تأليف حسين السكاف
حيتن نتمكن من إظهار طاقة الحب والعمل بها، نكون قد منحنا الأرض فرصة التخلص من القلق الذي ينهش روحها منذ زمن.
* إشارة – المسرحية مكتوبة باللغة العربية الفصحى واللغة المحكية العراقية ( اللهجة العراقية ) التي تظهر داخل النص بخطوط مائلة، والتي يمكن تحويلها إلى أية لهجة عامية أخرى من اللهجات العربية.
الشخصيات:
ممثل (1) – السيد محترم
ممثل (2) – يجسد جميع الشخصيات التي تظهر خلف الحاجز
المكان:
غرفة شبيهة ببيت – بيت من غرفة واحدة - في وسط المسرح أريكة تستخدم للجلوس والنوم (صوفا) وإلى يمينها ويسارها حاجزان ( بارتشن ) عبارة عن أطارين بارتفاع مترين يغلفهما قماش أسود شفاف ( يستخدم بمساعدة الضوء لتجسيد بعض الشخصيات التي تظهر كخيالات بشرية خلف الحاجز ). إلى يسار المسرح كرسي ومنضدة كتابة عليها بعض الكتب والأوراق والصحف. إلى يمين المسرح رفوف بسيطة توحي بمكتبة تحتوي على بعض الكتب.
قبل رفع الستار بثوان تنطلق أغنية ( الأغنية خاصة جداً ممكن أن تكون بمصاحبة الموسيقى أو الاكتفاء بعزف على العود .. الأغنية على لحن أغنية يا عاقد الحاجبين لفيروز، .. " يا شابچَ المشكلينِ .. قتلتني مرتين .. اقتلني ، اقتلني، اقتلني .. بيديك الاثنتينِ .. فبعدك لا أسوى .. في الدنيا درهمينِ ) وتستمر الأغنية لحظة رفع الستار ودخول الممثل الذي يبدأ بالتجوال ضجراً على خشبة المسرح، وفي حركة سريعة يضطجع على الأريكة ثم يقفز ثائراً وهو يصيح:
الممثل – ما هذا السخف؟ ما هذه الكلمات المغرقة بالإهانة .. يعني بشرفكم أكو أغنية تنعاد بيها كلمة القتل خمسين مرة .. أليس كافياً ما نعانيه من إهانة وإذلال يومياً، إهانات في العمل، إهانات في الشارع والأماكن العامة في البيت والمقهى، حتى في شرب الماء ننهان ( يصمت ويتطلع بالجمهور مندهشاً ) شنو غريبة؟ ليش أكو واحد منكم شارب مي نظيف؟
صوت – ( يأتي من الخارج حيث الشباك ) أستاذ محترم، بشرفك أنت محترم هاهاهاهاهاها.
الممثل – ( يصرخ ناظراً صوب الشباك ) محترم رغماً عن أنفك ( ثم بصوت منخفض ) ابن الكلب ( ينظر إلى الجمهور في صمت ثم يقول ) إذا كان الإنسان العادي ( يستدرك ) يعني مو مثلي !! ( يعود لنبرة صوته السابقة ) إذا كان الإنسان العادي يتعرض للإهانة مئة مرة في اليوم، فأنا أتعرض لها مليون مرة، مليون إهانة في اليوم منذ أن منحني والدي رحمه الله أسمي المحترم جداً. ووالدي المسكين، كان مسكيناً فعلاً، رجال من أهل الله. في البداية كانت مشكلته في ذريته، فعندما وضعت أمي مولودها الأول وكانت بنت جميلة، تجرع والدي الصدمة وذكر الله وقال إنه رزاق كريم وأنه سيمنُّ عليه بصبي كما كان يتمنى، وقرر المسكين منح المولدة البكر اسم جميل، مُنْية، ( ينظر صوب الجمهور سائلاً ) اسم جميل مو بالله، ( يعود لنبرة صوته السابقة ) مُنْية الروح، مُنْية القلب، هكذا كان يناغيها في أيامها الأول، وحين ذهب لدائرة التسجيل ليسجل الطفلة ويمنحها اسمها، سأله الموظف عن اسم المولودة فقال والدي، مُنْية، دوَّن الموظف الاسم في السجل ثم رفع رأسه ضاحكاً وراح يطرح سؤاله على والدي: ولماذا أنت مستعجل هكذا؟ فسأله والدي .. على ماذا؟ .. فأجابه الموظف .. على منيتك، لماذا تسمي ابنتك الأولى مِنِيَّة؟ هل تريد أن يدعوك الناس بأبي مِنِيَّة حتى تأتي منيتك بسرعة؟ عندها غضب والدي على الموظف وأشبعه ضرباً، وصار الناس بعد تلك الواقعة يلقبونه بالخفية أبو مِنِيَّة، لتتحول رغبته في ولادة صبي أعظم أمانيه وأهم ما يطلبه في صلاته وتضرعه إلى الله. حتى كادت تلك الأمنية أن تصيبه بالجنون بعد أن وضعت والدتي البنت الثالثة، وصار الناس يفكرون بأمره ويشاركوه همه، وصار هو يستشير الناس والعرافات والمشعوذين والسحرة، حتى أشارت عليه القابلة التي أخبرته بحمل والدتي للمرة الرابعة، أن يفكر بإطلاق اسم قبيح، كريه، اسم سخيف، حقير مثير للسخرية على الصبي الذي يطلبه، فتلك الطريقة على حد قولها طريقة مجربة ومضمونة، وراح المسكين بالفعل يبحث عن أخف الأسماء قبحاً وهو الطامح بالتخلص من لقبه البغيض الذي أطلقه الناس عليه بسبب ذلك الموظف الأرعن. (تطفأ الإنارة المسَلَّطة على الممثل )
خيال – ( يظهر خيال لإنسان خلف الحاجز الأول يمثل والد الممثل يتحرك بحيرة ذهاباً وإياباً قائلاً ) ما هذه الورطة التي وضعني بها رب العالمين؟ لقد حوَّل ذلك الكلب موظف التسجيل أجمل الأسماء إلى لقب قبيح، فكيف إذا أطلقت على ولدي اسم قبيح؟ عندها سيكون اسمي أو لقبي أقبح من الأول. ترى ماذا عليّ أن أسميه؟ جرو، چلب؟ حمار؟ بطّو، زبالة؟ بُلُّم، نهيّر، شخيّر؟ ضراط؟ ( يعلو صوته غاضباً ) ماذا يعني هذا؟ هل يعني بأني أتخلص من لقب سخيف لأقع بلقب أسخف منه؟ لا والله، سوف أبحث له عن اسم محترم، بل محترم جداً، وسيستجيب الله لي، أكيد سيفعلها، أليس هو الرحمن الرحيم؟ وإذا لم يفعلها هذه المرة فلن أتضرع له بأمر ما حييت، سوف أسمي ابني .. هكذا .. اسم له رنة .. اسم محترم ( صمت لثوان ) نعم، سوف أسميه محترم .. محترم .. أه ( يضحك ) شلونك أبو المحترم .. الله بالخير أبو المحترم .. نعم، محترم .. محترم .. وأنا أبا المحترم. ( يختفي خيال الرجل بإطفاء الإنارة خلف الستار وتعاد الإضاءة على الممثل فيظهر في مكانه السابق )
الممثل – وما هي إلا بضعة شهور حتى وضعت أمي صبي جميل، رقيق بملامح ملائكية ( يخاطب الجمهور بشيء من الزهو ) أنا .. كنت أنا ذلك الصبي. حينها غمرتْ أبي الفرحة، وسارع لدائرة التسجيل كي يمنحني اسمي ويدخلني سجل العائلة، ومن حسن حظه أن موظف التسجيل الذي كان يتشاجر معه في كل مرة يدخل فيها مكتبه كان قد نُقل وحل محله موظف آخر فأستبشر أبي خيراً، وأخبره سبب مثوله أمامه، وحين سأله الموظف عن اسم المولود قال أبي بفخر: محترم .. لقد قررت أن أسميه محترم. عندها رفع الموظف رأسه ناظراً في وجه أبي وقال مطلقاً ضحكة مجلجلة .. منو إيگول .. فهم والدي التلميح السخيف في كلام الموظف، فاستشاط غضباً .. وعلگت .. وكانت تلك المشاجرة هي أولى لحظات مأساتي بسبب أسمي المحترم جداً والتي استمرت حتى يومنا هذا. ( ظلام تام لثوان، ثم تعاقب بعض الأضواء على شكل فلاشر. تتعالى أصوات متسارعة من بين أرجاء المسرح على شكل مقاطع حوارية صغيرة مختلفة )
صوت – منو محترم؟
صوت الممثل – آني
صوت – خو ما إمصدگ؟ هاهاهاهاهاها
صوت 2 – ما اسمك يا بني
صوت الممثل – ( يقلد صوت طفل ) محترم أستاذ
صوت 2 – ابني، أعرف أنني أستاذ محترم، ولكن ما اسمك أنت؟
صوت الممثل – ( بصوت طفل ) محترم يا أستاذ، أنا اسمي محترم
صوت 2 – طيب أبني، اجلس، يبدو أنك ستعيش حالماً بنتفة احترام
صوت 3 – كيف أنتَ يا صديقي محترم؟
صوت الممثل – بخير، أشكرك
صوت 3 – وهل ما زلت محترماً هاهاها
صوت الممثل – أعتقد ذلك يا صديقي
صوت 3 – هل أنت واثق يا صديقي؟
صوت الممثل - نعم يا ابن الكلب
صوت 4 – بنتي تره الولد خوش ولد، وسمعته طيبة
صوت الممثل – ( يقلد صوتاً نسائياً ) والله أدري بابا، بس اسمه سخيف
صوت 4 - ليش اشبيه اسمه؟ والله كلش محترم
صوت الممثل – ( يقلد صوتاً نسائياً ) هيه هاي المشكلة، ما أريده بابا فدوه أروحلك، ما أريده، ما أريده.
( تتوقف حركة الأضواء، فتظهر بقعة ضوء يظهر من خلالها الممثل في أحد جوانب المسرح )
الممثل – بعد موجات الغضب المتكررة، وبعد الإحباط وتخمة السخرية، قررت منذ بضعة سنوات أن أغير أسمي عندما يسألني عنه شخص عابر، واخترت أن أغيره إلى مُحَرَّم، اسم جميل وشائع، وهو كذلك اسم لأحد الأشهر القمرية ( تطفأ الإنارة ويخيم ظلام تام لثوان، ثم تعود حركة الأضواء المتعاقبة والمتسارعة – فلاشر – ويعود تعالي أصوات من بين جنبات المسرح يتخللها صوت الممثل )
صوت 1 – صحيح اسمك محرَّم؟ هاهاها، محرَّم فؤاد، يا عيني، بس أنت ما تشبهه
صوت الممثل – يا معود دروح، يا محرم فؤاد
صوت 2 – ها!! مُحرم، اسم حلو
صوت 1 – بس تعرف؟ محرم يعني عاشور
صوت الممثل – أدري
صوت 2 – بس وين قامتك، وين زنجيلك؟ لو يمكن أنت من اللطامة؟ ها!! يمكن أنت إليّ اتشيل الهودج؟!!
صوت 3 – محرم، محرم، فد مقطع من أغنية على ذوقك فدوه
( ظلام )
المشهد الثاني
(تنار بقعة ضوء في طرف المسرح، يظهر الممثل جالساً إلى طاولة الكتابة فاتحاً أمامه كتاباً، ويظهر عليه الاستغراق في القراءة، وبعد ثوان معدودات من تسليط الإضاء يرفع الممثل رأسه ناظراً إلى الجمهور يقول)
الممثل – إن الذي عانيته بسبب اسمي، والذي عاناه أبي بسبب الأسماء وتفكه المتفكهين، يندرج تحت محاولات إلغاء الآخر ( يصمت قليلاً ثم يضيف ) أقصد ثقافة إلغاء الآخر، نعم، ثقافة، ثقافة إلغاء الآخر، هذا ما توارثناه منذ قرون، منذ أن عرف الإنسان وجه المطامع والتسلط والتسييس والمُقَرر لأول مرة، المقرر، آه وألف آه من هذه المهنة، مهنة المقررين وتوابعهم، نعم، المقرر الذي أقنع البسطاء تحت بريق الذهب والقسوة بأهمية الحروب وقدسيتها حفاظاً على الوطن .. ( تطفأ الإنارة على الممثل، ويظهر شاخص خلف الحاجز الأيسر وهو يخطب بالناس )
الشاخص – إذا فتح فاتح بلاداً كانت قبل الفتح حرة سائرة على شرائعَ وسُنَنٍ خاصة بها، فللتحكُّم ثلاث طرق: الأولى، أن يخرِّب الفاتح البلاد المفتوحة، ثم يؤسس سلطته على أنقاض السلطة الغابرة. والثانية، أن يعيش الفاتح في البلاد المفتوحة.
