف اطرافها .. كانت تغطي وجهها بقطعةٍ من وشاحٍ اسود عتيق لكي لا يعرفها احد . ولكي لا يكشفها احد على حقيقتها .. ففي احدى الايام وفي ساعة المغيب أتت تلك المرأة العجوز .. فوقفت امامي .. تأملت انحاء كياني للحظات وذهبت ... وفي اليوم الثاني أتت صباحاً .. وقفت امامي مرة ثانية .. فتأملتني مرة اخرى .. هزت رأسها حتى ذهبت لرزقها ... فشغلتني بتصرفها الغير المعتاد ، حتى صرت انتظر مجيئها رغماً عني ..
تأخرت عن وقتها المعلوم للمرور امامي .. وبعد مغيب الشمس تماماً .. وبعد خلو الشارع من المارّة .. لمحتها من بعيد متلفتة مقبلة نحوي .. فتحدثت مع نفسي وقلت : اخيراً وبعد انشغالي بانتظارها أتت تلك المرأة العجوز . .. نعم اتت .. ولكني تفاجأت ، فكانت متثاقلة الخطوات حدباء القامة رعشاء الاطراف ، فأثناء قربها لي ، زال تقوس ظهرها وازدادت خطواتها المتجهة نحوي رشاقة .. وراحت رعشة اطرافها .. ثم وقفت امامي فإذا بها تزول وشاحها عن وجهها حتى دهشت لما رأيت ..
السكران : (( يقاطعه )) ماذا رأيت ؟؟؟
الصوت : رأيت وجهها .. وجهها الذي بات كبدر أضاء ظلمة الطريق في ذلك الليل الهاديء .. وجدتها شابة جميلة الوجه ناصعة البشرة .. وفاجأتني اكثر حينما اخرجت عتلة حديدية من تحت جلبابها .. فبدأت تنهش بي في مكانٍ واحد في بدني ..
تناسيت الم نهشها بي من شدة اندهاشي لما أراه منها .. وبين الحين والاخر تتوقف ملتفة نحو يمينها وشمالها .. لكي تراقب اذا لو رأها احد المارّة .. فباتت تواصل الحفر في بدني حتى صنعت هذا الاخدود . وبعد انتهاءها وضعت فيه كيساً صغيراً يحتوي على عددٍ ليس بالقليل من القطع النقدية . تلك القطع النقدية التي جمعتها بواسطة تسولها .. وبعدها رجعت لوشاحها الاسود العتيق فغطت وجهها واخفت العتلة التي نهشتني بها وتأملتني ملياً ... فأبتعدت عني ... ابتعدت عني عائدة لهيئتها ذات القامة الحدباء والاطراف المرتعشة والخطوات المتثاقلة .. حتى غاصت بين الازقة العمياء التي لم تنتبه لي ولها .. تلك الازقة التي لم تبكي لحالي ولم اتأن لهول ما أشاهده وما اعانيه .. بِتُ افكر ملياً في تلك الفتاة العجوز .. بتُ مندهشاً متسائلاً في كيفية تأديتها لدور المرأة العجوز طوال النهار والليل وبدون هفوات .. حتى بدأت نجوم السماء بالاختفاء وبدأ لون السماء بالتغير .. وابتدأت العصافير بالزقزقة استعداداً لنهار آخر .. حينها وقعت بصيرتي على تلك المرأة مرة اخرى .. فرأيتها مقبلة نحوي مسرعة .. متجهة لجيبها الذي صنعته في بدني .. فاذا بها تأخذ ذلك الكيس الذي وضعته مساءاً .. ولشدة عجلتها في امرها اوقعت تلك القطع النقدية سهواً ودون علمها ... تلك القطع التي في كفك الان .. فولت راكضة في الاتجاه الاخر ولم تعد ليومنا هذا ..
السكران : لا أصدق هذه الحكاية .
الصوت : انا في باديء الامر لم اصدقها رغم حدوثها معي ورغم كوني الشاهد والمجني عليه .. ولكن بما انها من جنس البشر صدقتها ..
(( السكران مذهولاً ))
الصوت : ولان هل عرفت سبب تسميتي لها بالفتاة العجوز ؟
السكران : هــا ... ؟ مـــماااذا ؟! .... نعم .. نعم صدقت .
الصوت : ان في كل جزء من بدني اثر لحكاية مرة . ذكرى لقصص مؤلمة
السكران : لا استطيع الاستمرار في تقليب صفحاتك مرة اخرى ..
الوت : ولا أنا استطيع البقاء واقفاً .. فقد ازداد ثقل الاثارعليّ.
السكران : (( محاولاً لتغيير الموضوع )) عفواً ... يبدو أنك لا تسمح بأخذي لهذه النقود .. سأضعها في محلها .
(( السكران يضع النقود في الاخدود .. يلتفت صدفة لأثر آخر على الحائط .. يتفاجأ فيُرعَب كثيراً .. يبتعد عن الحائط ... يبدأ بالتقيؤ لما شاهده من منظر مؤلم .. يتقيأ ... ))
الصوت : لماذا تتقيأ ؟
السكران : عفواً ... انه .. انه .. مفعول النبيذ .. آآآه ..
الصوت : لا تكذب :
السكران : لا .. آآه (( يواصل التقيؤ ))
الصوت : قلت لك لا تكذب علي ... فأنا اعرف على ماذا وقعت عيناك ..
السكران : ارجوك ... قل لي ... كيف تحملت ذلك ؟
الصوت : افعالكم جعلتني لا آبه لشيء
السكران : كيف تحتمل التصاق الدماء المشوية المنثورة على بدنك ؟ ... كيف تحملت التصاق هذه خصل الشعر المحروقة على وجهك ؟.... كيف تحملت رائحة الآهات المشوية لأصحاب هذه الاجزاء البشرية الملصوقة بك ؟... انها فتات لأناس محروقين ..
الصوت : ولِمَ تستغرب .. انه مشهد يميز جدران هذه البلاد .. ان الاشلاء البشرية الملصوقة على الجدران اصبحت جزء من هويتنا في هذه البلاد .. من خلالها يمكنك ان تميزني عن باقي جدران الكون بأسره .
السكران : لكن ألا يمكنك ازالتها عنك ... فمظهرها جداًً ....
الصوت : (( يقاطعه )) وما الفائدة من ازالتها .. حتى لو ازلتها فصورة لحظة التصاقها بي لا تفارقني ابداً .. لا أستطيع ان انسى لحظة تشبثهم بي هروباً من السنة النار والحديد المتشضي .... لا أستطيع ان انسى ساعة صَهُرُهُم بقربي ومزج كيانهم بكياني ...
السكران : لا .... سأساعدك .... سأساعدك في انتزاع هذه الاثار من عليك ..
(( السكران ينتفض ويقوم بأزالة ماهو متبقي من اشلاء بشرية محروقة من على الحائط ))
السكران : يجب ان تبقى شامخاً نظيفاً .. يجب ان تبقى رائحتك زكية .. يجب ان يبقى بدنك سليماًً .... فأنا .. أنا احببتك لتجاربك .. نعم احببتك .. جعلتني احسدك .. جعلتني اقول لنفسي ليتني كنت حائطاً .... ليتني كنت حائطاً .. اتمنى ان اكون مثلك ..
الصوت : (( يقاطعه )) ارجوك توقف .. كفــــــى ...
(( السكران يهدأ من حالته الهستيرية ))
الصوت : ما الفائدة من ذلك يا صديقي ؟ حتى العصافير قد هربت مني .. لم تعد لتحط فوقي .. الفراشات ... الفراشات لم اعد اشاهدها تطير من امامي ... كدت انسى اشكالها والوانها ... سأنسى الجمال وشكله .. بقيت وحيداً منتظراً ساعة هدمي ..
السكران : لا لست وحيداً .... فأنا بقربك ... ولن افارقك ..لن افارقك مهما حل بي .. فأنا لا شيء بالنسبة لك ..
(( السكران يقف بجانب الحائط ... يقف منتصباً دون حراك ... مجسداً شكل عمود كهربائي ... صامتاً ))
الصوت : ارجو منك ان تحتمل ما احتملته انا ..
السكران : ان لم اكن بقوة الحائط .. لن أقوى على احتمال اهوال الزمن في هذه البلاد .
(( يقف منتصباً كالعمود الكهربائي .. ينتهي الليل .. تدخل اجواء ساعات الفجر في الفضاء المسرحي .. موسقى ... يدخل سكران آخر وبيمينه قنينة من النبيذ ...... يدندن باغنية غير مفهومة تكون نفس الاغنية التي كان يغنيها السكران الاول .. يتكيء على العمود ــ السكران ــ ... يشرب رشفة من النبيذ ... يدور وجهه الى العمود ــ السكران ــ يبحث عن مكان ما لشيء ما ... يتبول على العمود الذي كان هو السكران الاول ))
****اظلام تام****
**** ستار ****
تمت في 14/10/2007
** ملاحظة : وصف الحائط هذا قد لا ينطبق على جدران العالم لما يعانيه ... فهو حائط عراقي ..!
********************************
نص مسرحية
عن نصوص سعد الله ونوس ... وإليه .
إقتباس : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضاء المسرح :
فضاء هيولي أسود ... تسوده الرطوبة ...
يتوسط المسرح واجهة من قضبان سجنٍ ما .... عرضه الاربعة امتار تقريباً ... وارتفاعه متران ونصف تقريباً .....
خلف واجهة السجن سرير نوم مبعثر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخوص المسرحية :
ـ سعد
ـ ورم
ـ الانثى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سعد نائم على سريره الذي خلف القضبان ... موسيقى هادئة ... تتداخل معها اصوات لآلة التنفس الاصطناعي ...صوت رتيب لآلة سماع نبضات القلب ...
صوت قطرات ماء تدل على المادة المغذية المركبة في وريد سعد ...
تدخل الانثى وهنا بدور الممرضة ...
تدخل صامتة .... حزينة ... وتسير بخطوات جنائزية ...
تنظر الى سعد المستلقي على السرير ..
... نظرتها نظره حزن....
تتصفح ملفه الطبي .. وبشكل إيمائي ...
تضع سماعتي نبض القلب على أذنيها ... وبشكل إيمائي ..
تضع مكبرة الصوت الصغيرة على قلب لتسمع دقاته ...
لحظات ... نسمع صوت ضحك وغناء لمجموعة من النساء أثناء مرحهن ....
....لحظات ....
تسحب يد سعد اليمنى بحثاً عن وريدٍ ما ...
تشد على معصمه بيدها الرقيقة ... تضرب بإصبعها على مكان الوريد ...
... تهز رأسها حزينة ... تنزل اليد اليمنى ....
لحظات ....
تدعك رأسها مفكرةً ... حائرة ...
ترفع يده اليسرى بحثاً عن وريدٍ صالح لكي تغرز فيه ابرتها التي تحتوي على مادة (( السيروم ))
ينفجر سعد ضاحكاً ....*لكن الانثى ـ الممرضة ـ لا تراه ضاحكاً بل تراه ممدداً ... كحالته السابقة*
يجلس سعد على الفراش ....
الممرضة مستمرة في بحثها عن الوريد في جسد سعد النائم ....
تيأس الانثى ـ الممرضة ـ .... تحزن اكثر ...
تترك سعد خارجة بهدوء ...
سعد : (( ضاحكاً )) .... مسكينة ... لم تجد وريداً في جسمي .... كم أنا محرج منها ..
يستيقض ورم بشكل مفاجيء ... *اذ كان نائماً بالجوار من سعد وبشكل مخفي للمتلقي *
ورم : ماذا بك ؟ !
سعد : أوووه .. مالذي اصحاك من نومك ؟ ... نـَم .... نــَم في داخلي .. تحركاتك تؤلمني
ينهض سعد من فراشه .... يقف خلف القضبان ... يشعل سيكارته ..
ورم : أشكرك
سعد : وعلامَ تشكرني ؟!
ورم : بتدخينك تنهي مهمتي بسرعة ...
سعد : بتدخيني هذه السيجارة ... أهينك ..
ورم : كيف ؟؟
سعد : اولاً ... معبراً عن ازدرائي واستهزائي بمرضي ... وثانياً .. انا في النهاية لن اخسر إلا حياة لا تعاش ...
سعد ينفخ الدخان في وجه ورم ... تدخل الانثى ـ الممرضة ـ ...بينما سعد واقف خلف القضبان ...
ورم واقف امام القضبان ...
تذهب الانثى ـ الممرضة ـ متجهةً الى سرير سعد بخطوات جنائزية ..
تقف امام سريره ...
ترفع بإيماءة يد سعد النائم على الفراش ... بينما سعد يراقب ذلك وهو يزاول التدخين ...
الممرضة تتمكن من غرز ابرة لدواء المغذي بيده ...
سعد : (( متألماً ماسكاً مكان غرز الابرة )) آآآآخ ....
يذهب ورم الى الانثى ـ الممرضة ـ ..
يشاهد ورم ما تفعله الانثى ـ الممرضة ـ بسعد النائم على السرير ..
سعد الواقف خلف القضبان يتضجور ...
يرمي سيجارته ...
لحظات ... تذهب الانثى ـ الممرضة ـ بخطواتها الجنازية ..
بينما سعد متألماً ... يدعك مكان الابرة في يده ....
سعد : آآآآخ ... واخيراً غرزت ابره دوائها ... كم تؤلمني ... أأأه
يرجع ورم ليقف امام القضبان
ورم : لم يكن يعرف ايوب بانه ضحية رهان متبجح بين الله والشيطان.
سعد : وانا اعرف كوني ضحية حرب تافهة ... اوقدها قدري ..
ورم : ((باستهزاء )) لا تيأس ....
سعد : اعتبر اليأس ترف ... لم يعد متاحاً لي ... وصعب الوصول اليه ...
ورم يتفاجأ بكلام سعد ....
سعد ماسكاً قضبان السجن وبقوة ... دافعاً بها من احدى اطرافها ... تدور واجهة القضبان الحديدة حول مركزها ...
بينما الجهة المعاكسة تـُسحب الى الداخل ..... ساحبة معها ورم ...
تلتف القضبان حول محورها ...
يصبح ورم خالف القضبان ... وسعد امامها ...
سعد : منذ متى وانت معي ؟
ورم : اووووه منذ سنين ...
سعد : اذن لماذا تحركت الان ؟
ورم : لم يعد بوسعي الانتظار ....
تدخل الانثى وهنا بدورالزوجة
الانثى / الزوجة : لم يعد بوسعي الانتظار ....
* سعد و ورم غير مرئيان بالنسبة لها * تذهب الانثى / الزوجة الى سرير سعد ... تتلمس وجهه ...
ترفع يده ... تقبلها ...
سعد واقف أمام القضبان ... يشاهدها ... يحزن ...
يجثو على ركبتيه ...
سعد : (( جاثياً )) انا ايضاً لم يعد بوسعي الانتظار يا حبيبتي ..
الانثى / الزوجة : (( تكلم سعد النائم على السرير )) منظر انابيب الدواء المتصلة بجسمك تؤلمني ... متى تعود الى سابق عهدك ؟؟ متى ..؟
سعد : (( بهدوء )) لا اعرف ... ولكن اعرف باني احبك ... احبك فقط ..
الانثى / الزوجة تقبل رأس سعد النائم على السرير ..
سعد : أ يعقل بأن يكون الحب جريمة ... وان يطاردوننا كاللصوص ؟
الانثى / الزوجة : ان الحب فوضى تخنقهم .
سعد : كيف يخافون الحب وهو اجمل شيء في هذه الحياة ؟
ورم : (( ثائراً )) الارواح الفقيرة لا تبحث عن الجمال ... بل عن النظام ..
سعد : شــشــشـــش ... دعني اشكي همي لحبيبتي ..
الانثى / الزوجة : (( الى سعد النائم على السرير )) هل يعتبروننا مجرمين ؟؟
سعد : اننا خارجان عن النظام .
الانثى / الزوجة : وما هي العقوبة في هذه الحالة ؟؟؟
ورم يقف جانباً ... يوميء بيده بحبل المشنقه .. يلفه حول عنقه .. يشنق نفسه بشكل هزلي ...
تتشنج اطراف ورم بمبالغة .... * لكن دون ان تنتبه اليه الانثى / الزوجة ... فهو غير مرئي بالنسبة لها*
الانثى / الزوجة : هل تحتمل هذه العقوبة ؟
سعد : سأحتمل الجحيم ذاته اذا بقيتِ معي ...
الانثى / الزوجة : سابقى معك .. سابقى ...
اظلام بصورة تدريجية على مكان السرير والانثى / الزوجة ...
تذهب الانثى / الزوجة مودعةً اياه ....
سعد : (( الى ورم )) يوم بعد يوم تزداد خبثاً ...
ورم : تعلـّم أن لا تحب الشمس .... تعلـــّم ان لا تنظر لها ...
سعد : لا استطيع .... فالعاشق الحــُر لا يخشى الآلهة .
ورم : صحيح ان القوي هو الذي يضع القيم والمعايير .. ولكن لو تناسى الانسان قليلاً انه الكائن الاقوى على هذه المجرة... لو عاين ما فعله وما يفعله ... وقارنه مع سلوك اشد الحيوانات عدوانية ووحشية ... لوجد انه الاكثر وحشية وعدوانية بين كل وحوش الارض ودوابها وحشراتها ...
سعد : لو كنت قوياً بما فيه الكفاية كما تدعي انت لما عانيت منك ... لما عانيت من صوت الآلات المرتبطة بأحشائي ... تلك الالات التي يظنون انها تمدني بالحياة ...
صوت لاجهزة التنفس الاصطناعي ... صوت لجهاز بنض القلب ...
سعد : اسمع .... اسمع هذا الصوت .. كم هو مزعج ... مزعج لانه رتيب ... مزعج لانه لا يمت الجمال بصلة ... كرهت صوت الأوكسجين الذي يمدني بالحياة ... كرهته ..
يتداخل صوت طنين ذبابة .... يسود صوت طنينها فضاء المسرح ...
يصمت سعد ...
يتلفت ورم متابعاً وجهة الذبابة ... يتابعها ...
يحمل بيده قتــّالة ذباب بلاستيكية * بشكل ايمائي * ...
يضرب بها الهواء عدة مرات ملاحقاً الذبابة .... صوت فحيح القتــّالة البلاستيكية ...
تجره مراقبة الذبابة الى مؤخرة سعد ...
تقف الذبابة على مؤخرة سعد ..
يتوقف طنينها ...
يضرب ورم الذبابة لكنها تفلت منه ... سعد يتألم من الم قتالة الذباب البلاستيكية التي ضربت مؤخرته..... يدعك مؤخرته ...
يبدأ طنين الذبابة مرة اخرى ...
تقف الذبابة على احدى زوايا السجن ...
يباغتها ورم بقتــّالته البلاستيكية ... يتمكن منها ... يرديها قتيلة ..
سعد يشمئز من هذا المنظر ...
سعد : كم انت مثيراً للاشمئزاز ...
ورم : (( متعجباً )) أنـــا !!
سعد : نعم انت ... قبل قليل كنت تنعت الانسان لان قوته هي التي تضع النظم والمعايير ..
ورم: أشــشــش .. الفم المغلق لا يدخله الذباب .... وثم هذه ذبابة ..
سعد : (( مقلداً لهجة ورم )) انها ذبابة ... كفاك هراءً
يذهب سعد لينام على سريره ... لحظات ....
يستيقض منزعجاً ...
ورم : ما بك ؟؟
سعد : عندما انام على فراشي .. احس اني في مقبرة .. احس ان الرب جزار سيهاجمني ليلاً بالساطور ... احس ان الشمس قد مرضت ... وان العالم ليس فيه ما يكفي من الضوء ...
ورم : (( بعدم مبالاة )) حاول النظر الى الضوء .
سعد : حين حاولت النظر لم اجد الضوء ... حين حاولت الهرب .. لم اجد قدماي ... حين حاولت الصراخ لم اجد صوتي ..
ورم : (( باستهزاء )) كــُنْ فخوراً بذلك ...
سعد : فخوراً برثاء الذات ؟؟
ينهض من فراشه
ورم : ان ذويك فرحون لانك على هذه الحال (( يجلس على سرير سعد )) فرحون لان حالتك هذه جعلتهم فخورين بالاهتمام الذي ابدته الدولة والصحف بمرضك .
سعد : نعم ... والمشكلة كون ابي رأى في ذلك مصدراً للعز .. ومناسبة لعلو الشأن .
موسيقى ... تدخل الانثى وهنا بدور الام ..
يترك ورم فراش سعد ...
... لحظات ... تقف الانثى / الام قرب سرير سعد ..
تجلس بجواره
بينما سعد واقف خلفها .. * وهو غير مرئي بالنسبة لها *
الانثى / الام : بني ... تحققت نبوءة ابيك ... تحققت بعد نصف قرن من الزمن
سعد : ولكن كان الجدر بها ان تتحقق منذ ايامي الاولى .
الانثى / الام : ليس المقرر ان تتحقق نبوءة عابرة
سعد : (( يذهب وسط المسرح )) لكني مازلت اذكر نواسة ً تمط ظلالها .. ولا تبدد العتمة ... اذكر فِراشاً صغيراً ليس كهذا الفراش .. اذكر اعواداً من الآس ,, ورائحة الخشخاش ... اذكر طفلاً يبكي ولا ينام ..
الانثى / الام : وهل تذكر بان لم يكن احد قد تهيأ لولادته حياً ؟
سعد : نعم ... كان يسود الجميع اعتقاد شبه فاجع ..
الانثى / الام : اعتقدوا العروس الجديدة ستلد طفلاً ميتاً .. ولذا لم يعبأ احد بما في بطن تلك العروس نفسها (( تمسك بطنها ))
سعد : لم يعبؤا بتحضير ما يحتاجه الطفل من ثياب وخرقٍ وسرير هزاز .
الانثى / الام : وعندما وُلِدَ حياً ... لم يتخلَ احد عن اعتقاده بان كل شيء مؤقت ... والحقيقة الوحيدة المؤكدة هي الموت .
سعد : ولكن بعد مرور الساعات .. لم يظهر خلالها الموت .. ولم يرسل اشارة تــُنــْــبيء بقدومه الوشيك
الانثى / الام : بدأت الحيرة تنتاب الجميع .
سعد : حينها قررا الجدة ان توقِع موت الطفل وهو يضطرم بالحياة .. قد يكون فألاً سيئاً يرافقه طوال عمره .
الانثى / الام : ثم بواشِق ابيك وهو المولع بالصيد الى حد الهوس لا تصلح دائماً لحمل رسائل المشيئة الالهية ..
سعد : فقررت الجدة حينها ان تــُــبَدِدَ ما تعلق من فألٍ سيء .
الانثى / الام : فأسمت الطفل الذي يبكي .. سعداً
سعد : مازال ابي حياً .. واطباء باريس حفرو لي قبراً ... وجهزوا لي الكفن ... أكان مقرراً ان تتحقق نبوءة عابرة اكتست بثياب حلم صيفي .. بعد نصف قرن من الزمن ؟
الانثى / الام : (( ذاهبة )) كان ابيك يتخم سمعي بكلمات تقول : الله يعطي والله يأخذ ... احمدي الله و لا تعترضي حكمه .. ، حتى اصبحت مقتنعة بذلك ...
تخرج الأنثى / الام
سعد : كنت اعلم اني احمل موتي في داخلي .. واني عشت هذه التجربة المثيرة التي يختلط بها الاحياء مع الاموات.
ورم : هل ادركت الامر الان ؟
سعد : ادركته جيداً ... انا اسير على خطى الاجداد ... اسير على خطاهم الان ..
ورم : (( مستهزءاً )) رحلتهم شاقة منذ خطواتهم الاولى ..
سعد : حاولت وضع تقويم لهذه الرحلة يسبق المئة الاولى قبل الميلاد ... ففي سنة 27 ق . م ، غاص احد اجدادي في حمأة طين عميقة .... ولك يكن بوسع احد ان ينقذه ...
أما في سنة 30 ميلادية توقف جدي الاكبر عن تناول الطعام ... وكان يجبر نفسه على التبرز مرات عديدة في اليوم ... وحين صار نظيفاً وخالياً من كل خبث . تمدد على الارض ... ومــــــــــات ..
ورم : وبعد ..! ؟
سعد : وفي اليوم التالي لوفاته .. انتحى جدي الاصغر بزوجته .. وسندها على جدار السرداب .. واخذ يهز وسطه .. ومثل هذه الانتحاءات كانت تتكرر دائماً .. ولم نكن نوليها اهتمام كان علينا ان نسير فقط ... وكان كل جد توافيه المنية يوصينا بان نتابع السير ... السير فقط ... وكان يسرف في وصف ألق الشمس التي تنتظرنا .
ورم : (( باستغراب )) وبعد ؟!
سعد : حدث في عائلتنا فتنة وكان ذلك في عام 620 فقد اختلف من تبقى من الاجداد حول التمائم ... وبالتالي حول الاتجاه .... وانقسمنا ... ومازلنا ننقسم عند كل مفترق من مفترقات السراديب ..
ورم : وهل حاولوا السير حينها .
سعد : نعم ... ابي تدارك الموقف سنة 1940 فرفع ثوب امي وانبطح فوقها ... وبعد اقل من عام ولدتني امي حاملاً ذاكرة مزدحمة بالصور والتفاصيل ... وسرت وراءهم حريصاً على مكاني دائماً في المؤخرة ..
ورم : وتابعتم ؟
سعد : وتابعنا .... وفي ظروف غامضة مات ابي ...
ورم : (( بشيء من الارتياح )) وانتهى مسيركم ؟؟
سعد : لا ... في عام 2007 دب خلاف بيني وبين اخي الاكبر فتخليت عن العائلة واتجهت الى سرداب مخالف مكوناً سرباً جديداً من عائلة .. مهمتهم السير .. والمحافظة على خطى الاجداد .
ورم : هل تبعوك ؟
سعد : كنت حائراً بما سيجعلهم يتبعوني في سيري ... اذا لم اعدهم بالشمس والبراري .. ولكن زرعت في صدور اولادي يقيناً بان الشمس تنتظرنا في نهاية السرداب ..
ورم : وتابعتم ؟
سعد : وتابعــــــــــــنا السير ... صارت السراديب اسمنتية .. وفي زواياها تتدلى مصابيح تخفف العتمة .. لكن السراديب بقت سراديب ... وما زلنا نسير بحثاً عن الشمس .. لم يتأكد احد قط من وجودها ...
في عام 2114 ما زلنا نسير .... في عام 2370 مازلنا نسير ..... في عام 2617مازلنا نسير .....
في عام 2690مازلنا نسير ..... في عام 2699خانتني قدماي .....
ورم : (( يقاطعه باندهاش )) وبعد ؟ !
سعد : ما زلنا نسير ..... وسيواصل ابنائي السير وكتابة التاريخ ...
ورم واقفاً مستغرباً .... مصدوماً ... بينما يذهب سعد اليه ...
سعد : ارجو ان لا تجبرني مرة اخرى على قراءة تقويمي ثانياً .
ورم : بصراحة .... لا اعرف ما اقوله لك ... ولكن ...أ أ
سعد : (( يقاطعه وهو ذاهباَ الى فراشه )) لكن ماذا ؟؟؟ ها ؟ هل تريد مرافقتي بحثاً عن الشمس؟
ورم : انت تعلم جيداً بان من يرافقني يذهب الى الظلام ..
سعد : لا يهم ... من الظلام جئت ...والى الظلام اعود . ... والمشكلة انا وانت واحد .... والمشكلة الاهم بأني مللتك جداً ... مللتك ... لِمَ اخترتني ؟؟
ورم : لم اخترك انا (( مشيراً باصبع يده الى الاعلى )) هو الذي اختار ..
سعد : (( جالساً على الفراش )) اننا نكشف ان مايتصف به عالمنا من تفاوت وغبن وظلم .. يدل على غياب الله اكثر مما يدل على وجوده .. وهذا والفساد الذي يطبع العالم ... لا تنفعه محاجة الله ... بل ينبغي ان نحاج انفسنا والعالم .... أو ان ندرب في داخلنا روحاً ساخرة ً ولاذعة نواجه بها الغبن والفساد .
