مسرحية الظلام خارجاً للتو




تأليف عدنان الصائغ


كل إنسان تعجزون عن تعليمه الطيران، علموه على الأقل أن يسرع بالسقوط.
فريديريك نيتشه
- هكذا تكلم زرادشت -

اتخذتُ قراراً قلتُ لنفسي ربما أنني فقدتُ عالم المرئيات المحبوب، فيجدر بي أن أخلق شيئاً آخر: عليَّ أن أعمل على خلق المستقبل الذي سوف يعقب العالم المرئي الذي فقدته.
بورخس

فلنقتبسْ حرفاً من حرف كما نقتبس ناراً من نور. الحرف ناري، الحرف قدري، الحرف دهري، الحرف خزانة سري.
النفّري


كرة من ظلام شفيف.. وأنا أسبح في سديمه المضئ، كنقطة تائهة لا تعرف إلى أي حرف تتجه في سطر الوجود الطويل والغامض. الحروف تتراكض في الأثير، تتشكّل جملاً وأكواناً وبشراً وأشجاراً ودهاليز..
وبعيداً، بعيداً عن الشوارع الصاخبة بالحياة، تأخذني نقالة المستشفى إلى غرفة العمليات الهادئة حدَّ الموت. وسطر الوجود يتبعني ماداً لسانه الأبلق، ضاحكاً من شغفي المجنون، بالوصول إلى نهايته السرمدية. إلى تلك النقطة الفاصلة، بين المعنى، والهيولى. وما العالم كله إلا نقطة.
هبطتْ عليّ الآلة ثم انطفأ الضوء تماماً. لم أعد أرى شيئاً بالمرّة.. إحساسٌ رهيبٌ بالخوف والترقب واللاجدوى يغمرني حتى أطراف شَعري الذي غطوه أيضاً بقماش سميك. كأن الشَعرَ يمكن أن يرى. كأن الأصابع يمكن أن تبصر وهي تتقرى مجسات الظلمة برغبة الاكتشاف. مقترباً من الصديق الشاعر عبد الزهرة زكي في ديوانه "اليد تكتشف"، نزولاً في أدغال الجسد أو الطاولة أو القذيفة، أو صعوداً إلى الحلاّج ورامبو في تماهي الحواس والعشق. أمد يدي في غفلة من عيون الممرضات فلا ألمس سوى الظلام. كأن الضوءَ احساس عبر الحواس، أكثر منه أدراك باللمس أو الشم أو الرؤية.
أحسست بالمباضع تغور عميقاً في عيني.. لا شيء هناك سوى الظلام، لا شيء يخيفني منه. الظلام الذي بدأ يترسب كالحقيقة في قاع يقيني متسائلا عن معنى القيادة: مَنْ يقود مَنْ؟ ولماذا؟ وكيف؟ ولأين؟..
كنت أسمع لغط الأطباء، لكن الظلام المبهر كان يأخذني بعيداً عنهم إلى عالم لا يرون منه إلاّ خلايا وأنسجة وتشريح، عبر آلاتهم المبضعية والألكترونية، بينما كنتُ أراه عالماً من الرؤى والأخيلة والأحاسيس والمتع والتأوهات والحركة والمعارف والشعر والنغم والتأريخ و.. و.. حقاً كان هنالك عالم من الصعب وصفه رغم أنني أمتهن مهنة الوصف، منذ ربع قرن..
الظلام يمتد بعيداً إلى مديات لا حد لها لكنك حين تعتاده يستحيل إلى شيء آخر، آخر غير تلك الظلمة المعتادة تماماً. أشغل نفسي بإيجاد اسم لها وحين أعجز. أدرك بلاهة اللغة أمام اللاملموسات أو المكتشفات الجديدة. فجأة أحسست أن في العتمة ثمة ضوءاً داخلياً يشبه الايقاع الداخلي في قصيدة النثر، لا تحسه إلاّ حين تتماهى فيها أو تحلُّ فيها – فيك. ذلك الحلول الذي أسكر الصوفيين بخمرة الخالق، فرقصوا انتشاءً في الشوارع والتكايا متسربلين بضوئه المبهر، بعيداً عن ظلمة الوجود وظلم الآخر أو ظلاميته. "وافرحْ فإني لا أحب، سوى الفرحان - النفّري"..
الايقاع المسكر يميد بي فوق سرير العمليات. والطبيب يحدّق في جسدي الخامد تارة، وإلى نبضي المتراكض في جهاز التسجيل تارة أخره، فتعقد لسانه الدهشة. لم يكن يدرك سرّ هذا الاختضاض في الجسد الساكن، لأنه لم يكن يستطيع أن يرى البسطامي وبشر الحافي والجنيد البغدادي والنفّري وأبا حيان التوحيدي والسهروردي وجلال الدين الرومي والجعد بن درهم وابن سبعين وابن الفارض والعفيف التلمساني، وقد نزعوا عمائمهم وبدأوا يرقصون وينشدون وهم يدورون معي في أروقة المستشفى:
لي حبيبٌ حبه وسط الحشا لو يشا يمشي على قلبي مشى
روحه روحي وروحي روحه إنْ يشا شئتُ وإنْ شئتُ يشا
.............
مزجتُ روحك في روحي كما تُمزجُ الخمرة بالماء الحلالِ
فأذا مسك شيٌ مسني فأذا أنتَ أنا في كلٍّ حالِ( )
الطبيب اختضَّ جسده أيضاً من هول المفارقة، وبدأ يرقص. أحسست ذلك من كلماته التي بدأت تتطاير وتبتعد حتى لم أعد أميزها عن إيقاع أقدام الممرضات اللواتي رحنَّ يتمايلن أمام السرير باهتزازات لامرئية. بينما تطايرت القناني والكبسولات والمريولات البيضاء في الهواء عبر النافذة التي انفتحت أمامي على مصراعيها لأبصر المركبات والعابرين والبنايات والقناطر وهي تتطاير أيضاً. كانت الشوارع سطراً أبيض فارغاً من الحروف والنقاط والفواصل يلتفُّ بي ويطير أيضاً في السديم. هناك حيث بدأ الضوء يتسرّب إلى مسامات عيوني لأكتشف أن للضوء لوناً آخر وللأشياء أشكالاً أخرى وللحروف هيئات لا يمكن امساكها. احترتُ كيف أمسك الكلمات؟ كيف أكتب بها. وهي تتشكّل أمامي على هواها معانٍ وأشكالاً لا أفقهها ولا تفقهني ولا تسبرني ولا أسبرها..
رأيت سطر الوجود يلتفّ أمامي على شكل سؤال، فاغراً فاهه، رحت ألقمه بما حفظت من شعر وحكم وأدعية وأمثال وهو ينتفخ حتى تقيأت كل ما لديَّ. وحين لم يكتفِ أو يشبع، لم يبق أمامي سوى أن أجمع نفسي وألقيها دفعة واحدة في فم ذلك السؤال المنفتح. وهكذا فعلتُ، تماهياً مع أبي الطيب المتنبي أمام فم الدهر المفتوح:
لمْ يتركِ الدهرُ من قلبي ولا كبدي شيئاً تتيمه عينٌ ولا جيدٌ
انفتحت أمامي كوة الظلام عن حدائق من الضوء رحت أسبح فيها بعيداً،.. هناك حيث كان يلعب بورخس بحروف وأحجار كلماته، كما يلعب الأطفال بكريات الثلج، وحيث رأى الجنة عبارة عن مكتبة كبيرة.. هناك حيث رأى بشار بن برد، الليلَ ونجومه التي تتهاوى كالبَرَدِ.. هناك حيث كان المعرّي، يقود قطيع المبصرين إلى حدائق المعرفة، وحيث رأى الليل:
ربَّ ليلٍ كأنه الصبحَ في الحسن وإن كان أسود الطيلسانِ..
وامتد ببصيرته، ليبصر الهلال:
وكأن الهلالَ يهوى الثريا فهما للوداع معتنقانِ
ترى كيف كانوا ينظرون إلى هذه الحبيبات المتراقصة وسط ظلام الوجود الدامس..؟
يهتف المعري:
أنا أعمى فكيف أهدي إلى المنهج والناس كلهم عميانُ
كنت أتخيّل الأمر في صباي غير ذلك وأنا أرى المقريء الأعمى "الحاج عزيز"، تقوده عصاه، في الدروب الضيقة إلى بيتنا. أتخيّله لا يرى شيئاً وأنما عصاه هي التي ترى وتحدد وتؤشر له الطريق والناس والحيطان والأبواب.. لكنني الآن أدرك أي مباصر كانت تتفتح له خارج عالمنا وهو يتوحد في تلاوته فيتلّون صوته ويعلو ويتموّسق ويرتجف ويرعد ويتسلسل وينساب عذباً تحت أشجار مخيلتنا التي أيبسها الحرمان، وهو يتمايل بنا بين أنهار الخمر واللبن وحدائق العنب وحور العين... وحيث تسبح الكائنات في فيوضات من الضوء لا يحدها حد.
بعد انتهاء العملية قال لي الطبيب أن أفتح عينيّ قليلاً قليلاً كي أتعود الضوء أو قل تتشربه عيناي على مهل وبمقدار.
كان الضياء الأول مبهراً ووقحاً.. خفتُ منه ترى كيف تحملت البشرية هذه السياط اللامرئية من أشعة النور.. رأيت من خلل فتحة الجفن الضيقة الممرضات منهمكات بمشاغلهن والطبيب يرقبني، يتملاني كشاعر أنهى قصيدته للتو.. ومن خلف النافذة كانت المدينة تمارس حياتها وصخبها كالمعتاد.. أما أنا الذي تنقلت على قدميّ عينيّ خارجهم، فقد كنت أتأرجحُ على سريري:
بين العتمة، والضوء.
بين أقاليم بورخس، وأقانيم الحلاج
بين تهدج المعرّي، وتهتك أبي نؤاس..

0 التعليقات:

إرسال تعليق