الممثل - ( يأتي صوته من الظلام ) أو من ينوب عنه لقيادة الجيش، وهذا اعتماداً على فارق الزمن أيها الفيلسوف الخبيث المنصح بالدمار ..
الشاخص - ( وكأنه لم يسمع كلمات الممثل ) والثالثة، أن يمنح البلاد حريتها السياسية، واستقلالها الداخلي، شريطة أن يفرض عليها الجزية كل عام ..
الممثل - أن يسرق خيرات البلاد بأسرع وقت ممكن وبأكبر كمية ممكنة
الشاخص - ( يستمر بكلامه ) وهذا بعد أن يكون قد ترك في البلاد فئة تحافظ على سلطته في غيبته، ويكون عمل تلك الفئة النائبة أن تشرح لأهل البلاد المفتوحة حاجتهم إلى حماية الفاتح، وتعضيده، وتُدْخِلُ عليهم أن ذلك لا يتم إلاّ بإخلاصهم له – أي الفاتح – وتعلُّقهم به . ( تنار بقعة ضوء على الممثل وهو في جلسته السابقة خلف طاولة الكتابة )
الممثل – قبل أن تعرف البشرية وجه المقرر الذي يتمتع بخاصية الإقناع الخطيرة، كانت الروح البشرية تفيض بطاقة الحب، بل إن الإنسان حين يأتي لهذه الحياة ويستنشق هواءها لأول مرة يكون كتلة من طاقة الحب ( ينظر إلى الجمهور بتمعن ) ألسنا الذين نطلق صفة النقاء والبراءة على الأطفال؟ هل يختلف أحد في أن الطفل الصغير هو أنقى روح على وجه الأرض؟ حتى أننا حين نريد أن نصف شخصاً ناضجاً بالنقاء نقول " يبدو أن هذا الإنسان، كالطفل الصغير، نقي، طاهر " ( يهمس للجمهور ) نقول تلك المقولة بعيداً عن مسامع الشخص المعني خوفاً من أن يفهمها خطأً.. ولكن الكلمة تعني أن ذلك الإنسان يفيض بطاقة الحب كالطفل الصغير. هكذا كان الإنسان قبل ظهور المقرر، كوَّن الأسرة بدافع الحب، ثم كوَّن المجتمعات الصغيرة لتكبر شيئاً فشيئاً بنفس الدافع، وأخترع العجلة وأكتشف الزراعة والصناعة كي يخدم الآخر ويسهّل حياته، كانت البشرية تتمتع بطاقة الحب تماماً كالأطفال، كالطفل الوليد حديثاً، حتى ظهرت مهنة المقرر التي سنت قوانين الطاعة وسرقة الخيرات تحت تهديد استعمال القوة والبطش بكل من يختار العيش بطاقة الحب فقط، فتلاشت روح الطفل داخل الكبار، الطفل المحب الداعي إلى التأمل والصفاء ( ينتفض مستدركاً وكأنه اكتشف الحقيقة ) صار الطفل الجميل بعد ظهور المقرر ومرور الأزمان مشروع مؤجل لحمل راية المقرر، فحين يكبر الطفل ويبدأ بتعلم النطق ومن ثم المشي، أي يقف على قدميه مثلنا، أي يدخل عالم البشر الواقفين، سرعان ما يتعلم الخوف والممنوع والعيب والحلال والحرام والممكن وغير الممكن... يعني بصريح العبارة، يتعرض إلى عملية قمع مدروسة بدقة، تسمى في أغلب الأحيان " تربية " وهذا عنوان شكلي أو جانبي للعنوان الأصلي " تحجيم طاقة الحب " حتى تصل إلى اختفائها .. سباتها .. عليه أن يكون مثلنا .. عليه أن يورث خوفنا " وتلك القوانين التي تسمى التربية ما هي إلا إحدى الممارسات السياسية الخطرة لقتل طاقة الحب داخل الروح البشرية كي يكون الإنسان مهيئاً لدخول عالم الدراسة، دراسة حروف الكتابة والقراءة كي يقرأ المفاهيم السياسية ويكون تلميذاً شاطراً في دروس الوطنية والجغرافية والتاريخ، ويكون مثقفاً يقرأ الجريدة الوحيدة في البلد ويفهمها جيداً كونه تعلم جيداً. ( تنار الإضاءة داخل أحد الحواجز فيظهر شاخص يبدأ بالكلام مبالغ في اتزانه وثباته )
شاخص- نحن ندرس التاريخ كما يراه ويريده السيد المقرر، وكتب التاريخ التي تدرَّس في المدارس خير دليل على ذلك، فالتاريخ الموجود في تلك الكراريس تحكي لنا تاريخ الحروب والصراعات، وتبدل الحكومات والسلاطين ودسائسهم ومؤامراتهم على الحاكم أوالحكام. ونادراً ما تحدثنا تلك الكراريس المطبوعة بأمر وأموال المقرر عن تطور الإنسان وتفكيره وإبداعاته الأدبية والفنية، أو حتى طريقته وبحثه عن الحب، وإذا حصل وعثرنا على بعض إشارات لتلك المواضيع المهمة، نجدها وقد كتبت بطريقة وأسلوب ممل ينفر الطالب منه بسرعة. وغالباً ما تكون تلك الفصول غير متضمنة الأسئلة الامتحانية، بل إن معرفة الطالب بتاريخ الحروب وأسماء قادة الجيوش المنتصرة والمهزومة هي البوابة الأرجح لدخول الطالب عالم النجاح الدراسي.
الممثل - ( يعود لكلامه السابق وكأنه لم يسمع كلام الشاخص ) والإنسان اليوم مسكين .. نعم مسكين .. صار يبحث عن طاقة الحب بكل وسيلة ( يستدرك ) هو لا يعرف الاسم الحقيقي لما يبحث عنه، ولكنه يبحث عن شيء افتقده منذ زمن بعيد. ( ينظر إلى الجمهور سائلاً ) من منكم لم يذهب إلى العرافات وقارأت الفنجان؟ ( يبتسم لهم وكأنه اكتشف أحد أسرارهم ) قارئة الفنجان التي يؤمها الناس دون غيرها، هي التي تعرف كيف تحرك طاقة الحب داخل الإنسان دون دراية منها، أقصد دون أن تعرف شيئاً بعينه اسمه طاقة حب، فهي مثلنا " متعلمة " ولكنها تتمتع بذكاء ودهاء تعرف مخابئ ذلك الشيء الذي نبحث عنه. (تنار إضاءة خلف أحد الحواجز فيظهر شاخص امرأة جالسة بكبرياء بينما تبقى الإضاءة المسلطة على الممثل )
خيال العرافة - أنت طيب القلب، تحب الناس جميعاً .. ما تمسكه يدك يذهب لغيرك .. أنت تلهث وراء مصالح الآخرين وتقضي حاجاتهم، وفي أحيان كثيرة تنسى نفسك وحاجتك الشخصية بسبب حبك للخير ..
الممثل - هذا ما تفعله قارئة الفنجان الشهيرة، فأشهر العرافات هن اللواتي يحركن طاقة الحب داخل الإنسان، وتلك العرافة ودون وعي منها تعمل على تحريك طاقة الحب داخل الروح البشرية ولكنها لا تنسى أبداً أنها ابنة الواقع، فتقول:
العرافة - ليس هناك من يفهمك كما يجب .. عليك أن تكون حذراً من الناس الذين يحيطون بك .. هناك من يتربص بك " إن طيبتك وصفاء قلبك يجعلك في مرمى مطامع الآخرين، فأحذر!! عليك الحذر ولكن لا تفرط بحبك للناس .. ( تطفأ الإنارة داخل الحاجز فيختفي خيال العرافة )
الممثل - وبين هذا وذاك يخرج المرء من عندها طائراً على رؤوس أصابعه وكأنه قضى وقته القصير ذاك في أفخم صالة للسينما وقد عاش أحداث فيلم أسطوري ساحر. ( ينطلق مقطع من أغنية قارئة الفنجان، بينما يعود الممثل إلى طاولته وكتابه تحت بقعة الضوء )
الأغنية - جلست والخوف بعينيها .. تتأمل فنجاني المقلوب .. قالت يا ولدي لا تحزن .. الحب عليك هو المكتوب يا ولدي .. الحب عليك هو المكتوب يا ولدي – قطع )
الممثل - هل تعرفون لماذا صَعَّد الملحن طبقة صوت المغني حين أتت كلمة الحب؟ .. كان يريد أن يسمعنا وقعها وهي تدخل أرواحنا لتحرك داخلنا بقايا طاقة الحب، ربما هو لم يكن يدرك هذا، ولكن روحه هي التي أوعزت له بذلك .. وذلك الشاب الأسمر " عبد الحليم " الذي لا يتمتع بأي ملامح من صورة الحبيب الفارس التي تكتنزه مخيلة الفتيات، ولكنه رغم هذا أصبح فارس أحلام الكثير منهن، لماذا؟ لأنه ببساطة حرّك طاقة الحب داخلهن، بل وفي داخل أرواح الشباب أيضاً فأصبح الرمز والمثل الأعلى لعالم الحب، حتى بات الشباب يتمثلون به كي يغنموا قلوب حبيباتهم، وفي موته دلالة على ذلك، فعند إذاعة خبر موته شعر المحب أنه فقد الرمز، رمز الحب، أو الصوت الذي حرك تلك الطاقة داخل الأرواح الفتية لتلتقي على الحب، فأصبح تماماً كالعراب، عراب الحب ورمزه المجيد، فانتحرت عدة فتيات احتجاجاً على موته. فحين يضيع الدليل يكون التيه طريقاً للموت.