ورم : اتحقدُ عليَّ؟
سعد : عرفت انك القرين القديم ... لا ينفع حقدي بعد الان .
ورم : انت تعلم لم يكن بوسعي ان اخفي شيئاً
سعد : وما هَم ... ألم يحن الوقت كي استرخي واقول الآن مت وشبعت موتاً ؟
ورم : ما زال عليَّ ان اعرف نهاية مهمتي ..
سعد : اذن اسرع .. فهناك كثيرون ينتظرون دورهم بعدي
سعد ينام على السرير .... يغفو .....
موسيقى هادئة ...
ورم يشير بأحدى يديه الى جهةٍ ما ... تدخل منها الانثى .
الانثى هنا بدور فتاة جميلة
مرتدية السواد ... قادمة من عالم الاموات .
تقف الانثى / الفتاة وسط المسرح ... بينما ورم يتجه الى السرير الذي ينام عليه سعد ...
ورم : استيقظ ...استيقظ ... حان الدرس الاول في التدريب على الموت ... استيقظ .
سعد : لست بحاجة الى دروسك ... فأنا حملت موتي بداخلي منذ رفقتك لي ...
ورم : استيقض ... استيقض .
الانثى / الفتاة تذهب الى سرير سعد ... تجلس على فراشه ...
سعد ينتبه ... يصحو مبهوراً ...
متفاجئاً ... كأنما يعرفها منذ زمن بعيد ...
سعد : أنت ...؟ انت ....؟ لِمَ لَمْ تزوريني منذ ايامي الاولى ... اشتقت اليك ِ ....
الانثى / الفتاة تنهض عن سريره ....
تذهب الى وسط المسرح .... يتبعها سعد مشدوداً
الانثى / الفتاة : لم اكن اعلم بأنك تحبني الى هذا الحد إلا بعد موتي .
الانثى / الفتاة تخلع معطفها الاسود وبشكل ايمائي ... تعطيه الى سعد
الانثى / الفتاة : خذ ... اريد ان ارتاح بعد رحلة قدومي اليك.
سعد يمسك المعطف ... الانثى / الفتاة واقفة وسط المسرح ...
تفتح صنبور ماء الدوش ....
صوت خرير لماء الدوش النازل ...
تضع نفسها تحت ماء الدوش .... تسترخي....
سعد مراقباً ذلك وبنشوة هادئة وبريئة ..
الانثى / الفتاة تنتبه لذلك ... توميء الى سعد بان لا ينظر لها ...
تخجل الانثى / الفتاة ...
سعد يحول نظره الى الجهة المعاكسة لها ... لكنه يختلس النظر بين الحين والاخر ليراها اثناء الاستحمام ..
تنتهي الانثى / الفتاة من الاستحمام..
تغلق صنبور الماء ... ينقطع صوت الماء النازل ...
سعد ينتبه الى ذلك ...
تشير الانثى / الفتاة الى مكان ما بالقرب من سعد ...
سعد يبتسم مرتبكاً ...
يأخذ منشفة معلقة على الحائط الوهمي الذي بقربه ...
يعطيها المنشفة مستغلاً بذلك النظر الى جسمها ... تسرع هي باخذ المنشفة منه مبتسمة بدلع ...
تغطي بها جسمها المبتل ... تخرج من الحمام ...
تقترب من سعد ... تشير اليه لكي تأخذ معطفها منه ...
يعطيها المعطف مرتبكاً .... ترتديه ...
سعد يمنع نفسه من النظر اليها ... يبتعد عنها عدة خطوات ... لحظات ...
تنتبه هي لذلك ...
الانثى / الفتاة : لماذا لا تنظر في وجهي الان ؟
سعد : اخشى ان اجد عتاباً في وجهك ...
الانثى / الفتاة : ألا تعلم اني اصبحت وراء العتاب والحزن والغضب ؟
ينتبه سعد لذلك ... تبدأ عليه علامات الارتياح ... يختلس النظر الى وجهها ...
سعد : يا ألله ..! هذا هو وجهك الذي اعرفه ..
الانثى / الفتاة : (( ببرود )) لم تعرف وجهي أبداً ... وماتراه الان ليس الا قناعاً استعرته من اجل هذه اللعبة.
سعد : احس في صوتك نبرة لوم .
الانثى / الفتاة : ليس لصوتي نبرة .... والذين يموتون لا يبالون ... ولا يلومون ... لو اني جئتك أبكر لما سألتني الان هذه الاسئلة .
سعد : أكنت ترغبي ان تأتين ابكر ؟؟
الانثى / الفتاة : الايرغب الميت شيئاً ... ولكن اذكر انك كنت ترثي نفسك كثيراً ... وتهيء اهلك وأصدقاءك لموت وشيك .
سعد : ان هاجس الموت لم يفارقني .. وان الآلام التي كنت احسها لم تكن كاذبة ..
الانثى / الفتاة : وفيمَ يهمك ذلك ؟ انك كنت بغو في الموت ... كما كنت بغواً في الحب.
سعد : أترين ..؟ رغم كل شيء فانك تتذكرين .
الانثى / الفتاة : كما تحفظ اشرطة التسجيل بالاصوات المسجلة عليها ... فان الذكريات تصاحب الميت وترافقه كأصوات أو هزّات في الاثير .
سعد : وهل يستعيدها ... وينفعل بها ؟
الانثى / الفتاة : أتوا بي كي اكون معلمتك .... الموتى لا يستعيدون شيئاً .... ولا ينفعلون .
سعد : (( محاولاً تهييج مشاعرها )) أتذكرين ... اتذكرين عندما كنا نهرب من الذين لا يريدون قربنا.
... موسيقى ...
الانثى / الفتاة تقترب من سعد ... تضع رأسها على صدره ...
ينزل قمر في عمق المسرح * القمر عبارة عن قرص دائري من القماش الابيض وقطرة 4م تقريباً*
.... ينزل القمر ...
يستقر القمر على ارض المسرح خلف سرير سعد ..
الانثى / الفتاة : نعم اذكر .. ودائماً كنا نهرب
فجأة ... صوت حاد و مزعج لصفارة انذار ...
يسود الضجيج المكان ...
سعد والانثى / الفتاة يرتبكان ... يجولان المسرح ركضاً بحثاً عن مكان ما ليختبؤا به ...
الانثى / الفتاة : لقد عادوا مرة اخرى ...
سعد : لقد عادوا مرة اخرى ...
الانثى / الفتاة : اين نذهب الان ؟
يقفان احدهما ماسكاً بيد الآخر ... يبدأ صوت صفارة الانذار بالتهافت ... تخطر لسعد فكرة ما ...
سعد : لنختبيء خلف القمر ..
سعد يأخذها ... يهرولان سعياً للاختباء خلف القمر ...
تتسلط بقعة من الضوء خلف القمر ليظهر خيال ظلهما ..
.... جالسان احدهما قرب الاخر ..
ينقطع صوت صفارة الانذار .
الانثى / الفتاة : يا الهي ... اخشى ان اخاف من هذا المكان ...
سعد : المحبون لا تخيفهم الامكنة مهما بلغت غرابتها ..
.... لحظات من التأمل الصامت ....
سعد : يا ألله انك تتلألئين ...
... موسيقى هادئة ...
خيال ظل سعد يبين انه يشم رقبة الانثى / الفتاة .
سعد : هذه الرائحة ... أكاد اذكرها ... أين ...؟ أين ...؟ أكاد اذكرها .
الانثى / الفتاة : من يدري ...؟ مع ولوج الموت اعمق ... فاعمق قد تجد قمراً يستدير ليغمرك بنوره .
سعد : اتظنين ؟؟
الانثى / الفتاة : قلت من يدري ..
سعد : اسمعي .... ان بيننا حكاية ... ينبغي ان ارويها ... وان نرويها .
الانثى / الفتاة : وما أهمية روايتها ...؟
سعد : اشعر ان موتي لن يكتمل الا اذا رويت حكايتنا ... وهذه هي اهمية الامر .
الانثى / الفتاة : وما هي الحكاية ...؟
موسيقى ....
يُظهـــِر لنا خيال ظلهما بأنهما بدءآ التقبيل لبعضهم البعض ...
خيال الانثى / الفتاة تمتنع بدلع .
صورة لحركة رمزية لخيال ظلهما ترمز لحالة الجماع فيما بينهم ...
... لحظات ....
يدخل ورم حاملاً بيده مكبرة صوت .. صارخاً بها..
ورم : لم يكن هذا مذكوراً في مناهج تعليم الموت ..
تبتعد الانثى / الفتاة عن سعد ...يخرج كل منهما عن محيط القمر ...
يخرجان ....
يتقدمان الى وسط المسرح ...
سعد يتفاجأ ناظراً الى القمر .. غير مبالياً بورم...
بينما ورم مراقباً ذلك بحقد .
سعد : آآه ... يآل المسكين لقد حُبـِس القمر معنا ...
الانثى / الفتاة : (( تتدارك الموضوع )) يآل المسكين .. انه خلف القضبان ..
ورم : (( الى الانثى / الفتاة صارخاً بمكبرة الصوت )) لم يكن هذا ضمن الاتفاق ..
من الممكن في عالمنا ان الاموات يسحبون الاحياء الى عالمهم .. وليس من المعقول ان يسحب الاحياء الاموات الى عالمهم ... لا لا ... لم يكن هذا ضمن الاتفاق .
الانثى / الفتاة : ماذا لم يكن ضمن الاتفاق ؟
ورم : ان تساعديه برواية حكايته ...
موسيقى ...
الانثى / الفتاة تتفاتجأ ...
تنتبه بأنها قد تجاوزت حدود تابو مقدس ...
... تتوتر ...
تنظر الى سعد منزعجة ...
الانثى / الفتاة : ولكنه قال ... بان موتي لا يكتمل الى اذا رويت حكايتنا ..
سعد : (( متفاجئاً )) هل انتِ معي ام مع الورم ؟!!
الانثى / الفتاة : مع السلام ..
سعد : السلام ...؟ تقولين السلام ؟؟
السلام كلمة جميلة الايقاع .. ولكن حمامته تطير كسيرة الجناح
ورم : لا داعي لهذه الفخامة ...
سعد : الا تعلم بأن الموت بحد ذاته فخامة ؟؟
الانثى / الفتاة تجثو على ركبتيها ... تنهار ...
سعد ينتبه الى ذلك .. يركض اليها لمساعدتها ..
الانثى / الفتاة : ابتعد عني ...
سعد : (( يتفاجأ ... صمت )) ساعديني ... ساعديني لكي اعرف تصنيفي هل انا من الاموات ام من الاحياء ؟
الانثى / الفتاة : (( بحالة هستيرية )) ابتعــد ...
سعد : (( بحزم )) تزعمين ان الموت جعلك نقية كاللؤلؤة ... فكيف ترفضين مساعدة رجل يتوقف عليك اكتمال مصيره ؟
الانثى / الفتاة : لا استطيع ... لا استطيع .. ما زالت تنبعث منك رائحة الدنيا ووخمها ..
سعد : كيف اتخلص من الوخم ان ادرت ظهرك لي ؟
الانثى / الفتاة : لا فائدة من ذلك ... لا فائدة ...
تنهض الانثى / الفتاة .... تتقدم الى وسط المسرح ..
الانثى / الفتاة : حتى لو مُت ... ستبقى بك رائحة الحياة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ****انتهت****
ذوالفقار خضر
2008/7/30
********************************
مسرحية حوارات أعمِدة
تأليف : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنظر المسرحي :
ثلاثة أعمدة وسط المسرح مرتبة بشكل متساوي على رصيف ما ... كل عمود يقف على قاعدة مكعبة الشكل مناسبة الحجم.
شخوص المسرحية :
عمود 1
عمود 2
عمود 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(مشهـــــــ1ـــــد)
موسيقى .... الاعمدة الثلاثة واقفة ... تدخل بقعة من الإضاءة Flow من يمين المسرح وتستقر في وسطه ... الاعمدة الثلاثة تنتبه الى بقعة الضوء التي توسطت المسرح .
عمود1 : ( الى عمود2 ) انظر لقد جاء مرة اخرى ..!
عمود2 : اتمنى ان لا يقع اختياره عليّ هذه المرة
عمود3 : ( بإشمئزاز ) وانا ايضاً .
تتجه بقعة الضوء الى عمود1 ... موسيقى ... تستقر على قدمي عمود1 ... لحظات ... تذهب بقعة الضوء الى عمود3 ... عمود 3 يصاب بخيبة امل بينما عمود1 يتنفس الصعداء ... صوت خرير ماء لعدة ثوان ... ينتهي الصوت .. تغادر بقعة الضوء المكان .
عمود3 : آه ... رائحة بول هذا الكلب ستقتلني في يوم من الايام
عمود2 : ( يقف قرب عمود3 ضاحكاً ) ولكن دفء هذا البول افضل من رائحته
(( عمود1 يذهب الى عمود2 وعمود3 شامتاً هو الآخر ... ينحني ليحاول شم قدمي عمود3 ... ينفجر عمود1 ضاحكاً .. ))
عمود1 : كيف تحتمل هذا ؟؟
عمود3 : (( يبتعد عنهما ويتوسط المسرح )) انتما تعرفان جيدا بان الاختيار قد وقع عليكما مسبقاً .
عمود2 : ولكن هذه المرة التي تم اختيارك فيها كانت الرائحة اشد مقتاً
عمود1 : كأنها كانت مهيأة لك بشكلٍ خاص (( يضحك))
((عمود3 يظهر شيء من اللامبالاة للأخر ... عمود1 وعمود2 ينتبهان لهذا الفعل .. يبديان استغرابهما .. يذهبان الى عمود3 ))
عمود2 : اراك غير مبالٍ لما حصل لك .؟
عمود3 : قفا هنا.
(( الاعمدة الثلاثة تقف بشكل مثلث متساوي الاضلع .. كل عمود بزاوية ... موسيقى .... ينظر الواحد منهم الى الاخر .. لحظات .. يتمعن الواحد منه في جسد الاخر .. يسود الحزن على وجوههم.. ))
عمود1 (( الى عمود2)) انت مــُــثـَــقـَب .!!!
عمود2: (( بدهشة )) انت كذلك .!
عمود3 : وانا ايضاً .. انسيتم الثقوب التي صنعتها رصاصاتهم بنا .. ؟ تلك الرصاصات التي حتى الاعمدة الرفيعة الطويلة لم تتخلص من اصطداماتها .. تاركة وراءها الثقوب .. تلك الثقوب التي بات حتى الهواء يستغيث منها .
عمود1 : (( بدهشة )) لقد سُفِحَت عذرية الهواء !!
عمود2 : رصاصاتهم سَفَحَت عذرية كل شيء .
عمود3 : انا مـُــثـَقـَب برصاصاتهم ... وانت ايضا ... وانت ايضاً ... وتريدان مني ان احزن لأن كلباً قد اختارني كأي عمود في هذا البوس ليتم رغبة تبوله بي ... بي انا .
(( تدخل بقعة الضوء ذاتها ـ الكلب ـ ... بينما الاعمدة الثلاثة واقفة وسط المسرح ... تبحث بقعة الضوء لمكان ما لتستقر عليه .. تستقر بقعة الضوء ـ الكلب ـ على المكان الذي كان واقفاً عليهعمود2 ..موسيقى ... لحظات ... صوت خرير ماء ... ينتهي الصوت .... تغادر بقعة الضوء ـ الكلب ـ المكان .. عمود2 غير مهتم لذلك رغم تبول الكلب عليه . ))
عمود2 : لم اعد مهتماً لهذا الكلب .
عمود1 : كل ظاهرة تبدو مألوفة وغريبة في الوقت نفسه ... ان الذي يحل محلنا يرى كل ماهو غريب وطائش .. حتى يعتاد عليه ليصبح مألوفاً .
عمود2 : كالطفل الغريب المألوف .
عمود3 : (( محاولاً تغيير الموضوع )) اتذكر قصة ذلك الطفل .. قصها لنا مرة اخرى ..
عمود2 : نعم ... قصها .. فقد اعتدنا على سماعها دوماً ...
عمود3 : قصها لنا نريد ان نقتل بها ضجرنا .
(( يذهب كل واحد منهم الى مكانه الاول ... حيث الوقوف على المكعبات ... بينما عمود1 غير مهتم ))
عمود3 : (( الى عمود1 )) لما لا تقص لنا قصته ؟ ... نريد ان ننسى ثقوبنا وآلامنا
عمود1 : كيف تنسى الالم بتذكر الم اخر .؟
عمود3 : ارجوك.
عمود1 : حسنا ً ... ساقصها لكم مرة اخرى ... ولكن اخيرة . .. حينما لم اكن مثقباً ... مزاولاً وقفتي الابدية على هذا الشارع عندما كان شارعاً ..مراقبا كل ما يمر من امامي من بشر , مستمتعا بأشكالهم واحاديثهم وهمومهم .. كما كنتما مثلي .. شامخان من غير ثقوب .. لَمِحتُ طفلا يسير مع والده الذي لا يسمح بيده مفارقة يد ابنه الذي يسير معه . وكان ذلك الطفل يحاول التحرر من يد والده التي تمسك كفه الصفير ليحاول اللعب والمرح بركضه امامنا .. هنا امامنا ..بينما كان والده لا يسمح له بالركض .. بصراحة انا استغربت كثيراً ... وحقدت على ذلك الاب اكثر ... وخاصة بمنعه ابنه الذي لم يبلغ العقد تقريباً من اللعب والركض امامه وامامنا .. فكان ذلك الطفل الجميل صاحب العينين الزرقاوتين يردد عبارة .. : ابي .. ارجوك ... دعني اركض .. اركض هذه المرة فقط . اريد ان المس الهواء بوجهي ..
فإنصاع اخيراً ذلك الاب لأمر ابنه .. فحرر يده الصغيره من كفه الكبير . فانتهز الطفل هذه الفرصة راكضاً ..دون قصد .. فإتجه ذلك الطفل الرالكض نحوي مسرعا ... بينما الاب واقفاً بحزنٍ عميق ..
اقترب الطفل الراكض نحوي دون قصد ... وانا مستغربٌ جداً .. وحينما وقعت عيني على الاب الواقف وقفة حداد والذي هو كان يراقب بحذر خطوات ابنه الصغير .. تفاجأت باصطدام ذلك الطفل بي ... كان ذلك الاصطدام قوياً بالنسبة لطفلٍ صغير .. نتج عن ذلك الاصطدام جرح في جبينه الطري الذي أسال دماءه على عينيه .. فصرخ الاب : الم اقل لك احذر الاعمدة!؟ فتبين حينها بان الطفل الصغير كان ... كان ... اعمى ., لا يستطيع ان يرى ما هو امامه .. فبكى الطفل وراح يركل بي حقداً .. صارخاً اكره الاعمدة .. اكره الاعمدة ..اكره الاعمدة ... فحمل ذلك الاب الحزين ابنه الباكي ورحلا .. مخلفان بداخلي جرحاً اعمق من هذه الثقوب التي خلفتها رصاصاتهم .
عمود3 : لم اطلب منك ان تقصها لنا مرة اخرى ..عمود1 : انه الذكرى الوحيدة المتبقية لي .
(( لحضة صمت ... موسيقى ))
عمود2: اصبحت اجواء الشارع غريبة .. والتنفس فيها صعب .
عمود3 : ليست اغرب من حالنا .. رغم ثقوبهم بنا نحن لا نرغب برحلتهم السوداء .
عمود2 : كنا دائماً نرفض بأن لا يذهبوا .
عمود1 : وكنا دائما نصر بأن لا يذهبوا .
عمود3 : وكانوا دائما ذاهبي .
(( صوت لإيقاع خطى اقدام جيش من الجنود يسيرون بحزم وقوة ... فضاء المسرح يهتز لوقع خطاهم .. وكذلك الاعمدة .. الاعمدة تهتز كأن زلزال اصاب ما تقف عليه. ))
عمود3 : اما زلتما مصران على منعهم ؟
عمود1 : ولكنهم ذاهبون الى حتفهم.
عمود2 : ألم اقل لكم بأن اجواء الشارع غريبة .
(( يهدأ الصوت تدريجياً ... الاعمدة تستقر على امكنتها ... لحظة من الصمت والترقب .. موسيقى ... ))
عمود2 : هذا ظلم .
عمود1 : (( يقولها دون قناعة )) يجب ان لا نحاول منعهم هذه المرة .
عمود3 : لا نستطيع
عمود2 : انت لا تستطيع .. ليس انا .. لن احاول هذه المرة
عمود1 : (( الى عمود2 )) وانا ... و أنا لا استطيع .
(( عمود2 يرتاح نفسياً ويتنفس الصعداء لقرار عمود 1. بينما عمود1 ينتبه لذلك ))
عمود1 : لا أستطيع بان اجبر نفسي على عدم محاولتي لمنعهم العبور الى هناك .
(( عمود2 يتفاجا ليحتار بأمره ))
عمود3 : (( الى عمود2 )) وجدتها ... ألم تقل بان هذا ظلم ؟ سأجد حلاً .
عمود2 : كيف ؟
عمود1 : وأنا موافق مسبقاً .
عمود3 : يجب ان نجد من يختار احدنا للقيام بالمهمة .
عمود2 : ((ينفجر ضاحكاً )) هل انت مجنون ؟ عقل من يحتمل على ان يخاطب اعمدة ؟ .. هل نسيت بأننا اعمدة واقفة على هذا الشارع منذ لا اعلم متى .
عمود3 : (( يحاول ان يجد حلاً )) نعم صدقت .. ولكن يا صديقي .. يــــا صديقي ,,, يــــا صــــديـ...
(( تدخل بقعة الضوء الصغيرة ـ الكلب ـ الى المسرح ... تستقر وسطه . ينتبه اليها جيداً عمود3 .. لحظات من التفكير .))
عمود3 : وجدتها .... وجدتها .
عمود1 : ماهي؟
عمود3 : القرعة
عمود2 : قرعة ؟؟؟
((عمود3 شير الى بقعة الضوء وسط موسيقى من الترقب ))
عمود3 : هو الذي سيختار .
عمود1 : كيف ؟
عمود3 : بتبوله على احدنا .
عمود2 : ماذا ! ؟
عمود3 : انتما تعرفان جيداً بان هذا الكلب لا يمكن ان يتبول إلا على واحدٍ منــّا .
عمود2 : لماذا ! ؟
عمود1 : لاننا اعمدة .
عمود3 : والاعمدة هي الاماكن المفضلة لدى الكلاب لهكذا رغبات .
عمود1 : نعم صحيح .. ولكن هذه قرعة قذرة لهكذا مهمة نبيلة .
عمود3 : ليس لدينا حل اخر
عمود2 : مادمنا متفقين على منعهم فيجب ان نوافق على أي طريقة لذلك .
(( بقعة الضوء ـ الكلب ـ تتحرك وتحوم وسط المسرح ..الاعمدة الثلاثة تراقب ذلك ... منتظرة مكان استقرار تلك البقعة .. تقف بقعة الضوء بالقرب من عمود2 ... لحظات ... صوت خرير الماء ... ينتهي الصوت .. تغادر بقعة الضوء ـ الكلب ت المكان ..))
عمود2 : انا على اتم الاستعداد ... شكراً لك أيها الكلب .. هذه المرة الاولى التي انتظرك بها رغم كرهي لك .
عمود1 : هل انت مقتنع بما ستقوم به ؟
عمود2 : نعم.
عمود3 : إذن ....
عمود2 : (( يقاطعه )) ســــأنتظرهم ...
(( صوت خطى الجنود يعاود ليهتز المكان مرة اخرى ... يهتز كل شيء على المسرح ... الاعمدة الثلاثة تحاول الثبات على امكنتها ... تدخل عدة بقع من الضوء ـ الجنود ـ الى المسرح ...يكون دخولها من يمين المسرح ... تستقر بقع الضوء ـ الجنود ـ وسط المسرح .. لحظات ... صمت .))
عمود2 : ها هم .
(( عمود2 يترك مكانه الذي كان واقفاً عليه حيث الاعمدة المتبقية ... حيث الرصيف ... يقف امام بقع الضوء ـ الجنود ـ بقع الضوء متناثرة على ارضية المسرح بشكل منظم .. عمود1 وعمود3 واقفان دون حراك ))
عمود2 : ارجوكم لا تعبروا اليهم .... اجسادكم لا تحتمل الثقوب ..لا تذهبوا الى حتفكم .. انظروا الى جسدي التي هرئته رصاصاتهم المرتطمة برصاصاتكم .. اجسادكم لا تحتمل الثقوب .. اجسادكم طرية .. اجسادكم رقيقة .. اجسادكم لا تحتمل الجحيم الذاهبين اليه ..
(( يرجع صوت خطى الجنود ... تتحرك بقع الضوء ـ الجنود ـ مع ايقاع الخطى .. متجهةً الى اليسار .. عمود 2 يقف امامهم ويحاول منعهم من العبور ... لا يستطيع لان لايمكنه مسك الضوء .. تخترقه البقع ـ الجنود ـ ... فتغادر المكان من جهة اليسار .. عمود2 ينزعج لفشله في منعهم العبور .. تنتابه حالة من الهستيريا ))
عمود2: مجانين ..مجانين .. يحاولون السعي وراء نهاياتهم .. مجانين .. يموت الاول ليحل محله الثاني .. فيموت ليجهز الثالث .. مـــجــــــانــــــيــــــن ... مجانين .
(( عمود1 وعمود3 يقتربان من عمود2 ))
عمود1 : أراك فشلت .
عمود3 : كيف لم تتمكن منهم ؟
عمود2 : وجوههم كانت شاحبة ..تحمل معاناة مهولة .. كنت ارى جسدي واقفاً بقربكما .. ولكن روحي كانت معهم .. تحاول منعهم .. كانوا لا يستطيعون سماع أي شيء .. لا يستطيعون .. نعم لا يستطيعون .
(( يذهب عمود2 ليقف على قاعدته حزيناً .. كذلك عمود1 وعمود3 ))
عمود1 : اخشى من اثار الجحيم ان تلمسنا مرة اخرى .
عمود3 : أنا ايضاً .. اخشى من تكاثر الثقوب في جسدي .
عمود2 : سانتظرهم .
عمود1 : لا أعتقد بأنهم سيرجعون .
عمود2 : (( بإصرار )) سأتظرهم ...
****اظلام ****
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( مــشــهــــ2ــــد )
(( الاعمدة الثلاثة كل حسب مكانه .. على قواعدها ... عمود1 يدخل بسيكارته ... وعمود3 يقرأ صحيفة ... عمود2 يحتسي النبيذ ... عمود2 سكراناً مخاطباً عمود3 ))
عمود2 : ألا يوجد خبر جديد حول أولئك الذين يسعون إلى حتفهم ؟
(( عمود3 يرمي الصحيفة خلف ضهره ضجراً ))
عمود3: غبي
عمود1: غبي
عمود2 : قلت لكما سأنتظرهم .
(( عمود2 يرمي قنينة النبيذ .. فيذهب وسط المسرح ))
عمود2 : سأنتظرهم .
عمود3 : مللتُ انتظارك لهم .
عمود2 : يا صديقي .. لا استطيع ان لا انتظرهم .. اعتدتُ على انتظارهم .
عمود1 : طبعا تعتاد على ذلك ... طبعاً .. هل تعلم بانك في الحَول الثامن من الانتظار ؟
عمود2 : أوووه ... وقت طويل .
عمود1 : انسيت بان ثقوبنا ازدادت لانها حطب لذلك الجحيم؟
عمود2: لا استطيع ان انسى وجوههم الشاحبة .. لا استطيع .
عمود1 : ارجوك كفاك هراءً.
عمود2 : من حقي أن أبــُثَ همومي لأحد.
(( موسيقى ... تدخل عدد قليل من بقع الضوء ـ الجنودـ من جهة يسار المسرح ... تدخل بحركة رتيبة ... تستقر وسط المسرح .. ينطفيء عددا من تلك البقع الضوئية ... اما الباقي فيغادر المسرح من جهة اليمين ))
عمود2 : واخيراً عادوا ... واخيراً انتهى انتظاري لهم .
عمود1 : ولكهم لم يعودوا كما ذهبوا .
عمود3 : ولم يعودوا كلهم .
عمود1 : وعادوا شبه اموات ... عادوا والاتربة تغطيهم ..