صوت الأغنية – ( يعاد نفس المقطع مرة أخرى ) جلست والخوف بعينيها .. تتأمل فنجاني المقلوب .. قالت
يا ولدي لا تحزن .. الحب عليك هو المكتوب يا ولدي .. الحب عليك هو المكتوب يا ولدي )
الممثل – وحين اختفت طاقة الحب حل محلها ثقافة إلغاء الآخر ( ينظر إلى الجمهور ثم يبتسم ويقول ساخراً ) مشكلتي .. مشكلتكم .. مشكلتنا جميعاً .. صار الفرد متمرساً بإلغاء الآخر ( تطفأ الإنارة على الممثل وتبدأ أضواء متعاقبة فلاشر في كافة أرجاء المسرح متزامنة مع صدور الأصوات )
صوت – يمعود هذا صار بالواسطة
صوت – ما يعرف يكتب
صوت – شاعر فاشل
صوت – ضعيف مسلول
صوت – هو خوش ولد بس سمعة عائلته مو زينة
صوت – فنان فاشل
صوت - أعور .. أعور
صوت – يمعود إنت وين عايش؟
صوت – سمين أثول
صوت - أعرج الكلب
صوت - يمكن بالمخابرات؟
صوت – أشو من يمشي يتموع مثل البنات؟
صوت – كلش حلوة وحبابة بس أمها قرچ ( ثم تستمر الأصوات بشكل متداخل وسريع ) .. كافر .. فقير .. شعّأر .. وَدَّي .. ريگه وعشي .. جيبه .. دودكي .. طگوا بالدهن .. امخبل .. معيدي .. إذبحوا .. كناس .. أچقل .. شروگي .. سِكِنْ .. إمعگل .. عجمي .. ما بي باب .. فلاّح .. بدوي .. ما شبعان خبز .. أبو قنبوره .. أبو الشريس .. إلخ . ( تتوقف الإنارة المضطربة وتنار بقعة الضوء على الممثل )
الممثل – ( يصرخ ) كافي .. نعلة الله عليكم ( صمت ) هاي شنو؟ كل هاي الألقاب نايمة بعقولنا؟ أويلي يابه، هاي احنه اشصاير بينا؟ ( يغير من وضعه ويعود ليتكلم بالفصحى ) اختفت طاقة الحب بفضل أفعال وأكاذيب المقرر، وحل محلها ثقافة إلغاء الأخر، منذ أن عرفت البشرية شخصية المقرر الذي راح يرعب الناس ويمجد الحرب، يقتل المئات بل الآلاف من الشبان الحالمين تحت كذبة اخترعها هو، الوطن، الدفاع عن الوطن، الموت من أجل الوطن، وصار يدعو ويدعم الشعراء وكتاب القص والروايات التي تمجد الجندي وهو يموت مقتولاً برصاص جندي آخر، يكون القاتل بطلاً ينال الأوسمة والنياشين، ويكون المقتول شهيداً ينال الأوسمة ومكاناً في الطين .. هذا ما فعله المقرر، قتل طاقة الحب بالحروب وتجويع الناس بحجة الوطن وجعل منهم في نهاية المطاف شرطة وجنود ومخبرين وكتبة همهم الأول خدمة السلطان .. المقرر .. ولي نعمتهم. وفي خطاباته الموجهة غالباً إلى الشعب يوعدهم بالكثير مما ينقصهم، فهو يعرف حق المعرفة ما يعاني منه أبناء الشعب، كيف لا وهو سبب مصائبهم ( تطفأ الإنارة على الممثل وتنار إحدى الحواجز فيظهر خيال رجلاً يتمثل بالمقرر )
المقرر – أيها الشعب العظيم، يا أبناء هذا الوطن العزيز الكريم، إن أعداءكم يتربصون ببلدكم وخيراته، ويتحينون الفرصة كالذئاب الجائعة المتطلعة إلى صيدِ دسم، فهذا البلد العظيم، بلد الحضارات والتاريخ المشرف، له كفيل بهمة أبنائه الغيارى الشرفاء الذي هم على أتم الاستعداد على تقديم الغالي والنفيس والتضحية بأموالهم ودمائهم وأبنائهم، في دحض شرور الأعداء وكسر شوكتهم..
الممثل - وأنت بيش راح اتضحي؟
المقرر - ( يكمل خطبته دون الاكتراث للممثل ) وأقسم لكم بتراب هذا البلد العظيم وبدماء الشهداء الأبرار الذين سقطوا في معاركنا السابقة بأن كل فرد منكم سيكون ملكاً إذا ما قورن بأبناء البلدان الأخرى، ولكن علينا أن نتخلص من ( أعدائُنا ) أولاً وحينها سيكون ( لكلُ حادثٌ ) حديث..
الممثل - لكلِّ حادثٍ
المقرر - انچب ( ثم يكمل حديثه ) أعدكم بزيادة رواتب الموظفين، وإيجاد عمل لكل عاطل، فالخطة الخمسية التي تعطلت بسبب مطامع الأعداء كان من شأنها أن تحسن من ضخ الماء الصافي في المدن والأرياف وأن تحسن توزيع التيار الكهربائي وتخلصكم من طفح أنابيب الصرف الصحي وأزمة السكن واختناق الشوارع بالمركبات والمارة، ولكن أعداءكم لا يريدون لكم الخير، يريدون تعطيل خططنا في التطور وبناء البلاد على النهج الديمقراطي الحديث، ولكن هيهات، فالغد المشرق لنا ما دام هناك ضوء في نهاية النفق، وما دام هناك شيء يلوح في الأفق..
الممثل - ( يصفق باستخفاف ) يعرف كل ما ينقص الشعب، يعرف متطلباتهم، يعرف كيف يُمَنِّي الشعب بالوعود ويطلق كلامه المعسول، فقط عندما يشعر بالخطر، فقط حين يهتز كرسيه، يتوسل الشعب في وقت المحن، وفي وقت الرخاء ينعت الشعب بالحمير ( يستدرك بإشارة ماجنة ) في جلساته الخاصة طبعاً. ( يعود إلى نبرته السابقة ) يطلق كل الصفات القبيحة على شعبه حين يكون مسترخياً، وهو يعرف أن بعض الصفات حقيقية، ويعرف أيضاً أنه هو الذي شارك في صنع تلك الحقيقة، ولكن الشعب دائماً في صحوة من أمره، يعرف كل شيء ولكنه مغلوب على أمره، مسلوب الإرادة، يبتكر النكتة والإشارة والهمز واللمز ويخترع المصطلحات ليستخدمها سلاح في وجه المقرر الظالم، أو دواء يخدر به جروحه، ومن تلك الأسلحة استخدم الشعب الأغنية، ذلك السلاح الخطر الفتاك الذي يصل بسرعة مذهلة إلى مسامع الناس الخبيرة بفهم الإشارة ( تطفأ الإنارة على الممثل وتنطلق موسيقى أغنية شعبية حيث تنار إحدى الحواجز فيظهر خيال لراقصة وإلى جانبها يجلس بالمقرر )
الأغنية - ( أغنية باللهجة المصرية ) وبحبك يا حمار .. ولعلمك يا حمار .. أنا بأزعل أوي لما حد ايألك يا حمار .. يا عم الحمير كلهم .. علي الطرب عمهم .. ولابس حزام بدل اللجام .. وعايز كريم بدل البرسيم .. وبحبك يا حمار. ( تستمر الأغنية حتى نهاية المقطع )
المقرر - ( ينخفض صوت الأغنية بينما الراقصة مستمرة في حركاتها. يتحدث المقرر باللهجة المصرية ) إلا أوليلي يا بت، هو مين الحمار؟
الراقصة - ( تطلق ضحكة ماجنة ) هيهيهيهي إلِّي ما يعرفش مين الحمار. ( تستمر الأغنية لثوان معدودات، ثم تطفأ الإنارة على الحاجز وتقطع الأغنية وتنار بقعة الضوء على الممثل )
الممثل - تتحرك طاقة الحب في دواخلنا بعض الأحيان، فنشعر بإنسانيتنا أو بنشوة خاصة لا نعرف في أغلب الأحيان سببها، حين نسامح أو نتصالح، وحين نقدم مساعدة للآخر دون أن يطلبها، حين يقبل الحبيب حبيبته أو يتبادل معها الحب، حين نضحك أو نتحدث مع الأطفال، نعم الأطفال، أولئك الذين لم يتعلموا الكلام بعد. ليس هناك شخص في عالمنا لا يسعى إلى كسب احترام الناس وتقديرهم؟ كيف لا وهي السعادة بعينها، ولكن، دعوني أسأل، كم واحد منا تلمس يده بيده الأخرى وهو ينظر إليها متمعناً بانزلاق الجلدة على العظام ونتوء الشرايين وألوانها؟ قلة قليلة على الرغم من أننا نتلمس أيدينا عشرات المرات في اليوم الواحد، خصوصاً حين نشعر بحرارتها ونحن نصفق لشعار أجوف. وقد يحدث ونمعن النظر في اليد التي تتلمس توأمها، ولكن حين نكون في نوبة خجل أو شاردي الذهن، أي أننا في حقيقة الأمر لا ننظر إلى اليد أو الكف، بل نستأنس بلمسها كي تتضح لنا الفكرة. هذا هو بالضبط ما أرمي إليه، علينا أن نتلمس الآخر كي تتضح في مخيلتنا الفكرة .. الفكرة .. الفكرة .. الحياة، أليست الحياة فكرة؟ ( يصمت لثوان ثم يتابع ) البسطاء الذين يشغلهم أمر الآخر والذين لا يعرفون الطريقة الأمثل لتحريك طاقة الحب داخله، يتجهون إلى طرق لا تخلو من البساطة والسذاجة في أغلب الأحيان من أجل كسب وده واحترامه ( يستدرك ) أقصد الآخر.
صوت - ( يأتي من وراء الكواليس وكأنه يذكر الممثل بشيء، يناديه باسمه الحقيقي – طارق مثلاً - بصوت هامس وكأنه الملقن، حريص على ألا يسمعه الجمهور) طارق .. طارق .. البازبند
الممثل - شنو؟
الصوت - البازبند .. البازبند يا معود
الممثل - البسطاء منا يفكرون بطاقة الحب على طريقتهم، فحين يتوجهون إلى لقاء مهم، لمقابلة شخص ما، حبيب، مدير عام، شرطي، أو مقرر اصغير، يعمدون على ترتيب هندامهم، وتصفيف شعرهم وتلميع أحذيتهم، من أجل أن ينالوا القبول لدى المستقبِل، وهناك من يفكر في امتلاك الحجاب أو تعويذة خاصة يلبسها الشخص مربوطة على زنده، تسمى بالعراقي البازبند، وتلك التعويذة الخاصة مهمتها أن ينشرح صدر من يلقاك ويستقبلك بفرح حالما يراك، ولكن الحقيقة تقول إن طاقة الحب هي أقوى تعويذة من شأنها أن تسحر المقابل وتجعله مأسوراً لديك، فقط عليك أن تختلي بنفسك لساعات قبل لقائه وتفكر مَليَّاًَ بأنك تحبه، أو تعوِّد روحك وتقنعها بأنك تحبه، ولو فعل الآخر نفس الفعلة، تكون المهمة أسهل والوضوح يكون تاماً، أي تتضح في مخيلتنا الفكرة .. الفكرة .. الفكرة .. الحياة، أليست الحياة فكرة؟ ( تطفأ الإنارة على الممثل وتنار أخرى في إحدى الحواجز فيظهر خيال شاخص " الشاعر " يعتمر قبعة ويقف وسط الحاجر يلقي شعراً )
الشاعر - الثابتون أبداً
الممثل - ( يأتي صوته من داخل الظلام يقلد نبرة الشاعر ) المقررون أبداً
الشاعر - الثابتون أبداً والساذجون
الممثل - المقررون أبداً والمعجبون بهم
الشاعر - أرجوك يا صديقي ألا تقاطعني، بالمناسبة هل تفهم الألمانية؟
الممثل - أكيد، إذا كانت مكتوبة بأسلوب طاقة الحب
الشاعر - عظيم جداً، دعني أكمل شكواي إذاً، أقصد فكرتي وأنتبه لكل كلمة فيها ( يبدأ بإنشاد شعره )
الثابتون أبداً والساذجون
لا يحتملون بالطبع شكّنا
ويشرحون لنا ببساطة أن العالم مسطح
وأن أسطورة الأعماق هراء
الممثل - وأن أسطورة الحب والصفاء والوضوح هراء
الشاعر - ( يظهر ضيقه من مقاطعة الممثل له ) لا تقاطعني يا صديقي، أرجوك ( ثم يعود لقراءة قصيدته )
الثابتون أبداً والساذجون
لا يحتملون بالطبع شكّنا
ويشرحون لنا ببساطة أن العالم مسطح
وأن أسطورة الأعماق هراء
...................
لأنه لو كانت هناك فعلاً أبعاد أخرى
غير البعدين الطيبين المألوفين للناس منذ القدم
فكيف يمكن أن يعيش إنسان آمناً
وكيف يعيش إنسان بلا هَم؟
................
فكيفما نحقق سلاماً
دعونا نحذف بعداً
....................