عمود2 : والآخرون هل ماتوا؟
عمود3 : ما الفائدة من ذلك .. العائدون هم شبه اموات .. اما الباقون هناك فهم اموات بلا شك .
عمود2 : (( بعصبية )) الفشل في التخطيط هو التخطيط للفشل ... انهم فعلا مجانين ... مجانين .
عمود1 : الحروب عواهر .
عمود2 : (( يصرخ )) ايها الكلب ... ايها الكلب .. لما اخترتني انا لهذه المحنة ؟ لما أنا ؟
عمود3 : إنها القرعة ..
عمود1 : ألم تكن انت نفسك موافقاً سلفاً على هذه القرعة ؟
عمود2 : ولكن ... و ,, ولكن .
(( موسيقى ... تدخل بقعة الضوء الصغيرة ـ الكلب ـ .. تستقر وسط المسرح للحظات .. تذهب الى عمود1 ... صوت خرير ماء.... الكل يتفاجأ ... تتصاعد الموسيقى ... ينتهي الصوت .. يغادر الكب المكان ... بينما عمود3 يحاول ان يتدارك الموقف ))
عمود2: اتمنى ان ترى عذاباتي التي انعكست على مرآة وجوههم الرمادية .
عمود1 : لا يعني هذا بان هناك حرباً ... اعتقد انه اسرف بشرب الماء هذه المرة فأطر هو على افراغه هنا .. عليّ انا .
عمود2 : كان هذا سابقاً .. يفعلها دون قصد ... أما الآن فهو على علم بالامر
عمود3 : انه امر غريب ... لم يبق لرجوعهم الكثير .
عمود1 : بصراحة انا خائف الان .. كان كل شيء يحدث للمرة الاولى وللمرة الالف بالوقت نفسه .
(( موسيقى ... صوت ايقاع الجنود يهز المكان ... يهتز كل ما موجود على المسرح .. كذلك الاعمدة ))
عمود1 : اصبح الامر حقيقة
عمود2 : هذا لا يُعقل.
(( الاعمدة الثلاثة تحاول الاستقرار على قواعدها .. تدخل بقع الضوء ـ الجنود ـ بصورة متناغمة مع صوت وقع الخطى ... تستقر البقع ـ الجنود ـ وسط المسرح ... يهدأ الاهتزاز .. لحظات ))
عمود3 : (( الى عمود3 )) قم بعملك .
عمود1 : ارجو ان يصغوا لي هذه المرة .
عمود2 : ارجو ان لا يفعلوا معك ما فعلوه بي .
(( عمود1 يقف امام بقع الضوء ـ الجنود ـ ويحاول ان يلقي كلامه عليهم بكل وقار وحزم كأي قائد عسكري ))
عمود1 : اسمعوني ... لا اريد ان .. أن ..
عمود2 : (( الى عمود3 )) انها طريقة جديدة .
عمود3 : ارجو ان تجدي نفعاً
(( عمود1 ينتبه لكلام عمود2 وعمود3 ))
عمود1 : أشششش .. لا تقاطعاني .
(( يرجع عمود1 ليخاطب الجند)) .. اسمعوني .. لا اريد ان اطيل عليكم .. هناك عبارة جميلة تقول : من المخجل ان نعثر مرتين بالحجر نفسه .
عمود2 : (( مخاطباً نفسه )) ارجو ان لا يقولها لنفسه في النهاية .
عمود1 : وهناك حكمة مشابهة تقول : الاحمق من يخدع مرتين بالحيلة ذاتها .. انا اريدكم ان تستفيدوا من تجارب الذين سبقوكم الى اللانهاية .. ولهذا أنا آمركم بان تتراجعوا ..
استعد .. إلى الوراء دُر .. عادةً سِر .
(( عمود1 يتفاجأ لان الجنود لم يهتموا لامره .. فما زالت بقع الضوء ـ الجنود ـ في مكانها ))
عمود1 : قلت لكم ارجعوا ... أنا آمركم بأن ترجعوا ..
عمود2 : انت غير مرئي بالنسبة لهم .
عمود1 : (( بغضب )) اذا اقتضى الامر بان اكون مخفياً فأفضل بان لا اكون اصلاً .
عمود3 : حاول بطريقة اخرى .
(( عمود1 يخاطب بقع الضوء ـ الجنود ـ وبشيء من التوسل .. ويكلم كل بقعة لحالها ))
عمود1 : ارجوكم لا تذهبوا .. اتوسل اليكم . انت لا تذهب أمك ستحزن عليك حزناً ابدياً ... وانت الاخر لا تذهب لان ابنك سيضع قدمه على الارض بعد اسابيع قليلة ... وانت ايها الباكي مازلت مراهقاً ... لم يحن وقتك بعد .. وانت .. وانت لا تكن عنيداً فامك خسرت اباك قبلك والآن تريدها ان تخسرك انت ؟ كفى ارجوكم ... ارجعوا .. ارجعوا .. كفى .
(( يرجع صوت الخطى ... بقع الضوء ـ الجنود ـ تتحرك .. لا تهتم لامر عمود1 وتخترقه .. عمود1 يتوسل ليهم ... تغادر البقع المكان من جهة يسار المسرح ))
عمود1 : كفى ... ارجوكم ... عودوا ... عـــــــودوا لا تذهبوا ..
(( لحظة صمت يخيم عليها الحزن ))
عمود2 : مجانين
عمود1 : بل مساكين
عمود3 : لا بل مساجين
**** اظلام ****
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( مـــشـهــــ3ــــــد)
(( موسيقى ... عمود 3 واقفاً على مكانه يحاول عد الثقوب التي خلفتها الحروب في جسده ... بينما عمود 2 مراقباً لعمود1 الذي راح في وسط المسرح يسير ذهاباً وإياباً في خط مستقيم .. عمود1 مستمراً في سيره ))
عمود3 : ثقب .. ثقبان .. ثلاثة ثقوب ، مئة ثقب .. مئتان .. ثلاثة مئة ، الف ... الفان .. ثلاثة الآف .. اوه .. عددها كثير ... مللت .
عمود2: انك سريع الملل
عمود1: أشــشــشـــشــش
عمود2 : ارجو ان تتمتع بالصبر الذي تمتعت به انا .
عمود3 : حاول بان لا تعد الايام التي تقضيها انتظاراً
عمود1 : قولا لي ... هل سيرجعون ؟
عمود3 : سيرجعون ... ولكن عرايا وما هم بعرايا.
عمود1 : لا مكان في الحروب للشخص الحساس والرقيق .
عمود2 : كانوا ... هذا سابقاً ... كلما جاولنا منعهم ازدادت ثقوبنا .
عمود3 : لم تعد تهمنا الثقوب التي في اجسادنا ... فهي تحتمل الكثير .. اما اجسادهم فباتت لا تحتمل حتى ثقل الكلام .
(( موسيقى ... تدخل بقع الضوء ـ الجنود ـ من جهة اليسار بشكل عشوائي غير منتظم ... الاعمدة الثلاثة تراقب الدخول بحزن ... تتحرك بقع الضوء ـ الجنود ـ حتى تصل وسط المسرح .. ينطفيء البعض منها ... اما البعض الآخر فيغادر المكان الى جهة اليمين وسط الموسيقى الجنائزية ))
عمود2 : (( الى عمود1 )) لا تحزن فهم مجبرون على ذلك .
عمود1 : ما ذنبهم ؟
عمود2 : ما ذنبنا نحن ؟
عمود3 : ذنبنا اننا مغروسون في طريق ذهابهم ...
(( لحظة صمت ))
كانوا يبحثون عنه في السماء فوجدوه في الارض .
عمود1 : ماهو ؟؟
عمود3 : خلودهم ... مصائبهم التي ستخلدهم .
عمود1 : لماذا هم حطب لكل نار ؟
عمود2 : لا يمكن اخماد النار التي تمسهم بالسنتها .
(( لحظة صمت ... موسيقى ... عمود1 يذهب الى مكان وقوفه حيث قاعدته ... وكذلك العمودان الاخران .. ))
عمود2 : انت محظوظ على الاقل .. لان فترة انتظارك لهم كانت قليلة .
عمود1 : لست محظوظاً .
عمود3: لماذا .؟
عمود1 : لاني لم استطع منعهم من العبور.
(( فترة صمت .. عمود3 يشعل سيكارته .. يدخن .))
عمود3 : هل تعلم ياصاحبي بان ثقوبنا ازدادت ؟ وان اشكالنا قد تغيرت ؟
عمود2 : حتى العصافير لم تعد تبني اعشاشها فوق رؤوسنا .. لقد هجرتنا حتى العصافير .
عمود1 : اخشى ان تحسبنا العصافير من الاموات .
عمود3 : اشتقت الى زقزقة العصافير .
عمود2 : لايمكن ان نوهم العصافير بان اشكالنا لم تتغير .
عمود3 : تباً للحروب ... تباً لها ... هل يمكن ان نصنع حرباً ضد الحرب ؟
عمود2 : اتحاول اطفاء النار بالنار ؟
عمود1 : كل الحروب وفي كل مكان يصبح بها المجرمون ابطالاً ... والابرياء ضحايا
عمود3 : التضاد هو الذي خلق الاستمرارية والتجدد.
عمود2 : مساكين ... يظنون بالحروب انها مصنع للرجال.
عمود1 : لا ... انهم يعلمون جيداً انها مقبرة لآمالهم .. مصنع الخيبة وتحطيم الجمال .
عمود2 : لماذا اذن ؟
عمود1 : لأنهم جنود .
عمود2 : الم يحن لهذه الارض ان تـُتـْخـَم من المقابر ؟
عمود3 : اتمنى ان يحن الوقت الذي ينتهي به الكلب من زيارته لنا.
عمود1 : ماذا ...؟ أيها المخادع .. حينما يأتي دورك تنسحب من المهمة؟؟
عمود3 : ليس من المؤكد بأن دوري هو التالي ... هناك احتمالات كثيرة.
عمود1 : ماهي ؟
عمود3 : اولاً .. ربما ان لا يقع اختيار الكلب عليَّ هذه المرة ايضاً ، والاحتمال الثاني .. ربما انتهت الحروب . والاحتمال الثالث .. ربما مات الكلب .
عمود1 : لنفترض بان الذي يختار قد مات .. ولكن الحروب لا تموت .
عمود2 : اتمنى ان يموت الجحيم ايضاً .. لو أنا القدر لأنزلت بالجحيم عقاباً شديداً .
عمود1 : (( مستغرباً )) وكيف هذا؟؟
عمود2 : اضع الجحيم في الجحيم .
عمود3 : (( ضاحكاً )) لم نصل الى حل اذاً .. صنعت جحيماً اخر .. يالك من قدرٍ غبي ... (( يضحك))
(( تدخل بقعة الضوء الصغيرة ـ الكلب ـ وسط استغراب الاعمدة الثلاثة ... موسيقى ... تحوم بقعة الضوءفي وسط المسرح لفترة وجيزة .. تستمر بقعة الضوء ـ الكلب ـ بالحركة وبصورة اسرع .. فأسرع ... الاعمدة الثلاثة مستغربة جداً وخائفة .))
عمود3 : (( متردداً )) ماهذا ؟؟ مـ ... مـ ... مالذي جاء به مرة اخرى ؟
عمود2 : انه خائف ..
عمود1 : لا ... انه في حيرة من امره .
((تتجه بقعة الضوء ـ الكلب ـ وسط المسرح ... لحظات ... تذهب مسرعةً الى عمود3 ... لحظات ... صوت خرير ماء ... ينتهي الصوت فتتجه بقعة الضوء ـ الكلب ـ الى عمود2 .. الاعمدة الثلاثة مستغربة لإختيارات الكلب الجديدة ...لحظات ... صوت خرير ماء ... ينتهي الصوت .. فتتجه بقعة الضوء ـ الكلب ـ بسرعة اقصى الى عمود1 .. لحظات حتى نسمع صوت خرير ماء .. ينتهي الصوت ... وسط نصاعد الموسيقى واستغراب الاعمدة الثلاثة .. تصعد بقعة الضوء ـ الكلب ـ الى السماء .. حتى تختفي ))
عمود3 : لن يختارني انا فقط .. انه اختارنا نحن الثلاثة في آن واحد ..
عمود2 : انا خائفٌ جداً .. خائف من المجهول ..
عمود1 : يجب ان نلبي الدعوة .
عمود3 : (( شارد الذهن )) ماذا ..؟ نعم .. نعم ... نعم ... انهم كالعادة يقدمون من جهة اليمين ... أليس كذلك ؟؟
عمود2 : نعم .. ووجهة خروجهم من جهة اليسار ... حيث الجحيم .
عمود3 : (( بخوف )) حسناً .
(( ينزل عمود3 من مكعبه حيث الرصيف ... يقف وسط المسرح ... وجهه مستديراً الى جهة يمين المسرح حيث قدوم الجنود كالعادة .. يتبعه العمودان الآخران .. فيقفان بقربه ليشكلوا حاجزاً للعبور))
عمود3 : أين هم
عمود2 : لقد تأخروا .
عمود1 : لماذا اختارنا نحن الثلاثة ؟
عمود3 : اعتقد بان المصيبة أعظم هذه المرة .
عمود2 : اذن مصيرنا سَيُحَدَد الآن على ما اظن .
عمود1 : منذ أن قررنا منعهم .. حُدِدَ مصيرنا.
عمود3 : ولكن أين هم ؟
(( تدخل مجموعة من بقع الضوء ـ الجنود ـ .. تكون هذه البقع كثيرة ويكون دخولها من جهة يسار المسرح من خلف الاعمدة الثلاثة التي وجهة نظراتها نحو جهة اليمين ... بقع الضوء الكثيرة تنتشر في النص الذي خلف الاعمدة الثلاثة وبكل هدوء ... الاعمدة الثلاثة لم تنتبه لذلك الدخول المختلِس ... بينما الاعمدة الثلاثة منشغلة في استقبالها القادمون من جهة اليمين .. غير منتبهة لما يحدث خلف ظهرها ))
عمود2 : هل غيروا رأيهم ؟؟
عمود1 : و منذ متى كان عندهم رأي ؟
عمود3 : إنهم تاخروا .
(( صوت ضجيج يعم المكان مع اهتزاز لبقع الضوء الكثيرة ـ الجنود ـ والتي هي خلف الاعمدة الثلاثة ... تلتفت الاعمدة لمصدر الضجيج .. تتفاجأ الاعمدة الثلاثة لما تراه ))
عمود3 : من هؤلاء ؟
عمود2 : أشكالهم غريبة.
عمود1 : كيف وصلوا الى هنا؟
عمود2 : اظن انهم قادمون من جهة الجحيم .
(( الاعمدة الثلاثة تقف بشكل مانع أمام اتجاه حركة بقع الضوء ـ الجنودـ ، ... تتحرك بقع الضوء وسط تزايد الضجيج .. بينما الاعمدة الثلاثة تحاول منعها من الدخول ... تسير بقع الضوء ـ الجنود ـ فوق الاعمدة ... الاعمدة الثلاثة تتساقط و تتكسر واحد تلو الاخر ... بقع الضوء ـ الجنود ـ تعبر بكل سهولة وتغادر المكان الى جهة اليمين ... يتصاعد صوت الضجيج ... بينما الاعمدة الثلاثة تتهاوى .. اظلام تدريجي ... الاعمدة تقع .. اظلام تام ))
******* انتهت ******
تأليف : ذوالفقار خضر
شخصيات المسرحية :
الشمس
نجم 1
نجم 2
التوأم
الغول
الثريـّا
الدب
المنظر :
مكان واسع يرمز إلى الفضاء وفي منطقة وسط الوسط للمسرح يوجد كرسي عرش وهو مكان الشمس
*********************************************************
الشمس : يا أخوتي يامن أدهش الخلق بخلقنا ، إلى كل من لم ابخل عليه من ضياءي وأشعتي ونوري ، نحتفل اليوم باحتفال لم نشهد مثله منذ ملايين السنين بل منذ بلايين السنين ، وهو احتفال بمناسبة ولادة نجم جديد ينظم إلينا ليدور حولي ، وأرعاه من خلال أشعتي التي تصله مني ، وبالتالي يزيد سماء الليل جمالا ً وتلألؤا ً
نجم 1: وأخيرا ً انظم إلينا أخ جديد بعد كل هذه السنين .
نجم 2 : (مخاطبا ً الشمس ) ولكن يا صديقتي هذا الأخ الجديد هل هو أكثر منك كتلة أم لا ؟
الشمس : لا ، انه ليس أكثر مني كتلة ، ولكنه من نوع النجوم ذات الكتل الكبيرة .
نجم 2 : إذا ً ومع شديد الأسف انه يمتلك دورة حياة قصيرة .
نجم 1 : ولماذا يا أخي ؟ لا نريد أن نفقده بسرعة .
نجم 2 : لا لن نفقده بسرعة ، نحن النجوم عندما نولد نمر بمراحل زمنية عديدة تبدأ بالولادة ثم الاستقرار ثم مرحلة الشيخوخة وأخيرا ً مرحلة الاحتضار أي الانهيار ، وهذه المراحل تستغرق وقتا ً زمنيا ً قد يصل إلى مئات الملايين من السنين .
نجم 1 : ولكنك لم تقل لي لماذا يمتلك دورة حياة قصيرة ؟
نجم 2: حسنا ً ... سوف أخبرك بشيء ، إن النجوم ذات الكتل الكبيرة تمتلك دورة حياة اقصر من النجوم ذات الكتل الصغيرة ، والسبب في ذلك يعود إلى أن قوة التجاذب في النجم ذي الكتلة الكبيرة عالية مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارته بسرعة وبالتالي تكون عملية الاندماج النووي والتفاعل الداخلي أسرع مما هي عليه في النجم في النجم ذي الكتلة الصغيرة .
الشمس : لا تقلق يا عزيزي ، لا يمكن الاعتراض على قوانين الفيزياء والجاذبية .
نجم 1 : لم افهم قصدكما بعد .
الشمس : حسنا ً استمعا لي ، تبدأ دورة حياة النجوم من تجمع الكتل الغازية والأتربة الكونية والتي تدور في المجرة حول مركزها وبسبب عدم استقرار كثافتها العشوائية تتقلص وتنكمش نتيجة الجاذبية الذاتية فيها ، فتكـِّـــون عندها النجم الأولي وذلك يكون بشكل سحابة غازية ، وبازدياد كثافتها وتقلص حجمها تزداد طاقة الجاذبية نحو المركز مما يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة في مركز النجم الأولي من حوالي 300 إلى مليون درجة حرارية سيليزية عندئذ يبدأ التفاعل النووي الحراري في المركز مما يؤدي إلى انبعاث ضوء وهذا يعني انه أصبح نجما ً أنموذجيا ً يا أحبائي .
نجم 1: وبعدها نقوم بتزيين السماء من خلال التلألؤ المستمر لنا والذي يظهر مساءا ً ... حسنا ً والآن فهمت قصدك .
نجم 2 : وهل أنت مثلنا يا صديقتي الغالية الجميلة ؟
الشمس : أنا الشمس ، والشمس نجم جرم سماوي مضيء بذاته ، كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم (( هُو الذي جعلَ الشمسَ ضياءا ً والقمرَ نورا ً وقدرهُ منازلَ لِـتـَعلموا عددَ السنين والحسابَ ))
نجم 1 / نجم 2 : ( سوية) سبحان الله .!!
الشمس : إن مجموعتي معقدة وفي غاية الدقة من الناحية الفيزياوية والطبيعية ، فتعد مجموعتي نظاما ً كوكبيا ً لدوران الكواكب السيارة حولي وأنتم تعرفونها وهي عطارد ، الزهرة ، الأرض ، المريخ ، المشتري ، زحل ، أورانوس ، نبتون ، وبلوتو ، فتدور في مدارات اهليجية حولي وبنظام الجاذبية المشترك حيث يقول سبحانه (( إني رأيتُ أحدَ عشر َ كوكبا ً والشمسَ والقمرَ رايتهمُ لي ساجدين )) فهذا دليل ُ قاطع حول عدد الكواكب التي في مجموعتي .
نجم 1 : نعم صحيح ، حتى إن الفترة الزمنية لدوران الكواكب التي تدور تعد وحدة قياس للوقت .
الشمس : نعم وقد ذ ُكر ذلك في كتاب الله تعالى (( والشمسُ تجري ِ لِـمُستقر ٍ لها ذلك تقديرُ العزيز ِ العليم * والقمرَ قدرناهُ منازلَ حتى عاد كالعرجون ِ القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تـُدرِك القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهارِ وكلُ في فلكٍ يسبحون *))
نجم 2 : آه أنا متشوق للترحيب بضيوف حفل اليوم فهذا الاحتفال يجب أن يكون احتفالا ً كبيرا ً ، يجب أن يكون احتفالا ً لائقا ً لولادة نجم جديد استغرقت ولادته ملايين من السنين .
نجم 1 : آه يا لفرحتي لقد أتى أحدهم .. انه هناك .. ماذا أنهما اثنان ؟! .. ولكنهما متشابهان ويسيران سوية .
نجم 2 : هل هما توأمان ؟
الشمس : انه نوع من النجوم وهي أزواج من النجوم مرتبطة بعضها مع بعض فيزياويا ً ، وهذا الارتباط يتمثل بدوران النجمين في مدار حول مركز جاذبية ثقليهما ، إذ تتبع قوانين نيوتن في الجاذبية والحركة ، أي أنها تخضع لقوانين كبلر ، ويؤلفان معا ً منظوما ً ثنائيا ً واحد .
نجم : آه لقد وصلا .. أهلا ً بكما ... أهلا ً .
التوأم : مرحبا ً بكم ، لقد سمعت نداء صديقتي الشمس فجئت ملبيا ً دعوتها .. دعوني أعرفـَكم بنفسي ، نحن ثنائي المئزر ونجم السهى في كوكبة الدب الكبير ، ونحن يمكن للإنسان أن يرانا بعينه المجردة أو حتى بالتلسكوبات ، ونحن لا نستطيع أن يفارق احدنا الآخر لما يربطنا من جاذبية مشتركة ، ولسهولة رؤيتنا قد صنفنا العالـِم وليم هيرشل إلى مجموعة الثنائية المرئية .
نجم 2 : أهلا ً بكما بهذا الحفل .. تفضلا ..( يدخلان )
نجم1 : انظروا هناك ضيوف جدد ، أنهما اثنان .
نجم 2 : أين ؟
نجم 1 : هناك انظر .
نجم 2 : لا انه واحد .
نجم 1 : لا أنهما اثنان .
نجم 2 : لا أنهما واحد ولا تشاكسني .
نجم 1 : لا أنهما اثنان ولا تشاكسني أنت .
الشمس : (تضحك) كفاكما شجارا ً ، فليس من اللائق الشجار في احتفال ٍ كهذا .
نجم 2 : لا انهما واحد كما قلت انا.
نجم 1 : لا انهما اثنان كما قلت انا
الشمس : لا هذا ولا ذاك .. انه ثنائي جديد .
نجم 1 / نجم 2 : ( سوية ) ماذا ؟!!
الغول : مرحبا ً بكم يا أصدقائي ، مبارك عليكم هذه الولادة الميمونة ، عسى أن يزيد المولود الجديد سماءنا جمالا ً وتلألؤا ً .
نجم 1 : تفضلا أهلا ً وسهلا ً بكما .(يدخلان)
الشمس : انه ثنائي جديد ، وهما من ضمن الثنائيات الطيفية ولكن هذان الثنائيان يمتازان بان مستوى دوران الثنائي يكون بمستوى خط الإبصار نفسه مما يؤدي ذلك إلى حجب احدهما للضوء القادم مني إلى النجم الثاني عن الناظر وبصورة متعاقبة .
نجم 2 : (يضحك) ولهذا رأيتهما واحد وأخي راهما اثنان .
نجم 1 : في الكون عجائب (يضحكان )
الشمس : نعم وهذا التعاقب يؤدي إلى عملية الكسوف ونتيجة لذلك تتغير شدة الضوء الواصل مني وبصورة دورية ومن هذه الثنائيات نجم الغول الذي دخل لحفلنا توا ً.
نجم 1 : يبدو إن احتفال اليوم سيكون ساخنا ً .
الشمس : تهيؤا للضيوف الجدد ، فسيزورنا الملايين منهم .
نجم 2 : لحسن حظنا انه لا حدود للكون ، فالمكان فسيح لا لملايين النجمات بل لبلايين النجوم .
نجم 1 : أوه ! يا لهي ما هذا الكم الهائل من النجوم ، انظري هناك إنها مجموعة كبيرة من النجم ، آه مااجملها
الشمس : نعم صدقت هذه المرة ، أنها عناقيد داخل مجرتنا وان نجومها متباعدة نوعا ً ما ويتراوح عددها بين 10 إلى 1000 نجم في كل عنقود وتكون متمركزة في الأذرع الحلزونية للمجرة ، وتكون هذه النجوم لامعة ذات أعمار قصيرة ومن هذه العناقيد في مجرتنا عنقود الثريا في كوكبة الثور ، وهم ضيوفنا الآن فلنحسن ضيافتهم .
الثريا : السلام عليكم ، مبارك علينا جميعا ً هذه الولادة الجديدة .
الشمس : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، مرحبا ً بكم جميعا ً تفضلوا إلى الداخل .
نجم1: أهلا ً وسهلا ً بكم جميعا ً ، الكون كونكم ، لا تتقيدوا ولاتخجلوا منا أرجوكم ، تفضلوا ، أهلا ً بكم جميعا ً ( تدخل الثريا ).
نجم 2 : ما ذاك النجم ؟ انظروا معي انه قادم من بعيد ، انه يمتلك ضياء خافت ، ياله من مسكين .
نجم1 : (معاتبا ً) آه يا شمس الم تقولين لنا منذ بداية الأمر بأنك لم تبخلي علينا من ضيائك ونورك وأشعتك ؟ وذاك المسكين القادم من له الآن ؟
الشمس : انه ليس ذنبي ، لا تسيء الظن بي أرجوك .
نجم 2: مابك يا صديقي ماذا دهاك ؟ لا تتسرع في إصدار حكمك ، سيأتي ذلك النجم وسيخبرنا بقصته .
الشمس : انا سأخبركم بقصة ذاك النجم المسكين ، إن سبب عتمة ضياءه تكمن في وجود المادة المحيطة حوله ، أي التي ما بيني ومابين أشعتي التي تصله مني ، فتلك المادة تجعله أكثر خفوتا ً مما هو عليه في الواقع.
نجم 1 : وممَ تتكون تلك المادة ؟
الشمس : تتكون من كميات من الغازات والأتربة الكونية ، فتشكل الأتربة نسبة 1% من المادة الموجودة مابين النجوم ، أما ألـ 99% المتبقية فهي من الغازات المنتشرة مابين النجوم .
نجم2: اغلقوا الموضوع انه وصل .
نجم 1 : مرحبا ً بك ، مالي أراك حزينا ً مهموما ً هكذا ؟
الدب : الم تـَر حالتي ؟ الم تر هذه السحب المحيطة بي من كل جانب ؟
نجم 1 : آه نعم لقد لاحظنا ذلك وقد حدثتنا الشمس عن هذه الظاهرة .
الشمس : لا تقلق يا نجم الدب ستستغرق فترة من الزمن حتى تتخلص منها ، فستذهب عنك هذا الغمامة بعد مرور الوقت الكافي لذلك .
الدب : نعم ولكن حظي العاثر جلب لي هذه الغمامة ومع وقت حفلكم بالذات ، فكنت أتمنى لو اني كنت أكثر ضياءا ً مما كنت عليه سابقا ً حتى أكون براقا ً في حفلكم هذا .
الشمس : كفاك حزنا ً . . . أرجوك نحن في حفلة .
الدب : حسنا ً . . سأدخل مع المحتفلين .