فإذا كان الثابتون مخلصين حقاً
وكان النظر إلى الأعماق خطيراً إلى هذا الحد
فإن البعد الثالث أمر يمكن صرف النظر عنه. ( تطفأ الإنارة على الحاجز فيختفي شبح الشاعر وتنار بقعة الضوء على الممثل)
الممثل - ( يشير حيث الحاجز الذي ظهر فيه خيال الشاعر منذ قليل ويقول بفخر ) صديقي ( يصمت لثوان مبتسماً وعلامة الزهو مرسومة على محياه ثم يقول ) صديقي، هيرمان هيسة. ( يستدرك حيث يغير لهجته ليتكلم بجدية واضحة ) الموسيقي والكاتب والعالم والشاعر الذي يثير فينا الدهشة والذي يدعو الناس إلى تحريك طاقة الحب لتكون الأداة في التعامل مع الحياة، الذي يدعو إلى الصفاء والوضوح واكتشاف خبايا الحياة وزواياها التي لم تكتشف بعد، ربما يكون وحيداً حزيناً حالماً مكتئباً مثقلاً بهموم الحياة، ولكنه رغم ذلك يحاول جاهداً أن يعبر فوق آلامه ليصور لنا الجمال ويقدم لنا وجبة حياتية مترعة بالصفاء وبهجة الفكرة ودهشتها، بينما يمنحنا المقرر في لحظة صفائه ووضوحه، الشعارات الزائفة والوعود الكاذبة، وفي أحيان أخرى يمنحنا الحروب والدمار والجوع، يمنحنا الموت، ترى من هم الساذجون؟ نحن أم هم، أولئك الذين يتحلقون حول المقرر راقصين؟ ترى من هم الساذجون؟ الشاعر والموسيقي والكاتب والعالم، المبدع؟ أم هم؟ .. أولئك .. ( قطع – تطفأ الإنارة في كافة أرجاء المسرح وتنطلق أغنية لفيروز )
الأغنية - ( تنطلق مع الظلام المخيم على المسرح ) من زمان .. أنا وزغيرة .. كان في صبي يجي من الإحراش .. ألعب أنا ويا .. كان اسمه شادي .. أنا وشادي غنينا سوى .. لعبنا على الثلج .. ركبنا بالهوى .. كتبنا على الحجار .. قصص صغار .. ولوحنا الهوى .. ويوم من الأيام .. ولعت الدنيا .. ناس ضد ناس .. علقوا بهالدني .. وصار القتال .. يقرب على التلال .. والدنيا دنيا .. وعلقت ع أطراف الوادي .. شادي ركض يتفرج .. خفت وصرت أندهلو .. وينك رايح يا شادي .. أندهلو ما يسمعني .. ويبعد يبعد بالوادي .. من يومتها ما عدت شفته .. ضاع شادي .. والثلج أجا وراح الثلج .. عشرين مرة إجا وراح الثلج .. وأنا صرت أكبر .. وشادي بعده صغير .. عم يلعب على الثلج .. على الثلج . ( إضاءة على الزاوية التي يكون فيها الكرسي وطاولة الكتابة بعد انتهاء الأغنية مباشرة، ويظهر الممثل جالساً حيث الطاولة واضعاً وجهه بين راحتيه وهو يقول )
الممثل - لقد مثل الشاعر طاقة الحب بشخصية الطفل، نعم، الطفل شادي الذي كان يلعب مع حبيبته بالثلج، ولكن حين ظهر المقرر ليقرر نشوب الحرب، ضاع شادي بين حشود المتقاتلين، ضاعت طاقة الحب، بقي الإنسان المتمثل بصوت الشاعر وبالتالي صوت المطربة يبحث عن تلك الطاقة الكنز، وهذا هو حالنا نحن البشر منذ أن ( يتكلم باللهجة اللبنانية تماماً كما كانت الكلمات في الأغنية ) ولعت الدنيا، وعلقت ع أطراف الوادي ( يعود إلى نبرته ولهجته السابقة ) منذ أن ظهر المقرر وفي أذياله الحروب والموت .. ( صمت لثوان ) كم هو جميل ذلك الشاعر الذي صور لنا قصة البشرية في ثوان معدودات؟ تصوروا أنه اختزل الزمن، اختزل عشرين عاماً أو ربما عشرين قرناً من الزمن في كلمات بسيطة وهو يصور مأساتنا وأمنياتنا ( يصمت قليلاً وهو ينظر صوب الطاولة، ثم يتناول كتاباً ويفتحه ثم يبدأ بالقول وكأنه يقرأ دون النظر إلى الكتاب ) تشاجر الحبيب مع حبيبته أو زوجته ( يستدرك ) لا، لا حبيبته هكذا جاء في إحدى الروايات ( يتابع ) تشاجر معها وعلا صراخهم وكان يعرف بأنه صاحب الخطأ، ولكن كبرياؤه ..
صوت - شنو!!؟ كبرياؤه!! .. بالله هاي مو يحتاجلها طيـيييط .. يابه يا كبرياء إذا هو كل ليلة ايرهول على صدرها؟ وياكل ويشرب من ايديها، وبعدين ايدور وياها كبرياء؟
الممثل - المهم ( يشير تجاه الصوت ) تربية غلط .. كبرياؤه الذي منعه من الاعتراف بخطئه ومنعه بالتالي من الاعتذار، وعندما لاحظ أن حالة حبيبته الثائرة وصلت حداً خطيراً قد يفقدها سيطرتها أو يدخلها في نوبة إغماءة عظيمة، خرج يدك شوارع المدينة بقدميه، لم تكن هناك وجهة معينة يقصدها، فغرق في تفكير عميق وراحت الصور تظهر أمامه كفيلم سينمائي. تصور أن حبيبته نتيجة لنوبة الشجار تلك قد تملكتها نوبة من الحرارة والهذيان ففقدت على إثرها القدرة على التنفس فلفظت أنفاسها الأخيرة، ثم تم تشييعها ودفنها في مقبرة العشاق .. تصور أن مقبرة العشاق هي أكبر مقبرة في العالم .. وشاهد نفسه يجلس عند قبر حبيبته باكياً بمرارة، ثم رفع رأسه إلى السماء متوسلاً أن يعيد له حبيبته للحظة واحدة كي يعتذر منها ويحتضنها .. سالت دموعه على خديه وهو يجوب الشوارع واضعاً كفيه بجيب بنطاله، أفزعته المشاهد التي تخيلها، فقال في نفسه، ما هذه المشاهد المرعبة؟ كيف أتصور هذا وحبيبتي في بيتي تنتظر عودتي؟ فعاد أدراجه مسرعاً إلى بيته كي يحتضن حبيبته، وحين دخل البيت وجد زوجته ملقاة على الأرض وقد ماتت ( لحظة سكون، وموسيقى حزينة لثوانٍ .. يطلق الممثل ضحكة صاخبة يهزأ بها من الجمهور ثم يقول ) هل شعرتم بقليل من الحزن؟ على الشخص الذي شعر بذلك، أن يكون متأكداً من أن طاقة الحب ما تزال تنبض بالحياة داخل روحة ( يستدرك ) لا، بالحقيقة لم تمت الحبيبة بل وجدها عند الباب تنتظره، احتضنها وأعتذر منها .. لقد أعادته طاقة الحب التي أخمدها المقرر في داخله منذ قرون إلى حبيبته، أعادته إلى طبيعته البشرية، حين تحدث إلى روحه ثوانٍ معدودات.
صوت – ( يأتي من خلف الكواليس ) ولك أنت منين اتجيب هذا الحجي؟ أني شعليه؟ ابن الكلب
الممثل - ( يشير اتجاه الصوت ويتحدث للجمهور ) المقرر ( ثم يتجه بكلامه صوب الصوت ) شلون أنت شعليك؟ لعد همه ليش اتعاركو؟ غير بسبب أبو الشاب الي كان يشتغل مثل شغلتك ( يتحدث إلى الجمهور ) كان والد الشاب أحد نبلاء ذلك العصر، وكان معارضاً بشدة لزواج ابنه من حبيبته، بل إنه راح يحوك المؤامرات من أجل منع ذلك الزواج. على العموم، دعوكم من هذا المتغطرس الذي تنكر لسخافاته منذ قليل، أنه يكذب على الدوام، فهو في الحقيقة سبب مصائبنا جميعاً، فحين صنع الإنسان الألعاب النارية منذ قرون بعد أن اكتشف سرها.. أعتقد كان ذلك في الصين؟ .. كان يروم التعبير عن فرحته بشكل أكثر علانية، كان شيئاً عظيماً أن يزيِّن الإنسان ظلام الليل بشموس صغيرة تتلألأ في السماء لبضع وقت. ولكن ما الذي حدث بعد ذلك .. أتى هذا الملعون وحولها إلى صواريخ تقتل الأبرياء بحجة الدفاع عن الوطن
المقرر - لا يا خائن، لعد اتريد الأعداء يحتلون البلد؟
الممثل - معتوه، الأعداء الذين يتحدث عنهم هو الذي صنعهم .. المهم، وحين اخترع الإنسان الكهرباء لينير بها حياة الإنسان ويبدد الظلام الذي يلفهم أتى هذا المتغطرس ليستخدمها في تعذيب السجناء أو تعذيب الشعب من خلال قراراته الخفية بقطعها عنهم ساعات طوال ..
المقرر - مو سجناء يول، خونة مثلك، وإنِّا لهم بالمرصاد
الممثل - أسكت ولك .. خونة!! خونة إلمن؟ إلك أنت؟ لو ما أنت وقراراتك وسرقاتك ما كان هناك لص أو مجرم أو سجين، نسيت بأنه أنت من اخترع السجن، لا والمشكلة يكتب على باب السجن عبارة اشكبرهــــا " السجن إصلاح وتهذيب " ( يغير من لهجة ويوجه حديثه للصوت ) ولكن تذكر أيها المقرر المجرم بحق شعبك أن من يسرق بسبب الجوع ويثور بسبب الظلم هو إنسان شريف ويستحق التقدير حسب قانون البشرية، أقصد حسب قانون الطاقة، طاقة الحب.
المقرر - والله ذبحتي بالحب .. هو شنو الحب؟ بوس!! بوسة بوستين اتلاثة، وبعدين الواحد يشرب گلاص مي لأن ريجه ينشف؟
الممثل - حمار .. عفوا، سخيف، ساذج .. دعونا من هذا المتخلف .. دعتني طاقة الحب يوماً أن أفكر في شيء خيالي كان يدور في خلدي، فقد فكرت في أن ينفع الإنسان أخاه الإنسان عن طريق المعرفة، فتصورت أني حين أصل لحظة الموت، فأني بالتأكيد كنت قد عشت عمراً كاملاً ونهلت من المعرفة الكثير، ولكن معرفتي تبقى ناقصة بالتأكيد، ولذلك تمنيت لو أبعث للحياة من جديد ولكن بنفس العقل والمعرفة التي أحملها لحظة مماتي، يعني أن أنال من العلم والمعرفة بطاقة عمرين لشخصين مختلفين ولد الثاني في يوم وفاة الأول، ثم أطلقت العنان لمخيلتي وأنا أتلذذ بتلك الفكرة، وتمنيت لو أن ما أتمناه قد حدث مع أنشتاين مثلاً، أو الفارابي أو إبن سينا أو آخرين، حين ذلك لمعت في ذهني حقيقة جعلتني أضحك طويلاً حتى أني ذهبت إلى المرآة كي أشاهد ملامح الخيبة والخجل على وجهي، وسبب ضحكي وشعوري بالفشل هو أني اكتشفت أن أغلب الأسماء التي استحضرتها في ذهني هم في الحقيقة قد تركوا عقولهم ومعرفتهم في متناول أيدنا، وما علينا سوى أن نطلع عليها ونضيفها إلى عقولنا بدراية وتمعن ثم نزيد عليها ما أمكننا، فكتبهم ومؤلفاتهم تملأ رفوف المكتبات. منذ ذلك الحين وأنا أفتش بين الكتب عن عقول كان وما يزال لها الأثر الكبير في حياة البشرية خصوصاً تلك العقول التي كانت تدعو إلى تحريك طاقة الحب من جديد، حينها توجهت إلى مكتبتي الصغيرة ( يتوجه إلى زاوية المسرح حيث رفوف الكتب، ويستل كتاباً ثم يتأبطه وهو مستمر في كلامه ) وأخذت أول كتاب وقع عليه نظري، كان يحكي قصة حياة شاعر ويستشهد بالكثير من قصائده، فرحت أقرأ وأقرأ بنهم، صحيح أني قرأت الكتاب هذا من قبل، ولكني في هذه المرة صرت أقرأ وطاقة الحب تدفعني ( يتوجه حيث الأريكة ) وبقيت أقرأ حتى سيطر عليَّ النعاس ( يضطجع على الأريكة ويؤدي دور النائم ) فغفوت إغفاءة ملائكية، ومن قرارة النوم زارني الشاعر ( تضاء الإنارة خلف الحاجز القريب من أقدام الممثل ليكون قبالته فيظهر شاخص السياب بينما تبقى الإنارة مسلطة على الممثل ) وتمثل أمامي بشحمه ودمه، أقصد بجلده وعظمه وهو مبتسم في وجهي، وحينها أسرني سراً خطيراً، وقال إن طاقة الحب التي كانت تملأني والتي كنت أحركها صوبه من خلال قراءتي لما كتبه هي التي دفعته إلى زيارتي ( ينطلق صوت الشاخص من خلف الحاجر )
السياب - اسمع يا صديقي الممثل، إن ما يشغلك منذ زمن، هو ما كان وما يزال يشغل تفكيري، الصراع المرير بين إظهار طاقة الحب ومحاولة إلغاء ثقافة إلغاء الآخر التي تشغل تفكيرك وآخرون غيرك، ذلك الصراع كان أحد همومي الكثيرة، بل كان على رأس الهموم في فترات مختلفة، وبما أنك مثلي في الهم والبحث، أريد أن أسرك سراً لا يعرفه أحد غير المنشغلين بهمنا المشترك. صرت أشعر منذ أن عرف الدم تدفقه في أجزائي وأنا أدخل مرحلة الشباب، بأن شكلي يقف عائقاً أمام دهشة روحي، وأن الشكل كما تعرف له سحره الخاص تحت تأثير ثقافة الإلغاء البغيضة، وقد حاول السذج وأصحاب الأدمغة السميكة أن يلغوا الكثير من قصائدي وأفكاري متكئين على شكلي وخزينهم المتماسك من تعاليم الإلغاء، فصرت أكثر انطواء وأعمق تفكيراً، وفي لحظات معينة، حين تشتد بجسدي نزعات دهشة الروح، كنت أقرر أو استسلم إلى فكرة الارتباط بحبيبة عمياء كي لا تنظر إلا صوب أفكاري وإنسانيتي، وهذا السر الذي أعرف بأنك ستحافظ عليه، ظل يلازمني كفكرة وأمنية حتى قابلت امرأة عمياء بالفعل ولكن انطفاء عينيها قد أوقد في روحي ملحمة شعرية أشبعت كل جوع كان يقلق روحي.
الممثل – ( يتكلم كما الحالم أثناء غرقة في النوم ) لن أسألك عن دعواتك في إطلاق طاقة الحب عند البشر لأنها ببساطة سهلة الاكتشاف والاستخدام، ألم يستخدمها الأطفال في أيامهم الأولى من دخولهم عالمنا المضطرب هذا؟
السياب - أرجو ألا تسهب كثيراً، فأنت نائم، قل ما تريد!
الممثل - أريد أن أناقشك في دعواتك لكشف ثقافة إلغاء الآخر التي زرعها المقرر في نفوسنا ...
السياب - ( يقاطع ) حسناً يا صديقي سوف أقرأ لك بعض أبيات من قصيدة أنبه فيها عن قباحة الدنيا فيما لو اختفت طاقة الحب التي شبهتها بالأطفال ( ثم يقول ساخراً وكأنه متأكد من إن ما يقوله يعرفه الجميع ) وهذا سر آخر أفشيه إليك ( يبدأ بالقراءة )
وكم من أبٍ آيبٍ في المساء
إلى الدار من سعيه الباكرِ
وقد زمَّ من ناظريه العناء
وغشّاهما بالدم الخاثر
تلَقَّاه في الباب طفلٌ شرود
يكركر بالضحكة الصافية
فتنهلُّ سمحاء ملء الوجود
وتزرع آفاقه الداجية
نجوماً، وتنسيه عبء القيود
الممثل - وهُمْ في ليالي الشتاء الطوال ( يمكن أن يغني الأبيات )
ربيعٌ من الدفء والعافية ( تطفأ الإنارة على الحاجز فيختفي شاخص الشاعر، بينما
تلمّ العجائزُ فيه الورود يبقى الممثل على وضعه السابق )
ويلمحن عهد الصبِّا ثانية
ويرقصن بين التلال
يرجِّحن أرجوحة في الخيال
بعذراءَ في ليلةٍ مقمرة
وفي ظلِّ تفاحة مُزهرة
تنام العصافير فيها ...
( تبدأ موسيقى بالعزف ويبقى الممثل في وضعه النائم، ولكنه سرعان ما يكتشف غياب شاخص الشاعر، فيبدأ بالنداء عليه وكأنه يريد أن يكمل معه الحديث )
بدر .. بدر .. أين أنت؟ لماذا تذهب يا أخي؟ هل تعرف بأن التحدث إليك فرصة عظيمة؟ فأنت أفضل مثال وأعظم ضحية من ضحايا ثقافة إلغاء الآخر .. هل أذكرك بقيدتك التي كتبتها لزوجتك تطلب منها ان تحبك بصدق؟ ( تنار الإضاءة على الحاجز الآخر فيظهر شاخص الشاعر وهو يقول )
السياب - أعرف هذا، فقصيدة " أحبيني " كنت قد كتبتها بالفعل إلى زوجتي ..
الممثل - ( يقاطع ) وفيها تعترف بان خضت سبع تجارب مع سبع فتيات ولكن جميعهن ..
السياب - ( يقاطعه، ويبدأ بتلاوة قصيدته ) ما أحبوني
وما من عادتي نكرانُ ماضيَّ الذي كانا ،
ولكنْ ..، كلُّ من أحببْتُ قبلك ما أحبّوني
ولا عطفوا عليَّ ؛ عشقتُ سبعاً كنّ أحيانا
ترف شعورهن عليَّ ؛ تحملني إلى الصينِ
سفائنُ من عطورهنّ، أغوص في بحرٍ من الأوهام والوجدَ
فألتقط المحار أظنُّ فيه الدُرَّ ، ثم تظلُّني وحدي جدائلُ نخلةٍ فرعاءْ
فأبحث بين أكوام المحار، لعلَّ لؤلؤة ستبزغ منه كالنَّجمه،
وإذ تدمي يداي وتُنزع الأظفار عنها، لا ينزُّ هناك غيرُ الماء
وغير الطين من صَدَفِ المحار فتقطر البسمه
على ثغري دموعاً من قرار القلب تنبثقُ،
لأن جميع من أحببتُ قبلك ما أحبُّوني .
الممثل – آه فتلك باعتني بمأفونِ
لأجل المال ، ثم صحا فطلقّها وخلاّها .
السياب - وتلك لأنها في العمر أكبر أم لأن الحُسن أغراها
بأني غير كفءٍ خلفتني كلما شرب الندى ورق
وفتح برعم مثلتها وشممت رياها
وأمس رأيتها في موقف للباص تنتظر
فباعدت الخطى ونأيت عنها لا أريد القرب منها
الممثل - وتلك كأن في غمَّازتيها يفتح السّحرُ
عيون الفُلِّ واللَّبلاب عافتني إلى قصر وسيّاره
إلى زوج تغيَّر منه حالُ فهو في الحاره
فقير يقرأ الصحف القديمة عند باب الدار في استحياء
يحدثها عن الأمس الذي ولَّى فيأكل قلبها الضَّجر
السياب - وتلك وزوجها عبداً مظاهر ليلها سهر
وخمرٌ أو قمار ثم يوصد صُبحها الإغفاء
عن النهر المكركر للشراع يرفّ تحت الشمس والأنداء
وتلك وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها
شربت الشِّعر من أحداقها ونعست في أفياء
تنشرها قصائدها علي : فكل ماضيها
وكل شبابها كان انتظاراً لي على شطٍ يهوِّم فوقه المطر
وتنعس في حماه الطيرُ رشّ نُعاسها المطر
فنبهها فطارت تملأ الآفاق بالأصداء ناعسةً
تؤج النور مرتعشاً قوادمُها وتخفق في خوافيها
ظلال الليل أين أصيلنا الصيفيُ في جيكور ؟
وسار بنا يوسوس زورقٌ في مائه البلور
وأقرأ وهي تُصغي والربى والنُّخل والأعناب تحلم في دواليها
تفرقت الدروب بنا نسير لغير رجعه
وغيَّبها ظلام السجن تؤنس ليلها شمعه
فتذكرني وتبكي غير أني لست أبكيها
آه .. زوجتي قدري ..
الممثل - آه هاتي الحب .. روَّيني به ( تطفأ الإنارة داخل الحاجز فيختفي شاخص الشاعر وتنطلق
نامي على صدري موسيقى هادئة تختلط مع كلمات الممثل )
أوّاه
من الحُرَق التي رضعت فؤادي ثمة افترست شراييني
أحبيني
لأني كلُّ من أحببت قبلك لم يحبوني
تستمر الموسيقى بعد أن ينهي الممثل كلامه وهو في وضعه النائم. وبعد ثوانٍ تتغير الموسيقى لتصبح مارشات عسكرية توحي بنذير أمر جلل يحدث في البلاد، تستمر الموسيقى بالعزف وتنار إحدى الحواجر ليظهر خيال مذيع تلفزيوني داخل إطار كبير مربع الشكل يوحي بشكل التلفزيون )
المذيع - أيها الشعب العظيم، شعب البطولات والتضحيات والصبر السرمدي، نقرأ عليكم الآن القرار الصادر من لدن مقررنا العظيم حفظه الله ورعاه.
يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ . ويا عبادي ان كنتم تعتقدون أنى لا أراكم فذاك نقص في إيمانكم .. أيها الشعب العظيم، من واجبي عليكم أن أُطلِعَكم على كل ما نفكر فيه كوننا ولي نعمتكم والساهر على راحتكم دوماً وأبداً، وحرصاً منا على سلامة الأمة وعزتها فقد قررنا بعد الدراسة المكثفة والمداولة المستفيضة على أن تكون هذه الأمة التي نقودها ولاّدة للعقول العلمية والعبقرية والرجال العظام الذين سيقودون هذه البلاد إلى صروح العزة والكرامة، وبما أنكم قد أكتشفتكم في شخصنا العظمة والعبقرية والنظرة العلمية الدقيقة والصائبة دائماً، وبما أني عشت في يتمٍ ولم يكن لي أب يرعاني ويتابعني ومع ذلك وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، وحظيت برضاكم ومحبتكم وإعجابكم، فقد أكتشف علماؤنا بعد دراسات وبحوث علمية مكثفة استمرت لسنوات طوال. إن من واجب الدولة أن تستحدث ماكينة متطورة لإنتاج الأيتام والأرامل كي يزداد عدد العقول العبقرية في هذه الأمة المجيدة، لذا قررنا نحن مقرر هذه البلاد استحداث تلك الماكنة وتشغيلها اعتباراً من مساء هذا اليوم، وليكن كلامي هذا هو البيان رقم واحد الآمر بدوران الماكنة المباركة. وفقكم الله والعزة للأمة ولنا. ( تطفأ الإنارة على الحاجر ويختفي خيال المذيع )
الممثل - ( يبدأ بترديد كلمات بصوت خفيض على نفس اللحن والطريقة التي تقرأ بها أسماء الله الحسنى قبل أن ينهي المذيع كلامه ثم يرتفع صوته بعد انتهاء المذيع من كلامه ) المناضل .. المتحامل .. المغوار .. الطيّار .. كاره العار .. مشعل النار .. الجسور .. الغيور .. أبو الطيور .. القائد .. الصامد .. الجامد .. الحاقد .. القائد الضرورة .. صاحب الصورة .. زوج الغيورة .. الصمصام .. الهمام .. مطلق الهَوَام .. محرق الأنام .. قاتل الأحلام .. المقرر المؤمن .. المرض المزمن .. خادم المساكين .. زفت الطين .. قاتل المقرر .. المقرر الجديد .. المقرر العنيد .. المقرر المدبر .. المقرر المقبل .. المقرر المقرر .. المقرر ( يتباطأ صوته حتى يتلاشى ليوحي أنه ما يزال في نومه ) المقرر .. المقرر .. الـمـقـ .. المــ .. الـ .. رر .. رر . رر .. ( يسود صمت لثوانٍ ثم تنطلق أصوات مدافع وقنابل وبنادق تستمر لفترة قصيرة، يستيقظ الممثل على أثرها مذعوراً )
الممثل - شكو؟ .. شكو يا معودين؟ .. أقصد، ماذا يحصل .. ما هذه الأصوات؟ .. ماذا حدث
صوت - إنها الماكينة، ماكينة إنتاج الأيتام، لقد باشرت الماكينة المباركة بالعمل وقد بدأت الإنتاج العظيم.