( يزداد ضجيج الضيوف بأصوات التهاني فيبدأ الحفل في الكون ، ومن ثم تعتلي الشمس مكانها وتكلم الضيوف)
الشمس : أيها الضيوف الكرام ، باسمكم جميعا ً نبتديء بهذا الحفل الذي لم نشهد مثله منذ ملايين السنين ، وهو حفل ولادة نجمة صغيرة جديدة ، تزيد بضيائها السماء جمالا ً ، وسبحان الخالق الذي خلق الكون من غير عمد ، حيث قال تعالى : ((رَفـَعَ السماواتِ بغير ِ عَمَدٍ ترونها ثم استوى على العرش وسَخَرَ الشمسَ والقمرَ كـُلُ يجري لأجل ٍ مسمّى يُدَبِرَ الأمرَ يُفـَصِلُ الآيات لعلكم ُ بلقاء ربكم توقنون ))
((تتصاعد أصوات كلمات التهاني بمناسبة المولود الجديد مع تصاعد موسيقى الاحتفال ))
*** سِتار***
تمت في/ كانون الثاني/2006
ذوالفقار خضر
********************************
مسرحية (( الصوت الأصفر))
تأليف : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخصيات المسرحية : الشاب / وتغلب علية علامات اليأس والإنهاك لما يعانيه من حالة نفسية سيئة.
: المتشرد/ كبير السن ، متطفل ، ممسوخ من شدة عذابه وعدم حُسن تصرفه في
علاقة اجتماعية ـ عاطفية .
منظر المسرحية : فضاء هيولي اسود ، تحوم في سمائه كتل ضبابية ، وفي الوسط كرسيان خشبيان
يمتلكان ارتفاع شاهق في قوائمهما ، وتلك القوائم عبارة عن أغصان شجر متشعب ومتعرج
ومتيبس ويستقر في قمة القوائم التي تزيد طولها طول الشخصيات بضعفٍ مقعد الكرسي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشهد 1
( الشاب جالس على الأرض بشكل مقلوب وفوقه كرسي، أي إن الكرسي جالس على الشاب ، ولكن أثناء بداية المسرحية وسماع صوت الموسيقى ينهض الشاب تدريجيا ً ويستمر في معاناته ويجسدها من خلال الرقص التعبيري أو الـdrama dance , ثم يدخل المتشرد) .
المتشرد : مالك تعاني كعادتك ؟ يمكنني مساعدتك ، يمكنني تخليصك من هذه الحالة المزرية التي انت فيها دائما ً
الشاب : أرجوك دعني وشأني لا ترغمني على تذكر الماضي مرة أخرى .
المتشرد : اعلم يا فتى أن الماضي يفيدك في تجاربك التي في الحاضر .
الشاب : لا حاضر لي ، فأيامي كلها ذكريات كلها ماضي .
المتشرد : لكني أحب مساعدتك .
الشاب : لا يمكنك ذلك ، لا اعتقد انك مررت بما مررت به , ولا اعتقد أن هناك شخصا ً مر بما مررت ُ أنا به.
المتشرد : اعلم بما مر بك ، فانا أراقبك منذ زمن ٍ طويل , والى هذا اليوم أنا أراقبك .
الشاب : كيف تراقبني وأنت طـَوال وقتك متشردا ً متسولا ً مابين الطرقات .؟
المتشرد : لا .. فأنا أراقبك .. وأراقب حتى أمثالك .. وأراقب حتى هي ..
الشاب : أرجوك .. لا تذكرها أمامي ,,
المتشرد : لماذا ؟
الشاب : عندما أذكرها تجعلني .... تجعلني اندم .
المتشرد : وعلام الندم ؟
الشاب : ( صمت)
المتشرد : عليك أم عليها الندم ..؟ اجبني .
الشاب : علينا سوية .
المتشرد : اقلق على نفسك .
الشاب : لا يـُهـِــم .
المتشرد : بل يهم بأن تقلق على نفسك .. فلا تنفــعـُك شيئا ً .
الشاب : من لا تنفعني بشيء ؟
المتشرد :هي .
الشاب : لا ... إنها تنفعني .
المتشرد : بماذا تنفعـُك أيها الغبي ؟
الشاب : ((مترددا ً)) تنفعـُــني ... يكفي بأنها تنفعني ..
المتشرد : نعم صدقت .. تنفــعـُــك بشيءٍ واحدٍ .
الشاب : ماهو ! ؟
المتشرد : تنفعك بضررها لك .
الشاب : ماذا تعني .
المتشرد : إنها تضرك .. وأنا معتاد ٌ من يضرني بشيء استغني عنه .
الشاب : وما علاقتك بي حتى تقارن نفسك بي .. . ؟ أرجوك بلا ثرثرة . دعني وشأني . واذهب من هنا .
المتشرد : لا .. لا. أنا لا أحب أن أرى رجلا ً طموحا ً مثـلـُـك لا يحب الحياة من اجل ِ واحدةٍ قد سلبت قلبك ببرود.
الشاب : لا تقل هذا فهي تحبني .
المتشرد : ( يضحك) تحبه ... عندما كنت بمثل عمرك عرفت ما هو معنى الحب . ، الحب خدعة ، الحب أكذوبة ، الحب هو الذي أوصلني إلى هذه الهيئة .
الشاب : هذا لديك .
المتشرد : إذا ً لديك أنت أيضا ً ..
الشاب : كيف ؟
المتشرد : بما أنك إنسان وأنا . . . . . ، فلكلانا نفس المصير .
الشاب : لا تصدع رأسي بفلسفاتك يا متشرد .
المتشرد : انك لا تستطيع مواجهة الواقع ، فالذي يمر بمثل هذه الحالة يكون خاويا ً لا يستطيع مواجهة حتى ذاته
الشاب : لا ..لا أظن هكذا .
المتشرد : بل هكذا لا تكذب على نفسك .
الشاب : لا أدري .. لا أدري . فأنا ضائع .. ضائع ، لا أجد في نفسي أيُ قرار والمشكلة أنها تعلم بأني أحبها ، ولا أستطيع حتى الكلام ، فعندما تمر من أمامي ..
المتشرد : (يقاطعه باستهزاء ) نعم أكمل يا روميو .
الشاب : أرجوك لا تستهزئ بي ، فعندما تمر من أمامي لا اعرف لماذا أتوقف عن عملي .. فان كل جسمي يتوقف عن الحراك ، وحتى لساني لايمكن أن ينطق بكلمة واحدة وحتى ولو لحرفٍ واحد.
المتشرد : وهي تمر من أمامك دون أي ارتباك .
الشاب : نعم .
المتشرد : هذه هي أنانية المرأة.
الشاب : لا اعرف بماذا توصف .
المتشرد : إذا ً هل تعرف مصيريكما ؟ كيف نهايتكما ؟
الشاب : لا اعرف .
المتشرد : بل تعرفه .
الشاب : كيف ؟
المتشرد : أنت مجرد عاملٍ بأجرك اليومي ، وهي بنتُ أعظم أثرياء المدينة.
الشاب : وما يعني هذا شيء ، فالحب .. الحب وحده يكفي (يقولها دون قناعة ) .
المتشرد : هذه خرافات وأساطير ، أي حب ٍ أيها المسكين ؟ إذا ً أنت تحبها لمالها .
الشاب : لا .. لا انك واهم .
المتشرد : إذا ً هل فكرت بأن تكلمها وجعل نفسك كذاك الذي قال :
وما حب ُ الديار ِ قد شـَغـَفَ قلبي
ولكن حـُبَّ من سكن الديارا
الشاب : أرجوك ، كفاك تسلية ً بعذابي .
المتشرد : انتبه لما سأقوله لك .. هل تريد أن تتخلص مما أنت عليه ؟
الشاب : طبعا ً ..كيف ؟
المتشرد : انساها فلا يمكن جمعكما معا ً .. فمن أنت ومن هي ؟
الشاب : لا أستطيع .
المتشرد : تبا ً لجوليت وسحقا ً لعبلة والويل لبثينة والهلاك لعزة والموت لليلى .
الشاب : ولماذا لا تقول تبا ً لروميو وسحقا ً لعنتر والويل لجميل والهلاك لكثير والموت ..الموت لقيس.
المتشرد : لا ..المرأة فداءٌ للرجل .
الشاب : لا .. الرجل فداءٌ للمرأة .
المتشرد : لا تشاكسني هكذا , فبماذا أفادك اولآئك المجانين المهوسين بالحب ؟ الم تقل لنفسك إنهم مجرد بقايا من ماض ٍ مزيف ٍ لعاطفةٍ مزيفة ؟ هل سألت نفسك ذات مرة لِمَ أنا هكذا ؟ أسألت نفسك هل هي مجنونة بي كما أنا مجنون بها كما تدّعي أنت ؟
الشاب : نعم ولكن لم أجد جوابا ً لأسئلتي .
المتشرد : أنا سأجد جواباً لكل أسئلتك ، فانا اكبر منك بأكثر من نصف قرن ، فأنا مررت بالكثير من التجارب منها العاطفية ُ بالأخص وبالدرجة الأهم ، ولهذا وضعت هذه القوانين التي ستكون قانونا ً لكل الرجال ، قانونا ً لكل من يعاني من شيء اسمه امرأة ، قانوناً لكل رجل يريد التعامل مع النساء بالصورة التي تجعلها مستقيمة ً معه .
الشاب : وهل هذه وسيلتـُك الوحيدة ؟
المتشرد : غايتي تبرر وسيلتي ، والغاية ُ تبررُ الوسيلة .
الشاب : وماذا في كتابك ؟
المتشرد : نصائح ، انتبه البند الأول يقول : (( إذا أردت أن تخدعها فخاطب عواطفها ولا تخاطب عقلها )) ، البند الثاني : (( اجعلها تعتقد أنها تفهمـُـك بطريقة واحدة وهي أن لا تفهمـُـها شيئا ً )) ، البند الثالث : (( ملابسك أهم من أفكارك وصديقتك أهم من أرسطو )) .
الشاب : أرسطو ؟ ! ، وهذا بماذا ينفعني ؟
المتشرد :ينفعك الكثير .
الشاب : ولكن لا ينفعها .
المتشرد : قلت لك أنها لا تنفعك شيء ، ولا يمكن جمعكما معا ً .
الشاب : ولكن كيف تجنبني من هذا العذاب ؟
المتشرد : موجودة ُ الطريقة ُ في هذا الكتاب ( يشير إلى عقله) ، استمع لهذا البند : (( إن امنع حصن يحتمي فيه الحبيب من حبيبته هو النسيان . . فإذا كان النسيان يكرهه . . فان جميع الحصون في هذا العالم لن تحميه .))
الشاب : ولكن كل وسائلك هذه ظالمة .
المتشرد : ظالمة لك أم لها ؟
الشاب : لها طبعا ً .
المتشرد : قلت لك منذ البداية المهم أنت لا هي ، والمهم الغاية كيف تكون .
الشاب : يبدو انك على حق ، فلا يمكن جمعنا معا ً ، هناك فارق ُ كبير فأنا مجرد ُ عامل ٍ في اجري اليومي وهي بنت أعظم الأثرياء .
المتشرد : إذا ً انساها .. انساها .. واتركها حتى لو كانت تحبك .. اتركها اتركها .
الشاب : اتركني أرجوك .. غادرني .. لا تزيد ألآمي ألما ً ..
تتصاعد الموسيقى بينما المتشرد ينسحب برقصة كيروكرافية خبيثة .. والشاب يعاني مرة أخرى كعادته .. ويرسم معاناته من خلال رقصاته الطقوسية
مشهد 2
الشاب يتعب من شدة معاناته السابقة فيستكين ويتكور حول جسده ..تخفت أصوات الموسيقى .. يدخل المتشرد أثناء معاناة الشاب .. ويراقبه للحظات .
المتشرد : ماذا بك ؟ هل عملت على نصيحتي .؟
الشاب : لقد وجدت النسيان يكرهني ولا يطاوعـُني .
المتشرد : أوهم نفسـَـك بان النسيان حليفك .
الشاب : لا أستطيع ، فعندما أريد أن انساها أتذكرها .
المتشرد : انساها .. انساها .. أنساها.
الشاب : صوت هذه الكلمة كاد يقتلني .
المتشرد : إذن أصبح النسيان حليفها هي .
الشاب : لا أدري . . . لا أدري الآن كيف أتصرف .
المتشرد : أصبح لك الآن عدوان .. النسيان وهي ..وهذا مضرٌ بك .
الشاب : كيف ؟
المتشرد : كنت لا تقوى على مقاومتها لوحدك ، فكان من الممكن أن تقاومها لأنك كنت مسلحا ً بالنسيان .
الشاب : وإذا كان النسيان حليفها .؟
المتشرد : اقتلها .
الشاب : (ينتفض) ماذا تقول أيها المجنون .؟
المتشرد : مابك هكذا انتفضت هلعا ً غاضبا ً ؟ اقصد اقتل النسيان .
الشاب : اقتل النسيان ؟
المتشرد : بخلاصك منها إلى الأبد .
الشاب : اذهب من هنا أيها المتشرد المجنون.
المتشرد :أنا ذاهبٌ ، ولكن تذكر ما قلته لك ... إذا لم تتخلص منها فسوف تتخلص هي منك .( يغادره)
الشاب : اذهب دعني وشأني .. أرجوك .. ياله من مجنون يريد مني أن اقتلها لكي انساها.. ولكن هذا قدري .. أن أتعذب من اجل امرأة .. متى انساها ؟ .. متى انساها ؟.... هل هو على حق .. أم .. أم هو على حق نعم . ماذا ؟!! لا .. لا انه مجنون يريد مني أن أكون قاتلا ً ... كيف انساها ..كيف ؟
صوت للمتشرد ولكن بصورة قبيحة: الوسيلة الوحيدة هي تلك الوسيلة ، وغايتك هي نسيانها .
الشاب : ولكن ليس بالقتل الوسيلة الصائبة .
المتشرد : ( يظهر على المسرح ) الغاية ُ يجب أن تصلها بشتى الوسائل ..النسيان يجب أن تصله حتى لو بقتلها .
الشاب :لكن لماذا بقتلها ؟ أيوجد شيء آخر غير القتل .؟
المتشرد : لا يوجد شي ٌ آخر فلا يمكن أن تنساها وهي على قيد الحياة .. فلا بد انك في احد الأيام ستراها ثم يهيج قلبك بعد بروده الصعب فتكون يائسا ً بائسا ً طوال عمرك ياغبي.
الشاب : الم اقل لك بأنك مجنون ؟
المتشرد : أنت المجنون لأنك لا تعرف معنى الجنون الحقيقي .
الشاب : وما معنى الجنون الحقيقي ؟
المتشرد : الجنون هو أن تترك نفسك في الهلاك , فكان بمقدورك تخليص نفسك من عذابك .
الشاب : كيف ؟
المتشرد : حسنا ً .. سأتركك هنا حتى تعي ما سأفعله .
الشاب : ماذا ستفعل ؟
المتشرد : سأتركك .. أتركك فقط .
الشاب : آآه يا الهي ,, لماذا أنا هكذا ؟ ما الذنب الذي جنيته ؟
المتشرد : ذنبك الوحيد هو انك أحببت .... أحببت دون تفكير .
الشاب :ولكن كان ذلك خارج نطاق إرادتي .
المتشرد : دعنى من هذه الثرثرة .. فانا أتكفل في إنقاذك .
الشاب : إنقاذي ؟ !
المتشرد : نعم دع الأيام بيني وبين النسيان .( يغادره)
الشاب : ( مهلوسا ً يتمتم) أنا لا أحب .. الحب خدعة .. الحب أكذوبة .. كما وصفها متشرد .. ( يضحك ) ماذا دهاني ..؟ ( يتحول الضحك إلى نـَحيب) ماذا دهاني ؟ أأكذب على نفس ؟ أأكذب حتى على نفسي ؟ (تتصاعد موسيقى صاخبة) أين أنا من هذا العالم أيـــــن ؟
مشهد 3
المتشرد صامتا ً ... بينما الشاب منتظرا ً منه أن يكلمه
الشاب : ماذا بك ؟ إنها ليس من عادتك أن تكون صامتا ً ... إنها ليس من عادتك أن لا تـُـثــَرثر.
المتشرد : لاشيء أنت الآن حــُر..
الشاب : مالك تتكلم ببرود ؟ ماذا تعني .؟
المتشرد : أنت حر .. وهذا يكفي .
الشاب : ماذا تعني ؟
المتشرد : اعني ما اعنيه .
الشاب : قف .. وما هذه قطرات الدم التي على ثيابك ؟
المتشرد : إنها دماء النسيان .
الشاب : ماذا تقول ؟ دماء النسيان ؟! هل أنت تهذي ؟ .. هل أنت مجنون ؟ وضِح بسرعة قل لي من قتلت أيها المجنون ؟
المتشرد : أنا قاتل . . نعم . . وهذه هي وسيلتي .. وغايتي هي .. إن بقتلي هذا ساهمت وشجعت للحصول على الطمأنينة والنسيان للطرف المقابل .
الشاب : وضح ماذا تقول .؟
المتشرد : وهل أوضح أكثر مما واضح ٌ لان .؟
الشاب : بدأت ترعبني .
المتشرد : حسنا ً .. قتلت النسيان وحليفته .
الشاب : ( بذهول ) مـــــــــن !؟
المتشرد : لأجلك لكي تعيش حياتك حرا ً.
الشاب : ( ينتفض لكي يضرب المتشرد ) الويل لك هل قتلت من أُحب ؟
المتشرد : ( يضحك ) لأجلك لكي تنساها فلن تكن موجودة ً بعد الآن .
الشاب : وهذه الجريمة كيف انساها ياغبي ؟ ( يضرب المتشرد )
المتشرد : يبدو انه لا فائدة معك .
الشاب : تباً لكتابك .. تبا ً لدستورك .. تبا ً لقوانينك التي نظمتها لي .
المتشرد : ( ينزعج) لا تقل هذا فسوف تثيرني غضبا ً .
الشاب : هل هذه الغاية التي أوصلتني لها أيها القاتل التافه ؟( يواصل في ضرباته المتقطعة)
المتشرد : ستجبرني على أن أكون عدائيا ً .
الشاب : وهل فيك عدائية أكثر من هذه ؟
يضربه فيتصارعان .. ثم يخرج المتشرد الآلة التي قتل فيها المرأة فيطعن بها الشاب في قلبه فيسقط الشاب صريعا ً ... ويواصل الطعن في قلبه بحالة هستيرية ،، فيستمر بالطعن للشاب الطريح أرضا ً
المتشرد : تبا ً لهذا القلب الخارج عن سيطرة عقل صاحبه .. ( يواصل الطعن ) هذه الطعنة ُ لك وهذه لها .. وهذه الطعنة لقلب روميو .. وهذه الطعنة لقلب عنتر .. وهذه لقلب قيس .. وهذه لقلب جميل ....وهذه قلب كثير ..كلكم أكذوبة .. كلكم ضحايا الوهم ...ضحايا .. ضحايا ..ضحايـــــــــــــا ....
((ويـــــــــــــــواصــــل الطــــــعـــــــن ))
********************** تمت في / مارس / 2005
********************************
مسرحية ( و . هـ . م )
سيناريو لمسرحية تعبيرية راقصة (كيروكرافية)
سيناريو وتأليف : ذوالفقار خضر
هذه المسرحية عرضت في مهرجان بابل الاول للفنون في 11ـ14/12/2006 وحازت على جائزة أفضل إخراج وكانت من كيروكراف / إخراج : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مبرهنة ( 0 ) :
مُتنا البارحة . . . نموت اليوم . . . سنموت غدا ً . . . نتيجة أكل بعضنا للآخر .
حتى لو لم نمت سيقتلنا الأمل الكاذب الذي جاءنا به المترفون .
المعطيات :
كرسي الحكم ، حياة ٌ مُترفة ، رواتب ضخمة من الدولارات ، حياة المواطن ، قتل ، تفجير .
المطلوب إثباته :
لن يدعونا نعش بسلام
البرهان :
بما ان الكرسي + حفنة من الدولارات = حياة مترفة
بما ان حياة المواطن توازي التفجيرات + القتل
إذن الحياة المترفة تتقاطع مع حياة المواطن
إذن التصقوا بالكرسي فتركوا المواطن يُدَبـِرُ حاله
إذن تعددت الاحزاب ... والكرسي واحدُ
( و . هـ . م )
* الإثبات الذي أراد أن يثبته المؤلف *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سيناريو مسرحية ( و . هـ . م )
عِدة أشخاص يتسللون إلى المسرح كتسلل القطط إلى المطابخ .. تقود حركاتهم إيقاعات الموسيقى التي بدورها تقود حركة أجسادهم وأقدامهم ..
شخص يدخل من يسار المسرح ويخرج من يمينه ..
وشخص يدخل من يمين المسرح ويخرج من يساره ..
وشخص يدخل من عمق المسرح ويذهب إلى مقدِمته ... يرى الجمهور فيتفاجأ ثم يركض إلى مكانه و يخرج من عمق المسرح ...
يكون مسيرهم بشكل خطوط مستقيمة عشوائية الاتجاه متقاطعة وتستمر حركة الدخول والخروج إلى دقيقتين تقريبا ً ...
ثم يخلو المسرح بعدها لترك فترة الصمت تأخذ لغتها ومكانها لفترة قصيرة ...
يدخل شخصٌ مسرعا ً من جهة يسار المسرح ينادي إيمائيا ً لأصحابه ثم يدخلون متسارعين احدهم مرتطما ً بالآخر...
يقفون أمامه لكي يجسد ما رآه ويمثله أمام أعينهم فيقوم بتمثيل دور التمثال الذي وضع في ساحة ما وسط العاصمة ...
وهذا التمثال رافعا ً يده اليمنى لكي يُحيي كل من يسير تحته وكذلك رافعا ً انفه لإظهار نرجسية صاحب ذلك التمثال ...
يقف ذلك الشخص جامدا ً في مكانه ويصاحب وقوف (الشخص) موسيقى للنشيد الوطني العراقي السابق لفترة ما بعد 9\4\2003 ...
بعد فترة يسقط الشخص (التمثال) تدريجيا ً مع محافظته على هيئته المتحجرة كأن شيء قوي يسحبه من اتجاه واحد ...
يندهش اشد الاندهاش أصحابه الذين يروي لهم أحداث قصة ما رآه ... أثناء سقوط التمثال تـُمسَخ وتتشوه إيقاعات ذلك النشيد الوطني ...
يزداد الاستغراب وعدم التصديق الناتج من أصحابه لأنهم لا يصدقون ما تراه أعينهم ...
يسقط الشخص ( التمثال) كليا ً على ارض خشبة المسرح ... فتهفت موسيقى النشيد الوطني
... لحظة صمت ...
يبتهج الأشخاص الواقفون ... يقفزون ويرقصون فرحين ... بينما الشخص ( التمثال ) باقيا ً على نفس حالته المتحجرة ، طريحا ً على ارض المسرح ... ثم يحمل الأشخاص الشخص المتحجر الطريح ( التمثال ) ليخرجوه من جهة يسار المسرح
... لحظة صمت ...
يدخل الأشخاص من كل جهةٍ من جهات المسرح وكل منهم يحمل لافِتة خشبية مثبتة بساق ٍ خشبيةٍ طويلة مقاربة لطول الشخص الذي يحملها .. مصاحبة لهم موسيقى حماسية وأصوات واقعية لأصوات مظاهرة لعددٍ كثير من البشر ..
تلك اللافتات الخشبية تحمل ألواحها كلمة واحدة .. فواحدة مكتوب عليها نَستـَنكر .. وأخرى مكتوب عليها نـَشجُب... وأخرى مكتوب عليها نؤيد .. وأخرى نـُعَزّي ... وأخرى نـُطالب .. وأخرى نـُهَنيء ..
يتظاهرون بحركة راقصة تعبيرية ( كيروغرافية ) وهم حاملون للافتاتهم التي من خلالها يوضحون ما بداخل أنفسهم .. يزداد الضجيج على خشبة المسرح ... وخلال ذلك الضجيج ينزل كرسي من سقف المسرح ( يكون ذلك مرتباً بحيلةٍ مسرحية) .
يكون نزول ذلك الكرسي بهدوء ... فينتبه إليه المتظاهرون بعدما يتوسط الكرسي فضاء المسرح .. فتهدئ تظاهرة المتظاهرون ...
المتظاهرون يكفون عن الحراك بينما تبقى لافتاتهم شامخة ... ثم يستمر الكرسي بالنزول حتى يستقر على ارض خشبة المسرح
... فترة صمت ... تـُـنـَكـَسُ لافته تلو الأخرى... وينظر كل واحد من المتظاهرين في وجه الأخر ...
يتقدمون جميعا ً نحو الكرسي ... يسيل لـُعاب المتظاهرين
... لحظة صمت ...
تـُسمع ضربة موسيقية إيقاعية عالية ... يتقدمون نحو الكرسي بخطوة كبيرة لكي يتهيئون للهجوم عليه ولإمساكه ولحضنه ... يقتربون من الكرسي أكثر ... ينظر كل واحد منهم في وجه ألآخر محاولين معرفة من الذي سيحصل على الكرسي أولا ً ...
يتفقون على أن يعقدوا صـَفقة ما ... وذلك الاتفاق يتم من خلال تكوينهم لحلقة مغلقة فيما بينهم ... بعدها ينتشرون ليشكلون حلقة كبيرة مغلقة حول الكرسي ... فيتمركزهم الكرسي و يكون وسطهم ... بعد فترة صمت وجيزة تسمع ضربة موسيقية عالية أخرى تشبه تلك التي سبقتها ... يبدأ عندها الأشخاص بالركض حول الكرسي للحظات ... فيلعبون لعبة الدوران حول الكرسي ومع صمت الإيقاع يتسابقون على من يحصل على شرف الجلوس على ذلك الكرسي المَـقيت ... يلعبون تلك اللعبة التي يلعبها الأطفال ... فكلما يفوز شخص منهم في الجلوس على الكرسي ينزعج ويغضب الآخرون ... و يقومون بقلع ذلك الجالس على الكرسي رغما ً عنه ... ثم يعود الجالس إلى السباق مرة أخرى لأنه لا يملك أي خيار آخر ...
فيرجع الأشخاص مكونين لتلك الحلقة حول الكرسي لاستعدادهم لجولة أخرى في اللعبة ...
يبدأ الإيقاع فيركض الكل بنفس الاتجاه حول الكرسي ومع صمت الإيقاع يجلس شخص آخر ...يغضب الأشخاص الآخرون لجلوسه فيقتلعونه من الكرسي رغما ً عنه هو الآخر ... فيرجعون مكونين لتلك الحلقة ثم يبدأون في الركض حول الكرسي وللمرة الثالثة ومع صمت الإيقاع يتراكمون جميعهم فوق الكرسي
... فيغضب الجميع ...
لأنهم لن يفوزوا وحدهم ... أي أن الشخص الفائز لم يفوز بمفرده ... فهناك شخصا ً آخر شاركه بذلك الفوز ... يتركون الكرسي لينشغلون بالشِجار فيما بينهم ...
يتصارعون برقصة تعبيرية (كيروغرافية) ...
أثناء ذلك الصراع ينسحب الكرسي نحو جهة يسار المسرح – ويكون انسحابه بحيلةٍ مسرحيةٍ ما - ... فينتبه المتظاهرون المتشاجرون فيما بينهم إلى الكرسي ،
يقف الكرسي ... يركضون إليه فيشكلون بأجسادهم شكل يوحي ويرمز إلى شكل دراجة هوائية ... تسير تلك الدراجة الهوائية المتكونة من أجساد المتظاهرون ... يزيدون من سرعة حركتها الثابتة ... تتفكك وتنفجر الأجزاء ألمكونه لتلك الدراجة الهوائية ...
ثم يزحف احد الأشخاص ليستولي على الكرسي المزعوم ... ولكن الكرسي يفلت من يده ... فالكرسي عاد معلقا ً في الفضاء كما كان في حال نزوله ...
يصمت الجميع من شدة دهشتهم ... خوفا ً من ضياع الكرسي منهم ... يستقر الكرسي في تعليقه في فضاء المسرح فلا يمكن حينها بأن يمسكه احدهم أو حتى ليلمسه ...
يبدأون بالتجمع تحته والحَوم تحته ... فيتحاشرون ويتراصـّون فيما بينهم آملين بأن ينزل إليهم الكرسي في أي لحظة .