الممثل - لعنة الله عليك وعلى الماكينة وبالتالي على المقرر الكلب .. المقرر المتغطرس الذي أقنعه المتخلفون والجهلة الذين يلتفون حوله بأنه عبقري وعظيم، إنها الكارثة، بل هي كارثة الكوارث، الشاعر يطالب بالاعتناء بالأطفال والعمل بالحب، والمقرر يأمر بيتمهم، يأخذ أطفال المدارس من مقاعدهم الدراسية ليلقي بهم في محرقة الحرب، يفجر بهم الألغام. العالِمُ يكتشف البارود لفتح الأنفاق ويمد الطرق ويستخرج خيرات الأرض، والمقرر يستخدمه في النسف والقتل والتفخيخ، الفنان يرسم جمال الحياة وسحرها، يرسم أحلامه وتطلعاته الإنسانية والمقرر يأمر بإعدامه حين يرفض رسم وجهه القبيح ( عودة لأصوات الإنفجارات )
المشهد الثالث
( يظهر الممثل نائماً على الأريكة، ثم يستيقظ فزعاً وعلامات النوم والانزعاج على ملامحه )
الممثل - كابوس، كابوس سخيف، كابوس أزلي، منذ أن عرفتْ روحي متعة الروح وهام خيالي بالصفاء وهذا المقرر يطاردني في يومي ومنامي، كابوس، ( يشدد على العبارة ) المقرر كابوس، نعم، كابوس مقيت، بغيض، تماماً كما هي ثقافة إلغاء الآخر، ( يستدرك ) أتذكر فكرة راودتني وأنا أعيش مرحلة الصبا، كانت الفكرة بمثابة الذروة في ممارسة إلغاء الآخر، ( يتوجه إلى الجمهور ) وأنا على ثقة بأن أغلبكم وأنا من بينكم قد راودتنا تلك الفكرة. حينها فكرت في طريقة سحرية تمكنني من الاستحواذ على كل ما أتمنى وأشتهي، فتصورت بأنني أمتلك طاقة سحرية أستطيع من خلالها أن أوقف الحياة لفترة زمنية معينة، يتجمد خلالها كل البشر ويصبحوا كالتماثيل، غير قادرين على الحركة، غائبين عن الوعي تماماً، حينها أكون أنا وحدي أتجول في المدينة، أدخل المحال والبيوت والمصارف، أجمع ما أريد وما أتمناه، ثم راحت مخيلتي أبعد من ذلك، فتصورت نفسي وأنا أعبث بأجساد ووجوه من لا أحترمهم، خصوصاً المقرر ومدرس الجغرافية الذي كان يتسلى بضرب طلابه، وهناك أشياء أخرى فكرت بها لا يمكنني أن أخبركم بها لأنها خاصة جداً وعاطفية بعض الشيء. المهم، وبعد أن أحصل على مبتغاي أعيد الحركة للبشر مرة أخرى فتعود الحياة من حيث توقفت. تصوروا أن صبي في الثانية عشر من عمره أو حتى في الخامسة عشر، يمتلك تلك المخيلة الخطيرة التي تتمنى أن تلغي جميع البشر في ضربة واحدة من أجل أن يحقق رغباته، ترى من أدخل في مخيلته تلك الأمنية الخطيرة؟ سؤال اتركه لكم كي تجيبوا عليه بعد حين. ( تنطلق موسيقى لمارشات عسكرية )
صوت - أنت يا هذا، لقد وصل كلامك ودعوتك لإطلاق طاقة معينة من أجل إلغاء شيء معين إلى مسامع سيدنا المقرر، فقرر أن يزورك في نومك .. ( يقاطعه الممثل )
الممثل - في نومي؟؟ كيف؟
صوت - إذاً فأنت غبي!! كنا نحسبك ذكياً مفكراً عارفاً بما دار ويدور حولك، ألم تشكُ منذ قليل من كوابيس في نومك يكون دائماً المقرر بطلها؟
الممثل - الحق معك، ولكن أرجو أن تمنحني العذر، لقد نسيت، ولكنها المرة الأولى التي أعرف فيها أن المقرر يستطيع أن يقرر دخول الأحلام والكوابيس متى شاء!!! ( يقاطعه الصوت )
صوت - كافي .. خلص .. انچب .. المهم الرسالة وصلتك .. چاو چاو .. امخبل ..
الممثل - ( يحدث نفسه ) هاي شلون شغلة؟؟ .. آني من غير ما أعرف وأفكر بيه يجيني بالنوم ويخوفني، انوب أعرف، وأنتظره؟؟ .. يعني ما راح أنام ما دام عند الچلب ذيل ( يغير من لهجته ويعود للغة العربية الفصحى ) هذه إحدى طرق الرعب التي يمارسها المقرر، يجعل المرء متخيلاً على الدوام أن المقرر إلى جانبه، وكما سمعتم، بكلمات بسيطة ظاهرها طيب وباطنها خبيث، انتزع النوم من عيني ربما لأسابيع، فكيف ينام من يتوقع مثوله أمام المقرر فجأة. ولكني لن أدعه يهزمني هذه المرة، فكما قرر هو أن يزورني بمنامي، قررت ألا أهرب أمامه في كوابيسي هذه المرة، سأواجهه، أفضحه، عليه أن يعرف بأنه مجرد شخص متغطرس، فارغ، هزيل .. ( يستدرك بحيرة وكأنه محاصر ) بس الأول مو لازم أنام؟؟ شلون راح أنام؟؟ يا يابه .. هاي شلون مصيبة ( يعود للهجته السابقة بعد أن يعدل من هيأته وكأنه يشد أزره ) ولكن سأهزمه، سأنام هذه الليلة بملء جفوني ( يصمت لثوان ) ربما .. إن لطاقة الحب مقدرة عظيمة. بمقدور من يتسلح بها أن يذلل أصعب العقبات. وقد عَرِفْتُ عن الروح التي علمتني استخراج تلك الطاقة من دواخلي والعمل بها، أنها كانت قوية جداً، أقصد الروح، معلمتي، كانت متزنة جداً، متماسكة، فهي لا تعرف الخوف ( يستدرك ) بالمناسبة الخوف كان الدرس الأول الذي تلقيته من تلك الروح، قالت إن الخوف من الإهانة هو الإهانة بعينها، حين تقابل شخصاً تتوقع منه قبح التصرف ووساخة اللسان، عليك ألا تفكر بالإهانة التي يوجهها إليك، فهي ببساطة إعلان مجاني عن سوء تربيته وقبح أخلاقه، بل عليك أن تشتد إذا توقعتها منه لأنك ستردها إليه بأقسى صورها، ستردها وأنت تستخدم الثبات والجلد، ستدافع طاقة الحب عنك وعن نفسها .. سأنتصر على ذلك المعتوه الذي يريد زيارتي هذه الليلة ( تنطلق موسيقى هادئة في أرجاء المسرح بينما يتوجه الممثل صوب مكتبته، يستل كتاباً ويتوجه صوب الأريكة، يفتح كتابه بعد أن يجلس، وبمرور عدة ثوان ينخفض صوت الموسيقى تدريجاً ليبدأ الممثل بالكلام )
الممثل - القراءة قبل النوم أفضل طريقة لقتل الأرق والقلق في آنٍ واحد، هذا ما علمتني إياه تلك الروح المتماسكة، وأتذكر أني في ليلة ماطرة سمعت أخباراً كارثية محزنة كانت تتحدث عن جرائم حدثت في شوارع وأزقة المكان، المكان الذي أنتمي إليه. عندها تلبسني الحزن والقلق، وعز علي النوم بعد أن سيطر على جفوني الأرق والقلق، فسحبت ديواناً شعرياً وأفردت جسدي على هذه الأريكة ورحت أقرأ ( يقوم الممثل بإفراد جسده على الأريكة توافقاً مع كلامه ) قرأت القصيدة تلو القصيدة، وأبحرت في صور مختلفة الأماكن والألوان حتى صرت أشم رائحة الأشياء المصورة في أبيات القصائد، كنت أقرأ مسخراً طاقة الحب أمام كلمات لذلك الشاعر الرقيق، حتى وصلت إلى قصيدة كان عنوانها " الهويات العشر " وحين قرأتها شعرت بالخوف على حياة الشاعر، تصورته يجول الشوارع الغارقة في الظلام ودماء الضحايا، وأن اللصوص والقتلة تتربص به حيناً، وحيناً تقترب منه العساكر لتعتقله، كنت خائفاً من أن يغتاله المقرر بأيادي التكفيريين القذرة، أو رصاصة شرطي يأتمر بأمر مقرر آخر ظن أنه شبح إرهابي يروم زرع عبوة ناسفة، أصابني القلق والخوف عليه وصرت أرتعد رغم أني أعرف بأنه مات منذ زمن، مات قبل أن تعرف شوارع المكان دماء الضحايا وصوت الانفجارات، وبقيت أقرأ حتى غفوت ( يؤدي حركات الاستسلام للنوم وهو يكمل كلامه ببطء يصاحبه علامات الوسن ) وفي حلاوة الغفوة زارني الشاعر وتحدث معي ( تخفت الإنارة على الممثل دون أن تطفأ تماماً لتبقي شكل وملامح الممثل واضحة للجمهور بعض الشيء ويضاء داخل الحاجز القريب من قدميه فيظهر شاخص الشاعر )
الشاعر - أسعدت مساءً يا صديقي المحترم جداً، السيد محترم، لقد تملكني إحساس وأنت تقرأ ديواني بأنك امتداد لنا، نحن شهداء طاقة الحب ( يطلق ضحكة ) أليست عبارة لطيفة؟ ( الممثل يبتسم بوضوح ) أعتقد أنها ألطف بكثير، بل أصدق من عبارة شهداء الوطن، إن طاقة الحب التي استعنت بها في قراءتك لقصائدي، شجعتني على زيارتك والتحدث معك، وما أردت أن أقوله، هو أن هناك الكثير مثلك، يشغل تفكيرهم تسخير طاقة الحب لتكون عنواناً للحياة المقبلة بدلاً من ثقافة الإلغاء، العنوان الحالي لحياتكم اليوم ( يستدرك ) وحياتنا نحن الذين رحلوا تاركين أفكارنا بين أيديكم، إن قصيدتي الأخيرة التي قرأتها منذ قليل، ما هي إلا دليل واضح على أن ما يجري الآن في أزقة وشوارع المكان، هو امتداد طبعي لممارسات الغد، كون أن المقرر قد أستُبدِلَ بمقرر آخر لا يختلف عن سابقيه كثيراً، بل إن الجديد ألعن من القديم لسبب واحد فقط، هو أن الجديد ما زال في بدايته، وهو يسعى إلى اختصار الزمن الذي استغرقه المقرر السابق، فإذا كان سابقة قد أستغرق ربع قرن ليحصد عدد ضحاياه، فإن الجديد حريص على أن يحصد نفس العدد بنصف المدة كي يتفوق على سابقه، هل تعرف يا صديقي النائم بهدوء رغم أنه لا يمتلك ثمن سرير، لماذا كتبت قصيدتي؟ ( يستدرك ) مهلاً، يمكنك أن تتحدث مع القصيدة وتسألها، وهي كفيلة بالإجابة على الأسئلة ( يبدأ الشاعر بقراءة القصيدة )
وخرجتُ الليلة
كانت في جيـبي عشر هويات تسمح لي أن أخرج
هذي الليلة
اسمي بلند بن أكرم
وأنا لم أقتل أحداً... لم أسرق أحداً
وبجيـبي عشر هويات تشهد لي
فلماذا لا أخرج هذي الليلة
..............