.. يرفعون أيديهم تضرعا ً ... متأملين من الكرسي مطالبين منه بأن ينزل لهم ... ومن شدة يأسهم يبدأون في القفز اللاإرادي من تحت الكرسي لبلوغ ذلك الكرسي المتعلق فوقهم ... ولكن لا يستطيعون رغم قفزاتهم العالية ...
ثم تتحول قفزاتهم باتجاه الكرسي إلى طائر عملاق ضخم يطير إلى الأعلى باتجاه الكرسي ... فيتجسد ذلك الطائر بواسطة أجسادهم وبواسطة قطع القماش الملونة الكبيرة الموجودة من ضمن سينوغرافيا العرض المسرحي ...
يبدأ ذلك الطائر الكبير الشبيه بالعنقاء بالطيران نحو الكرسي ...
فيكون طيرانه في مكان ثابت رغم حركة جناحيه العملاقين ...
يتسارع تخفيق الجناحين مع تصاعد أصوات الموسيقى ... يبدأ ذلك الطائر العملاق بالتعب من كثرة لحاقة وراء الكرسي العائِم في الفضاء ... يتفكك وينتشر الأشخاص المكونين لذلك الطائر ... ثم ينتشرون على المسرح وسرعان ما يتجمعون ليرقصون رقصة طقوسية تحت الكرسي عسى أن تـُقنِع الكرسي للنزول ... كإقناع الغيوم لإدرارها المطر ... يتعَبدون تحت الكرسي برقصات طقوسية شيطانية .. ((إظلام المسرح))
تتغير الموسيقى من موسيقى إيقاعية طقوسية إلى أصوات واقعية لسوق شعبي لبيع الخضروات والفواكه .. فالبقالون والمتجولون في السوق الشعبي هم أشخاص يرتدون وشاحات بيضاء تغطي ملامح وجوههم ... البقالون يزاولون عملهم بصورة حركية بطيئة ورتيبة الإيقاع مصاحبة لتلك الحركات أصوات واقعية لسوق شعبي ... منها أصوات العربات وأصوات ضجيج الناس وأصوات وقع خطى المتسوقون ، وأصوات البقالين الذين يعلنون بفواكههم وخضرواتهم فهناك صوت يصيح : هذا البيذنجان ... اسود وگلب ابيض . بينما الآخر يصيح : هذا الخِيِار اخضر وريّان يخيار .. وصوت لبقال ٍ يبيع الرقي :هذا الركي ... عالسچين يركي .. احمر مجَرِش يركي ... وآخر يبيع الطماطم : حمرة وقوية طماطة الولاية ....فتتعالى تلك الأصوات الناطقة بترغيب المُشتري لشراء البضاعة وتستمر تلك الأصوات لمدة تصل إلى خمسة دقائق تقريبا ً ... ثم لحظه يقطع صوت البقالين صوت لانفجار ٍ مُدَوّي ...
فيملى فضاء المسرح بالدخان الكثيف فينتشر الأشخاص الذين كانوا موجودين في السوق متناثرين مكونين تشكيلات جسمانية توحي لِتيبس الأجساد من شدة مساسها للنار ...
هناك جثة مرمية على يمين المسرح .. وهناك على يساره ... وهناك على وسطه ، وهكذا .... فلا يوجد ركن على خشبة المسرح إلا وعليه جثة أو جريح يئن من شدة تهشيمه ،... تتهافت الموسيقى الحزينة ... ثم إظلام للمسرح .
((انتقالة إلى الأشخاص الموجودين تحت الكرسي ))
الأشخاص المتواجدون تحت الكرسي المرتفع في فضاء المسرح يواصلون تذرعهم وتعبدهم للكرسي ....
احدهم يسمع صوت الانفجار فيشرح لهم ما سمعت أذنه ... يكف الجميع عن مناداة الكرسي لفترة قصيرة ثم يلتفت احدهم إلى وجه الآخر فينظرون بحركات إيمائية تشير إلى اللامبالاة لما حصل في الخارج ... فيستمرون بحركاتهم الطقوسية والتعبُدية للكرسي ...
يبدأ الكرسي بالنزول .. يجلس عليه احدهم وبصورة سريعة ... يقتلعه الآخرون بقوة ... يتفق الأشخاص فيما بينهم ... فينفرد بهم شخص ويصعد على منبر لكي يلقي بخطبته على مسامع السامعين من حوله والمنافسين له في الحصول على لحظات من الجلوس على ذلك الكرسي المشؤوم ... فالمنبر الذي صعد عليه الخطيب يُجَسَد من خلال شخص آخر ..
يصعد الخطيب على الجسد الذي يأخذ بوضعية جسمانية توحي إلى انه منصة أو منبر ما ... ينتهي الخطيب من خطابه وينزل من المنبر ويصفق له الآخرون ... ولكن ببلاهة وغباء وعدم فهم مما قاله ... فيأخذ مكانه خطيب آخر وأثناء أداءه لأول حركة إيمائية تشير إلى انه سيبدأ بقراءة ألخطابه يقوم المتظاهرون بالتصفيق له بحرارة وغباء وعدم إدراك ... فيضطر إلى النزول ويأخذ مكانه خطيب آخر .... وهكذا ..
ثم الكل يتجه وينتقل إلى منصة الخطيب أو المنبر فيلقون بخطبة جماعية ..
بينما لا يسمعهم احد ..!
لان الكل قد صعد على منصة أو منبر الخطيب . .
بعد إكمال الخطابة الإيمائية يركضون مسرعين إلى مكان الجمهور لكي يصفقون بحرارة وغباء لما قالوه على أنفسهم من خطابة فارغة ....
وفي هذه الأثناء وهم منشغلون بإلقاء خطبهم على بعضهم البعض ينفرد أحدهم فيتجه إلى الكرسي خِلسة ً ... فيخرج من جيبه علبة ( صمغ ) ويبدأ بسكب مادة الصمغ على مقعد الكرسي حتى دهن سطح المقعد بالكامل ... ثم يجلس عليه مرتاحا ً وغير مصدقا ً ... لأنه قد التصق بكرسي الحكم ! ... ظنا ً منه بأن لا أحد يمكنه إزاحته عن الكرسي أبَدَ الدهر ...
ينتبه له الجميع فيستغربون لجلوسه المفاجيء .... فيأتيه أحدهم .... مطالبا ً منه أن يتنحى عن مكانه .... فيرفض الجالس على القيام ... يكرر طلبه مرات عديدة لأنه لا يعلم بأنه يكلم شخصا ً ملتصق بالكرسي وبمادة صمغية ....
يرفض الجالس على الكرسي بالقيام منه ...
يطلب الشخص الواقف المساعدة من أصدقاءه لكي يقتلعون الجالس عن كرسيه ... فقاموا جميعا ً لمساعدة بعضهم البعض لقلع ذلك الجالس على الكرسي ...
تنقسم المجموعة إلى مجموعتين , مجموعة ماسكة للكرسي والمجموعة الثانية ماسكة بالشخص الجالس على الكرسي ...
فينسحب الكرسي عن الجالس عليه ولكن بقوة ... ولكن من غير فائدة ...
فمن شدة السحب يرتفع الكرسي والشخص الجالس عليه في الهواء .... مما يرمز إلى القوة الساحبة والى قوة المادة الصمغية الملتصقة بالكرسي وبالرجل الجالس عليه ...
وبعد معاناة السحب التي استغرقت عدة دقائق ... ينفصل الشخص عن الكرسي ...
ترتمي المجموعة الموجودة على جهة يسار المسرح على ارض المسرح وفوقها الكرسي ..
أما المجموعة الموجودة يمين المسرح فترتمي أرضا ً وفوقها الشخص الذي كان ملتصقا ً مع الكرسي
... فترة صمت ...
ينهض الجميع ...
الشخص الذي كان ملتصقا ً بالكرسي يتحسس مؤخرته من شدة الألم ... فعندها تكون مؤخرته أمام الجمهور ( المتلقي ) يتفاجأ بلمس قطعة ملابسه الداخلية ... فيذهب إلى الكرسي مسرعا ً فيرى قطعة من بنطلونه ملتصقة لحد الآن على مقعد الكرسي ...
فهذه القطعة تمزقت وانفصلت عن بنطلونه من شدة التصاقها بالكرسي ... والملابس الداخلية تلك تحمل ألوان برّاقة تثير الضحك ....
الشخص الذي ظهرت ملابسه الداخلية أمام (المتلقي) يخرج من المسرح راكضا ً من شدة خجله ... بينما يستمر الآخرون في الشجار فيما بينهم ...
يتصاعد الصراع مرة أخرى ويرجع الأشخاص ليحملوا لافتاتهم الخشبية مع عباراتها التي لا تفي بشيء ...
يصطفون متظاهرين مرة أخرى حول الكرسي فيجسدون ذلك من خلال رقصاتهم التعبيرية ... يستمر الشجار لعدة دقائق ...
تبدأ الموسيقى بالتهافت شيئا ً فشيء ...
يدخل طفل معوق مع عكازه ... مبتور الساق ..
إحدى يديه مضمدة بقطعة من القماش الطبي الأبيض ...
رأسه ملفوفة بقطعة قماش مشابهه... يحمل لافته غير مكشوفة عبارتها للمتلقي ... ينتبه الطفل المعوق لشجار المتظاهرين الذين أصبحوا هم المسئولين ...
بعد فترة وجيزة من تأمل الطفل في وجوه المتظاهرين الجشعين ... المتظاهرون يصمتون .... يتقدم الطفل المعوق أمام الجمهور فيركل بعكازه ذلك الكرسي المَقيت ...
يرميه خارج خشبه المسرح قريبا ً من الجمهور...
ثم يشهر لافتته ويكشفها أمام الجمهور ....
فإذا مكتوب عليها عبارة (( دعونا نـَعِش بسلام ))
... ينهار المتظاهرون ...
فيتساقطون تباعا ً على خشبة المسرح ...
تهفت الموسيقى ...
الطفل المعوق شاهرا ً للافتته ...
بقعة ضوء على الطفل المعوق ...
بعد لحظات ...
... ظلام تام للمسرح ...
** تمت في 24 / 7 / 2006 **
ذوالفقار خضر
********************************
((الموناليزا ... ليست جميلة في كل العيون ))
ـــ سيناريو لمسرحية صامتة / بانتومايم ــــ
سيناريو وتأليف : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
الشخصية : امرأة في نهاية العقد الرابع من عمرها ... ترتدي ثوبا ً اسود ... في تخوف ٍ دائم من تقدمها في السن ... تريد أن تبقى شابة طوال عمرها بشتى السُبــُل.
المنظر : قطعٌ من المرايا منتشرة على جدران المسرح ... وسط بانوراما المسرح ساعة جدارية ضخمة الحجم طويلة العقارب ... تلك الساعة تغطي معظم مساحة البانوراما .
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
المرأة نائمة وسط المسرح ... صوت لعقارب الساعة ... تستيقظ مفزوعة من مكانها...
تتحسس وجهها ... تبدأ بعد تجعدات وجهها ...تصابُ بالإحباطِ ...
تذهب ُ راكضةٌ باتجاهِ إحدى المرآيا ... تخرجُ علبة الماكياج وتبدأ بوضعهِ على وجهها ...
تذهب إلى المرآةِ الأخرى فتتفاجأ لأن صورتها تختلف عن صورة تلك المرآة ، ففي تلك المرآة تكون صورتها لامرأة شابة ، وفي هذه المرآة تكون صورتها لامرأة متقدمة في السن كثيرة التجاعيد ...
تتفاجأ ....
تذهب إلى المرآة الثانية ... تجد نفسها متجعدة الوجه أيضا ً ... بعد فترة من التأمل في وجهها في المرآة ... تدرك بان الماكياج زال أثناء انتقالها مابين المرآتين ، لأنه لايمكنه مقاومة تلك التجاعيد ....
تصاب في الإحباط مرة أخرى ...تذهب يائسة لمرآةٍ أخرى ...
تقف أمامها تتحسس وجهها وجسدها ... تجد نفسها هزيلة الجسد ...
تذهب غاضبة إلى الساعة المثبت على بانوراما المسرح ... تتعامل مع عقاربها الضخمة التي يصل طول احدها مقارب لطول المرأة ...
تحاول إيقاف حركة تلك العقارب ... تكف عقارب الساعة عن الحركة ...
تغادر المرأة الساعة .... ترجع عقارب الساعة لحركتها السابقة والطبيعية ...
ترجع المرأة مقاومة ً لحركة العقارب مرة أخرى ... لكن بدون فائدة , فالزمن يتقدم ...
ترجع متحسِسَة لوجهها و وذبول جسدها ....
تذهب إلى خزانة الملابس .... تقلب في فساتينها ... تغير فستانها الأسود الذي ترتديه ...
تبدأ بتغيير فساتينها ... تحتار في اختيار اللون والفستان المناسب ...
تستعرض أمام المرآة ... فتكثر في تغيير الفساتين ...
ترتدي الفستان الواحد عدة مرات لان الأمر اختلط عليها ...
تتحول عملية تبديل الفساتين إلى نوبة هستيرية ... تتعب من كثرة تغييرها الفساتين ...
تجلس على الأرض لكي ترتاح قليلا ً ...
... لحظـــــــــــــــات ...
... تتفاجأ بأنها باقية على نفس فستانها الأسود ....
تصلب بحالة يأس ... تختلي بنفسها ... تستذكر أيام ماضيها ... تستعرض صور ذكرياتها ...
ترقص مع شخص ما وسط المسرح ... الرقصة مصاحبة لإيقاعات عقارب الساعة التي تغلب عليها رتابة الإيقاع ....
شيئا ً فشيئا ً تتعثر المرأة أثناء الرقص ...
يتحول جسدها إلى جسد امرأة عجوز ، حدباء الظهر ، شعرها أشعـَــث ...
تتوقف عن الرقص ...
تنتبه إلى الساعة ... تذهب إليها محاولة إيقاف عقاربها التي لاتكف عن الحراك ...
تستمر المقاومة لكن لافائدة من ذلك ....
تبحث عن شيء لتربط به عقارب الساعة لكي تمنعها من الحركة ...
تلتجئ إلى شعرها الطويل ... تقص منه خصلة ... تربط بها عقارب الساعة العملاقة ...
الخصلة لا تفي بالغرض ... تقطع المزيد من خصال شعرها ...
يستمر القص للشعر مع ربط عقارب الساعة بصوره همجية ...
تتحول هذه العملية إلى حالة هستيرية ....
بعد عناء طويل تتمكن من إيقاف حركة عقارب الساعة المقيتة ....
ولكن أصبح شكلها مشوّه نتيجة شعرها الذي بات مقصوصا ً بشكل غير نظامي ...
... لحظات ....
عقارب الساعة تقطع خصال الشعر المثبتة بها ..... تنهار المرأة ...
تحاول تثبيت العقارب ...
تتحسس وجهها وتجاعيد ه ... تتحسس ملابسها وفستانها الأسود .... تتحسس شعرها المقصوص ...
تركض إلى إحدى المرايا ... تدرك أنها خسرت كل شيء .... ليس باستطاعتها أن توقف تجاعيد وجهها من النمو والانتشار ....
.... لحظة صمت ....
تخرج لوحة الموناليزا ... تعلقها وسط المسرح .... تخلع اللوحة عن إطارها .... تحدق في وجه شخصية الموناليزا في اللوحة ... تغضب من شدة غيرتها منها .... تمزقها ....
تثبت الإطار الفارغ جيدا ً .... تقف وراءه مقلدة لحركة وابتسامة شخصية المرأة في لوحة الموناليزا .... تقف جامدة ... ولكن شكلها مضحك لأنها لاتشبه الموناليزا .. فأنها مقصوصة الشعر وشاحبة الوجه ومرتدية ً لفستانٍ أسود ....
تقف خلف الإطار كأنها لوحة الموناليزا .... فترة وجيزة ....
.........إظـــــــــــــلام ........
.................................................................................................
انتهت
ذوالفقار خضر
2007 / 9 / 29
********************************
( ما قبل الحرف ... ما بعد النقطة )
سيناريو لمسرحية راقصة ( Drama Dance )
سيناريو : ذوالفقار خضر
توليف : زهير الجبوري
عن نصوص الشاعر العراقي : أديب كمال الدين
في مجموعته الشعرية ( ما قبل الحرف .. ما بعد النقطة )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخصيات المسرحية :
الحرف
النقطة
سينوغرافيا العرض المسرحي :
الحرف .. يكون مخططاً بخطوط عمودية
النقطة .. مخططة بخطوط أفقية
بانوراما المسرح مقسومة إلى قسمين .. جزء مخطط بخطوط عمودية والجزء الآخر مخطط بخطوط أفقية .
ويتوسّط المسرح مكعبان متوسِطا الحجم .
سيناريو العرض :
إضاءة تدريجية ... الحرف في عمق المسرح ... النقطة تنسلخ من الحرف كأنما الحرف قد أولدها .
بعد مخاض ٍ عسير النقطة تخرج من جسد الحرف ....
النقطة تتسلّق الحرف ، النقطة تقوم بأداء حركات خبيثة وهي واقفة على جسد الحرف الواقف .
ـ بعد لحظة ـ النقطة تنزل عن جسد الحرف ... تنسحب و تقف على أحد المكعبين .
الحرف ينسحب أيضاً و يقف على المكعب الثاني .
يبدأ تساؤل ... الحرف يسأل نفسه ... النقطة تسأل نفسها ... وكل واحد منهما واقف على مكعبه ...ِ يقومان بأداء الحركة الراقصة نفسها ، لأنّ سؤال كل واحد منهما هو ( مَن أنا )
بعد تساؤل مرير ( ضربة موسيقية ) ينتبه أحدهما إلى الآخر .
و يكّشرعن أنيابه إلى الآخر .
( ضربة موسيقية ) يظهر شريطان من القماش ... فينزلان من مكعبيهما .
يتبارز ويتشاجر أحدهما مع الأخر بواسطة التلاعب بالأشرطة .
بعد محاولة للهمينة ... النقطة تسيطر على الحرف .
الحرف يسترد قوته بعد سيطرة النقطة عليه .
النقطة تفرض سيطرتها على الحرف فتوقفه عند حده .
النقطة تلفّ القماش على الحرف .. تقيّده .. الحرف يندهش بعد هزيمته
النقطة تشعر بنشوة الانتصار و السيطرة .
الحرف يظهر هامداً في مكانه .. تأتي النقطة إلى الحرف ..( موسيقى هادئة ورومانسية ) .
تتلاعب النقطة بجسد الحرف ... تغيّره كيفما تشاء .. تتحسس وجهه بملامسته .
الحرف يبدو متعباً من شدة صراعه السابق ...
النقطة تغري الحرف بمفاتن حركاتها ... تحاول أن تمارس الطقوس الجنسية مع الحرف ..
الحرف متراخياً ومستسلماً لرغبات النقطة ...يشارك الحرف في هذه الممارسة ... فهي التي تغريه .. تتعهّر النقطة أمام الحرف من شدة لذتها ونشوتها .
( ضربة موسيقية ) ... الحرف يسقط أرضاً ... النقطة تسقط أرضاً ...
الحرف يقف تدريجياً ... النقطة تصحو من نشوتها ... مستغربة ... كئيبة .
يتحول انتصار النقطة إلى انهيار ذاتي مؤقت ، لتستسلم ثانية...
فالحرف هنا الآن يتحكم بإرادة النقطة ... لأنه فـَـضَّ بكارتها ...
النقطة منطوية ... بينما الحرف يظهر فحولته أمام النقطة مستغلاً ضعفها المؤقت ...
يخرج الحرف من التقولب الذي وضعته النقطة فيه ... يتبختر الحرف أمام النقطة ... يبرز رجولته أمامها بأداء راقص ..
( تتغير الموسيقى إلى موسيقى إيقاعية .. طبول ، صنوج، ما شابه ذلك )
الحرف يسيطر على الوضع ...
يجلس على المكعب مجسّداً شخصية ـ أحد الملوك ـ ....
يرغم النقطة على الرقص .. كما ترغمها الموسيقى على ذلك ..
ترقص النقطة أمام الحرف ولكن دون إرادتها ..
الحرف جالسٌ على مكعبه ـ العرش ـ
بينما النقطة أمامه ترقص كأنها ـ جارية ـ
تستمر النقطة في الرقص ... مع تذبذب مهارة الرقص لديها.
ينزعج الحرف ـ الملك ـ لأنّ النقطة لم تمتعه برقصاتها ...
ينهض الحرف وينتفض مسرعاً إلى النقطة ...
بمجرد النظر في عينيها.... ( ضربة موسيقية )
يسترخي الحرف ويهدأ .... وفحولته تخمد ...
إذ النقطة لها مفعول سحري على الحرف ...
استمر الحرف محدقاً في وجه النقطة ...
النقطة تشير بيدها إلى الحرف ... الحرف يتراجع إلى الخلف كأنّ شيئاً ما قد سحبه من الخلف ...
النقطة تشير إلى الحرف بالجلوس ... الحرف يجلس على الأرض بحركة لا إرادية ...
النقط ترفع يدها ... يقف الحرف مسرعاً دون إرادة ...
الحرف مع النقطة يقومان بأداء راقص يظهر تبعية الحرف للنقطة .
( ضربة موسيقية )
الحرف يحاول استرداد قيمته ...
النقطة تنتبه لذلك .. تشفق عليه ... تحاول المصالحة معه لأنها شعرت قد تمرّدت عليه قليلاً ...
الحرف يجلس على المكعب وهو في وضع حائر..
النقطة تجلس على المكعب الآخر مقلدة ً حيرة الحرف ..
الحرف يضع يده على جبينه منكساً رأسه ..
النقطة تضع يدها على جبينها منكسة ً رأسها ...
ينتبه الحرف لما تقوم النقطة من تقليد ٍ له ولحركاته ..
الحرف يغير طريقة جلوسه مختبراً النقطة ..
النقطة تغير طريقة جلوسها تماماً مثل حركة جلوس الحرف ...
الحرف يرفع إحدى يديه ...
النقطة تقلّد حركاته ...
الحرف يتذمر ... ( يصمت فترة .... مفكراً بحيلةٍ ما )
الحرف يؤدي حركة معينة صعبة التشكيل ...
النقطة تؤدي الحركة نفسها.... ولكنها لا تقدر فتسقط أرضاً .
ينفجر الحرف ضاحكاً مستهزئاً بها ....
تقف النقطة لتوازن نفسها ... تنتبه إلى الحرف الضاحك ...
تضحك معه .. تضحك من حالها ....
( موسيقى هادئة ) تــُخلَق حالة ـ ودّية ـ مابين الحرف والنقطة ...
ينتبه الحرف والنقطة لنفسيهما ... يحاولان الخروج من حالة الود التي انتابتهما .
الحرف يشير إلى ما خلف النقطة كاسراً الجو الذي وُضِعا فيه ..
النقطة تشير الى ما خلف الحرف .
يسيران للحاق بذلك الشيء .
يتقدم أحدهما نحو الأخر مسرعين للخروج من الحالة العاطفية بحجة اللحاق وراء المجهول .
يرتطم أحدهما بالأخر ، فخط سيرهما متقاطع .. يسقطان أرضاً .. النقطة تتذمر من تبعيتها وارتباطها الأزلي بالحرف ..
ترفض النقطة منتفضة ٌ راثية ٌ نفسها ...
الحرف يركض الى عمق المسرح باحثاً عما سُلِب منه .
النقطة تركض خلفه .
الحرف يذهب الى عمق يمين المسرح .... النقطة تلحق به ...
الحرف يذهب راكضاً الى عمق يسار المسرح .... والنقطة تلحق به ...
يرجع الحرف خاسراً .. فيقف وسط المسرح ...
النقطة تحوم حوله ، مؤنبة ً إياه ... لأنه أضاع نفسه وبالتالي أضاع النقطة معه ...
يلتجئ الحرف الى مكعبهِ ...
النقطة تذهب الى مكعبها ...
يتلاعبان معاً بالمكعبين ... يكون هذا التلاعب أشبه بمبارزة راقصة ..
تستمر هذه المبارزة بالنقر على المكعبات التي تصدر إيقاعات متناغمة ...
( ضربة موسيقية ) يتكئ الحرف على مكعبه وكذلك النقطة تتكئ على مكعبها من شده التعب جرّاء المبارزة التي لا جدوى منها .
( موسيقى هادئة ) الحرف والنقطة يدركان بأن لا أحد ينتصر على الآخر .
فمهما اختلفا وَجَبَ عليهما الارتباط .
يدركان أنهما وُجِدا بالفطرة ... وجِدا اعتباطاً ...
يقترب أحدهما من الآخر .
يرجع الحرف الى عمق المسرح ...
( تبدأ الإضاءة بالخفوت ) الحرف واقف في عمق المسرح ... وظهره الى الجمهور ...
النقطة تذهب خلفه ....
تقوم النقطة باداء راقص كأنها دخلت في جسد الحرف ...
تدخل النقطة في جسد الحرف ...
(الموسيقى الهادئة تتحول الى صاخبة )
( إظلام تام )
****************انتهت*********************
ذوالفقار خضر- العراق - بابل
2 / 1 / 2007
********************************
مسرحية : حائط
تاليف : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنظر : حائط قديم ضخم ، يقطع عمق المسرح .. لا يُعْـــرَف لونه من كثرة ما ملصوق عليه من لوحات اعلانية ومن كثرة قدمه ومن كثرة ما يحتويه من شقوق وتصدعات واخاديد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخوص المسرحية :
السكران : فقير الحال رَث الملابس
الصوت : جهوري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(( موسيقى .... الفضاء المسرحي يوحي الى ليل دامس ... أصوات حشرات الليل تتصاعد ... يدخل السكران وبيمينه قنينة ذبيذ ... يدخل مترنحاً يدندن باغنية لا تفهم عباراتها من شدة نشوته وسكرته ...
يبحث في المكان ليجد مكان ينام عليه .. فيجد الرصيف الذي قرب الحائط ... يقف امام الحائط ...
يتبول ...
اثناء التبول يسمع السكران صوت جهوري يدل على استيقاض صاحب الصوت من نومه العميق ..
السكران يلتفت يميناً وشمالاً .. لا يأبه لذلك .
يواصل التبول .... ))
الصوت : ألم يكفيك استيقاضي من منامي
السكران : (( هرعاً خائفاً رامياً قنينة نبيذه من شدة مفاجأته )) من الطارق .... ؟؟ عفواً من اين ها الصوت ؟؟!! ...
(( يبحث السكران عن مصدر الصوت .. لم يعي بان الصوت هو صوت الحائط ... يأخذ قنينة نبيذه من الارض مرة اخرى ... يتكيء على الحائط حائراً ..... ))
الصوت : أأفــفــــف ... كم رائحتك نتنة ... أف ....
السكران : آه ... من انت .؟؟؟
(( يقوم السكران بالبحث مرة اخرى ... يشرب قليلاً من النبيذ ))
السكران : يبدو اني قد اسرفت في الشرب كثيراً هذه الليلة ..
(( يجلس على الرصيف .. ينتزع حذاءه ليضعه تحت رأسه كوسادة ... ينام .. يغط في نومه حتى يقوم بالشخير ...))
الصوت : هَيْ ..... انت ... يا نتن .
(( السكران ينهض مرعوباً ))
السكران : من ؟ .. من ؟؟... أغلقوا الابواب ... أقلقوا الشبابيك (( يذهب الى الحائط لكي يغلق النوافذ )) آووووه ... لا نوافذ على هذا الحائط .. لقد نسيت ...
(( لحظات من المراقبة ))
السكران : لكن من اين هذا الصوت (( يكلم قنينة النبيذ )) هل من المعقول يا صديقي الحميم بانك انت الذي جعلني اتخيل كلك هذا الهراء ؟ ..
الصوت : اذا قررت النوم بقربي فقرر اولاً بان لا تشخر .
السكران : (( خائفاً ولكن بشيْ من التملق والقلق )) أأأووه ... كــ .. كفى ... قل لي من .. أ .. أأنت
(( السكران يهرب الى وسط المسرح خائفاً من المجهول ))
الصوت : أنا خلفك
السكران : ليس لدي صديق بهذا الاسم ..
(( الصوت ضاحكاً ))
السكران : وعلام الضحك يا خلفك .... اظهر لي وسألقنك درساً قاسياً وسأبارزك بسيفي المهندِ
(( يشهر قنينة نبيذه .. يتبارز في الهواء بواسطة قنينة النبيذ .. يضرب بها هنا وهناك دون ادراك .. يتصاعد الصوت بالضحك .. السكران يقع من كثرة ضرباته الخاطفة في الهواء ... يقع ارضاً ))
السكران : اووووه كفى ... لو كنت رجلاً لواجهتني .
الصوت : انا لا اخشى مواجهتك
السكران: اذن لم لا تأتي وتقاتلني .. ؟
الصوت : لا استطيع الحراك أبداً
السكران : ماذا ؟؟ لا تخشى مواجهتي ؟؟ ويحك .. دلني على مكانك وسآتي اليك حالاًَ ..
الصوت : وما أنت حتى اخشاك واخشى مواجهتك ؟؟ انظر لى ملياً .. انظر ماذا حل بي فقد تغير لوني .. تغير شكلي منكم .. رائحتي اختلفت .. حتى العصافير لم تعد لتحط عليّ هاربتة مني لما فعلتموه بي . اصبح شكلي يفزعها ..
السكران : الى ماذا انظر ؟؟؟ هي ياهذا .. دلني على مكانك ان لم تستطع الحراك كما تدعي انت .
الصوت : حسنا ً .....أ نا خلفك مباشرة..
(( السكران ينتبه الى ماهو خلفه فلا يجد شيئاً سوى الحائط ... لكنه لم يدرك بان المتحث هو الحائط نفسه ... يفكر ملياً .. يردد عبارة الصوت الاخيرة ـ انا خلفك مباشرة ـ ....... يتسائل مع نفسه ))
السكران : من الذي خلفي ..؟؟؟ من ؟؟ من ؟! آآه وجدتك .. ياملعون ... حسناً سأربيك جيداً .. آه منك .. أتهزء بي ..؟؟
(( يذهب الى الرصيف ليأخذ حذاءه الذي انتزعه ))
السكران : حسناً سألقنك درساً لن تنساه أبداً .... اتريد ان تقود انقلاباً عليَّ .. ويحك .. ساقتلعك من جذورك ... ساكبت ثورتك ضدي ... إذن خذ يامتمرد .. خذ ياعميل ... خذ ياجاسوس .. خذ يا متخاذل .. خذ
(( يضرب مؤخرته بحذائه وبقوة ... يستمر الضرب ))
الصوت : (( ضاحكاً )) كم انت مجنون .
السكران : (( يتوقف عن ضرب مؤخرته .. يدعكها )) يالهي .. من أنت ؟
الصوت : انا الحائط الذي خلفك وليس مؤخرتك .
(( السكران يضحك عالياً ... ينفجر من الضحك ... يتحول ضحكه الى شيء من الهستيريا والممزوجة بالخوف ))
الصوت : صدقني
السكران : (( بخوف )) حائط يتكلم ؟؟؟؟
الصوت : وما الغرابة في ذلك ؟
السكران : اذن عليَ ان اعتذر .
الصوت : مني ؟
السكران : لا .. من مؤخرتي .. لاني تهمتها باطلاً . (( السكران يلتفت الى مؤخرته )) انا آسف يا عزيزتي .. آسف .. لن اكن دبلوماسياً معك .. آسف ... (( يلتفت الى الحائط مؤنباً اياه )) .. كله بسببك .. انت كله بسببك جعلتني اضربها .
الصوت : كفاك تفاهة .. كان واجباً منك ان تعتذر مني أولاً
السكران : وعلام اعتذاري منك؟
الصوت : لانك تبولت علي حتى ايقضتني من منامي العميق أولاً .. وثانياً إتكأت عليَ بغير استأذان مسبق مني . وثالثاً نمت بقربي شاخراً.
السكران : عفواً .. ولكن منذ متى وانت لك رأي ؟؟؟
الصوت : (( بحزن )) مـــاذا؟
السكران : الم تحاسب من قام بلصق هذه الاعلانات على وجهك ..؟ الم تحاسب من ثقب جسدك ...؟ الم تحاسب من هَرَّءَ بدنك ؟ الم ....(( قاطعه))
الصوت : اتريد مني ان احاسب الاحزاب التي تلصق عليّ ماتريد ان تكذب به على الناس ..؟ اتريدني ان احاسب الشضايا التي اخترقت أجساد البشر في هذه البلاد ؟ أولائك البشر الذين هم لا يقوون على محاسبة تلك الشضايا . فكيف لحائطً عجوز يستطيع ان يحاسب .. الـ ...
السكران : (( يقاطعه )) كفى .. أرجوك ..
الصوت : (( بشيء من الاقناع )) نعم .. كفى.
السكران : نعم كفى .
الصوت : سمعتك ياحمار .
السكران : (( متفاجئاً )) انا حمار ... أنا ؟!!!
الصوت : نعم ألم تقرأ ما مكتوب على بدني اثناء تبولك علي ... كان مكتوباً البول للحمير هنا .. وانت احد المتبولين .. إذن انت حمــــار .
السكران : (( بشيء من الفرح )) حقاً ..! ؟ واخيراً وجدت تسمية لي ... واخيراً قدري ربطني بعنوان .. الحمار ... الحمار .. اسم رائع ..بالنسبة لي .
الصوت : ماذا ؟
السكران : نعم انا لا شيء .. انا مثلك .. انا اعاني مما تعانيه انت ايضاً .. اعاني من الاهمال .. اعاني من آثار الكدمات والتعرية التي نحتها قدري على وجهي .. انا اعاني من اللوحة الاعلانية الملصوقة على وجهي رغماً عني .. تلك اللوحة التي كتب عليها .. ـ أنا اضحك إذن انا موجود ـ ولكن علامَ ضحكي ؟؟ لا اعرف لمَ ان ضاحكاً رغم الالم الذي احمله .. (( يواجه الحائط )) انظر الى وجهي .. انظر .. هذه الكدمة رسمتها الحرب الاولى .. وهذه الكدمة نحتتها شضية الحرب الثانية .. وهذه الكدمة خلقتها عقوبة تلقيتها في الحرب الثالثة . . وهذه الكدمة نحتتها .. نحتتها زوجتي .. انظر .. انظر هذه الكدمة الرابعة .. وهذه الخامسة .. والسادسه هنا والسابعه هناك .. هناك . ..
الصوت : ((يقاطعه )) كفى هراءاً .. اتخلق بيني وبينك مقارنة ..
اسكران : ماذا ؟؟! (( يجثو على ركبتيه ))
الصوت : ارجو ان لا تشبهني بكيانك .. فأنا على الاقل لم أكلَّ من دغدغة المسامير التي تخترق بدني .. فما زلت شامخاً لحد هذه اللحظة .. فأنا كالشجرة .. لو مُت اموت واقفاً ..
السكران : ماذا تعني ؟
الصوت : اعني ان المواقف التي شاهدتها وشاهدت لحظة وقوعها لم يشهدها شيء اخر ،، فأنا كالتاريخ .. جسدي مؤرِخ صادق .. إقرأ ما مكتوب عليّ .. شاهد ما هو ملصوق بي .. قم .. اطلع .. حتى تعي ما انت ومن انا .
(( السكران يقف .. لحظات من الصمت .. موسيقى .. يذهب الى الحائط .. يتلمسه .. يتأمله ملياً ))
السكران : آه .. ان وجهك كوجه رجل عجوز .. قد طوى الزمن جلده طيات عديدة . (( يواصل التأمل )) آه .. ما هذه الصورة .. ؟؟
الصوت : من صورة صاحب الحاجبين الغليضين ؟
السكران : نعم ... لم يبقى من صورته شيء سوى عيناه القادحتان بالمكر .. أما الباقي فلا .
الصوت : انه صعلوك .
السكران : كيف يكون صعلوكاً ؟؟ يبدو لصورته بانها موضوعة هنا لغاية اعلامية .. يبدو انه مرشح سياسي لانتخابات ما .
الصوت : وهذه الايمنع بان يكون صعلوكاً .. فأنا اعرفه منذ كان صغيرا ماسحاً للاحذية . كان يعمل بقربي .. كان يجلس على هذا الرصيف ليزاول صبغ احذية المارة ..
السكران : ماسح احذية صغيراً .. وعندما كبر اصبح مهما حتى وضعوا صورته هنا عليك ..؟ كيف ..؟!!
الصوت : لانه اتقن اللعبة .. فكان بتمرن عليها يومياً بعد انتهاءه من عمله .
السكران : اية لعبة .. لقد شوقتني لسماع المزيد .. اخبرني ارجوك .
الصوت : حسناًَ ... سأروي لك قصة هذا الطفل الرجل .. اجلس
(( السكران يجلس على الرصيف منصتاً ))
الصوت : حينما كان طفلاً وبعد انتهاءه من عمله وفي وقت استراحته يجمع حوله اصدقاءه المتسكعين مثله .. كانوا اربعة .. هو صباغ الاحذية والثاني ماسح زجاج السيارات .. والثالث المتسول والرابع بائع الخضار .. كانوا يجتمعون ليلعبوا لعبة الدوران حول الكرسي .
السكران : والكرسي كان لمن ؟
الصوت : الكرسي كان ملك لماسح الاحذية .. فكان يجلس عليه اثناء صبغه لاخذية المارة .
السكران : وما هي لعبة الدوران حول الكرسي .؟
الصوت : هذه لعبة مشهورة في هذه البلاد كثيراً .. كيف لا تعرفها ؟؟
(( السكران يدعك فروة رأسه ... يومئ بالنفي .. يشرب قليلاً من النبيذ ))
الصوت : حسناً .. لا احب ان اطيل عليك بحديثي .. كانوا اولائك الصبية الاربعة مجتمعون ليكونوا حلقة مغلقة فيتمركزهم الكرسي .. ثم يبدأون بالركض حول الكرسي ومع صمت الايقاع يتسابقون في ما بينهم بسرعة الجلوس على الكرسي ،، فمن يكون الاسرع يكون هو الجالس .. ومن يكون هو الجالس يكون هو الفائز .. فكانوا يتبارزون فيما بينهم بهذه الطريقة . كان صباغ الاحذية هو الفائز دوماً .. لانه كان يعرف كيف يقتنص اللحظة المناسبة حتى يسبقهم في الجلوس على الكرسي ليشعر بنشوة الانتصار.. فاستمروا الصبية الاربعة على هذه الشاكلة لعدة سنين حتى ضجر الصبية الخاسرين فتركوا اللعبة ولم يزاولوها مع الصبي ماسح الاحذية بتاتاً . فاذا للسنين قد دارت بها الأيام وبعد عقدين من الزمن تفاجأت بلصق احدهم لصورته علي . مكتوبٌ عليها .. انتخبوا مرشحكم ابن بلدكم البار .. فتيقنت حينها بانه كان يتمرن منذ كان صغيراً للحصول على كرسي آخر وهو كرسي الحكم . فكان هذا مراده .. فلا فرق بين كرسي صباغ الاحذية وبين كرسي الحكم .. ولا فرق بين الصراع في الحصول عليهما .
السكران : معك حق .. انها قصة غريبة لصورة متهرءة ملتصقة على جدارٍ عقيم مثلك ..
الصوت : أنا عقيم ؟
السكران : نعم انت عقيم .. ولا احد يستطيع قول غير ذلك .. فلا اعتقد بان هناك جدار في هذا العالم يشبهك (( لحظات )) ارجوك .. اخبرني المزيد عنك ..
(( بينما الصوت صامتاً .. يقوم السكران بتحسس الجدار بملمسه .. يتفاجأ بوجود اخدود ضيق منحوت في الحائط ... يمد يده في ذلك الاخدود فيجد عدة قطع معدنية من النقود .. ))
السكران : ما هذا ؟؟ نقود ؟؟!
الصوت : انا ليست ملك لك .. دعها .
السكران : لمن ؟... لا تقل لي هذا جيبك .
الصوت : لا هذا ليس بجيبي .. هذا جيب الفتاة العجوز ..
السكران (( مستغرباً )) الفتاة العجوز ؟؟ ! من هي الفتاة العجوز ؟ارجوك اخبرني بقصتها .. قصصك مشوِّقة جداً
الصوت : انها لا تزيد دهاءاً عن دهاء الصبي الغليض الحاجبين .
السكران : ماسح الاحذية ؟؟
الصوت : نعم .
السكران : ومن هي ؟
الصوت : انها متسولة تستعطي من المارّةِ.
السكران : وماذا بعد؟
الصوت : كنت اشاهدها مرتين في اليوم .. مرة ذاهبة في الصباح الباكر عندما تبدأ عملها في التسول , ومرة عائدة عند مغيب الشمس حينما تكتفي بما جنته من تسولها .
السكران : وكيف اطلقت عليها اسم الفتاة العجوز ؟؟ هناك غرابة في الامر .
الصوت : لانها خدعتني كما خدعت من استعطت منهم .. كانت هيئتها هيئة امرأة عجوز ، بتحدب ظهرها وبتثاقل خطواتها وبارتجاف اطرافها .. كانت تغطي وجهها بقطعةٍ من وشاحٍ اسود عتيق لكي لا يعرفها احد . ولكي لا يكشفها احد على حقيقتها .. ففي احدى الايام وفي ساعة المغيب أتت تلك المرأة العجوز .. فوقفت امامي .. تأملت انحاء كياني للحظات وذهبت ... وفي اليوم الثاني أتت صباحاً .. وقفت امامي مرة ثانية .. فتأملتني مرة اخرى .. هزت رأسها حتى ذهبت لرزقها ... فشغلتني بتصرفها الغير المعتاد ، حتى صرت انتظر مجيئها رغماً عني ..
تأخرت عن وقتها المعلوم للمرور امامي .. وبعد مغيب الشمس تماماً .. وبعد خلو الشارع من المارّة .. لمحتها من بعيد متلفتة مقبلة نحوي .. فتحدثت مع نفسي وقلت : اخيراً وبعد انشغالي بانتظارها أتت تلك المرأة العجوز . .. نعم اتت .. ولكني تفاجأت ، فكانت متثاقلة الخطوات حدباء القامة رعشاء الاطراف ، فأثناء قربها لي ، زال تقوس ظهرها وازدادت خطواتها المتجهة نحوي رشاقة .. وراحت رعشة اطرافها .. ثم وقفت امامي فإذا بها تزول وشاحها عن وجهها حتى دهشت لما رأيت ..
السكران : (( يقاطعه )) ماذا رأيت ؟؟؟
الصوت : رأيت وجهها .. وجهها الذي بات كبدر أضاء ظلمة الطريق في ذلك الليل الهاديء .. وجدتها شابة جميلة الوجه ناصعة البشرة .. وفاجأتني اكثر حينما اخرجت عتلة حديدية من تحت جلبابها .. فبدأت تنهش بي في مكانٍ واحد في بدني ..
تناسيت الم نهشها بي من شدة اندهاشي لما أراه منها .. وبين الحين والاخر تتوقف ملتفة نحو يمينها وشمالها .. لكي تراقب اذا لو رأها احد المارّة .. فباتت تواصل الحفر في بدني حتى صنعت هذا الاخدود . وبعد انتهاءها وضعت فيه كيساً صغيراً يحتوي على عددٍ ليس بالقليل من القطع النقدية . تلك القطع النقدية التي جمعتها بواسطة تسولها .. وبعدها رجعت لوشاحها الاسود العتيق فغطت وجهها واخفت العتلة التي نهشتني بها وتأملتني ملياً ... فأبتعدت عني ... ابتعدت عني عائدة لهيئتها ذات القامة الحدباء والاطراف المرتعشة والخطوات المتثاقلة .. حتى غاصت بين الازقة العمياء التي لم تنتبه لي ولها .. تلك الازقة التي لم تبكي لحالي ولم اتأن لهول ما أشاهده وما اعانيه .. بِتُ افكر ملياً في تلك الفتاة العجوز .. بتُ مندهشاً متسائلاً في كيفية تأديتها لدور المرأة العجوز طوال النهار والليل وبدون هفوات .. حتى بدأت نجوم السماء بالاختفاء وبدأ لون السماء بالتغير .. وابتدأت العصافير بالزقزقة استعداداً لنهار آخر .. حينها وقعت بصيرتي على تلك المرأة مرة اخرى .. فرأيتها مقبلة نحوي مسرعة .. متجهة لجيبها الذي صنعته في بدني .. فاذا بها تأخذ ذلك الكيس الذي وضعته مساءاً .. ولشدة عجلتها في امرها اوقعت تلك القطع النقدية سهواً ودون علمها ... تلك القطع التي في كفك الان .. فولت راكضة في الاتجاه الاخر ولم تعد ليومنا هذا ..
السكران : لا أصدق هذه الحكاية .
الصوت : انا في باديء الامر لم اصدقها رغم حدوثها معي ورغم كوني الشاهد والمجني عليه .. ولكن بما انها من جنس البشر صدقتها ..
(( السكران مذهولاً ))
الصوت : ولان هل عرفت سبب تسميتي لها بالفتاة العجوز ؟
السكران : هــا ... ؟ مـــماااذا ؟! .... نعم .. نعم صدقت .
الصوت : ان في كل جزء من بدني اثر لحكاية مرة . ذكرى لقصص مؤلمة
السكران : لا استطيع الاستمرار في تقليب صفحاتك مرة اخرى ..
الوت : ولا أنا استطيع البقاء واقفاً .. فقد ازداد ثقل الاثارعليّ.
السكران : (( محاولاً لتغيير الموضوع )) عفواً ... يبدو أنك لا تسمح بأخذي لهذه النقود .. سأضعها في محلها .
(( السكران يضع النقود في الاخدود .. يلتفت صدفة لأثر آخر على الحائط .. يتفاجأ فيُرعَب كثيراً .. يبتعد عن الحائط ... يبدأ بالتقيؤ لما شاهده من منظر مؤلم .. يتقيأ ... ))
الصوت : لماذا تتقيأ ؟
السكران : عفواً ... انه .. انه .. مفعول النبيذ .. آآآه ..
الصوت : لا تكذب :
السكران : لا .. آآه (( يواصل التقيؤ ))
الصوت : قلت لك لا تكذب علي ... فأنا اعرف على ماذا وقعت عيناك ..
السكران : ارجوك ... قل لي ... كيف تحملت ذلك ؟
الصوت : افعالكم جعلتني لا آبه لشيء
السكران : كيف تحتمل التصاق الدماء المشوية المنثورة على بدنك ؟ ... كيف تحملت التصاق هذه خصل الشعر المحروقة على وجهك ؟.... كيف تحملت رائحة الآهات المشوية لأصحاب هذه الاجزاء البشرية الملصوقة بك ؟... انها فتات لأناس محروقين ..
الصوت : ولِمَ تستغرب .. انه مشهد يميز جدران هذه البلاد .. ان الاشلاء البشرية الملصوقة على الجدران اصبحت جزء من هويتنا في هذه البلاد .. من خلالها يمكنك ان تميزني عن باقي جدران الكون بأسره .
السكران : لكن ألا يمكنك ازالتها عنك ... فمظهرها جداًً ....
الصوت : (( يقاطعه )) وما الفائدة من ازالتها .. حتى لو ازلتها فصورة لحظة التصاقها بي لا تفارقني ابداً .. لا أستطيع ان انسى لحظة تشبثهم بي هروباً من السنة النار والحديد المتشضي .... لا أستطيع ان انسى ساعة صَهُرُهُم بقربي ومزج كيانهم بكياني ...
السكران : لا .... سأساعدك .... سأساعدك في انتزاع هذه الاثار من عليك ..
(( السكران ينتفض ويقوم بأزالة ماهو متبقي من اشلاء بشرية محروقة من على الحائط ))
السكران : يجب ان تبقى شامخاً نظيفاً .. يجب ان تبقى رائحتك زكية .. يجب ان يبقى بدنك سليماًً .... فأنا .. أنا احببتك لتجاربك .. نعم احببتك .. جعلتني احسدك .. جعلتني اقول لنفسي ليتني كنت حائطاً .... ليتني كنت حائطاً .. اتمنى ان اكون مثلك ..
الصوت : (( يقاطعه )) ارجوك توقف .. كفــــــى ...
(( السكران يهدأ من حالته الهستيرية ))
الصوت : ما الفائدة من ذلك يا صديقي ؟ حتى العصافير قد هربت مني .. لم تعد لتحط فوقي .. الفراشات ... الفراشات لم اعد اشاهدها تطير من امامي ... كدت انسى اشكالها والوانها ... سأنسى الجمال وشكله .. بقيت وحيداً منتظراً ساعة هدمي ..
السكران : لا لست وحيداً .... فأنا بقربك ... ولن افارقك ..لن افارقك مهما حل بي .. فأنا لا شيء بالنسبة لك ..
(( السكران يقف بجانب الحائط ... يقف منتصباً دون حراك ... مجسداً شكل عمود كهربائي ... صامتاً ))
الصوت : ارجو منك ان تحتمل ما احتملته انا ..
السكران : ان لم اكن بقوة الحائط .. لن أقوى على احتمال اهوال الزمن في هذه البلاد .
(( يقف منتصباً كالعمود الكهربائي .. ينتهي الليل .. تدخل اجواء ساعات الفجر في الفضاء المسرحي .. موسقى ... يدخل سكران آخر وبيمينه قنينة من النبيذ ...... يدندن باغنية غير مفهومة تكون نفس الاغنية التي كان يغنيها السكران الاول .. يتكيء على العمود ــ السكران ــ ... يشرب رشفة من النبيذ ... يدور وجهه الى العمود ــ السكران ــ يبحث عن مكان ما لشيء ما ... يتبول على العمود الذي كان هو السكران الاول ))
****اظلام تام****
**** ستار ****
تمت في 14/10/2007
** ملاحظة : وصف الحائط هذا قد لا ينطبق على جدران العالم لما يعانيه ... فهو حائط عراقي ..!
********************************
نص مسرحية
عن نصوص سعد الله ونوس ... وإليه .
إقتباس : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضاء المسرح :
فضاء هيولي أسود ... تسوده الرطوبة ...
يتوسط المسرح واجهة من قضبان سجنٍ ما .... عرضه الاربعة امتار تقريباً ... وارتفاعه متران ونصف تقريباً .....
خلف واجهة السجن سرير نوم مبعثر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخوص المسرحية :
ـ سعد
ـ ورم
ـ الانثى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سعد نائم على سريره الذي خلف القضبان ... موسيقى هادئة ... تتداخل معها اصوات لآلة التنفس الاصطناعي ...صوت رتيب لآلة سماع نبضات القلب ...
صوت قطرات ماء تدل على المادة المغذية المركبة في وريد سعد ...
تدخل الانثى وهنا بدور الممرضة ...
تدخل صامتة .... حزينة ... وتسير بخطوات جنائزية ...
تنظر الى سعد المستلقي على السرير ..
... نظرتها نظره حزن....
تتصفح ملفه الطبي .. وبشكل إيمائي ...
تضع سماعتي نبض القلب على أذنيها ... وبشكل إيمائي ..
تضع مكبرة الصوت الصغيرة على قلب لتسمع دقاته ...
لحظات ... نسمع صوت ضحك وغناء لمجموعة من النساء أثناء مرحهن ....
....لحظات ....
تسحب يد سعد اليمنى بحثاً عن وريدٍ ما ...
تشد على معصمه بيدها الرقيقة ... تضرب بإصبعها على مكان الوريد ...
... تهز رأسها حزينة ... تنزل اليد اليمنى ....
لحظات ....
تدعك رأسها مفكرةً ... حائرة ...
ترفع يده اليسرى بحثاً عن وريدٍ صالح لكي تغرز فيه ابرتها التي تحتوي على مادة (( السيروم ))
ينفجر سعد ضاحكاً ....*لكن الانثى ـ الممرضة ـ لا تراه ضاحكاً بل تراه ممدداً ... كحالته السابقة*
يجلس سعد على الفراش ....
الممرضة مستمرة في بحثها عن الوريد في جسد سعد النائم ....
تيأس الانثى ـ الممرضة ـ .... تحزن اكثر ...
تترك سعد خارجة بهدوء ...
سعد : (( ضاحكاً )) .... مسكينة ... لم تجد وريداً في جسمي .... كم أنا محرج منها ..
يستيقض ورم بشكل مفاجيء ... *اذ كان نائماً بالجوار من سعد وبشكل مخفي للمتلقي *
ورم : ماذا بك ؟ !
سعد : أوووه .. مالذي اصحاك من نومك ؟ ... نـَم .... نــَم في داخلي .. تحركاتك تؤلمني
ينهض سعد من فراشه .... يقف خلف القضبان ... يشعل سيكارته ..
ورم : أشكرك
سعد : وعلامَ تشكرني ؟!
ورم : بتدخينك تنهي مهمتي بسرعة ...
سعد : بتدخيني هذه السيجارة ... أهينك ..
ورم : كيف ؟؟
سعد : اولاً ... معبراً عن ازدرائي واستهزائي بمرضي ... وثانياً .. انا في النهاية لن اخسر إلا حياة لا تعاش ...
سعد ينفخ الدخان في وجه ورم ... تدخل الانثى ـ الممرضة ـ ...بينما سعد واقف خلف القضبان ...
ورم واقف امام القضبان ...
تذهب الانثى ـ الممرضة ـ متجهةً الى سرير سعد بخطوات جنائزية ..
تقف امام سريره ...
ترفع بإيماءة يد سعد النائم على الفراش ... بينما سعد يراقب ذلك وهو يزاول التدخين ...
الممرضة تتمكن من غرز ابرة لدواء المغذي بيده ...
سعد : (( متألماً ماسكاً مكان غرز الابرة )) آآآآخ ....
يذهب ورم الى الانثى ـ الممرضة ـ ..
يشاهد ورم ما تفعله الانثى ـ الممرضة ـ بسعد النائم على السرير ..
سعد الواقف خلف القضبان يتضجور ...
يرمي سيجارته ...
لحظات ... تذهب الانثى ـ الممرضة ـ بخطواتها الجنازية ..
بينما سعد متألماً ... يدعك مكان الابرة في يده ....
سعد : آآآآخ ... واخيراً غرزت ابره دوائها ... كم تؤلمني ... أأأه
يرجع ورم ليقف امام القضبان
ورم : لم يكن يعرف ايوب بانه ضحية رهان متبجح بين الله والشيطان.
سعد : وانا اعرف كوني ضحية حرب تافهة ... اوقدها قدري ..
ورم : ((باستهزاء )) لا تيأس ....
سعد : اعتبر اليأس ترف ... لم يعد متاحاً لي ... وصعب الوصول اليه ...
ورم يتفاجأ بكلام سعد ....
سعد ماسكاً قضبان السجن وبقوة ... دافعاً بها من احدى اطرافها ... تدور واجهة القضبان الحديدة حول مركزها ...
بينما الجهة المعاكسة تـُسحب الى الداخل ..... ساحبة معها ورم ...
تلتف القضبان حول محورها ...
يصبح ورم خالف القضبان ... وسعد امامها ...
سعد : منذ متى وانت معي ؟
ورم : اووووه منذ سنين ...
سعد : اذن لماذا تحركت الان ؟
ورم : لم يعد بوسعي الانتظار ....
تدخل الانثى وهنا بدورالزوجة
الانثى / الزوجة : لم يعد بوسعي الانتظار ....
* سعد و ورم غير مرئيان بالنسبة لها * تذهب الانثى / الزوجة الى سرير سعد ... تتلمس وجهه ...
ترفع يده ... تقبلها ...
سعد واقف أمام القضبان ... يشاهدها ... يحزن ...
يجثو على ركبتيه ...
سعد : (( جاثياً )) انا ايضاً لم يعد بوسعي الانتظار يا حبيبتي ..
الانثى / الزوجة : (( تكلم سعد النائم على السرير )) منظر انابيب الدواء المتصلة بجسمك تؤلمني ... متى تعود الى سابق عهدك ؟؟ متى ..؟
سعد : (( بهدوء )) لا اعرف ... ولكن اعرف باني احبك ... احبك فقط ..
الانثى / الزوجة تقبل رأس سعد النائم على السرير ..
سعد : أ يعقل بأن يكون الحب جريمة ... وان يطاردوننا كاللصوص ؟
الانثى / الزوجة : ان الحب فوضى تخنقهم .