كان البحر بلا شطآن
والظلمة كانت أكبر من عيني إنسان
أعمق من عيني إنسان
ورصيف الشارع كان
خلواً إلاّ من صوت حذائي
الممثل - طق .. طق .. طق
الشاعر - أجمع ظلي في مصباح حيناً، وأوزعه حيناً
وضحكت لأني أدركت بأن أملك ظلي
وبأني أقدر أن أرميه ورائي
أن أغرقه في بركة ماء وحل
أن أسحقه تحت حذائي
أن أخنقه طيّ ردائي
الممثل - طق .. طق .. طق
والظل، ورائي ... ورائي ... ورائي
ما أكبر ظلك إنساناً يملك عشر هويات
في زمن .. في بلد لا يملك أي هوية
غنيت.. صفرت.. صرخت.. ضحكت.. ضحكت ، ضحكت
وأحسست بأني أملك كل البحر وكل الليل
وكل الأرصفة السوداء
وأني أجبرها الآن على أن تصغي لي
أن تصبح رجعاً لندائي
أن تصبح جزءاً من صوت حذائي
الممثل - طق .. طق .. طق
ومددت يدي .. ما زالت عشر هوياتي في جيـبي
هذا اسمي .. هذا اسمي
هذا ختم مدير الشرطة في بلدي
هذا توقيع وزير العدل
وقد مد به زهر حز فمي
وأطاح بسن من أسناني
خدش بعضاً من عنواني
وخشيت عليَّ .. فبلعت لساني
------------
ومعي سبع هويات أخرى
أقسم لو مر بها جبل، أحنى قامته، ولقال هي الكبرى
عن شعري، عن أدبي، عن فني
ولأني
أحمل عشر هويات في جيـبي
غنيت، صفرت، صرخت، ضحكت، ضحكت، ضحكت ..
ما أكبر ظلك إنساناً يحمل عشر هويات في عتمة ليل
عشر هويات في زمن، في بلد لا يملك أي هوية
-------------
في اليوم الثاني
كان ببابي شرطيان
سألاني من أنت؟
أنا بلند بن أكرم، وأنا من عائلة معروفة
أنا لم أقتل أحداً، لم أسرق أحداً
وبجيـبي عشر هويات تشهد لي وبأني
.... فلماذا؟
ضحكا مني.. ومن كل هوياتي العشر؟
ورأيت يداً تومض في عيني تسقط ما بين الخيبة والجبن ( تنطلق من الكواليس جلبة وأصوات توحي بأن هناك أمر جلل بينما يبقى الممثل على هيئته النائمة )
أصوات متداخلة - وخِّر .. سوي طريق .. أمشي .. ابتعد .. هذا موكب السيد .. سيدي الطريق آمن .. منو هذا
واگف هناك .. وخروه .. شيلوه .. هذا شاعر ميت سيدي .. السطوح آمنة .. الشوارع خالية .. الأبواب مغلقة .. تفضل سيدي .. شيلوا هذا الشاعر ذبوه برَّه ( صوت متماسك يوحي بالسلطة ) .. حاضر سيدي .. أمرك سيدي .. ولك أنت شتسوي إهنا؟ ( يهرب شاخص الشاعر ويبقى المكان خالياً لثوان ثم يظهر شاخص المقرر )
المقرر - ( يطلق ضحكة ساخرة ) نايم إبن الكلب!! ولك لو ما آني وقراراتي التاريخية الصائبة، چان نمت هاي النومة الحلوة؟ طبعاً لا، چان الأعداء احتلوا البلد وصرت إنت وغيرك من شهداء الوطن ..
الممثل - ( يقاطع ) الأعداء الذين تتحدث عنهم، هم أعداؤك أنت، وليسوا أعداء الناس، أعداؤك يرأسهم مقرر متغطرس مثلك، ومثلك يحيطون به جمع من السذج ..
المقرر - ( يطلق ضحكة حاقدة ) مو مشكلة، خلوه يحچي على راحته، خطيه حلمان، بس آني ما زاعجني غير كلامه بالفصحى، الحيوان حتى بالنوم يحچي بالفصحى، خطيه مثقف هاهاههاهاههاها
الممثل - المثقف يا هذا، هو عدوك الأول، عدوك الذي لا تجرؤ الإعلان عنه إلا حين تلصق به تهمة الخيانة والعمل لصالح قوى أجنبية، لأنه يعرف الكثير عن خفاياك ودسائسك ومخططاتك، فللمثقف القدرة التحليلية التي تعوزك ومن حولك. إنه الضمير الذي يعوزك ويقلقك دوماً، فرحت محاولاً شراءه بشتى الطرق، ونجحت بمسعاك، اشتريت منهم الكثير، ولكن عليك أن تعلم بأن أي مثقف يرضى العمل بهدف خدمتك تكون صفة الإبداع قد انتزعت منه في يوم عمله الأول ( تطفأ الإنارة في الحاجر الذي يتواجد فيه المقرر بينما يستمر الممثل بكلامه ) ويكون قد فقد قدرته التحليلية التي كان يتمتع بها، بل يصبح مغرماً مهووساً بشعاراتك وتنظيراتك الخاوية، ولا يخجل من الإفصاح عن أمنياته بقتل كل من يقف ضدك، ليس حباً بك، بل خوفاً من أن يكشف الآخر زيفه ومحبته الدسمة لك ( إضاءة في الحاجز الآخر القريب من رأس الممثل يظهر شاخص رجل واقف، يبدأ بالكلام )
الشاخص - خلاصة القول، أن المثقف التابع للرزاق المقرر، الواحد المنظّر، وليكن شاعراً، أقصد يقرض الشعر وليس شاعراً بالمسؤولية، يكون في الحقيقة قد خضع لعملية تحويله، فتحول من مفكر حر إلى تابع، عبد ذليل، وبهذا فإن تصنيفه الأساس يكون قد سُحب منه تلقائياً، كيف لا وهو الذي رضا استبدال دواخله ليحتل محلها الناظم المتمسك بمورد رزقه، وما يرمي له سيده من فتات عظام موائده الباذخة. أي أنه رضيَ أن يكون أجيراً مهمته النفخ في قربة غرور سيده المقرر وجلاوزته، ونراه يكتب دغدغات تداعب ذكورية سيده الذي يطرب لها منتشياً ويتأوه لها حتى تستمني روحه قاذفة حقدها على كل من رفض الانضمام إلى حاشيته من المرتزقة العارفين بفعل القلم. ( يبدأ الممثل بتحريك جسده ورفع رأسه للنظر صوب الحاجز المضاء، ثم يوزع نظراته بسرعة المذهول الذي يريد التأكد من صحة الموقف بين الحاجزين، ثم ينحني بجذعه خلف الأريكة ليسحب دمية يضعها مكانه حيث كان نائماً، ليوحي بأن روحه هي التي تتحرك بينما جسده مازال نائماً بينما الشاخص مستمراً في كلامه ) تلك هي طريقة تحضير الأرواح المسخ التي استحدثتها ماكينات الدجالين من مطلقي الشعارات الزائفة، ماكينات الواحد المنظّر، الرزاق المقرر .. وأتذكر أن في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كتب أحد المفكرين في رواية له حيث قال: كل فكرة زائغة خطرة. إن الخياليين يُحْسَبون مكفوفي الأذى، وهذا خطأ، لأنهم يرتكبون شراً كبيراً، فالخيالات التي هي في الظاهر أقل ضرراً هي في الواقع سيئة مؤذية تغري المرء بأن يعاف الحقيقة .. يعني بصريح العبارة كان يريد ذلك المفكر أن يقول: إن شعارات المقرر تشكل خطراً كبيراً على وضوح الحقيقة. ( تطفأ الإنارة داخل الحاجر فيختفي الشاخص )
الممثل - ( يؤدي دوره وكانه في حلم مزعج، كابوس ) كيف هذا؟، كيف يحدث أن شخصاً غيري يتحدث مع المقرر بهذه الصراحة وهذه القسوة، أين ذهب ذلك المقرر اللعين، ربما فر بعد أن عرف الحقيقة ( تنار الإضاءة داخل الحاجز الأول فيعود شاخص المقرر حيث كان دون أن ينتبه له الممثل المنشغل بحيرته وكلامه ) لا، إنه يعرف الحقيقة، يعرفها جيداً، فلقد فعلها كل الذين سبقوه
المقرر- ( يطلق ضحكة صاخبة فينتبه الممثل لوجوده ) ولك إنت صحيح حمار، هاهاهاها، لو ما حمار، كان ما اعتقدت بأني هربت، أنا البطل المغوار باني مجد البلاد، أهرب؟!!!، ومِن مَنْ؟ من جريذي قذر مثلك، ولك والله العظيم لو ما الشغلة مجرد حلم، كان صلخت جلدك وسويت منه أحذية للحماية
الممثل - من ذاك الذي كان يتحدث منذ قليل؟
المقرر - هذا واحد خائن، كان مسجون عندي لأنه ما يعرف يكتب شعر نظيف، وبعدين اتمرض ووصل للموت، فأشفقنا عليه وأطلقنا سراحه حتى يموت بعيد عنا، بس الملعون طلع بسبع أرواح، وقدر ينهزم من البلاد ويعيش بحضن الإمبريالية ..