سعد : كيف يخافون الحب وهو اجمل شيء في هذه الحياة ؟
ورم : (( ثائراً )) الارواح الفقيرة لا تبحث عن الجمال ... بل عن النظام ..
سعد : شــشــشـــش ... دعني اشكي همي لحبيبتي ..
الانثى / الزوجة : (( الى سعد النائم على السرير )) هل يعتبروننا مجرمين ؟؟
سعد : اننا خارجان عن النظام .
الانثى / الزوجة : وما هي العقوبة في هذه الحالة ؟؟؟
ورم يقف جانباً ... يوميء بيده بحبل المشنقه .. يلفه حول عنقه .. يشنق نفسه بشكل هزلي ...
تتشنج اطراف ورم بمبالغة .... * لكن دون ان تنتبه اليه الانثى / الزوجة ... فهو غير مرئي بالنسبة لها*
الانثى / الزوجة : هل تحتمل هذه العقوبة ؟
سعد : سأحتمل الجحيم ذاته اذا بقيتِ معي ...
الانثى / الزوجة : سابقى معك .. سابقى ...
اظلام بصورة تدريجية على مكان السرير والانثى / الزوجة ...
تذهب الانثى / الزوجة مودعةً اياه ....
سعد : (( الى ورم )) يوم بعد يوم تزداد خبثاً ...
ورم : تعلـّم أن لا تحب الشمس .... تعلـــّم ان لا تنظر لها ...
سعد : لا استطيع .... فالعاشق الحــُر لا يخشى الآلهة .
ورم : صحيح ان القوي هو الذي يضع القيم والمعايير .. ولكن لو تناسى الانسان قليلاً انه الكائن الاقوى على هذه المجرة... لو عاين ما فعله وما يفعله ... وقارنه مع سلوك اشد الحيوانات عدوانية ووحشية ... لوجد انه الاكثر وحشية وعدوانية بين كل وحوش الارض ودوابها وحشراتها ...
سعد : لو كنت قوياً بما فيه الكفاية كما تدعي انت لما عانيت منك ... لما عانيت من صوت الآلات المرتبطة بأحشائي ... تلك الالات التي يظنون انها تمدني بالحياة ...
صوت لاجهزة التنفس الاصطناعي ... صوت لجهاز بنض القلب ...
سعد : اسمع .... اسمع هذا الصوت .. كم هو مزعج ... مزعج لانه رتيب ... مزعج لانه لا يمت الجمال بصلة ... كرهت صوت الأوكسجين الذي يمدني بالحياة ... كرهته ..
يتداخل صوت طنين ذبابة .... يسود صوت طنينها فضاء المسرح ...
يصمت سعد ...
يتلفت ورم متابعاً وجهة الذبابة ... يتابعها ...
يحمل بيده قتــّالة ذباب بلاستيكية * بشكل ايمائي * ...
يضرب بها الهواء عدة مرات ملاحقاً الذبابة .... صوت فحيح القتــّالة البلاستيكية ...
تجره مراقبة الذبابة الى مؤخرة سعد ...
تقف الذبابة على مؤخرة سعد ..
يتوقف طنينها ...
يضرب ورم الذبابة لكنها تفلت منه ... سعد يتألم من الم قتالة الذباب البلاستيكية التي ضربت مؤخرته..... يدعك مؤخرته ...
يبدأ طنين الذبابة مرة اخرى ...
تقف الذبابة على احدى زوايا السجن ...
يباغتها ورم بقتــّالته البلاستيكية ... يتمكن منها ... يرديها قتيلة ..
سعد يشمئز من هذا المنظر ...
سعد : كم انت مثيراً للاشمئزاز ...
ورم : (( متعجباً )) أنـــا !!
سعد : نعم انت ... قبل قليل كنت تنعت الانسان لان قوته هي التي تضع النظم والمعايير ..
ورم: أشــشــش .. الفم المغلق لا يدخله الذباب .... وثم هذه ذبابة ..
سعد : (( مقلداً لهجة ورم )) انها ذبابة ... كفاك هراءً
يذهب سعد لينام على سريره ... لحظات ....
يستيقض منزعجاً ...
ورم : ما بك ؟؟
سعد : عندما انام على فراشي .. احس اني في مقبرة .. احس ان الرب جزار سيهاجمني ليلاً بالساطور ... احس ان الشمس قد مرضت ... وان العالم ليس فيه ما يكفي من الضوء ...
ورم : (( بعدم مبالاة )) حاول النظر الى الضوء .
سعد : حين حاولت النظر لم اجد الضوء ... حين حاولت الهرب .. لم اجد قدماي ... حين حاولت الصراخ لم اجد صوتي ..
ورم : (( باستهزاء )) كــُنْ فخوراً بذلك ...
سعد : فخوراً برثاء الذات ؟؟
ينهض من فراشه
ورم : ان ذويك فرحون لانك على هذه الحال (( يجلس على سرير سعد )) فرحون لان حالتك هذه جعلتهم فخورين بالاهتمام الذي ابدته الدولة والصحف بمرضك .
سعد : نعم ... والمشكلة كون ابي رأى في ذلك مصدراً للعز .. ومناسبة لعلو الشأن .
موسيقى ... تدخل الانثى وهنا بدور الام ..
يترك ورم فراش سعد ...
... لحظات ... تقف الانثى / الام قرب سرير سعد ..
تجلس بجواره
بينما سعد واقف خلفها .. * وهو غير مرئي بالنسبة لها *
الانثى / الام : بني ... تحققت نبوءة ابيك ... تحققت بعد نصف قرن من الزمن
سعد : ولكن كان الجدر بها ان تتحقق منذ ايامي الاولى .
الانثى / الام : ليس المقرر ان تتحقق نبوءة عابرة
سعد : (( يذهب وسط المسرح )) لكني مازلت اذكر نواسة ً تمط ظلالها .. ولا تبدد العتمة ... اذكر فِراشاً صغيراً ليس كهذا الفراش .. اذكر اعواداً من الآس ,, ورائحة الخشخاش ... اذكر طفلاً يبكي ولا ينام ..
الانثى / الام : وهل تذكر بان لم يكن احد قد تهيأ لولادته حياً ؟
سعد : نعم ... كان يسود الجميع اعتقاد شبه فاجع ..
الانثى / الام : اعتقدوا العروس الجديدة ستلد طفلاً ميتاً .. ولذا لم يعبأ احد بما في بطن تلك العروس نفسها (( تمسك بطنها ))
سعد : لم يعبؤا بتحضير ما يحتاجه الطفل من ثياب وخرقٍ وسرير هزاز .
الانثى / الام : وعندما وُلِدَ حياً ... لم يتخلَ احد عن اعتقاده بان كل شيء مؤقت ... والحقيقة الوحيدة المؤكدة هي الموت .
سعد : ولكن بعد مرور الساعات .. لم يظهر خلالها الموت .. ولم يرسل اشارة تــُنــْــبيء بقدومه الوشيك
الانثى / الام : بدأت الحيرة تنتاب الجميع .
سعد : حينها قررا الجدة ان توقِع موت الطفل وهو يضطرم بالحياة .. قد يكون فألاً سيئاً يرافقه طوال عمره .
الانثى / الام : ثم بواشِق ابيك وهو المولع بالصيد الى حد الهوس لا تصلح دائماً لحمل رسائل المشيئة الالهية ..
سعد : فقررت الجدة حينها ان تــُــبَدِدَ ما تعلق من فألٍ سيء .
الانثى / الام : فأسمت الطفل الذي يبكي .. سعداً
سعد : مازال ابي حياً .. واطباء باريس حفرو لي قبراً ... وجهزوا لي الكفن ... أكان مقرراً ان تتحقق نبوءة عابرة اكتست بثياب حلم صيفي .. بعد نصف قرن من الزمن ؟
الانثى / الام : (( ذاهبة )) كان ابيك يتخم سمعي بكلمات تقول : الله يعطي والله يأخذ ... احمدي الله و لا تعترضي حكمه .. ، حتى اصبحت مقتنعة بذلك ...
تخرج الأنثى / الام
سعد : كنت اعلم اني احمل موتي في داخلي .. واني عشت هذه التجربة المثيرة التي يختلط بها الاحياء مع الاموات.
ورم : هل ادركت الامر الان ؟
سعد : ادركته جيداً ... انا اسير على خطى الاجداد ... اسير على خطاهم الان ..
ورم : (( مستهزءاً )) رحلتهم شاقة منذ خطواتهم الاولى ..
سعد : حاولت وضع تقويم لهذه الرحلة يسبق المئة الاولى قبل الميلاد ... ففي سنة 27 ق . م ، غاص احد اجدادي في حمأة طين عميقة .... ولك يكن بوسع احد ان ينقذه ...
أما في سنة 30 ميلادية توقف جدي الاكبر عن تناول الطعام ... وكان يجبر نفسه على التبرز مرات عديدة في اليوم ... وحين صار نظيفاً وخالياً من كل خبث . تمدد على الارض ... ومــــــــــات ..
ورم : وبعد ..! ؟
سعد : وفي اليوم التالي لوفاته .. انتحى جدي الاصغر بزوجته .. وسندها على جدار السرداب .. واخذ يهز وسطه .. ومثل هذه الانتحاءات كانت تتكرر دائماً .. ولم نكن نوليها اهتمام كان علينا ان نسير فقط ... وكان كل جد توافيه المنية يوصينا بان نتابع السير ... السير فقط ... وكان يسرف في وصف ألق الشمس التي تنتظرنا .
ورم : (( باستغراب )) وبعد ؟!
سعد : حدث في عائلتنا فتنة وكان ذلك في عام 620 فقد اختلف من تبقى من الاجداد حول التمائم ... وبالتالي حول الاتجاه .... وانقسمنا ... ومازلنا ننقسم عند كل مفترق من مفترقات السراديب ..
ورم : وهل حاولوا السير حينها .
سعد : نعم ... ابي تدارك الموقف سنة 1940 فرفع ثوب امي وانبطح فوقها ... وبعد اقل من عام ولدتني امي حاملاً ذاكرة مزدحمة بالصور والتفاصيل ... وسرت وراءهم حريصاً على مكاني دائماً في المؤخرة ..
ورم : وتابعتم ؟
سعد : وتابعنا .... وفي ظروف غامضة مات ابي ...
ورم : (( بشيء من الارتياح )) وانتهى مسيركم ؟؟
سعد : لا ... في عام 2007 دب خلاف بيني وبين اخي الاكبر فتخليت عن العائلة واتجهت الى سرداب مخالف مكوناً سرباً جديداً من عائلة .. مهمتهم السير .. والمحافظة على خطى الاجداد .
ورم : هل تبعوك ؟
سعد : كنت حائراً بما سيجعلهم يتبعوني في سيري ... اذا لم اعدهم بالشمس والبراري .. ولكن زرعت في صدور اولادي يقيناً بان الشمس تنتظرنا في نهاية السرداب ..
ورم : وتابعتم ؟
سعد : وتابعــــــــــــنا السير ... صارت السراديب اسمنتية .. وفي زواياها تتدلى مصابيح تخفف العتمة .. لكن السراديب بقت سراديب ... وما زلنا نسير بحثاً عن الشمس .. لم يتأكد احد قط من وجودها ...
في عام 2114 ما زلنا نسير .... في عام 2370 مازلنا نسير ..... في عام 2617مازلنا نسير .....
في عام 2690مازلنا نسير ..... في عام 2699خانتني قدماي .....
ورم : (( يقاطعه باندهاش )) وبعد ؟ !
سعد : ما زلنا نسير ..... وسيواصل ابنائي السير وكتابة التاريخ ...
ورم واقفاً مستغرباً .... مصدوماً ... بينما يذهب سعد اليه ...
سعد : ارجو ان لا تجبرني مرة اخرى على قراءة تقويمي ثانياً .
ورم : بصراحة .... لا اعرف ما اقوله لك ... ولكن ...أ أ
سعد : (( يقاطعه وهو ذاهباَ الى فراشه )) لكن ماذا ؟؟؟ ها ؟ هل تريد مرافقتي بحثاً عن الشمس؟
ورم : انت تعلم جيداً بان من يرافقني يذهب الى الظلام ..
سعد : لا يهم ... من الظلام جئت ...والى الظلام اعود . ... والمشكلة انا وانت واحد .... والمشكلة الاهم بأني مللتك جداً ... مللتك ... لِمَ اخترتني ؟؟
ورم : لم اخترك انا (( مشيراً باصبع يده الى الاعلى )) هو الذي اختار ..
سعد : (( جالساً على الفراش )) اننا نكشف ان مايتصف به عالمنا من تفاوت وغبن وظلم .. يدل على غياب الله اكثر مما يدل على وجوده .. وهذا والفساد الذي يطبع العالم ... لا تنفعه محاجة الله ... بل ينبغي ان نحاج انفسنا والعالم .... أو ان ندرب في داخلنا روحاً ساخرة ً ولاذعة نواجه بها الغبن والفساد .
ورم : اتحقدُ عليَّ؟
سعد : عرفت انك القرين القديم ... لا ينفع حقدي بعد الان .
ورم : انت تعلم لم يكن بوسعي ان اخفي شيئاً
سعد : وما هَم ... ألم يحن الوقت كي استرخي واقول الآن مت وشبعت موتاً ؟
ورم : ما زال عليَّ ان اعرف نهاية مهمتي ..
سعد : اذن اسرع .. فهناك كثيرون ينتظرون دورهم بعدي
سعد ينام على السرير .... يغفو .....
موسيقى هادئة ...
ورم يشير بأحدى يديه الى جهةٍ ما ... تدخل منها الانثى .
الانثى هنا بدور فتاة جميلة
مرتدية السواد ... قادمة من عالم الاموات .
تقف الانثى / الفتاة وسط المسرح ... بينما ورم يتجه الى السرير الذي ينام عليه سعد ...
ورم : استيقظ ...استيقظ ... حان الدرس الاول في التدريب على الموت ... استيقظ .
سعد : لست بحاجة الى دروسك ... فأنا حملت موتي بداخلي منذ رفقتك لي ...
ورم : استيقض ... استيقض .
الانثى / الفتاة تذهب الى سرير سعد ... تجلس على فراشه ...
سعد ينتبه ... يصحو مبهوراً ...
متفاجئاً ... كأنما يعرفها منذ زمن بعيد ...
سعد : أنت ...؟ انت ....؟ لِمَ لَمْ تزوريني منذ ايامي الاولى ... اشتقت اليك ِ ....
الانثى / الفتاة تنهض عن سريره ....
تذهب الى وسط المسرح .... يتبعها سعد مشدوداً
الانثى / الفتاة : لم اكن اعلم بأنك تحبني الى هذا الحد إلا بعد موتي .
الانثى / الفتاة تخلع معطفها الاسود وبشكل ايمائي ... تعطيه الى سعد
الانثى / الفتاة : خذ ... اريد ان ارتاح بعد رحلة قدومي اليك.
سعد يمسك المعطف ... الانثى / الفتاة واقفة وسط المسرح ...
تفتح صنبور ماء الدوش ....
صوت خرير لماء الدوش النازل ...
تضع نفسها تحت ماء الدوش .... تسترخي....
سعد مراقباً ذلك وبنشوة هادئة وبريئة ..
الانثى / الفتاة تنتبه لذلك ... توميء الى سعد بان لا ينظر لها ...
تخجل الانثى / الفتاة ...
سعد يحول نظره الى الجهة المعاكسة لها ... لكنه يختلس النظر بين الحين والاخر ليراها اثناء الاستحمام ..
تنتهي الانثى / الفتاة من الاستحمام..
تغلق صنبور الماء ... ينقطع صوت الماء النازل ...
سعد ينتبه الى ذلك ...
تشير الانثى / الفتاة الى مكان ما بالقرب من سعد ...
سعد يبتسم مرتبكاً ...
يأخذ منشفة معلقة على الحائط الوهمي الذي بقربه ...
يعطيها المنشفة مستغلاً بذلك النظر الى جسمها ... تسرع هي باخذ المنشفة منه مبتسمة بدلع ...
تغطي بها جسمها المبتل ... تخرج من الحمام ...
تقترب من سعد ... تشير اليه لكي تأخذ معطفها منه ...
يعطيها المعطف مرتبكاً .... ترتديه ...
سعد يمنع نفسه من النظر اليها ... يبتعد عنها عدة خطوات ... لحظات ...
تنتبه هي لذلك ...
الانثى / الفتاة : لماذا لا تنظر في وجهي الان ؟
سعد : اخشى ان اجد عتاباً في وجهك ...
الانثى / الفتاة : ألا تعلم اني اصبحت وراء العتاب والحزن والغضب ؟
ينتبه سعد لذلك ... تبدأ عليه علامات الارتياح ... يختلس النظر الى وجهها ...
سعد : يا ألله ..! هذا هو وجهك الذي اعرفه ..
الانثى / الفتاة : (( ببرود )) لم تعرف وجهي أبداً ... وماتراه الان ليس الا قناعاً استعرته من اجل هذه اللعبة.
سعد : احس في صوتك نبرة لوم .
الانثى / الفتاة : ليس لصوتي نبرة .... والذين يموتون لا يبالون ... ولا يلومون ... لو اني جئتك أبكر لما سألتني الان هذه الاسئلة .
سعد : أكنت ترغبي ان تأتين ابكر ؟؟
الانثى / الفتاة : الايرغب الميت شيئاً ... ولكن اذكر انك كنت ترثي نفسك كثيراً ... وتهيء اهلك وأصدقاءك لموت وشيك .
سعد : ان هاجس الموت لم يفارقني .. وان الآلام التي كنت احسها لم تكن كاذبة ..
الانثى / الفتاة : وفيمَ يهمك ذلك ؟ انك كنت بغو في الموت ... كما كنت بغواً في الحب.
سعد : أترين ..؟ رغم كل شيء فانك تتذكرين .
الانثى / الفتاة : كما تحفظ اشرطة التسجيل بالاصوات المسجلة عليها ... فان الذكريات تصاحب الميت وترافقه كأصوات أو هزّات في الاثير .
سعد : وهل يستعيدها ... وينفعل بها ؟
الانثى / الفتاة : أتوا بي كي اكون معلمتك .... الموتى لا يستعيدون شيئاً .... ولا ينفعلون .
سعد : (( محاولاً تهييج مشاعرها )) أتذكرين ... اتذكرين عندما كنا نهرب من الذين لا يريدون قربنا.
... موسيقى ...
الانثى / الفتاة تقترب من سعد ... تضع رأسها على صدره ...
ينزل قمر في عمق المسرح * القمر عبارة عن قرص دائري من القماش الابيض وقطرة 4م تقريباً*
.... ينزل القمر ...
يستقر القمر على ارض المسرح خلف سرير سعد ..
الانثى / الفتاة : نعم اذكر .. ودائماً كنا نهرب
فجأة ... صوت حاد و مزعج لصفارة انذار ...
يسود الضجيج المكان ...
سعد والانثى / الفتاة يرتبكان ... يجولان المسرح ركضاً بحثاً عن مكان ما ليختبؤا به ...
الانثى / الفتاة : لقد عادوا مرة اخرى ...
سعد : لقد عادوا مرة اخرى ...
الانثى / الفتاة : اين نذهب الان ؟
يقفان احدهما ماسكاً بيد الآخر ... يبدأ صوت صفارة الانذار بالتهافت ... تخطر لسعد فكرة ما ...
سعد : لنختبيء خلف القمر ..
سعد يأخذها ... يهرولان سعياً للاختباء خلف القمر ...
تتسلط بقعة من الضوء خلف القمر ليظهر خيال ظلهما ..
.... جالسان احدهما قرب الاخر ..
ينقطع صوت صفارة الانذار .
الانثى / الفتاة : يا الهي ... اخشى ان اخاف من هذا المكان ...
سعد : المحبون لا تخيفهم الامكنة مهما بلغت غرابتها ..
.... لحظات من التأمل الصامت ....
سعد : يا ألله انك تتلألئين ...
... موسيقى هادئة ...
خيال ظل سعد يبين انه يشم رقبة الانثى / الفتاة .
سعد : هذه الرائحة ... أكاد اذكرها ... أين ...؟ أين ...؟ أكاد اذكرها .
الانثى / الفتاة : من يدري ...؟ مع ولوج الموت اعمق ... فاعمق قد تجد قمراً يستدير ليغمرك بنوره .
سعد : اتظنين ؟؟
الانثى / الفتاة : قلت من يدري ..
سعد : اسمعي .... ان بيننا حكاية ... ينبغي ان ارويها ... وان نرويها .
الانثى / الفتاة : وما أهمية روايتها ...؟
سعد : اشعر ان موتي لن يكتمل الا اذا رويت حكايتنا ... وهذه هي اهمية الامر .
الانثى / الفتاة : وما هي الحكاية ...؟
موسيقى ....
يُظهـــِر لنا خيال ظلهما بأنهما بدءآ التقبيل لبعضهم البعض ...
خيال الانثى / الفتاة تمتنع بدلع .
صورة لحركة رمزية لخيال ظلهما ترمز لحالة الجماع فيما بينهم ...
... لحظات ....
يدخل ورم حاملاً بيده مكبرة صوت .. صارخاً بها..
ورم : لم يكن هذا مذكوراً في مناهج تعليم الموت ..
تبتعد الانثى / الفتاة عن سعد ...يخرج كل منهما عن محيط القمر ...
يخرجان ....
يتقدمان الى وسط المسرح ...
سعد يتفاجأ ناظراً الى القمر .. غير مبالياً بورم...
بينما ورم مراقباً ذلك بحقد .
سعد : آآه ... يآل المسكين لقد حُبـِس القمر معنا ...
الانثى / الفتاة : (( تتدارك الموضوع )) يآل المسكين .. انه خلف القضبان ..
ورم : (( الى الانثى / الفتاة صارخاً بمكبرة الصوت )) لم يكن هذا ضمن الاتفاق ..
من الممكن في عالمنا ان الاموات يسحبون الاحياء الى عالمهم .. وليس من المعقول ان يسحب الاحياء الاموات الى عالمهم ... لا لا ... لم يكن هذا ضمن الاتفاق .
الانثى / الفتاة : ماذا لم يكن ضمن الاتفاق ؟
ورم : ان تساعديه برواية حكايته ...
موسيقى ...
الانثى / الفتاة تتفاتجأ ...
تنتبه بأنها قد تجاوزت حدود تابو مقدس ...
... تتوتر ...
تنظر الى سعد منزعجة ...
الانثى / الفتاة : ولكنه قال ... بان موتي لا يكتمل الى اذا رويت حكايتنا ..
سعد : (( متفاجئاً )) هل انتِ معي ام مع الورم ؟!!
الانثى / الفتاة : مع السلام ..
سعد : السلام ...؟ تقولين السلام ؟؟
السلام كلمة جميلة الايقاع .. ولكن حمامته تطير كسيرة الجناح
ورم : لا داعي لهذه الفخامة ...
سعد : الا تعلم بأن الموت بحد ذاته فخامة ؟؟
الانثى / الفتاة تجثو على ركبتيها ... تنهار ...
سعد ينتبه الى ذلك .. يركض اليها لمساعدتها ..
الانثى / الفتاة : ابتعد عني ...
سعد : (( يتفاجأ ... صمت )) ساعديني ... ساعديني لكي اعرف تصنيفي هل انا من الاموات ام من الاحياء ؟
الانثى / الفتاة : (( بحالة هستيرية )) ابتعــد ...
سعد : (( بحزم )) تزعمين ان الموت جعلك نقية كاللؤلؤة ... فكيف ترفضين مساعدة رجل يتوقف عليك اكتمال مصيره ؟
الانثى / الفتاة : لا استطيع ... لا استطيع .. ما زالت تنبعث منك رائحة الدنيا ووخمها ..
سعد : كيف اتخلص من الوخم ان ادرت ظهرك لي ؟
الانثى / الفتاة : لا فائدة من ذلك ... لا فائدة ...
تنهض الانثى / الفتاة .... تتقدم الى وسط المسرح ..
الانثى / الفتاة : حتى لو مُت ... ستبقى بك رائحة الحياة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ****انتهت****
ذوالفقار خضر
2008/7/30
********************************
مسرحية حوارات أعمِدة
تأليف : ذوالفقار خضر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنظر المسرحي :
ثلاثة أعمدة وسط المسرح مرتبة بشكل متساوي على رصيف ما ... كل عمود يقف على قاعدة مكعبة الشكل مناسبة الحجم.
شخوص المسرحية :
عمود 1
عمود 2
عمود 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(مشهـــــــ1ـــــد)
موسيقى .... الاعمدة الثلاثة واقفة ... تدخل بقعة من الإضاءة Flow من يمين المسرح وتستقر في وسطه ... الاعمدة الثلاثة تنتبه الى بقعة الضوء التي توسطت المسرح .
عمود1 : ( الى عمود2 ) انظر لقد جاء مرة اخرى ..!
عمود2 : اتمنى ان لا يقع اختياره عليّ هذه المرة
عمود3 : ( بإشمئزاز ) وانا ايضاً .
تتجه بقعة الضوء الى عمود1 ... موسيقى ... تستقر على قدمي عمود1 ... لحظات ... تذهب بقعة الضوء الى عمود3 ... عمود 3 يصاب بخيبة امل بينما عمود1 يتنفس الصعداء ... صوت خرير ماء لعدة ثوان ... ينتهي الصوت .. تغادر بقعة الضوء المكان .
عمود3 : آه ... رائحة بول هذا الكلب ستقتلني في يوم من الايام
عمود2 : ( يقف قرب عمود3 ضاحكاً ) ولكن دفء هذا البول افضل من رائحته
(( عمود1 يذهب الى عمود2 وعمود3 شامتاً هو الآخر ... ينحني ليحاول شم قدمي عمود3 ... ينفجر عمود1 ضاحكاً .. ))
عمود1 : كيف تحتمل هذا ؟؟
عمود3 : (( يبتعد عنهما ويتوسط المسرح )) انتما تعرفان جيدا بان الاختيار قد وقع عليكما مسبقاً .
عمود2 : ولكن هذه المرة التي تم اختيارك فيها كانت الرائحة اشد مقتاً
عمود1 : كأنها كانت مهيأة لك بشكلٍ خاص (( يضحك))
((عمود3 يظهر شيء من اللامبالاة للأخر ... عمود1 وعمود2 ينتبهان لهذا الفعل .. يبديان استغرابهما .. يذهبان الى عمود3 ))
عمود2 : اراك غير مبالٍ لما حصل لك .؟
عمود3 : قفا هنا.
(( الاعمدة الثلاثة تقف بشكل مثلث متساوي الاضلع .. كل عمود بزاوية ... موسيقى .... ينظر الواحد منهم الى الاخر .. لحظات .. يتمعن الواحد منه في جسد الاخر .. يسود الحزن على وجوههم.. ))
عمود1 (( الى عمود2)) انت مــُــثـَــقـَب .!!!
عمود2: (( بدهشة )) انت كذلك .!
عمود3 : وانا ايضاً .. انسيتم الثقوب التي صنعتها رصاصاتهم بنا .. ؟ تلك الرصاصات التي حتى الاعمدة الرفيعة الطويلة لم تتخلص من اصطداماتها .. تاركة وراءها الثقوب .. تلك الثقوب التي بات حتى الهواء يستغيث منها .
عمود1 : (( بدهشة )) لقد سُفِحَت عذرية الهواء !!
عمود2 : رصاصاتهم سَفَحَت عذرية كل شيء .
عمود3 : انا مـُــثـَقـَب برصاصاتهم ... وانت ايضا ... وانت ايضاً ... وتريدان مني ان احزن لأن كلباً قد اختارني كأي عمود في هذا البوس ليتم رغبة تبوله بي ... بي انا .
(( تدخل بقعة الضوء ذاتها ـ الكلب ـ ... بينما الاعمدة الثلاثة واقفة وسط المسرح ... تبحث بقعة الضوء لمكان ما لتستقر عليه .. تستقر بقعة الضوء ـ الكلب ـ على المكان الذي كان واقفاً عليهعمود2 ..موسيقى ... لحظات ... صوت خرير ماء ... ينتهي الصوت .... تغادر بقعة الضوء ـ الكلب ـ المكان .. عمود2 غير مهتم لذلك رغم تبول الكلب عليه . ))
عمود2 : لم اعد مهتماً لهذا الكلب .