الممثل - ليس هناك خائن غيرك، وأنت تعرف هذه الحقيقة، فأنت سبب مصائبنا، أنت من قتل طاقة الحب داخل أرواح من يحملوها، قتلتها عند الأطفال حين قررت تجويع آبائهم كي يمتهنونهم في أشغال حقير تدر عليه دراهم حقيرة تاركين مقاعدهم الدراسية وأحلامهم، أنت تخشى طاقة الحب من أن تتحرك داخلك أولاً فتكون رؤفاً رحيماً، تخشى أن يكبر الأطفال وهم متعلمون مدركون لما تغمز له في شعاراتك الزائفة وتصريحاتك الوقحة، قتلت الحب داخل النساء ووضعت ثمناً لأزواجهن، فصار بعضهن يتمنين بيع أزواجهن كي يحصلن على الثمن طمعاً بحرية زائفة أطلقتها أنت في شعاراتك الخداعة المخدرة
المقرر - ( يطلق ضحكة مجلجلة ) لك بابا آني شعليه، إذا هنَّ إملعبات ويريدن ايبدلن أزواجهن بسرعة، ايريدن واحد جديد مليان شباب، آني كل الي سويته وضعت سعر معقول إلى كل رجل يذهب إلى القتال دفاعاً عن الوطن الغالي، وهنَّ ما صدگن، گامن يدفعن الرجال بالگوة حتى يروح أيموت
الممثل - أنت من أوقد النار، أنت من يشعل فتيل الحروب ويلقي البشر في محرقتها، متخذاً من الوطن ذريعة للموت
المقرر - ( بتذمر ) هاي شلون شغلة؟؟ هم گام يحچي بالفصحى؟؟ ولك إنت ليش ما اتصير عاقل وتحچي مثلنا؟ بس مو مشكلة الشغلة حلم بحلم، اخذ راحتك عيوني، بعدين أعلمك ( يستدرك ) المهم يا مثقف، أسمع مني زين، بما أن الموضوع مجرد حلم، راح أتكلم وياك بصراحة، أنا أتفق معاك بأنك على حق، ولكن شنو الحل؟ إذا آني رحت، يجي واحد غيري وتبدأ القصة من جديد، يذبح ويصلخ وينهب، يعني المشكلة هيه هيه، فأنت ليش ما اتصير عاقل وتخليك وياي؟؟ ( يعود الممثل إلى الاستلقاء على الأريكة بعد أن يعيد الدمية خلف الأريكة بينما المقرر مستمراً بالكلام ) والله إذا صرت وياي أخليك فوگ، فوگ، وتصير شخصية شبعانة، مو جربوع ما عنده مكان زين اينام بي، ليش أنت عبالك هذي الكوابيس إلي اتشوفها بالنوم بسببي؟؟ مو أگلك حمار، يا حمار هاي بسبب نومتك السخيفة على هاي القنفة الحقيرة. المهم اتصير عاقل تربح، وإذا ردت تبقى حمار إنت الخسران، لأنه آني مايهمني شيء، واللي أريده أسويه غصباً عنك وعن أبوك أبو منية ( يطلق ضحكة عالية ) مسكين ظل طول عمره يحلم بولد، ميدري راح ايجيب واحد حمار، بعدين لا تنس أفضالي عليك، أنا الي علمك ودخلك بالمدارس ( يبدأ بالكلام وكانه يلقي خطاباً ) هذا الوطن المحروس هو الذي علمك، وأنا رمز الوطن وباني مجده، أنا من بذل الأموال لتعليمك، فهل يحق لك أن تفكر بي بهذه الطريقة الجحودة؟
الممثل - نعم، في مملكتك قرار للتعليم، ولكن وجود ذلك التعليم أو عدمه سيان، فهل لك أن تجيبني عن سبب وصول نسبة الأمية إلى 60 أو 70 في المئة في منطقة قرارك؟ لا تتلعثم كثيراً، أنا أجيبك، لأنك تعرف أن الفصل الواحد في مدارسك ينحشر فيه بين 60 إلى 120 طالب، صف لا تتجاوز مساحة عن 20 متر مربع، صفوف دراسية تشبه تماماً زنازينك العديدة، في حين أن مكتبك يتسع لمئات الدمى، رغم أنك وحدك من يشغله، أنت فقط في أغلب الأحيان
المقرر - ( بتمسكن ) يا أخي أنتو هواي، ملايين، وأني وحيدي، يعني امنين أجيب؟ خليك منصف شوية، تره والله أنت لعبت نفسي ( يتحرك ويهم بالذهاب ) يالله ياجماعة، خلو هذا الحمار نايم، عدنا شغل كلش مهم ..( تطفأ الإنارة داخل الحاجز وتبقى الإنارة الخافتة المسلطة على الممثل لثواني ثم تتغير تدريجياً حتى تسطع .. الممثل يقوم بحركات متشنجة توحي بأنه ما يزال تحت تأثير الكابوس. ثم تنطلق موسيقى هادئة فيهدأ جسده وتتلاشى حركته تدريجياً )
الممثل - ( يتكلم وكأنه يهذي في نومه ) الله .. موسيقى .. الموسيقى .. كم هو جميل الإصغاء إلى موسيقى الروح، الإصغاء إلى موسيقى الأشياء لمعرفة مقدار الحب والصفاء الذي تكتنزه، الإشارات الموسيقية التي تهبها لنا الحياة كإشارات نترجمها صور ومواقف .. موسيقى الضحكات والتنهدات، موسيقى الأشجار والرعد والمطر، موسيقى الطبيعة، موسيقى القمر ورقصاته، هديل الحمام والزقزقات والتغريد والصفير، موسيقى وقع أقدام، خطوات خائفة، خطوات راكضة، خطوات هاربة ( يستيقظ بفزع ثم ينادي ) هي أنت!! أيها المقرر، لماذا تهرب؟ لم أكمل كلامي بعد، كنت أريد أن أقول لك بأنني أعرف كل دسائسك وخبثك، أعرف أنك تأخذ أطفال المدارس من مقاعدهم الدراسية لتلقي بهم في محرقة الحرب، تفجر بهم الألغام، وأنك تدفع للأطباء رواتب شهرية تافهة كي يلتجئوا إلى الاحتيال والنصب على البسطاء، وكثيراً منهم تحول إلى جراحة التجميل، فصاروا يحشون صدور الأمهات بالسليكون ليتعذر عليهن رضاعة أطفالهن، أنت تقتل الطفولة أقصد طاقة الحب في كل دقيقة، وأعرف أيضاً أن زوجتك تحضى بحرية عظيمة بعد أن ألم بك العجز، ترى ما هي الوظيفة الرسمية التي تشغلها زوجتك؟ زوجة المقرر؟ ( يبتسم هازئاً ) هل سمعت من قبل بوظيفة رسمية بهذا الأسم؟ تحضر المؤتمرات وتشكل الجمعيات وتمنح الجوائز، والمشكلة الأدهى أنها تصب اهتماماتها إعلامياً!! إعلامياً ها !! بالأطفال من اليتامى والمصابين بالأمراض المزمنة، أي أنها تتاجر بأرواح أضعف البشر. ( يستدرك فزعاً ) يا إلهي ما هذا؟ ما هذا الذي أقوله؟ هل جننت؟ أنا لست نائم، لقد انتهى الحلم، ربما سمعني أحدهم ( يتلفت يميناً وشمالاً ثم يهمس لنفسه ) لا لا ماكو شي، أكيد محد سمعني ( يغير من لهجته ) من المؤكد لو أن أحداً قد سمع كلماتي، لكنت الآن سابحاً ببركة من دمي في هذا المكان الرطب، ولكن رغم هذا عليَّ أن أحتاط للأمر، عليَّ العودة إلى الأريكة وأمثل النوم ( يتجه إلى الأريكة ويضطجع بجسده سريعاً ثم يغفو حين تنطلق أنغام موسيقية هادئة وعند مرور وقت قصير ينخفض صوت الموسيقى وتضاء إحدى الحواجز فيظهر شاخص يعتمر قبعة تميزه ويبدأ بالحديث )
الشاخص - أعرف يا صديقي أنك مشغول بمهمة كشف الحقيقة، حقيقة الحب المهزوم أما الممارسات القبيحة التي يمارسها المتسلطون، وأعرف أنك تدرك أن المفكر الباحث عن الحقيقة لا يصح أن يفقد الحب كطاقة تحركه وتدفعه صوب الخير، وأن عليه أن يواجه أماني وحماقات الناس بلا تكبّر، وليس له مع ذلك أن يجعلها تتملكه وتسيطر عليه، وتعلم أن الفرق بين الحكيم والدجال، بين الكاهن والمدعي، بين الأخ المُعين والمستغل المتطفل، خطوة واحدة، وأن الناس قد تغيرت أهواؤهم بسبب الكوارث التي صبها عليهم المقررون وصاروا يفضلون أن يدفعوا للص وأن يستسلموا للدجال، على أن يقبلوا معونة مجانية تقدم لهم مخلصة بلا أنانية، ويفضلون الدفع بالمال والبضاعة على الدفع بالثقة والحب. وإنهم يخدعون بعضهم البعض، ويتوقعون أن يقعوا في الخديعة. كان من الضروري أن يتعلم المرء النظر إلى الإنسان نظرته إلى كائن ضعيف أناني جبان وأن يفهم مدى اشتراكه في هذه الصفات والدوافع الشريرة. ومع ذلك أن يعتقد ويوطد نفسه على أن الإنسان فكر وحب أيضاً ( تطفأ الإنارة داخل الحاجز بينما يقوم الممثل بترديد بعض كلمات الشاخص وهو في حالة النوم )
الممثل - أنا أدرك أن المفكر الباحث عن الحقيقة لا يصح أن يفقد الحب كطاقة تحركه وتدفعه صوب الخير، وأن عليه أن يواجه أماني وحماقات الناس بلا تكبّر ( تضاء الإنارة داخل الحاجز الآخر فيظهر شاخص حاسر الرأس ماسكاً بعصا، يبدأ بالحديث بعد أن ينتهي الممثل من كلامه )
الشاخص - إن الأخطار والكوارث التي مرت بنا، نحن أبناء هذه الأرض، لجديرة في منحنا الفرصة للتأمل، حتى نصبح في موقع يجعلنا نرى المستقبل، المستقبل الذي ينذر باستمرار الكوارث وتزايدها بمسببات أخرى ربما لا نعرف لها أسماء في وقتنا الحاضر، ومن أجل أن نحتاط لما هو قادم، علينا أن نحرك طاقة الحب ونجلسها في مكانها الصحيح، المكان الذي احتلته ثقافة إلغاء الآخر منذ قرون، علينا أن نخرج من سلبيتنا، فلربما يفكر المرء بأنه في وقته الحالي يعيش في بحبوحة أمن، أو ربما يفكر بأنه يموت قبل حدوث الأسوأ ، ولكن هذا من شأنه تدمير ما بناه هو والآخر من قبله، وهذه السلبية في حقيقتها، مشاركة فعلية في تفشي الجريمة، جريمة ثقافة الإلغاء، علينا أن نحجِّم نفوذ المقرر بهدف إضعافه ومن ثم اختفائه كلياً وإلى الأبد، علينا أن نتوج طاقة الحب ونجلسها على عرش الحياة. ( تطفأ الإنارة داخل الحاجز بينما يقوم الممثل بترديد بعض كلمات الشاخص وهو في حالة النوم )
الممثل - إن الأخطار والكوارث التي مرت بنا، نحن أبناء هذه الأرض، لجديرة في منحنا الفرصة للتأمل، حتى نصبح في موقع يجعلنا نرى المستقبل، علينا أن نحرك طاقة الحب ونجلسها في مكانها الصحيح، المكان الذي احتلته ثقافة إلغاء الآخر منذ قرون ( تضاء الإنارة داخل الحاجز الآخر فيظهر شاخص امرأة، تبدأ بقراءة شعرية بعد أن ينتهي الممثل من كلامه )
الشاعرة - وفتىً هنالكَ في انطواءْ
يأبى الرقادَ ولم يزلْ يتنهدُّ
سهرانَ يرتقبُ النجومْ
في مقلتيه برودةٌ خطَّ الوجومْ
أطرا فَهَا .. في وجْهه لونٌ غريبْ
ألقتْ عليه حرارةُ الأحلام آثارَ احمرارْ
شَفَتاهُ في شبهِ افترارْ
عن شِبْهِ حُلْمٍ يفرُشُ الليلَ الجديبْ
بحفيفِ أجنحةٍ خفيّاتِ اللُحونْ
عيناهُ في شِبْهِ انطباقْ
وكأنها تَخْشَى فرارَ أشعةٍ خلف الجفونْ ( تطفأ الإنارة تماماً في جميع أرجاء المسرح بينما
أو أن ترى شيئاً مقيتاً لا يُطَاقْ تستمر الشاعرة بتلاوة قصيدتها )
الممثل - ( يأتي صوته منخفاً بحيث لا يؤثر على وضوح كلمات الشاعرة، يكون صوته وكأنه صدى لصوت الشاعرة، يتلو كلماته وكأنه يغني، ) أهٍّ أيتها الشاعرة الراحلة، كم من الحب تكتنزه روحك الحالمة، آهٍ يا نازك، يا خادمة الحب وعاشقة السماء والنجوم والنيازك ( ثم يبدأ بغناء مقاطع من القصيدة التي تتلوها الشاعرة، ويستمر بالغناء حتى بعد أن تنتهي الشاعر من تلاوة أبياتها )
الشاعرة - هذا الفتى الضَّجِرُ الحزينْ
عبثاً يحاول أن يرَى في الآخرينْ
شيئاً سوى اللُغْزِ القديمْ
والقصّةِ الكبرى التي سئمَ الوجودْ
أبطالها وفصولها ومضَى يراقبُ في برودْ
تَكْرارَها البالي السقيمْ
هذا الفتى.....
وتمرُّ أقدامُ الَخفيرْ
( تنطلق وسط الظلام جلبة ووقع أقدام وهمهمات توحي باقتحام المكان من قبل العسكر فيقطع الممثل غناءه )
صوت - ( يصرخ بوحشية ) وينه هذا إبن الكلب، وينك يا جبان، يا خائن، وصلت بيك الوقاحة أن تتطاول على زوجة سيدنا المقرر .. الزموه .. لا تخلوه ينهزم .. ( ضربة واحدة صاخبة تعلن نهاية المشهد )
( إنارة في جميع أرجاء المسرح، يظهر عندها المكان خالياً من البشر تماماً، حينها تنطلق أغنية " شادي لفيروز " مصحوبة بتلاوة الممثل لأبيات قصيدة شعرية، تستمر الأغنية وتلاوة الممثل حتى نهاية الأغنية ثم يسدل الستار )
الممثل - ( يتلو الأبيات مع بداية أغنية شادي )
هذا الفتى الضَّجِرُ الحزينْ
عبثاً يحاول أن يرَى في الآخرينْ
شيئاً سوى اللُغْزِ القديمْ
والقصّةِ الكبرى التي سئمَ الوجودْ
أبطالها وفصولها ومضَى يراقبُ في برودْ
تَكْرارَها البالي السقيمْ
ستار

0 التعليقات:
إرسال تعليق