عمود1 : كل ظاهرة تبدو مألوفة وغريبة في الوقت نفسه ... ان الذي يحل محلنا يرى كل ماهو غريب وطائش .. حتى يعتاد عليه ليصبح مألوفاً .
عمود2 : كالطفل الغريب المألوف .
عمود3 : (( محاولاً تغيير الموضوع )) اتذكر قصة ذلك الطفل .. قصها لنا مرة اخرى ..
عمود2 : نعم ... قصها .. فقد اعتدنا على سماعها دوماً ...
عمود3 : قصها لنا نريد ان نقتل بها ضجرنا .
(( يذهب كل واحد منهم الى مكانه الاول ... حيث الوقوف على المكعبات ... بينما عمود1 غير مهتم ))
عمود3 : (( الى عمود1 )) لما لا تقص لنا قصته ؟ ... نريد ان ننسى ثقوبنا وآلامنا
عمود1 : كيف تنسى الالم بتذكر الم اخر .؟
عمود3 : ارجوك.
عمود1 : حسنا ً ... ساقصها لكم مرة اخرى ... ولكن اخيرة . .. حينما لم اكن مثقباً ... مزاولاً وقفتي الابدية على هذا الشارع عندما كان شارعاً ..مراقبا كل ما يمر من امامي من بشر , مستمتعا بأشكالهم واحاديثهم وهمومهم .. كما كنتما مثلي .. شامخان من غير ثقوب .. لَمِحتُ طفلا يسير مع والده الذي لا يسمح بيده مفارقة يد ابنه الذي يسير معه . وكان ذلك الطفل يحاول التحرر من يد والده التي تمسك كفه الصفير ليحاول اللعب والمرح بركضه امامنا .. هنا امامنا ..بينما كان والده لا يسمح له بالركض .. بصراحة انا استغربت كثيراً ... وحقدت على ذلك الاب اكثر ... وخاصة بمنعه ابنه الذي لم يبلغ العقد تقريباً من اللعب والركض امامه وامامنا .. فكان ذلك الطفل الجميل صاحب العينين الزرقاوتين يردد عبارة .. : ابي .. ارجوك ... دعني اركض .. اركض هذه المرة فقط . اريد ان المس الهواء بوجهي ..
فإنصاع اخيراً ذلك الاب لأمر ابنه .. فحرر يده الصغيره من كفه الكبير . فانتهز الطفل هذه الفرصة راكضاً ..دون قصد .. فإتجه ذلك الطفل الرالكض نحوي مسرعا ... بينما الاب واقفاً بحزنٍ عميق ..
اقترب الطفل الراكض نحوي دون قصد ... وانا مستغربٌ جداً .. وحينما وقعت عيني على الاب الواقف وقفة حداد والذي هو كان يراقب بحذر خطوات ابنه الصغير .. تفاجأت باصطدام ذلك الطفل بي ... كان ذلك الاصطدام قوياً بالنسبة لطفلٍ صغير .. نتج عن ذلك الاصطدام جرح في جبينه الطري الذي أسال دماءه على عينيه .. فصرخ الاب : الم اقل لك احذر الاعمدة!؟ فتبين حينها بان الطفل الصغير كان ... كان ... اعمى ., لا يستطيع ان يرى ما هو امامه .. فبكى الطفل وراح يركل بي حقداً .. صارخاً اكره الاعمدة .. اكره الاعمدة ..اكره الاعمدة ... فحمل ذلك الاب الحزين ابنه الباكي ورحلا .. مخلفان بداخلي جرحاً اعمق من هذه الثقوب التي خلفتها رصاصاتهم .
عمود3 : لم اطلب منك ان تقصها لنا مرة اخرى ..عمود1 : انه الذكرى الوحيدة المتبقية لي .
(( لحضة صمت ... موسيقى ))
عمود2: اصبحت اجواء الشارع غريبة .. والتنفس فيها صعب .
عمود3 : ليست اغرب من حالنا .. رغم ثقوبهم بنا نحن لا نرغب برحلتهم السوداء .
عمود2 : كنا دائماً نرفض بأن لا يذهبوا .
عمود1 : وكنا دائما نصر بأن لا يذهبوا .
عمود3 : وكانوا دائما ذاهبي .
(( صوت لإيقاع خطى اقدام جيش من الجنود يسيرون بحزم وقوة ... فضاء المسرح يهتز لوقع خطاهم .. وكذلك الاعمدة .. الاعمدة تهتز كأن زلزال اصاب ما تقف عليه. ))
عمود3 : اما زلتما مصران على منعهم ؟
عمود1 : ولكنهم ذاهبون الى حتفهم.
عمود2 : ألم اقل لكم بأن اجواء الشارع غريبة .
(( يهدأ الصوت تدريجياً ... الاعمدة تستقر على امكنتها ... لحظة من الصمت والترقب .. موسيقى ... ))
عمود2 : هذا ظلم .
عمود1 : (( يقولها دون قناعة )) يجب ان لا نحاول منعهم هذه المرة .
عمود3 : لا نستطيع
عمود2 : انت لا تستطيع .. ليس انا .. لن احاول هذه المرة
عمود1 : (( الى عمود2 )) وانا ... و أنا لا استطيع .
(( عمود2 يرتاح نفسياً ويتنفس الصعداء لقرار عمود 1. بينما عمود1 ينتبه لذلك ))
عمود1 : لا أستطيع بان اجبر نفسي على عدم محاولتي لمنعهم العبور الى هناك .
(( عمود2 يتفاجا ليحتار بأمره ))
عمود3 : (( الى عمود2 )) وجدتها ... ألم تقل بان هذا ظلم ؟ سأجد حلاً .
عمود2 : كيف ؟
عمود1 : وأنا موافق مسبقاً .
عمود3 : يجب ان نجد من يختار احدنا للقيام بالمهمة .
عمود2 : ((ينفجر ضاحكاً )) هل انت مجنون ؟ عقل من يحتمل على ان يخاطب اعمدة ؟ .. هل نسيت بأننا اعمدة واقفة على هذا الشارع منذ لا اعلم متى .
عمود3 : (( يحاول ان يجد حلاً )) نعم صدقت .. ولكن يا صديقي .. يــــا صديقي ,,, يــــا صــــديـ...
(( تدخل بقعة الضوء الصغيرة ـ الكلب ـ الى المسرح ... تستقر وسطه . ينتبه اليها جيداً عمود3 .. لحظات من التفكير .))
عمود3 : وجدتها .... وجدتها .
عمود1 : ماهي؟
عمود3 : القرعة
عمود2 : قرعة ؟؟؟
((عمود3 شير الى بقعة الضوء وسط موسيقى من الترقب ))
عمود3 : هو الذي سيختار .
عمود1 : كيف ؟
عمود3 : بتبوله على احدنا .
عمود2 : ماذا ! ؟
عمود3 : انتما تعرفان جيداً بان هذا الكلب لا يمكن ان يتبول إلا على واحدٍ منــّا .
عمود2 : لماذا ! ؟
عمود1 : لاننا اعمدة .
عمود3 : والاعمدة هي الاماكن المفضلة لدى الكلاب لهكذا رغبات .
عمود1 : نعم صحيح .. ولكن هذه قرعة قذرة لهكذا مهمة نبيلة .
عمود3 : ليس لدينا حل اخر
عمود2 : مادمنا متفقين على منعهم فيجب ان نوافق على أي طريقة لذلك .
(( بقعة الضوء ـ الكلب ـ تتحرك وتحوم وسط المسرح ..الاعمدة الثلاثة تراقب ذلك ... منتظرة مكان استقرار تلك البقعة .. تقف بقعة الضوء بالقرب من عمود2 ... لحظات ... صوت خرير الماء ... ينتهي الصوت .. تغادر بقعة الضوء ـ الكلب ت المكان ..))
عمود2 : انا على اتم الاستعداد ... شكراً لك أيها الكلب .. هذه المرة الاولى التي انتظرك بها رغم كرهي لك .
عمود1 : هل انت مقتنع بما ستقوم به ؟
عمود2 : نعم.
عمود3 : إذن ....
عمود2 : (( يقاطعه )) ســــأنتظرهم ...
(( صوت خطى الجنود يعاود ليهتز المكان مرة اخرى ... يهتز كل شيء على المسرح ... الاعمدة الثلاثة تحاول الثبات على امكنتها ... تدخل عدة بقع من الضوء ـ الجنود ـ الى المسرح ...يكون دخولها من يمين المسرح ... تستقر بقع الضوء ـ الجنود ـ وسط المسرح .. لحظات ... صمت .))
عمود2 : ها هم .
(( عمود2 يترك مكانه الذي كان واقفاً عليه حيث الاعمدة المتبقية ... حيث الرصيف ... يقف امام بقع الضوء ـ الجنود ـ بقع الضوء متناثرة على ارضية المسرح بشكل منظم .. عمود1 وعمود3 واقفان دون حراك ))
عمود2 : ارجوكم لا تعبروا اليهم .... اجسادكم لا تحتمل الثقوب ..لا تذهبوا الى حتفكم .. انظروا الى جسدي التي هرئته رصاصاتهم المرتطمة برصاصاتكم .. اجسادكم لا تحتمل الثقوب .. اجسادكم طرية .. اجسادكم رقيقة .. اجسادكم لا تحتمل الجحيم الذاهبين اليه ..
(( يرجع صوت خطى الجنود ... تتحرك بقع الضوء ـ الجنود ـ مع ايقاع الخطى .. متجهةً الى اليسار .. عمود 2 يقف امامهم ويحاول منعهم من العبور ... لا يستطيع لان لايمكنه مسك الضوء .. تخترقه البقع ـ الجنود ـ ... فتغادر المكان من جهة اليسار .. عمود2 ينزعج لفشله في منعهم العبور .. تنتابه حالة من الهستيريا ))
عمود2: مجانين ..مجانين .. يحاولون السعي وراء نهاياتهم .. مجانين .. يموت الاول ليحل محله الثاني .. فيموت ليجهز الثالث .. مـــجــــــانــــــيــــــن ... مجانين .
(( عمود1 وعمود3 يقتربان من عمود2 ))
عمود1 : أراك فشلت .
عمود3 : كيف لم تتمكن منهم ؟
عمود2 : وجوههم كانت شاحبة ..تحمل معاناة مهولة .. كنت ارى جسدي واقفاً بقربكما .. ولكن روحي كانت معهم .. تحاول منعهم .. كانوا لا يستطيعون سماع أي شيء .. لا يستطيعون .. نعم لا يستطيعون .
(( يذهب عمود2 ليقف على قاعدته حزيناً .. كذلك عمود1 وعمود3 ))
عمود1 : اخشى من اثار الجحيم ان تلمسنا مرة اخرى .
عمود3 : أنا ايضاً .. اخشى من تكاثر الثقوب في جسدي .
عمود2 : سانتظرهم .
عمود1 : لا أعتقد بأنهم سيرجعون .
عمود2 : (( بإصرار )) سأتظرهم ...
****اظلام ****
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( مــشــهــــ2ــــد )
(( الاعمدة الثلاثة كل حسب مكانه .. على قواعدها ... عمود1 يدخل بسيكارته ... وعمود3 يقرأ صحيفة ... عمود2 يحتسي النبيذ ... عمود2 سكراناً مخاطباً عمود3 ))
عمود2 : ألا يوجد خبر جديد حول أولئك الذين يسعون إلى حتفهم ؟
(( عمود3 يرمي الصحيفة خلف ضهره ضجراً ))
عمود3: غبي
عمود1: غبي
عمود2 : قلت لكما سأنتظرهم .
(( عمود2 يرمي قنينة النبيذ .. فيذهب وسط المسرح ))
عمود2 : سأنتظرهم .
عمود3 : مللتُ انتظارك لهم .
عمود2 : يا صديقي .. لا استطيع ان لا انتظرهم .. اعتدتُ على انتظارهم .
عمود1 : طبعا تعتاد على ذلك ... طبعاً .. هل تعلم بانك في الحَول الثامن من الانتظار ؟
عمود2 : أوووه ... وقت طويل .
عمود1 : انسيت بان ثقوبنا ازدادت لانها حطب لذلك الجحيم؟
عمود2: لا استطيع ان انسى وجوههم الشاحبة .. لا استطيع .
عمود1 : ارجوك كفاك هراءً.
عمود2 : من حقي أن أبــُثَ همومي لأحد.
(( موسيقى ... تدخل عدد قليل من بقع الضوء ـ الجنودـ من جهة يسار المسرح ... تدخل بحركة رتيبة ... تستقر وسط المسرح .. ينطفيء عددا من تلك البقع الضوئية ... اما الباقي فيغادر المسرح من جهة اليمين ))
عمود2 : واخيراً عادوا ... واخيراً انتهى انتظاري لهم .
عمود1 : ولكهم لم يعودوا كما ذهبوا .
عمود3 : ولم يعودوا كلهم .
عمود1 : وعادوا شبه اموات ... عادوا والاتربة تغطيهم ..
عمود2 : والآخرون هل ماتوا؟
عمود3 : ما الفائدة من ذلك .. العائدون هم شبه اموات .. اما الباقون هناك فهم اموات بلا شك .
عمود2 : (( بعصبية )) الفشل في التخطيط هو التخطيط للفشل ... انهم فعلا مجانين ... مجانين .
عمود1 : الحروب عواهر .
عمود2 : (( يصرخ )) ايها الكلب ... ايها الكلب .. لما اخترتني انا لهذه المحنة ؟ لما أنا ؟
عمود3 : إنها القرعة ..
عمود1 : ألم تكن انت نفسك موافقاً سلفاً على هذه القرعة ؟
عمود2 : ولكن ... و ,, ولكن .
(( موسيقى ... تدخل بقعة الضوء الصغيرة ـ الكلب ـ .. تستقر وسط المسرح للحظات .. تذهب الى عمود1 ... صوت خرير ماء.... الكل يتفاجأ ... تتصاعد الموسيقى ... ينتهي الصوت .. يغادر الكب المكان ... بينما عمود3 يحاول ان يتدارك الموقف ))
عمود2: اتمنى ان ترى عذاباتي التي انعكست على مرآة وجوههم الرمادية .
عمود1 : لا يعني هذا بان هناك حرباً ... اعتقد انه اسرف بشرب الماء هذه المرة فأطر هو على افراغه هنا .. عليّ انا .
عمود2 : كان هذا سابقاً .. يفعلها دون قصد ... أما الآن فهو على علم بالامر
عمود3 : انه امر غريب ... لم يبق لرجوعهم الكثير .
عمود1 : بصراحة انا خائف الان .. كان كل شيء يحدث للمرة الاولى وللمرة الالف بالوقت نفسه .
(( موسيقى ... صوت ايقاع الجنود يهز المكان ... يهتز كل ما موجود على المسرح .. كذلك الاعمدة ))
عمود1 : اصبح الامر حقيقة
عمود2 : هذا لا يُعقل.
(( الاعمدة الثلاثة تحاول الاستقرار على قواعدها .. تدخل بقع الضوء ـ الجنود ـ بصورة متناغمة مع صوت وقع الخطى ... تستقر البقع ـ الجنود ـ وسط المسرح ... يهدأ الاهتزاز .. لحظات ))
عمود3 : (( الى عمود3 )) قم بعملك .
عمود1 : ارجو ان يصغوا لي هذه المرة .
عمود2 : ارجو ان لا يفعلوا معك ما فعلوه بي .
(( عمود1 يقف امام بقع الضوء ـ الجنود ـ ويحاول ان يلقي كلامه عليهم بكل وقار وحزم كأي قائد عسكري ))
عمود1 : اسمعوني ... لا اريد ان .. أن ..
عمود2 : (( الى عمود3 )) انها طريقة جديدة .
عمود3 : ارجو ان تجدي نفعاً
(( عمود1 ينتبه لكلام عمود2 وعمود3 ))
عمود1 : أشششش .. لا تقاطعاني .
(( يرجع عمود1 ليخاطب الجند)) .. اسمعوني .. لا اريد ان اطيل عليكم .. هناك عبارة جميلة تقول : من المخجل ان نعثر مرتين بالحجر نفسه .
عمود2 : (( مخاطباً نفسه )) ارجو ان لا يقولها لنفسه في النهاية .
عمود1 : وهناك حكمة مشابهة تقول : الاحمق من يخدع مرتين بالحيلة ذاتها .. انا اريدكم ان تستفيدوا من تجارب الذين سبقوكم الى اللانهاية .. ولهذا أنا آمركم بان تتراجعوا ..
استعد .. إلى الوراء دُر .. عادةً سِر .
(( عمود1 يتفاجأ لان الجنود لم يهتموا لامره .. فما زالت بقع الضوء ـ الجنود ـ في مكانها ))
عمود1 : قلت لكم ارجعوا ... أنا آمركم بأن ترجعوا ..
عمود2 : انت غير مرئي بالنسبة لهم .
عمود1 : (( بغضب )) اذا اقتضى الامر بان اكون مخفياً فأفضل بان لا اكون اصلاً .
عمود3 : حاول بطريقة اخرى .
(( عمود1 يخاطب بقع الضوء ـ الجنود ـ وبشيء من التوسل .. ويكلم كل بقعة لحالها ))
عمود1 : ارجوكم لا تذهبوا .. اتوسل اليكم . انت لا تذهب أمك ستحزن عليك حزناً ابدياً ... وانت الاخر لا تذهب لان ابنك سيضع قدمه على الارض بعد اسابيع قليلة ... وانت ايها الباكي مازلت مراهقاً ... لم يحن وقتك بعد .. وانت .. وانت لا تكن عنيداً فامك خسرت اباك قبلك والآن تريدها ان تخسرك انت ؟ كفى ارجوكم ... ارجعوا .. ارجعوا .. كفى .
(( يرجع صوت الخطى ... بقع الضوء ـ الجنود ـ تتحرك .. لا تهتم لامر عمود1 وتخترقه .. عمود1 يتوسل ليهم ... تغادر البقع المكان من جهة يسار المسرح ))
عمود1 : كفى ... ارجوكم ... عودوا ... عـــــــودوا لا تذهبوا ..
(( لحظة صمت يخيم عليها الحزن ))
عمود2 : مجانين
عمود1 : بل مساكين
عمود3 : لا بل مساجين
**** اظلام ****
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( مـــشـهــــ3ــــــد)
(( موسيقى ... عمود 3 واقفاً على مكانه يحاول عد الثقوب التي خلفتها الحروب في جسده ... بينما عمود 2 مراقباً لعمود1 الذي راح في وسط المسرح يسير ذهاباً وإياباً في خط مستقيم .. عمود1 مستمراً في سيره ))
عمود3 : ثقب .. ثقبان .. ثلاثة ثقوب ، مئة ثقب .. مئتان .. ثلاثة مئة ، الف ... الفان .. ثلاثة الآف .. اوه .. عددها كثير ... مللت .
عمود2: انك سريع الملل
عمود1: أشــشــشـــشــش
عمود2 : ارجو ان تتمتع بالصبر الذي تمتعت به انا .
عمود3 : حاول بان لا تعد الايام التي تقضيها انتظاراً
عمود1 : قولا لي ... هل سيرجعون ؟
عمود3 : سيرجعون ... ولكن عرايا وما هم بعرايا.
عمود1 : لا مكان في الحروب للشخص الحساس والرقيق .
عمود2 : كانوا ... هذا سابقاً ... كلما جاولنا منعهم ازدادت ثقوبنا .
عمود3 : لم تعد تهمنا الثقوب التي في اجسادنا ... فهي تحتمل الكثير .. اما اجسادهم فباتت لا تحتمل حتى ثقل الكلام .
(( موسيقى ... تدخل بقع الضوء ـ الجنود ـ من جهة اليسار بشكل عشوائي غير منتظم ... الاعمدة الثلاثة تراقب الدخول بحزن ... تتحرك بقع الضوء ـ الجنود ـ حتى تصل وسط المسرح .. ينطفيء البعض منها ... اما البعض الآخر فيغادر المكان الى جهة اليمين وسط الموسيقى الجنائزية ))
عمود2 : (( الى عمود1 )) لا تحزن فهم مجبرون على ذلك .
عمود1 : ما ذنبهم ؟
عمود2 : ما ذنبنا نحن ؟
عمود3 : ذنبنا اننا مغروسون في طريق ذهابهم ...
(( لحظة صمت ))
كانوا يبحثون عنه في السماء فوجدوه في الارض .
عمود1 : ماهو ؟؟
عمود3 : خلودهم ... مصائبهم التي ستخلدهم .
عمود1 : لماذا هم حطب لكل نار ؟
عمود2 : لا يمكن اخماد النار التي تمسهم بالسنتها .
(( لحظة صمت ... موسيقى ... عمود1 يذهب الى مكان وقوفه حيث قاعدته ... وكذلك العمودان الاخران .. ))
عمود2 : انت محظوظ على الاقل .. لان فترة انتظارك لهم كانت قليلة .
عمود1 : لست محظوظاً .
عمود3: لماذا .؟
عمود1 : لاني لم استطع منعهم من العبور.
(( فترة صمت .. عمود3 يشعل سيكارته .. يدخن .))
عمود3 : هل تعلم ياصاحبي بان ثقوبنا ازدادت ؟ وان اشكالنا قد تغيرت ؟
عمود2 : حتى العصافير لم تعد تبني اعشاشها فوق رؤوسنا .. لقد هجرتنا حتى العصافير .
عمود1 : اخشى ان تحسبنا العصافير من الاموات .
عمود3 : اشتقت الى زقزقة العصافير .
عمود2 : لايمكن ان نوهم العصافير بان اشكالنا لم تتغير .
عمود3 : تباً للحروب ... تباً لها ... هل يمكن ان نصنع حرباً ضد الحرب ؟
عمود2 : اتحاول اطفاء النار بالنار ؟
عمود1 : كل الحروب وفي كل مكان يصبح بها المجرمون ابطالاً ... والابرياء ضحايا
عمود3 : التضاد هو الذي خلق الاستمرارية والتجدد.
عمود2 : مساكين ... يظنون بالحروب انها مصنع للرجال.
عمود1 : لا ... انهم يعلمون جيداً انها مقبرة لآمالهم .. مصنع الخيبة وتحطيم الجمال .
عمود2 : لماذا اذن ؟
عمود1 : لأنهم جنود .
عمود2 : الم يحن لهذه الارض ان تـُتـْخـَم من المقابر ؟
عمود3 : اتمنى ان يحن الوقت الذي ينتهي به الكلب من زيارته لنا.
عمود1 : ماذا ...؟ أيها المخادع .. حينما يأتي دورك تنسحب من المهمة؟؟
عمود3 : ليس من المؤكد بأن دوري هو التالي ... هناك احتمالات كثيرة.
عمود1 : ماهي ؟
عمود3 : اولاً .. ربما ان لا يقع اختيار الكلب عليَّ هذه المرة ايضاً ، والاحتمال الثاني .. ربما انتهت الحروب . والاحتمال الثالث .. ربما مات الكلب .
عمود1 : لنفترض بان الذي يختار قد مات .. ولكن الحروب لا تموت .
عمود2 : اتمنى ان يموت الجحيم ايضاً .. لو أنا القدر لأنزلت بالجحيم عقاباً شديداً .
عمود1 : (( مستغرباً )) وكيف هذا؟؟
عمود2 : اضع الجحيم في الجحيم .
عمود3 : (( ضاحكاً )) لم نصل الى حل اذاً .. صنعت جحيماً اخر .. يالك من قدرٍ غبي ... (( يضحك))
(( تدخل بقعة الضوء الصغيرة ـ الكلب ـ وسط استغراب الاعمدة الثلاثة ... موسيقى ... تحوم بقعة الضوءفي وسط المسرح لفترة وجيزة .. تستمر بقعة الضوء ـ الكلب ـ بالحركة وبصورة اسرع .. فأسرع ... الاعمدة الثلاثة مستغربة جداً وخائفة .))
عمود3 : (( متردداً )) ماهذا ؟؟ مـ ... مـ ... مالذي جاء به مرة اخرى ؟
عمود2 : انه خائف ..
عمود1 : لا ... انه في حيرة من امره .
((تتجه بقعة الضوء ـ الكلب ـ وسط المسرح ... لحظات ... تذهب مسرعةً الى عمود3 ... لحظات ... صوت خرير ماء ... ينتهي الصوت فتتجه بقعة الضوء ـ الكلب ـ الى عمود2 .. الاعمدة الثلاثة مستغربة لإختيارات الكلب الجديدة ...لحظات ... صوت خرير ماء ... ينتهي الصوت .. فتتجه بقعة الضوء ـ الكلب ـ بسرعة اقصى الى عمود1 .. لحظات حتى نسمع صوت خرير ماء .. ينتهي الصوت ... وسط نصاعد الموسيقى واستغراب الاعمدة الثلاثة .. تصعد بقعة الضوء ـ الكلب ـ الى السماء .. حتى تختفي ))
عمود3 : لن يختارني انا فقط .. انه اختارنا نحن الثلاثة في آن واحد ..
عمود2 : انا خائفٌ جداً .. خائف من المجهول ..
عمود1 : يجب ان نلبي الدعوة .
عمود3 : (( شارد الذهن )) ماذا ..؟ نعم .. نعم ... نعم ... انهم كالعادة يقدمون من جهة اليمين ... أليس كذلك ؟؟
عمود2 : نعم .. ووجهة خروجهم من جهة اليسار ... حيث الجحيم .
عمود3 : (( بخوف )) حسناً .
(( ينزل عمود3 من مكعبه حيث الرصيف ... يقف وسط المسرح ... وجهه مستديراً الى جهة يمين المسرح حيث قدوم الجنود كالعادة .. يتبعه العمودان الآخران .. فيقفان بقربه ليشكلوا حاجزاً للعبور))
عمود3 : أين هم
عمود2 : لقد تأخروا .
عمود1 : لماذا اختارنا نحن الثلاثة ؟
عمود3 : اعتقد بان المصيبة أعظم هذه المرة .
عمود2 : اذن مصيرنا سَيُحَدَد الآن على ما اظن .
عمود1 : منذ أن قررنا منعهم .. حُدِدَ مصيرنا.
عمود3 : ولكن أين هم ؟
(( تدخل مجموعة من بقع الضوء ـ الجنود ـ .. تكون هذه البقع كثيرة ويكون دخولها من جهة يسار المسرح من خلف الاعمدة الثلاثة التي وجهة نظراتها نحو جهة اليمين ... بقع الضوء الكثيرة تنتشر في النص الذي خلف الاعمدة الثلاثة وبكل هدوء ... الاعمدة الثلاثة لم تنتبه لذلك الدخول المختلِس ... بينما الاعمدة الثلاثة منشغلة في استقبالها القادمون من جهة اليمين .. غير منتبهة لما يحدث خلف ظهرها ))
عمود2 : هل غيروا رأيهم ؟؟
عمود1 : و منذ متى كان عندهم رأي ؟
عمود3 : إنهم تاخروا .
(( صوت ضجيج يعم المكان مع اهتزاز لبقع الضوء الكثيرة ـ الجنود ـ والتي هي خلف الاعمدة الثلاثة ... تلتفت الاعمدة لمصدر الضجيج .. تتفاجأ الاعمدة الثلاثة لما تراه ))
عمود3 : من هؤلاء ؟
عمود2 : أشكالهم غريبة.
عمود1 : كيف وصلوا الى هنا؟
عمود2 : اظن انهم قادمون من جهة الجحيم .
(( الاعمدة الثلاثة تقف بشكل مانع أمام اتجاه حركة بقع الضوء ـ الجنودـ ، ... تتحرك بقع الضوء وسط تزايد الضجيج .. بينما الاعمدة الثلاثة تحاول منعها من الدخول ... تسير بقع الضوء ـ الجنود ـ فوق الاعمدة ... الاعمدة الثلاثة تتساقط و تتكسر واحد تلو الاخر ... بقع الضوء ـ الجنود ـ تعبر بكل سهولة وتغادر المكان الى جهة اليمين ... يتصاعد صوت الضجيج ... بينما الاعمدة الثلاثة تتهاوى .. اظلام تدريجي ... الاعمدة تقع .. اظلام تام ))
******* انتهت ******

0 التعليقات:
إرسال تعليق